Skip to main content

Full text of "لقيطة اسطنبول إليف شافاق"

See other formats


n 
ا‎ 
o 
3 
a 
O 
ص‎ 


اليف شافاق 


روايه 


ترجمة: خالد الجبيلي 


منشورات الجمل 


Twitter: @ketab_n 


إليف شافاق: لقيطة إستانبول 


Twitter: @ketab_n 


إليف شافاق: لقىطة إستانبول»ء رواية - ترجمة: خالد الجييلي 
Elif Shafak: The Bastard of Istanbul, 2007‏ © 
الطبعة الأولی ۲٠١٠۲‏ 
كافة حقوق النشر والترجمة والاقتباس 
محفوظة لمنشورات الجمل»› بغداد - بیروت ۲٠١٠۱۲‏ 
تلفون وفاکس: ۳۰٥۹۲۲۰ ٤‏ ۔ ۰۱ ۔ ۰۰۹٦۱‏ 
ص.ب: ٩ ٤۳۸‏ - ۱۱۲ بیروت - لبنان 


© A4I-Kamel Verlag 2012 
Postfach 1127 - 71687 Freiberg a. N. Germany 
www.al-karnel.de 
E-Mail: alkamel.verlag @ gmail.com 


Twitter: @ketab_n 


لا يجوز أن تلعني أي شيء يهطل من السماء» حتى لو كان مطراً. 

فمهما كان المطر غزيراًء ومهما كانت السماء ملبّدة بالغيوم» أو مهما 
كان الجليد يكسو سطح الأرض» لا يجوز أن تتلفظي بكلمات نابية لأي 
الرصيف» وتكاد حركة السير الشديدة الاكتظاظ في الشارع أن تكون قد 
أصيبت بالشلل. كانت منذفعة بسرعة لتلحق تموعداً تأخرت عليه الآنء 
فراحت تسب وتلعن بكلمات بذيئة» وتفحَ كالأفعى وهي تطلق اللعنة تلو 
الأخرى على أحجار الرصيف المكسورة» وكعب حذائها العالي» والرجل 
الذي يطاردها» وجميع السائقين الذين يطلقون أبواق سياراتهم على نحو 
سور EE r TS‏ 
تؤدي إلى انفراج حركة المرور المكتظةء ولا تؤثر عليهاء كما لم تؤثر 
a U SES a a‏ 
بخطنها. وهي لا تؤثر كذلك على المطر. . . المطر الصيفي اللعين هذا. 

إن المطر معاناة حقيقية هنا. أما في بقاع العالم الأخرى»ء فإن هطول 
المطر يعتبر في جميع الإحتمالات نعمة للجميع سواء كانوا أشخاصاً أم 
جماداً - فهو مفيد للمحاصيل» ومفيد للحيوانات والنباتات» وإذا أضيفت 


Twitter: @ketab_n 


إليه لمسة من الرومانسيةء فهو جيد للعشاق . أما في إستانبولء فليس الأمر 
كذلك. إذ ليس من الضروري» بالنسبة لناء أن يكون المطر شيئاً يتعلق 
بالبللء ولا شيئاً يرتبط بتلويث الثياب وتوسيخها وتلطيخها بالطين. وإن 
كان يعني شيئاًء فهو يعني أن تغضب. إنه عبارة عن وحل وفوضى 
وغضب. وكأنه لا يوجد لدينا ما يكفينا من هذه الأشياء الثلاثة . والكفاح . 
فهو يعني أن تكافح باستمرار. فمثل قطط صغيرة ألقي بها في دلو مليء 
بالماءء نحارب» نحن الملايين العشرة جميعنا»ء معركة عقيمة ضد 
القطرات . ولا نستطيع أن نقول إننا وحيدون في هذا الصراع» بل تدخل 
معنا أيضاً في هذه المعركة الشوارع بأسمائها العتيقة المكتوبة على لوحات 
من الصفيح» وشواهد قبور العديد من الأولياء المتناثرة في كل مكان» 
وأكوام الزبالة المكدسة في كل زاوية تقريباً» وحفر الأبنية الضخمة التي 
سرعان ما ستنتصب بنايات حديثة متلألئة » والنوارس. .. إنها تثير غضبنا 
جميعنا عندما تفتح السماء أبوابها وتبدأ تبصق فوق رؤوسنا. 


لكن ما أن تلامس الأرض آخر القطرات» وعندما تجثم قطرات أخرى 
ترتعش بقلق فوق أوراق الأشجار التي زال عنها الغبار الآنء في تلك 
اللحظةء عندما لا تكون واثقاً تماما من أن المطر قد توقف أخيرأًء بل ولا 
يكون المطر نفسه واثقاً من أنه توقف» في تلك الفترة الفاصلة» تصحو 
السماء وتغدو صافية . ولدقيقة وأاحدة طويلة› تبدو السماء وکأنها تعتذر عن 
الفوضى التي أحدثتها لنا. ونعودء والقطرات لا تزال عالقة في شعرناء 
والوحل الرقيتق عالق فى ثنايا بناطليناء والكآبة بادية فى أعينناء نعود 
ونحدّق في السماء التي أضحت الآن ظلاً لازوردياً أرق وأصفى من أي 
وقت مضى . ننظر إلى الأعلى» ولا نتمالك أنفسنا إلا أن نبادلها الابتسامة. 

أما الآن» فلم يتوقف المطر عن الهطول بغزارة» ولم يكد يتبقى في 
قلب زليخة أية مشاعر من الصفح والغفران. فهي لم تكن تحمل مظلة» 


Twitter: @ketab_n 


لأنها ليست بلهاء إلى حد أن تلقي بحفنة من النقود إلى بائع متجول آخر 
لتشتري مظلة أخرى» ثم تنساها في مكان ما بعد أن تشرق الشمس من 
جديد» لذلك فهي تستحق أن يبللها الماء حتى العظم. كما أن الآوان قد 
فات الآن على ذلك . فقد تبللت من قمة رأسها حتى أخمص قدميها. كان 
هذا هو الشيء المتعلق بالمطر الذي تشبّهه بالحزن: إذ إنك تبذل قصارى 
ما بوسعك لكي لا يلمسك شيءء وأن تظل سليماً وجافاًء لكنك إذا 
فشلت» وعندما تفشل» تأتي اللحظة التي تبدأ ترى فيها المشكلةء لا 
كقطرات» بل كسيل جارف» ولذلك تقزر أن تتبلل حتى العظم . 

قطرات المطر تتساقط من ضفائرها السوداء الملقاة على كتفيها 
العريضين. ومثل جميع نساء عائلة قازانجي» ولدت زليخة بشعر أسود 
فاحم أجعد» لكنها بخلافهن جميعهن» كانت تحب أن تبقيه هكذا. 
وكانت بين الحين والآخر تغخمض عينيها الزرقاوين المائلتين إلى اللون 
الأخضر» اللتين تكونان عادة مفتوحتين على وسعيهماء المتوهجتين بشعلة 
من الذكاء» تغمضهما نصف إغماضة» فتصبحان مثل خطين لا مباليين 
يميّزان ثلاث فئات من الناس وهم: السذج الذين لا أمل يرجى منهم» 
والمنطوون على أنفسهم على نحو يائس» والمفعمون بالأمل بشكل يائس . 
وبما أنها لا تنتمي إلى أي من هذه الفئات الثلاث› کان يصعب فهم هذه 
اللامبالاةء حتى لو كانت مثل هذه الومضة الخاطفة. ففى لحظة تكون 
هناء تغلف روحها طبقة من عدم الإحساس المخدّرء وفي لحظة تاليةء 
تذهب وتبقی وحدها في جسدها. 

هذا هو الشعور الذي كان يتملكها في يوم الجمعة ذاك أول يوم 
جمعة من شهر تموز» الشعور بأنها فقدت الإحساس وكأنها خدّرت» مزاج 
يتآكل بقوة غريبة في شخص مفعم بالحيوية مثلها. هل يمكن أن يكون هذا 
هو السبب الذي جعلها لا تكترث مطلقاً بمواجهة المدينة اليوم» أم أن 
المطر هو السبب؟ وفيما كانت لامبالاتها المتأرجحة» التي تصعد وتهبط 


Twitter: @ketab_n ۷ 


في إيقاع من تلقاء نفسهاء كان بندول مزاجها يتذبذب بين قطبين 
متعاكسين : من نقطة التجمّد إلى نقطة الاستشاطة غضباً. 

انطلقت زليخة تشق طريقها بين باعة الرصيف الذين يبيعون مظلات 
ومعاطف واقية من المطر وأغطية للرأس من النايلون بألوان براقة» والذين 
راحوا یرمقونها باستغراب . تجاهلت نظراتهم» تماما كما تتجاهل نظرات 
جميع الرجال الذين يحدقون في جسمها بنهم . 

وكان الباعة أيضاً يحدقون باستهجان فى حلقة أنفها اللامعةء وكأن 
وجودها في هذا المكان دليل على انحرافها وابتعادها عن الحشمة» لذلك 
فهي ليست إلا دليلاً على شبقها. وكانت تتباهى بهذه الحلقة بصورة خاصة 
لأنها صنعتها بنفسها. فقد آلمتها عماية الثقب» لكنها وضعت هنا لتبقى› 
وكان هذا هو أسلوبها. ورغم مضايقة الرجال» أو نظرات النساء الأخريات 
المليئة باللوم والاشمئزازء ورغم استحالة السير فوق بلاطات الرصيف 
المكسورة» أو القفز فوق العبّارات» بل رغم تذمر أمَها المتواصل. . . لم 
تكن ثمة قوة على الأرض يمكنها أن تمنع زليخة» أطول معظم النساء في 
هذه المدينةء من ارتداء تنورات قصيرة ذات ألوان برَّاقة» وبلوزات ضيْمَة 
تكشف عن صفحة صدرها الممتلئ» وجوربها الساتان» ونعم» وهذا 
الحذاء ذو الكعب العالي الشاهق . 

الآنء وبعد أن وطأت قدماها بلاطة مخلخلة أخرى» وبعد أن رأت 
بركة الوحل تحتها ترش لطخاً داكنة من الطين على تنورتها بلون الخزامى» 
أطلقت زليخة العنان لسلسلة طويلة أخرى من اللعنات والشتائم . فقد كانت 
المرأة الوحيدة في عائلتها كلهاء وواحدة من النساء التركيات القليلات› 
اللاتي يستخدمن هذه التعابير غير المهذبة بدون تحفظ» وبصوت مرتفع› 
وبتعمد وعن معرفة؛ لذلك» عندما كانت تلعن وتشتم» كانت تواصل 
طريقها وكأنها تعض عن جميع الأشياء الأخرى. ولم تكن هذه المرة 
مختلفة عن سابقتها. ففيما أخذت تجري» راحت زليخة تشتم إدارة 


Twitter: @ketab_n 


البلدية» في الماضي والحاضرء لأنها منذ أن كانت فتاة صغيرة» لم تشبت 
أو تصلح هذه البلاطات في الأيام الماطرة. لكنها كانت تتوقّف فجأة» قبل 
أن تنهي شتائمهاء وترفع ذقنها عالياً وكأنها سمعت أحداً ينادي اسمهاء 
لكنها بدلاً من أن تتطلع حواليها لترى من يناديهاء كانت تنظر عابسة إلى 
السماء المليئة بالسحب والدخان. تضيّق عينيهاء وتطلق تنهيدة تنم عن 
مشاعر مختلطة» ثم تطلق العنان لشتائم أخرى» لكن هذه المرة للمطر. 
وحسب قواعد جذتها ما - الهيفاء» غير المدونة التي يجب ألا تخرقهاء فإن 
هذا يعتبر كفراً وتجديفاً صرفاً. قد لا يعجبك المطر» وليس بالضرورة أن 
بعك لکن مهما انت الظروف: يجب الا تلحثى شيا بزل هن 
السماء» لأنه لا ينزل شيء من الأعلى من تلقاء نفسه» بل إن الله العلي 
القدير وراء كل شيء ينزل من الأعلى . 

من المؤكد أن زليخة كانت تعرف قواعد الجدَّة ما الهيفاء» غير 
المدؤنة والتي كان يستحيل خرقهاء لكن في يوم الجمعة هذاء أول يوم 
جمعة من شهر تموز» خطر لها أن تضرب بهذه القواعد عرض الحائط . 
فإن ما قيل قد قيل» تماماً كما أن ما تم في الحياة قد تم وولى الآن. لم 
يكن لدى زليخة الوقت لكي تعبر عن أسفها. فقد تأخرت على موعدها مع 
الطبيب النسائى. فليست هذه مغامرة تافهة» وخاصة إذا رأيت أنك قد 
تأاخرت عن موعدك مع الطبيب التسائي» فمن الممكن أن تلغي مود 
ولا تذهبي على الإطلاق . 

فجأة» توقفت بالقرب منها سيارة تاكسي صفراء امتلا رفرافها الخلفي 
بملصقات كبيرة. وكان السائق» الشديد الس ذو القسمات الفلةء 
الذي كان له شارب يشبه شارب زاباتا"» وسن أمامية مصنوعة من 
الذهب» والذي ربما كان يغتصب النساء بعد انتهاء عمله» قد أنزل جميع 


(۱) اتر مکسیکي قاد ثورة من أجل الإصلاح الزراعي (۱۸۷۹ ۔ ۱۹۱۹م). 


Twitter: @ketab_n ۹ 


نوافذ السيارة» وانبعث صوت مادونا ملعلعاً وهى تغنى «مثل عذراء» تبثها 
تقليديته» والموسيقى غير التقليدية التي يستمع إليها. أوقف سيارته فجأة» 
وسُمع صوت صرير الفرامل» ومد رأسه خارج النافذة» وقال لزليخة وكأنه 
ينبح بعد أن صمّر لها: «أريد أن آكل بعضاً منه!» لكن زليخة أخرست 
الكلمات التالية التى كان سيتفوه بها. 

«ما خطبك» أيها المعتوه؟ ألا تستطيع أن تمشي امرأة بسلام في هذه 
المدينة؟». 

«لكن لماذا تمشين عندما يمكنك أن ترکبي معي؟ «سألها السائق» ثم 
أضاف : «من المؤكد أنك لا ترغبين فى أن يتبلل هذا الجسد المثير». 

وفيما كانت مادونا تزعق بأعلى صوتها من المذياع؛ بدأ خوفي يتلاشى 
بسرعة» وأحتفظ به كله لك»» بدأ سيل الشتائم ينطلق من فم زليخة» 
وبذلك تكون قد خرقت قاعدة غير مدوّنة ويستحيل خرقها مرة أخرى» 
هذه المرة ليست قاعدة من قواعد جدَتها ما- الهيفاء» بل إحدى قواعد 
الحصافة الأنثوية . لا تشتمى الشخص الذي يتحرش بك. 


القاعدة الذهبية لحصافة المرأة الإستانبولية : عندما يتحرش بك أحد في 


الشارع» لا تستجيبي له على الإطلاقء لأن المرآة التي ترذ على المتحرش 
بهاء ناهيك عن شتمه» ستثیر حفبظته! 


كانت زليخة تعرف هذه القاعدة حق المعرفة» وكانت تعلم أنه من 
الأفضل لها ألا تخرقهاء لكن يوم الجمعة هذاء أول يوم جمعة من شهر 
تموز لم يكن مثل أيام الجمعة الأخرىء فقد كان ثمة شيء يمور في 
داخلها الآن» وقد أضحت أكثر اندفاعاً وتهوراً وغضباً على نحو يثير 
الذعر. فقد كانت زليخة الأخرى هي التي بدأت تشغْل معظم فضائها 
الداخلي الآنء وهي التي أخذت بزمام أمورهاء وبدأت تتخذ قرارات 


Twitter: @ketab_n ٠ 


بالنيابة عنهما. ولا بد أن هذا هو السبب الذي جعلها تلعن وتشتم بأعلى 
صوتها. وفيما غطى صوتها على صوت مادوناء تجمْع باعة المظلات 
والسابلة بدافع الفضول للتعرف على سبب المشكلة الناشبة بين هذه المرأة 
والسائق. وفي غمرة هذا اللغط والاضطراب» أجفل الشاب الذي كان 
يلاحقها من خلفهاء وقرر أنه من الأفضل ألا يعبث مع امرأة مجنونة. أما 
ساق التاكسي» فلم يكن متعقلاً ولا رعديداًء لذلك رحب بكلَّ هذه الجابة 
بابتسامة عريضة . ولاحظت زليخة أن أسنان هذا الرجل بيضاء ناصعة لا 
يوجد فيها أي أثر لأي بقعة صفراء» ولم تتمالك نفسها عن التساؤل إن 
كانت مطلية بمادة خزفية أم لا. وشيئاً فشيئاًء بدأت تشعر مرة أخرى بعودة 
موجة الأدرينالين تتصاعد في بطنهاء ترغي وتزبد» وتسرَّع من دقات قلبهاء 
مما جعلتها تشعر بأنهاء ليس كأي امرأة أخرى في عائلتهاء قد تقتل رجلاً 
ذات يوم . 

ومن حسن حظ زليخة» أن صبر سائق سيارة التويوتا الواقفة خلف 
سيارة التاكسي كان قد عيلء فأطلق العنان لبوق سيارته. وكأنها أفاقت من 
كابوس» عادت زليخة إلى صوابها وعرتها رجفة من وضعها الصعب . فقد 
أثار ميلها نحو العنف مخاوفهاء كما كان يحدث معها باستمرار. وما هي 
إلا لحظة» حتى هدأت» رت جاباة وندات رل شق ا 
بصعوبة عبر الحشد. وفي عجلتها هذه» علق كعب حذاء زليخة الأيمن 
تیت اط ما فت ديا مى ام 6 افع ج ف 
الحجر بغخضب. وعندما تمکنت من سحب قدمها وحذائهاء گسر كعب 
حذائهاء فتذكرت قاعدة كان ينبغي ألا تنساها في المقام الأول . 


قاعدة الحصافة الفضية للمرأة الإستانبولية: عندما بتحرش بك رجل 


في الشارع» لا تفقدي ‏ أعصابك» لأن المرأة التي تفقد أعصابها أمام 
المتحرش»› سترد بإفراط» مما سيزيد الأمر سوءاً! 


Twitter: @ketab_n ۱۱ 


ضحك سائق التاكسي» وأخذ بوق سيارة التويوتا الواقفة وراءه يلعلع 
ثانية» وبدا أن المطر قد بدأ يهطل ثانيةء وآبدى عدد من المشاة انزعاجهم 
وغضبهم معأ مع أنه يصعب على أي شخص أن يعرف السبب الذي 
جعلهم یغضبون منه. وفي وسط كل هذه المعمعةء وقعت عين زليخة على 
ملصق بألوان قوس قزح يتلألأ على ظهر سيارة: لا تقل إني بائس. 
فللبؤساء قلوب أيضاً. عندما وقفت هناك تحدَّق فى هذه الكلمات» انتابها 
نا رر ات ال اه راح ای ت اف بل ا 
أنها لم تكن تعرف المشاكل اليومية التي يواجهها سكان إستانبول» بل كان 
زمزاً غامضاً صمّمه عقل حالم وكان عليها أن تفك رموزه» لكنها لن 
تتمکن من حل رموزه. وسرعان ما غابت سيارة التاكسي وسيارة التويوتاء 
وتفرّق الناس» وذهب كل في حال سبيله» وتركوا زليخة واففة هناك» 
تمسك كعب حذائها المكسور برقة وقنوط كأنها تحمل طيراً ميتاً. 


ربما كانت هناك طيور ميتة تدخل في عالم زليخة الفوضوي» من بين 
الأشياء الأخرى» إلا أنه من المؤكد لم تكن هناك رقة ولا قنوط» وهما 
شيئان لا تملك منهما شيئاً. اعتدلت في وقفتها» وجاهدت لتسير بكعب 
واحد. وسرعان ما أخذت تعد الخطى وسط حشد من الناس يحملون 
مظلات» وهي تكشف عن ساقيها الرائعتين» وتعرج قليلاً على قدمها مثل 
نوتة موسيقية شذت عن اللحن. كانت خيطاً من الخزامى» لوناً غير ملائم 
انسل من بساط جداري کک باللونين البني والرمادي» ومزيد من 
اللونين البني والرمادي. ومع أن ألوانها كانت متنافرة وغير منسجمة» كأن 
الحشد مجوفاً مثل كهف يكفي لابتلاع تنافرها وإعادته إلى إيقاعه الطبيعي . 
ولم يكن الحشد كتلة مؤلفة من مئات الأجساد التي تتنقس وتتعرق وتتألم» 
بل كان جسداً واحداً يتنس ويتعرَّق ويتألم تحت المطر. ولم يکن من 
المهم إن كانوا يقفون تحت المطر أم تحت الشمس. فالسير في إستانبول 
يعني السير جنبا إلى جنب مع سيل جارف من الناس . 


Twitter: @ketab_n 


عندما مرت زليخة أمام عشرات من صيّادي السمك ذوي القسمات 
القاسية» الذين كان يصطف أحدهم بجانب الآخر على امتداد جسر غالاتا 
القديمء يغلفهم الصمت» ويحمل كل منهم مظلَة بيد» وصنارة صيد 
السمك باليد الأخرىء› حسدتهم على قدرتهم على المكوث هكذا دون أن 
يأتي أحدهم بحركة» وعلى قدرتهم على انتظار سمك غير موجود أصلاً 
لساعات طويلة» وإذا خرجت لهم سمكةء فإنها تكون سمكة صغيرة جداً 
لا تصلح إلا لأن تستخدم طعماً لأسماك أخرى لن يتم اصطيادها. حقاً إنها 
مقدرة مدهشة أن تعمل كثيراً وتنجز قليلاء أن تعود إلى البيت خاوي 
الوفاض» ورغم ذلك فإنك تشعر بالرضا في نهاية اليوم! ففي هذا العالم» 
يولد الصفاء الحظ» والحظ يولد السعادةء أو هكذا كانت تظن زليخة. 
فالظن كان كل ما بمقدورها أن تفعله في هذا الأمر بالذات» لأنها لم تذق 
في حياتها ذلك النوع من الصفاءء ؤلم يخْيّل لها أنها تستطيع أن تتذوقه. 
على الأقل ليس اليوم . بالتأكيد ليس اليوم. 

ورغم اندفاعهاء بدأت زليخة تخفف من سرعتها عندما انعطفت إلى 
البازار الكبير. ورغم عدم توفر متسع من الوقت لديها لكي تتسوق» فقد 
قررت أن تدخل إلى السوق لإلقاء نظرة سريعة فقط» قالت تؤكد لنفسهاء 
وأخذت تمسح بعينيها واجهات المحلات. أشعلت سيجارة» وفيما راح 
الدخان ينبعث من فمها في شكل دوائر» شعرت بالارتياح وبالاسترخاء. 
ومع أن المرأة التي تدخن في الشارع لا ينظر إليها باحترام كبير في 
إستانبول» لكن من يكترث بذلك؟ هزت زليخة كتفيها. فالم تشن حرباً 
على المجتمع كله؟ وعندها بدأت تتحرك باتجاه القسم القديم من البازار. 

كان بعض البائعين في البازار لا يعرفون إلا اسمها الأول» وخاصة 
بائعو المجوهرات . فقد كانت الاكسسوارات التي تشع وتلمع من كل شكل 
ونوع نقطة ضعفها: دبابيس الشعر الكريستالء ودبابيس الزينة من الماس 
المقلدء والأقراط البرّاقةء والأوشحة المخططة» والحقائب المصنوعة من 


Twitter: @ketab_n ۱۳ 


الساتان» وشالات الحرير الشفافة» والأحذية ذات الكعوب العالية. وكلما 
كانت تأتي إلى البازار» كان عليها أن تزور عدداً من المحلات» تساوم 
البائعين» وتدفع مبلغاً أقل بكثير من المبلغ المعروض لأشياء لم تكن تنوي 
شرائها أصلاً. أما اليوم» فقد أخذت تتنقل من كشك إلى آخرء وتتفرج 
على بعض واجهات المحلات. كان هذا كل ما في الأمر . 


توقفت زليخة أمام كشك تكدست فيه جرار وقدور وقوارير مليئة 
بالأعشاب والتوابل من كل نوع ولون. وتذكرت أن إحدى أخواتها الثلاث 
كانت قد طلبت منها هذا الصباح أن تشتري قليلاً من القرفة» لكنها لم 
تتذكر أي أخت طلبت ذلك. a‏ 
يتفقن على أي شيء» وكانت كل واحدة منهن تتمسك برأيها وتؤمن إيماناً 
جازماً بأنها على حق دائماًء وكانت كل واحدة منهن تؤمن إيماناً راسخاً 
بأنه لا يوجد شيء يمكنها أن تتعلمه من أخواتها الأخريات» بل لديها 
الكثير الذي يمكنها أن تعلّمه لهن. كان الأمر بتلك الدرجة من السوء» مثل 
أن تخسر جائزة اليانصيب الكبرى بسبب اختلاف رقم واحد فقط : فمن أي 
زاوية تنظر إلى الأمر» لن تستطيع أن تتخلص من الشعور بأنك تتعرض إلى 
ظلم فادح لا يمكن استدراكه. ومع ذلك اشترت زليخة كمية قليلة من 
القرفة» لا مسحوق القرفة» بل أعواد القرفة. وعرض عليها البائ كوبا من 
الشاي وسيجارة وقليلاً من الدردشةء ولم ترفض أياً من ذلك . وفيما كانت 
جالسة تحادثه» كانت عيناها تطوفان فوق الرفوف بلا مبالاةء إلى أن 
شاهدتا طقم كؤوس من الشاي» كان أيضاً من بين الأشياء التي لم يكن 
بوسعها أن تقاوم نفسها ألا تشتريه: كؤوس شاي نقشت عليها نجوم 
مذهَبة» وملاعق رفيعة رقيقة» وأطباق هشة في وسطها خطوط مذهَبة. لا 
بد أنه يوجد لديهن في البيت ما لا يقل عن ثلاثين طقماً من كؤوس الشاي 
من مختلف الأشكال» وكانت هي التي اشترتها جميعها. لكن ما الضير من 
شراء طقم آخرء لأنها تنكسر بسهولة. «هذه الكؤوس اللعينة هشة وسريعة 


Twitter: @ketab_n 


الكسر. . ٠.‏ دمدمت زليخة بصوت منخفض . فقد كانت الوحيدة بين نساء 
عائلة قازانجي التي تستشيط غضباً عندما ينكسر كأس من الشاي . أما 
الجدة ما - الهيفاء» فات السبحة والسبعين عاماء فكات لها اسلوب 

«القد فقثت عين شريرة أخرى!» كانت ما - الهيفاء تصيح في كل مرة 
ينكسر فيها كأس ويتهشم. «هل سمعتن صوت النحس؟ إنه يتصدع ! أوه» 
إن صداه يترذد فى قلبى! كانت هذه عين شريرة» غيورة وخبيثة جدا. 
لها الله جيخا 

نا اتکسرک کان أو إا تدعت مراف كانت ما المقاة تطلن 
تنهيدة تنم عن الارتياح . فبما أنك لا تستطيع أن تقضي على جميع الأشرار 
على سطح الكرة الأرضية التي تدور بجنون» فمن الأفضل أن ترتطم العين 
الشريرة بكأس على أن تتغلغل في أعماق أرواح الله البريئة وتدمر حياتها. 

وبعد مضي عشرين دقيقة» اندفعت زليخة إلى مكتب أنيق في أحد 
الأحياء الراقية في المدينة» ممسكة بكعبها المكسور بيد» وبطقم الشاي 
الجديد باليد الأخرى. وما أن دخلت» حتى اعتراها شعور بالفزع لأنها 
تذكرت أنها نسيت أعواد القرفة الملفوفة في صرَة في البازار الكبير . 


¥¥¥ ¥ 


كانت هناك ثلاث نساء في غرفة الانتظار» شعر كل منهن مريع› 
N E‏ ومن الطريقة ة التي كن يجلسن فيهاء 
لاحظت زليخة على الفورء واستنتجت ت بطريقة ساخرة» أن أصغر النساء 
بيهن ۽ کانت أكثرهن استرخاء وأقلهن قلقاًء وكان في يدها مجلة نسائية 
تقلب صفحاتها بتؤدة وبكسل إلى حد أنها لم تكن تقراً المقالات» بل 
تتفرج على الصور. ورہما جاءت إلى هذه العيادة لتجدد وصفة حبوب منع 
الحمل . أما المرأة الشقراء المكتنزة» الجالسة بجانب النافذةء فقد كانت 


Twitter: @ketab_n 


تبدو أنها في بداية الثلاثينيات من عمرهاء وكانت جذور شعرها السوداء 
تتوسل لأن تصبغ . كانت تهر قدميها بعصبية» وكان من الواضح أن عقلها 
كان سارحاً في مكان آخرء فلعلها أتت إلى هنا لتجري فحصاً روتينياًء 
وتؤخذ منها خزعة من عنق رحمهاء الاختبار الذي ينبغي أن تجريه سنوياً. 
أما المرأة الثالثة التي تضع منديلاً على رأسهاء والتي كانت برفقة زوجهاء 
فكانت تبدو أقلهن رزانةء إذ تهدلت زاويتا فمهاء وعقدت حاجبيها. 
وخمّنت زليخة أنها تعاني مشكلة في الحمل. وقذرت زليخة أن هذا الأمر 
قد يبدو مزعجاًء لكن من الزاوية التي ينظر فيها المرء إلى المسألة. 
فالبنسبة لهاء لم تكن ترى أن العقم هو أسوأً شيء قد يحدث لأي امرأًة. 

«مرحبا» قالت موظفة الاستقبال وهي تزقزق» وقد أرغمت نفسها على 
أن ترسم ابتسامة مصطنعة حمقاءء لا بد أنها تدربت عليها طويلاً إلى درجة 
أنها لم تعد تبدو بلهاء أو متصنعة. «هل أنت صاحبة موعد الساعة 
الثالغة؟» . 

يبدو أن موظفة الاستقبال تعاني من صعوبة في نطق حرف الراءء وكما 
لو أنها كانت تريد أن تخفي ذلك فقد مت صوتها كثيراً ورفعته» وكانت 
تبتسم ابتسامة أخرى كلما اضطر لسانها إلى لفظ هذا الحرف المشؤوم. 
ولكي توفر عليها هذا العبء» هزت زليخة رأسها على الفقور» ربما 
بحماس شدید. 

«وما سبب زيارتك بالضبط »› يا آنسة صاحبة موعد الساعة الثالغة؟» . 

حاولت زليخة أن تتجاهل سخافة السؤال. فقد عرفت الآن أن هذه 
البهجة الأنثوية الغامرة وغير المشروطة هي التي تفتقر إليها في الحياة. إذ 
إا ج اا ات رات ص ب د حرو ااج 
وتساءلت زليخة كيف تستطيع إحداهن أن تفعل شيئاً غير طبيعي بهذه 
التلقائية والطبيعية. لكنها تجاهلت السؤال الذي علق فى حواف دماغها 
وردت : «إجهاض» . ٠‏ 


Twitter: @ketab_n 


تطايرت الكلمة في الهواءء وانتظر الجميع أن تعود وتتلاشى. ضاقت 
عينا موظفة الاستقبالء ثم توسعتاء وتلاشت الابتسامة من على وجههاء 
مما جعل زليخة تشعر بالانزعاج. فقد أظهرت مشاعر الأنشى البهيجة غير 
المشروطة والشاملة قدرا ضئيلا من الحقد وحب الانتقام لديها. «لدي 
موعد. . ٠.‏ قالت زليخة» وهي تدس خصلة من الشعر وراء أذنيهاء فيما 
تركت باقي خصلات شعرها تتسافط حول وجهها وعلى كتفيها مثل برقع 
أسود سميك. رفعت ذقنهاء فبرز أنفها المعقوف» وشعرت بالحاجة لأن 
تكرر ما قالته» بصوت أعلى مما كانت تنوي» أو ربما لم تكن تريد أن 
تفعل ذلك . «لأني يجب أن أجري عملية إجهاض». 


وقعت موظفة الاستقبال في حيرة بين أن تسجل المريضة الجديدة 
بشعور من الحيادء وبين أن ترسل لها نظرة مؤنبة على هذه الجرأة 
والوقاحة. لبشت في مكانها دون حراك» وكان ملقى أمامها دفتر ملاحظات 
كبير ذي غلاف جلدي . مرت بضع ثوان قبل أن تبدأ أخيراً في الخربشة 
على الدفتر. في هذه الأثناء تمتمت زليخة : 

«إنى آسفة لأنى تأخرت». فقد أشارت الساعة المعلقة على الحائط 
إلى أنها تأخرت ستا وأربعين دقيقة» وعندما ثبتت عينيها على الساعة مرة 
أخرى» بدا أنها قد سرحت بخيالها. «كان ذلك بسبب المطر. .٠..‏ 


بطريقة ما لم يكن ما قالته منصفاً للمطرء لأن اكتظاظ وازدحام حركة 
السير» وبلاطة الرصيف المكسورة» والبلدية» والرجل الذي كان يلاحقهاء 
وسائ التاكسي» ما عدا توقفها في البازار لتتسوق» يجب أن تتحمل 
یا لكن زليخة قرّرت ألا تذكر أياً من هذه الأشياء. 
ولعلها خرقت إحدى القواعد الذهبية من قواعد حصافة المرأة الإستانبولية› 
بل لعلها انتهكت أيضاً القاعدة الفضية من قواعد حصافة المرأة 
الإإستانبوليةء لكنها تمسكت بالقاعدة النحاسية. 


Twitter: @ketab_n 


القاعدة النحاسية لحصافة المرأة الإستانبولية : عندما يتحرش بك أحد 
في الشارع» فمن الأفضل أن تنسي الحادثة تماماً وأن تواصلي طريقك. لأن 
تذكر الحادثة طوال اليوم لن يؤدي إلا إلى تدمير أعصابك وإتلافها أكثر ! 


كانت زليخة من الذكاء بحيث تعرف جيداً أنها حتى لو أثارت موضوع 
التحرش بها الآنء فلن تجد تأييداً من النساء الأخرياتء وسينحين عليها 
باللائمة في مثل هذه الحالة. لذلك أجابت باقتضاب شديد» ملقية اللوم 
على المطر فقط . 

«ما عمرك يا آنسة؟» أرادت موظفة الاستقبال أن تعرف . 

كان هذا السؤال مزعجاً ولم يكن ثمة داع له. ضيَقَت زليخة عينيها 
لأن تعذل عينيها لكي تراها بشكل أفضل. وبغتة» تذكرت حقيقة نفسها 
الحزينة: عمرها. فمثل نساء كثيرات كانت تتصرف بطريقة تتجاوز سنوات 
عمرهاء وأحست بالانزعاج لأنها كانت أصغر بكثير مما كانت تريد أن 
کن 

ثم قالت معترفة: اعمري تسع عشرة سنة. ما أن انطلقت الكلمات 
عارية . 

«طبعاًء نحتاج إلى موافقة زوجك»» تابعت موظفة الاستقبالء ولم 
يعد صوتها جذلاًء ولم تضع وقتها في الانتقال مباشرة إلى سؤال آخر» 
ارتابت في الإجابة عنه. «هل لي أن أسألكِ» هل أنت متزوجة يا آنسة؟» . 

من طرف عينهاء لاحظت زليخة أن المرأة الشقراء المكتنزة إلى 
يمينهاء والمرأة التي تضع منديلاً على رأسها إلى يسارهاء تململتا 
بانزعاج . وفيما بدأت تشعر بوطأة نظرات جميع من في الغرفة» تحوّل 
تجهم زليخة إلى ابتسامة مبتهجة. لا لأنها كانت تستمتع باللحظة الملتويةء 


Twitter: @ketab_n 


بل لأن اللامبالاة في أعماقها هي التي همست لها بأن لا تعر بالا لآراء 
الآخرين» لأنهم لن يؤثروا عليها في نهاية اليوم. ففي الآونة الأخيرةء 
كانت قد قررت أن تطهر مفرداتها وتعقمها من بعض الكلمات. وبعد أن 
تذگرت قرارها هذاء قالت لنفسها لم لا تبدأً بكلمة «عيب» . ومع ذلك لم 
تكن تشعر بالرغبة في أن تقول بصوت عال ما أصبح جميع من في الغرفة 
يعرفونه الآن تماماً. فلا يوجد هناك زوج لكي يمنح موافقته على هذا 
الإجهاض. لا يوجد أب. فبدلا من وجود با ۔ باء لم يكن يوجد سوى 
عدم . 

ومن حسن حظ زليخة» تبين لها أن عدم وجود زوج أمر مفيد في 
المعاملات الرسمية. إذلم تكن بحاجة للحصول على موافقة خطية من 
أحد. فالأنظمة البيروقراطية لا تهتم بإنقاذ حياة الأطفال المولودين خارج 
القفص الزوجي أكثر من اهتمامها بإنقاذ أرواح الأطفال الذين تنجبهم امرأة 
ورجل من داخل القفص الزوجي . فالطفل الذي لا أب له في إستانبول 
ليس سوى لقيط آخر» وليس اللقيط إلا ضرساً مخلخلا آخر في فك 
المدينة يمكن أن يسقط في أي لحظة. ۰ 

«مكان ولادتك؟) تابعت موظفة الاستقبال بطريقة مملة وكئيبة . 

«إستانبول) . 

«إستانبول؟» . 


هزت زليخة كتفيها وكأنها تقول» وأين يمكنني أن أولد؟ في أي مكان 
يمكنني أن أولد على وجه الأرض غير هذا المكان؟ فهي تنتمي إلى هذه 
المدينة! ألا يظهر ذلك على وجهها؟ فبالرغم من كل شيء» تعتبر زليخة 
نفسها إستانبولية حقيقية» وكما لو أنها كانت تريد أن توبّخ موظفة الاستقبال 
لأنها لم تر هذا الحقيقة البادية للعيان» استدارت على كعبها المكسور» 
وارتمت على الكرسي إلى جانب المرأة التي تضع منديلاً على رأسها. 


Twitter: @ketab_n ۱۹ 


وهنا لاحظت زوج هذه المرآة» الذي كان جالساً بهدوء» يكاد يشلّه 
الشعور بالحرج الشديد. وبدلاً من أن ينحي باللائمة على زليخة» بدا ن 
الرجل يتقلّب ويتمرّغ بالضيتق وعدم الارتياح لأنه الذكر الوحيد هناء في 
هذه المنطقة النسائية البحتة. ولوهلة أحست زليخة بالشفقة عليه. وخطر 
لها أن تطلب من الرجل أن يخرج معها إلى الشرفة ليدخنا سيجارة معاًء 
لأنها كانت متأكدة من أنه يدخن. لكن قد تسيء الأخريات فهمها. إذ لا 
يحق لامرأة عازبة أن تطلب ذلك من رجل متزوج» لأن الرجل المتزوج 
سيظهر مشاعر عدائية تجاه المرأة الأخرى عندما تكون زوجته جالسة إلى 
جاته, لماذا تضخب مضادقة الرجال؟ لماذا يجب أن بكرن الأمر ذائماً 
هكذا؟ لماذا لا تخرجا إلى الشرفة» وتدخنا وتتبادلا بضع كلمات» ثم 
يمضى كل واحد منكما إلى حال سبيله؟ جلست زليخة هناك ولاذت 
بال اا ريك ل لأا كانت مي ٠‏ وقد كانت كذلك القن 
أو لأنها كانت مستاءة من هذا الاهتمام كله وهذا ما كان يحصل أيضاًء 
بل لأنها كانت تريد أن تقف بالقرب من النافذة المفتوحة؛ كانت تتوق 
لسماع أصوات الشارع . عندئذ تسلل إلى الغرفة صوت أجش لبائع في 
الشارع يصيح : ايوسفي . . . يوسفي معطر طازج. . .». 

«(جيد» تابح صياحك»» دمدمت زليخة في نفسها. فهي لم تكن تحب 
السكون» بل كانت في واقع الأمر تكره الصمت. ولم تكن تمانع في أن 
يحدّق الناس فيها في الشارع» في السوق» في غرفة انتظار الطبيب هنا 
وهناك. نهاراً وليلا؛ لم تكن تمانع في أن ينظروا إليها ويحدَقوا فيهاء بل 
ويمعنون النظر فيها مرة أخرى وأخرى وكأنهم يرونها لأول مرة. فبطريقة 
أو بأخرى» كانت تستطيع دائماً أن تقاوم نظراتهم المتفرسة فيها. أما الشيء 
الذي لم تكن تستطيع أن تقاومه فيهم فهو صمتهم . 

«يوسفي . . . يوسفي . . .» «كم الكيلو؟» صاحت امرأة تطل برأسها 
من نافذة مفتوحة في طابق علوي في إحدى البنايات في الشارع المقابل . 


Twitter: @ketab_n ۳ 


وكانت زليخة تتسلى دائماً برؤية السهولة» وبدون أي جهد تقريباًء التي 
يستطيع فيها سكان هذه المدينة أن يستنبطوا أسماء لا تخطر على بال 
لبعض المهن العادية . إذ يمكنك أن تضيف حرفي «جي» إلى كل شىء 
تقريباً يباع في السوق» ثم تعرف أن عليك أن تضيف اسما آخر في قائمة 
المهن الحضرية الطويلةء فحسب المادة المباعة» يمكنك أن تسمى بسهولة 
ذلك الشخص ت «اليوسفجي»»› «المائجي» أو «الجواهرجي» أو 
«المجهضجي؛ . 

لم يعد يساور زليخة الآن أدنى شك. إذ لم تكن بحاجة لأن تجري 
اختباراً لتعرف الشىء المتأكدة منه» فقد كانت قد أجرت فحصاً فى العيادة 
التي فتحت مؤخراً في حيهم . ففي يوم «الافتتاح الكبير؟» استقبل العاملون 
فى العيادة بحفاوة مبهرجة عدداً من المدعوين المختارين» وكانت أكاليل 
وباقات الزهور قد صفت عند باب المدخل ليعرف المارة في الشارع بهذه 
المناسبة العظيمة أيضاً. وعندما ذهبت زليخة إلى العيادة في اليوم التالي 
مباشرة» كانت معظم هذه الزهور قد ذبلت وبهتت ألوانهاء أما النشرات 
والملصقات فبقيت ألوانها زاهية كما كانت من قبل . اختبار حمل مجاني 
مع كل اختبار سكر في الدم» كتبت بحروف كبيرة تلمع بالفسفور. ولم 
تعرف زليخة العلاقة بين هذين الاختبارين› لكنها مع ذلك أجرت 
الاختبار. وعندما خرجت النتيجة» تبين أن نسبة السكر فى دمها طبيعية› 
إلا أنه تبين آنها حامل . 

«يا آنسة» يمكنك أن تدخلى الآن» نادتها موظفة الاستقبال الواقفة 
أمام الباب» محاولة أن تتغلب على حرف راء آخر هذه المرة» وهذه المرة 
كان يصعب عليها أن تتفاداه فى عملها: «الطبيب . . . فى انتظارك». 

قابضة على صندوق كؤوس الشاي وعلى كکعبها المكسور» قفزت 
زليخة واقفة على قدميها. وأحست أن جميع الرؤوس في الغرفة قد 
استدارت نحوهاء تسجل لها كل نأمة وحركة. وكانت عادة تسير بأسرع ما 


Twitter: @ketab_n ۲١ 


يمكنها. أما الآن» فقد أصبحت حركتها بطيثة بوضوح» بل تكاد تكون 
واهنة. وما أن أوشكت على مغادرة الغرفة» حتى توقفت» وكمالو أنها 
كانت مدفوعة بزز» التفتت» وكانت تعرف تماما الشخص الذي ستلقي 
عليه نظراتها. فهناك» وسط نظرتها المتفرّسة» كان يوجد وجه مليء 
بالمرارة. إذ كانت المرأة ذات المنديل تلوي قسمات وجههاء وکات 
عيناها البنيتان مغلفتين بشىء من الامتعاض» وشفتاها تتحركان وتلعنان 
الله وح ا دات اله هشر رها الى عل وك ا جيف 
الطفل الذي كان يجب ألا يمنحه الله إلى فتاة طائشةء بل کان يجب أن 
یمنحه لها. 


# ¥ # 


كان الطبيب رجلا ضخم الجثة تشي وقفته المنتصبة بالقوة. وبخلاف 
موظفة الاستقبال في عيادته» لم تكن نظرته تشي باللوم» ولم يكن يطرح 
أسثلة حمقاء. بل رحب بزليخة بشتى الطرق» وجعلها توفع على بعض 
الأوراق» وعلى عدد آخر من الأوراق فى حال حدوث شيئ أثناء العملية أو 
نها وشخرت ليشت الراقة إلى جانبهء أن أعضابها فد جمدت 
وجف جلدهاء وهو أمر سيء للغاية» لأنها عندما تتجمد أعصابها ويجف 
جلما تضبح حقة شل کاس الشاي: وعندما تصبح هشّة مثل كأس 
الشاي» تبدأ الدموع تطفر من عينيها. وهذا ما كانت تكره أن تفعله حقاً. 
فمنذ أن كانت فتاة صغيرة» كانت تحتقر كثيراً النساء اللاتى يبكين» ومنذ 
ذلك الحين» قطعت زليخة عهداً على نفسها بألا تصبح واحدة من تلك 
البائسات اللاتي كن يبعثرن دموعهن ويلقينها في كل مكان» ويشتكين 
ويتذمرن من أي شيء أينما ذهبن»› رغم وجود الكثيرات منهن حولها. 
لذلك أمسكت عن البكاء. وتمكنت حتى هذا اليوم» من الاحتفاظ 
بوعدها. فإذا اغرورقت الدموع في عينيهاء کانت تحبس أنفاسها وتتذکر 
الوعد الذي قطعته على نفسها. لذلك في يوم الجمعة ذاك»ء أول يوم 


Twitter: @ketab_n 11 


حمعة من شهر تموز هذاء فعلت للمرة الثانية ما كائت تفعله دائماً لتحبس 
رها بان أختت شا عا ورت دتما إلى الأعلى ديل على 
القوة. أما في هذه المرة» فقد حدث شيء» وخرج نَقَسُها الذي كانت قد 

لم تبد على الطبيب أمارات الدهشة. فقد كان معتاداً على ذلك. إذ 
كانت النساء يبكين دائماً. 

اا هاا فال حارلا آن بر انى رة ور امك فى ارندا 
قفازاته الطبية. «كل کے یی عاق ا و لا تقلقي . إنها مجرد 
قيلولة . إذ إنك ستنامين» وستحلمين» وقبل أن ينتهى حلمك» سنوقظك 
وستعودين إلى البيت. وبعد ذلك» لن تتذكري شيئاًه. 

عندما بكت زليخة بهذه الطريقة» اندفعت قسماتهاء وغار خداهاء 
فبرزت معظم معالم وجهها: أنفها! أنفها المعقوف بشكل ملحوظ› الذي 
ورثته» مثل شقيقاتهاء عن أبيهن»ء لكن أنفهاء بخلاف أنوف شقيقاتهاء 
كان مدبباً أكثر عند أرنبته» وأطول قليلاً عند الجانبين . 

ربت الطبيب على كتفهاء وناولها منديلاً ورقياًء ثم قَذَم لها علبة 
المناديل كلها. فقد كانت توجد دائماً علبة مناديل احتياطية جاهزة بجانب 
طاولته. إذ كانت شركات الأدوية توزع على الأطباء علب المناديل هذه 
مجاناً. وبالإضافة إلى الأقلام ودفاتر الملاحظات والأشياء الأخرى التي 
تحمل أسماء شركاتهم» كانوا يصنعون مناديل ورقية للمريضات اللاتي لا 
يتمكن من إمساك انفسهن عن البكاء. 

«يا تين . . . تين لذيذ. . . تين ناضج!». 

هل هو البائع نفسه أم بائع جديد؟ ماذا يسمیه زبائنه.. .؟ 
التينجي . . .؟ سألت زليخة نفسها» وهي مستلقية هامدة على طاولة في 
غرفة بيضاء مخرقة في النظافة. ولم تثر فزعها الأدوات» ولا حتى 


Twitter: @ketab_n ۲۳ 


السكاكين» كما أثارها هذا البياض المطلق . فقد كان ثمة شيء في اللون 
الأبيض يشبه الصمت . إذ يخلو كلاهما من الحياة. 

في سعيها للابتعاد عن لون الصمت» راحت زليخة تشغل نفسها ببقعة 
رداء في الف وا حذقث فيها أكشر» كانت البقعة تو أشبه 
بعنكبوت أسود. ففى البدء» كان ثابتاً لا يتحرك»› لکنه بدأ يزحف بعد 
ذلك . ب الوت د ضخامة عندما بدأت الحقنة تسري في عروق 
زليخة. وبعد بضع ثوان» ثقل جسدها ولم تعد تستطيع أن تحرّك إصبعاً 
من أصابعها. وفيما حاولت مقاومة أن يجرفها النوم بسبب التخدير» بدأت 

«هل أنت متأكدة من أن هذا ما تریدین أن تفعلینه؟ ربما كنت تريدين 
أن تفكري في الأمر ثانية٠»‏ قال الطبيب بصوت مخملي وكأن زليخة كومة 
من الغبار» ويخشى أن يزيحها بريح كلماته لو رفع صوته أكثر. إن كنت 
تريدين أن تعيدي النظر في قرارك هذاء فلا يزال أمامك وقت». 

لكن زليخة كانت تعرف جيداً أنها يجب أن تفعل ذلك الآنء في يوم 
الجمعة هذاء أول يوم جمعة من شهر تموز. «إما اليوم أو أني لن أفعلها 
أبداً. لا يوجد شيء أفكر به. لا يمكنني أن أبقيه»» سمعت نفسها تقول . 

هر الطبيب رأسه. وكأنها تنتظر هذه البادرة» تسلل صوت آذان صلاة 
الجمعة إلى الغرفة من المسجد القريب. وما هي إلا ثوان قليلة» حتى 
انضم إلیه صوت آذان من مسجد آخر» ثم مسجد آخر وآخر. تشٽج وجه 
زليخة ضيقاً. فقد کانت تکره أن تسمع صوت آذان کان قد صُّمم أصلاً 
لينبعث بنقاء صوت إنسان» لكنه أفقد إنسانيته عندما صار ينبعث من صوت 
كهربائي يدوي في أرجاء المدينة من مكروفونات ومكبّرات صوت. 
وسرعان ما أصبح الصخب يصَ الآذان» وساورها شك بأن ثمة خطأً في 
مكبرات الصوت في جميع المساجد القريبة من العيادة. وإما أن يكون 
ذلك» أو أن أذنيها هما اللتان أصبحتا شديدتي الحساسية. 


Twitter: @ketab_n ٤ 


«سينتهي الأمر بعد دقيقة. . . لا تقلقي» . 
كان الطبيب هو الذي يتكلم . نظرت إليه زليخة بتهكم . 
هل كانت كراهيتها لصوت الآذان بمكبرات الصوت بادية على 


اندرا الرحة ر ال تعدا كانت طقكء كانتي كز أن الل 
صديقها الأثير» ولم يكن ذلك شيئاً سيئاً بالطبع » سوى أن صديقتها العزيزة 
الأخرى»ء كانت فتاة ثرثارة يكسو وجهها النمش» وقد اعتادت على 
التدخين وهي في الثامنة من العمر. وصادف أن تلك الفتاةء كانت ابنة 
المرأة التي تأتي لتنظف بيتهم» امرأة كردية بدينة ذات شارب لم تكن 
تكترث بحلاقته دائماً. ففي تلك الأيام» كانت تأتي إلى بيتهم مرتين في 
الأسبوع» وفي كل زيارة» كانت تحضر ابنتها معها. وأصبحت زليخة 
والفتاة صديقتين بعد فترة من الوقت» حتى أنهما جرحتا سبابتيهما لتمزجا 
دمهماء وتصبحان أختين عن طريق الدم طوال الحياة. وطوال أسبوع»› 
لفت الفتاتان اصبعيهما بضمادات مضمخة بالدم دلالة على أنهما أختان. 
وفي ذلك الوقت» كانت زليخة تدعو ربها أن يصبح الله أختاً لها في الدم 
أيضاً. . . أختها في الدم. . . 

أستغفر الله» كانت تستغفر ربها على الفور» ثم تكرّر ذلك مراراً لأنك 
عندما تطلب المغفرة من الله يجب أن تفعل ذلك ثلاث مرات: أستخفر 
اللهء أستغفر اللهء أستغفر الله. 

كانت تعرف أن هذا خطأ. فلا يجوز للمرء أن يشخص الله. فليس 
لله أصابع» أو دم. يجب على المرء ألا يضفي صفات بشرية عليه» وهذا 
لم يكن بالأمر السهل لأن جميع أسمائه التسعة والتسعين هي صفات ترتبط 
بالبشر أيضاً. فهو یری کل شيء» لکن ليست لدیه عینان. ویسمع کل 
شيء» لکن ليست لديه آذنان؛ ويستطيع أن يصل إلى كل مكان» لكن لا 


توجد لدیه يدان . ا ومن جميع هذه المعلومات» استنتجت زليخة ذات 


Twitter: @ketab_n 


السنوات الشمانيء أن الله قد يشبهناء لكننا لا يمكننا أن نشبهه. أم أن 
الأمر بالعكس؟ على أية حال» يجب على المرء أن يتعلَّم أن يفكر به» 
أي» هو بدون التفكير به على أنه هو. 

في أغلب الظن لم تكن زليخة تبدي اهتماماً كبيراً بذلك لو أنها لم تر 
ضمادة مضمخة بالدم ملتفة حول سبابة أختها الكبرى فريدة في عصر أحد 
الأيام . فقد بدا لها أن الفتاة الكردية قد جعلتها أختها بالدم هي الأخرى . 
شعرت ق وعندها فقط» خطر لها أن اعتراضها الحقيقي 
أنه لم یتبق لله دم» لأنه لديه أخوات كثيرات عن طريق الدم» ليرعاهن› 
ثم ليتوقف عن رعاية أحد في نهاية الأمر. 

إلا أن هذه الصداقة لم تدم طويلاً. كان القناق كبيراً وخرباًء وكانت 
أمها حاذة الطبع وعنيدة» لذلك تركت عاملة التنظيف العمل بعد فترة 
وجيزة» وأخذت ابنتها. وعندما لم يعد لها صديقةء التي كانت صداقتها 
مريبة في الواقع» انتاب زليخة شعور شديد بالاستياء» لكنها لم تعرف 
سبب ذلك - بسبب مغادرة عاملة التنظيف» أم بسبب أمَها التي جعلتها تترك 
العمل» أم بسبب صديقتها لأنها كانت تلعب على الجانبين» أم بسبب 
أختها الكبرى لأنها سرقت أختها في الدم» أم بسبب لله. وبما أنها لم تكن 
تستطيع أن تطال الآخرين» اختارت أن توجه اللوم إلى الله. وعندما 
أحست أنها كفرت وهي في هذا العمر المبكر» رأت أنه لا يوجد سبب لا 
يجعلها أن تفعل ذلك بعد أن كبرت . 

انضم إلى الأصوات صوت مؤذن منبعث من مسجد آخر. وتضاعفت 
أصداء آذان متعددة في الهواء» وكأنها ترسم دوائر داخل دوائر. وكان 
الشيء الغريب أنها شعرت بالقلق في هذه اللحظة» وهي في عيادة 
ا لأنها تأخرت على العشاء. تسات ایو ان غاي 
المائدة في هذا المساءء وأي أخت من أخواتها الثلاث قد طهت الطعام. 


Twitter: @ketab_n ۲١ 


فقد كانت كل أخت من أخواتها تجيد طهي طبق معيّن» لذلك تستطيع أن 
تأمل في الحصول على طبق مختلف حسب الأخت التي طهت الطعام هذا 
اليوم. فقد كانت تشتهي محشي الفلفل الأخضر - وهو طبق معقد ودقيق 
للغايةء لأن كل واحدة من أخواتها كانت تعدّه بطزريقة مختلفة. 
محشى... فلفل. . . أاخضر: وبداأ تنقسها يتباطاء فيما بدأ العنكبوت 
و ا ا ا 
تخس لجرو ن ال ل بكرن بقارن فار اه دات 
الآن إلى مملكة مورفيوس (إله الأحلام). 

كان الجو ساطعاً جداً هناء يكاد يكون براقاً ولامعاً. ببطء وبحذرء 
راحت تمشي على طول جسر يع بالسيارات والمشاة» وبصيّادي السمك 
اللابثين في أماكنهم لا يتحركون والديدان تتلوى عند أطراف قصبات 
صيدهم. وفيما كانت تجول بينهم» وجدت أن كل بلاطة على الرصيف 
تضع قدمها عليهاء كانت طليقة ومخلخلة» ولفزعها لم يكن تحتها سوى 
فراغ. وسرعان ما أدرکت برعب شديد أن ما كان تحتها كان فوقها أيضاًء 
وكلما كانت السماء الزرقاء تمطر بلاطةء كان عدد بلاطات الرصيف يقل 
بلاطة. فوق فى السماء» وتحت فى الأرض» كان هناك الشىء نفسه: 
العد-م. ۰ ۰ ۰ 

وفيما كانت البلاطات تمطر من الأعلىء كان التجويف من تحتها 
يزداد اتساعاًء فزعت وخافت أن تبتلعها الهاوية الفاغرة فمها. «توقفوا!» 
صاحت فيما ظلت الأحجار تتدحرج تحت قدميها. «توقفوا! «قالت وهي 
تأمر السيارات المسرعة باتجاهها ثم تدهسها. «توقفوا!» راحت تتوسل إلى 
المشاة الذين لم يعبأوا بها وكانوا يدفعونها بأكتافهم». 

«أرجوكم توقفوا!». 


¥¥¥ ¥ 


Twitter: @ketab_n ۷ 


عندما أفاقت زليخة» وجدت نفسها وحدها في غرفة غير مألوفةء 
تشعر بالغثيان. كيف وصلت إلى هذا المكان كان لغزاً لم تكن ترغب في 
كشفه الآن. ولم تكن تشعر بشيء» لا ألم ولا حزن. لذلك خلصت في 
نهاية الأمر إلى أن شعورها باللامبالاة لا بد أنه هو الذي فاز فى السباق. 
فلم تكن قد أجهضت طفلها فقط» بل أجهضت أحاسيسها أيضاً على تلك 
المنضدة ذات البياض النقي في الغرفة التالية. ربما كان ثمة أمل مشجع في 
مكان ما. لعلها تستطيع أن تذهب الآن لاصطياد السمك» لكي تتمكن 
أخيراً من أن تقف دون أن تأتى بحركة لساعات طوال دون أن يعتريها 
شعور بالإحباط» وکأن الحياة أرنب بري سريع تستطيع أن تراه من مسافة 
بعيدة» لكنها لا تستطيع أن تمسكه أبداً. 

«ها قد عدت أخيراً!؛ كانت موظفة الاستقبال واقفة بجانب الباب» 
ويداها مستندتان إلى خصرها. «يا سبحان الله! لقد أرعبتنا! هل لديك 
فكرة كم كانت صرختك مدوية؟ كانت صرخة مرعبة) . 

كانت زليخة لا تزال مستلقية» لا يرمش لها جفن . 

«لا بد أن الناس في الشارع ظنوا أننا نذبحك أو شيئًاً من هذا 
القبيل . . . إني أتساءل لماذا لم تأت الشرطة!». 

لأنك تتحدثين عن شرطة إستانبول» لا عن شرطي مفتول العضلات 
في فيلم أمريكي» قالت زليخة لنفسهاء فيما تركت عينها تطرف أخيراً. 
كانت لا تزال عاجزة عن معرفة السبب الذي جعلها تزعج موظفة 
الاستقبالء لكنهالم تر سبباً في أن تزعجها مرة أخرى» فقدمت أول 
اعتذار خطر ببالها: «ربما صرخت لأنني شعرت بالألم. . .٠.‏ 

إلا أن هذا العذرء» مهما كان مقنعاً» قد سشحق على الفور: «لا يمكن 
أن يكون الأمر كذلك يا آنسة» لأن الطبيب. .. لم يجر العملية. حتى أننا 
لم نلمسك». 


Twitter: @ketab_n ۲۸ 


«ماذا تقصدين . . .؟٠‏ تلعثمت زليخة» ولم تحاول أن تعرف الجواب 
أكثر من أن تفهم وزن سؤالها. اتقصدين. . . إنكم لم. . ٠».‏ 

«لاء فنحن لم...٠.‏ أطلقت موظفة الاستقبال تنهيدة» وأمسكت 
رأسها وكأن داء الشقيقة بدأ ينتابها. اک ل کن د الطبيب أن 
يفعل شيئاً معك وأنت تصرخين بأعلى صوتك. لم تفقدي وعيك يا امرأة» 
أبداً. في البداية كنت تهذين وتثرثرين» ثم بدأت تصرخين وتلعنين. لم أر 
فی حياتي شيئاً كهذا خلال خمس عشرة سنة. لا بد أن المورفين استغرق 
صعف الوقت لكي يسري مفعرله في جسدكة. 

شكت زليخة بوجود شيء من المبالغة في كلامهاء لكنها لم تكن 
ترغب في مجادلتها. فبعد مضي ساعتين على زيارتها إلى عيادة الطبيب 
النسائي» بدأت تدرك وجود مريضة يتوقع ألا تتكلم إلا عندما يطلب منها 
ذلك. 

«وعندما فقدت وعيك أخيرأاً» لم نصدق أنك لن تبدئي في الصراخ 
ثانية» وقال الطبيب لننتظر حتى يصفو عقلها. فإذا كانت متأكدة من أنها 
تريد أن تجهض» يمكنها أن تقرر ذلك في وقت لاح . لقد أحضرناك إلى 
هنا وتركناك تنامین»› وقد ىت فاا ` 

«هل تقصدین أنه لم یکن بوجد. . .٠.‏ کان يبدو آنها لم تعد تستطيع 
الآن أن تقول الكلمة التي كانت قد قالتها بجرأة كبيرة أمام الناس الغرباء 
عصر هذا اليوم. لمست زليخة بطنها فيما راحت عيناها تبحثان عن عزاء 
يمكن أن تكون موظفة الاستقبال آخر شخص على وجه الأرض يمكنه أن 
يمنحه إياها. «إذن فهي لا تزال هنا. . ٠.‏ 

«حسناًء إنك لا تعرفين بعد إن كانت هى أو هو»» قالت موظفة 
الاستقبال» بصوت تقريري . ۰ 

لکن زل كانت قرفت بسا کات تهرف: 


Twitter: @ketab_n ۹ 


ففي ذات يوم كانت تسير في الشارع رغم هبوط الظلام. كان الوقت 
يشبه فترة الصباح الأولى . وكان المطر قد توقف عن الهطول وبدت الحياة 
جميلة ومطواعة. ومع أن حركة المرور كانت لا تزال في حالة شديدة من 
الفوضى» والشوارع مليئة بالوحل» منحت الرائحة الهشّة التي تنبعث بعد 
هطول المطرء المدينة كلها حلة مقدّسة. وكان الأطفال يخوضون هنا 
وهناك في البرك الطينية» يستمتعون بارتكاب معصية بسيطة. وإن كان ثمة 
رن ال ا تالجع ور خو اا الحا [حى لات 
اللحظات النادرة التي تشعر فيها أن الله لا يراقبنا فقط بل يرعانا ويهتم بنا 
أيضاً؛ إحدى تلك اللحظات التي تشعر بأنه قريب جداً منك . 

وبدا وكأن إستانبول قد أصبحت عاصمة مفعمة بالسعادة» رائعة على 
نحو رومانسي» تماماً مثل باريس» قالت زليخة لنفسهاء مع أنها لم تذهب 
في حياتها إلى باريس. حلّق نورس بالقرب منها ناقلاً لها رسالة مشفرة 
كانت على وشك أن تفك رموزها. وفى نصف دقيقة» أصبحت زليخة 
وكأنها تقف على حافة بداية جديدة. الماذا لم تتركاني أجهض» هل هر 
اللها؟ سمعت نفسها تهمهم› لكن ما أن خرجت الكلمات من فمها» حتى 
راحت تستغفر ربها بخوف شديد بسبب الذات الملحدة في نفسها. 

استغفر الله» استغفر اللهء استغفر الله. 

بعيدآً وتحت قوس قزح» عادت زليخة وهي تسير ببطء شديد إلى 
البيت» ممسكة بصندوق كؤوس الشاي وبكعب حذائها المكسور» تشعر 
بكابة أقل مما كانت تشعر بها منذ أسابيع . 


¥ ¥ ¥ 


تموز» عادت زليخة فى حوالى الساعة الثامنة مساء إلى القناق ڏي السقف 
العالي العثماني» الذي لم يكن يبدو أنه موجود في مكانه الملائم وسط 


Twitter: @ketab_n 


عمارات سكنية حديثة أطول منه بخمسة أضعاف على كلا الجانبين . 
وراحت تصعد الدرج المنحني بتثاقل » ووجدت جميع نساء عائلة قازانجي 
قد تحلقن حول مائدة العشاء العريضة في الطابق العلوي» وكن منهمكات 
في تناول طعامهن» ومن الواضح أنهن لم يجدن سبباً يجعلهن ينتظرنها. 

«أهلاً بالغريبة! ادخلي» هيا انضمي إلينا وشاركينا العشاء»» هتفت 
بانو» وهي ترفع عنقها فوق جناح دجاجة مشوية بالفرن. «النبي محمد 
يطلب منا أن نتناول طعامنا مع الغرباء» . 

كانت شفتاها تلمعان» وكذلك خداهاء وكأنها استغرقت وقتاً إضافياً 
لتمسح وجهها كله بدهن الدجاج» بل وحتى عيناها المتلألئتان الشبيهتان 
بعيني المها. وكانت تكبر زليخة باثنتي عشرة سنة» ويزيد وزنها عنها 
بخمسة عشر كيلو غراماًء وكانت تبدو وكأنها أمَها أكثر من كونها أختها. 
وإذا كان علينا أن نصدق بانو» فإنها تملك جهازا هضميا غريبا قادرا على 
تخزين كل شيء يبتلعه» وهو اذعاء قد يصدقه المرء» لولا أنها تجادل أيضا 
بأنھا حتی لو شربت ماءَ صرفاً» فإن جسمها سيحوله إلى شحوم ودهون» 
لذلك لا يمكن أن يحملها أحد مسؤولية زيادة وزنهاء أو أن يطلب منها أن 
تبدأ حمية غذائية. 

«احزري ماذا يوجد على مائدة اليوم؟» تابعت بانو كلامها جذلة» وهي 
تهر إصبعها أمام زليخة قبل أن تقبض بيدها جناح دجاجة آخر. «محشي 
فلفل أخضر!». 

«لا بد أن هذا اليوم يوم سعد لي» قالت زليخة. 

بدت أطباق اليوم رائعة . فبالإضافة إلى دجاجة ضخمة» كان هناك 
حساء اللبن» وبيلاكي» وكفتة بودو كادين من البارحة» ومخللات» 
وجوريك طازجة» وإبريق عيران» ونعم» محشي فلفل أخضر. وعلى 
الفور» سحبت زليخة كرسياًء إذ تغلب جوعها على عدم رغبتها الشديدة 
في مشاركة العائلة العشاء في أمسية هذا اليوم العصيب . 


Twitter: @ketab_n ۳۱ 


«أين كنت يا بنت؟» سالتها أمها كلثوم متذمرة» التي لعلها كانت إيفان 
الرهيب في حياة سابقة . كوّرت كتفيهاء ودفعت ذقنها إلى الأعلى» وقطبت 
حاجبيهاء ثم أدارت وجهها المقطب نحو زليخة» وكأنها ستتمكن بذلك 
من قراءة عقل أصغر بناتها. 

وهكذا وقفتا هناك كلثوم وزليخةء الأمٌ وابنتهاء الواحدة تعبس في 
وجه الأخرى» كل واحدة منهما مستعدة للشجارء لكنها لا تريد آن تبدأ 
الشجار. وكانت زليخة هى من أشاحت بوجهها عن آمَّها. فقد كانت 
کیر ف تیاب ہا کے ا کے ا ا اقات الان لجا ف وت 
ا اریت عاف ان تھ وار ت ان ود عا ولورد ق 
مباشر . 

«كانت هناك تخفيضات جيدة في البازار اليوم. اشتريت طقَم كؤوس 
شاي . إنها رائعة تماماً! موشاة بنجوم مذهَبة» وملاعق صغيرة مطابقة لها . 

«للأسف. إنها تنكسر بسهولة٠»‏ همهمت شكرية» الأخت الثانية 
الكبرى في عائلة قازانجي» ومعلّمة مادة التاريخ الوطني التركي في إحدى 
المدارس الثانوية الخاصة» وكانت تدأب على تناول وجبات طعام متوازنة 
صخية» وتحرص على رفع شعرها بطريقة شينيون وتلفه في مؤخرة رقبتها 
دون أن تترك شعرة واحدة طليقة . 

«هل ذهبت إلى البازار؟ لماذا لم تشتري أعواد القرفة؟ لقد قلت لك 
هذا الصباح إننا سنصنع أطباقاً من الرز بالحليب اليوم ولم تتبق في البيت 
قرفة لنرشها عليها». عبست بانو وسط قضمتين من الخبزء لكن هذه 
المشكلة لم تشغلها لأكثر من جزء من الثانية . فقد كانت لديها نظرية في 
الخبز كانت مولعة بترديدها دائماًء وتطبقها طوال الوقت» ومفادها أنك إذا 
لم تتناول كمية ملائمة منه في كل وجبة» فإن المعدة لن «تعرف» أنها 
امتلأت» ولذلك فهي تطلب المزيد من الطعام. فلكي تفهم المعدة أنها 
امتلأت تماماً» يجب على المرء أن يأكل كميات لا باس بها من الخبز مع 


Twitter: @ketab_n ۳۲ 


كل شيء. لذلك» فإن بانو تتناول الخبز مع البطاطاء والخبز مع الررَّء 
والخبز مع الباستاء والخبز مع البُرَ. وعندما تريد أن تعطي معدتها رسالة 
أكثر وضوحاًء فإنها تتناول الخبز مع الخبز. فالعشاء بدون خبز إثم مطلق› 
قد يغفره الله» أما بانو» فمن المؤكد أنها لن تغفره. 

تة فا وی دان کک ج عة ا 
ولتحاشي السؤال» وضعت محشي الفلفل الأخضر في صحنها. وكانت 
تعرف بسهولة الأخت التي طهت محشي الفلفل: بانو أو شكرية أو فريدة. 
ذا گانت بانو سیکرن اء وإن کانت تعرز آشیاء كثيرة کالفستق 
واللوز والكاشيو. أما إذا كانت فريدة» فسيكون ممتلثاً بالررّ» وسترى أن 
حبة الفلفل الأخضر ممتلئة ومنتفخة ويستحيل تناولها إن لم تقطعها إلى 
قطع صغيرة. وعندما يرافق ميل فريدة لحشي الفلفل حبَّها للتوابل من 
جميع الأنواع» فإن الدولما ستكون مبهرة بالأعشاب والتوابل. وحسب 
التوليفة» تستطيع أن تعرف إن كانت رائعة آم سيئة حقًاً. فعندما تطهو 
شكرية يكون الطعام دائماً أحلى» لأنها كانت تضيف السكر المطحون إلى 
كل شيء يصلح للأكل مهما كان» وكأنها تريد أن تعوض عن الحموضة 
والمرارة اللتين تهيمنان على عالمها. وصادف أنها هي التي أعدت الدولما 
اليوم. 

كنت عند الطبيب . . ٠.‏ دمدمت زليخة» وهي تزيل قشرة الدولما 
الخضراء الشاحبة بعناية . 

«أطباء!» كشرت فريدة» ورفعت شوكتها في الهواء وكأنها عصا 
تستخدمها لتشير إلى سلسلة جبلية بعيدة على الخريطة» وأن المستمعين 
إليها ليسوا أفراد عائلتهاء بل طلابها في حصة الجغرافية. وكانت فريدة 
تعاني من مشكلة النظر في العين مباشرة» بل كانت تشعر بارتياح أكبر 
عندما توجه كلامها إلى أشياء. لذلك راحت تخاطب صحن زليخة: «ألم 
تقرئي الصحف هذا الصباح؟ لقد أجروا عملية زائدة دودية على طفل في 


Twitter: @ketab_n ۳ 


التاسعة من عمره» ونسوا مقصاً داخل جسمه. هل لديك فكرة كم عدد 
الأطباء في هذا البلد الذين يجب أن يزج بهم في السجن نتيجة الخطأً 
والإهمال الطبيين؟». 

على العمليات الطبية . ففى السنوات الست الماضية» شخْص الأطباء أنها 
مصابة بشمانية أمراض مختلفة» كان كل منها يبدو أكثر غرابة من سابقه. 
ولا يعرف أحد إن كان الأطباء لم يتمكنوا من حسم أمرهم» أم أن فريدة 
نفسها كانت تختلق أمراضاً جديدة. وبعد فترة» لم يعد ذلك يهمها بأي 
شكل من الأشكال . فالصحة العقلية هى الأرض الموعودة» الشانغري - 
التي اعت ا دا گات اة والتي كانت تعتزم أن تعود 
إليها ذات يوم. وخلال رحلتها هذه» كانت تتوقف لتأاخذ قسطاً من الراحة 
في محطات مختلفة ذات أسماء غريبة ومعالجات كثيبة . 


حتى عندما كانت فتاة صغيرة» كان ثمة شيء غريب في فريدة. فقد 
كانت تلميذة صعبة المراس في المدرسة» ولم تكن تبدي اهتماماً باي شيء 
سوى حصص الجغرافية الطبيعية ؛ وفي حصص الجغرافية هذه» لم تكن 
تبدي اهتماماً إلا بعدد قليل من المواضيع› بدءاً من طبقَات الغلاف 
الجوي . ومن المواضيع الأثيرة لديها كيفية حدوث ثقب الأوزون في طبقة 
الغلاف الجوي العلياء والربط بين تيارات المحيط السطحية والأنماط 
الجوّية. وقد تعلمت كل شىء أمكنها أن تجمعه عن دور الطبقات العلياء 
وخصائص طبقات الغلاف الخزي الأوسط› وریاح الوديان وأنسام البحر» 
والدورات الشمسية» وخطوط العرض الاستوائية» وشكل وحجم الأرض. 
فكل شيء تحفظه عن ظهر قلب في المدرسة» كانت تأتي لتلقيه في 


)١(‏ الشانغري - لا رواية خيالية بعنوان «الأفق المفقود للكاتب البريطاني جيمس هيلتون في عام 
۳ (المترجم) . 


Twitter: @ketab_n ۳٤ 


البيت» تتبّل كل حديث من أحاديشها بمعلومات عن المحيط الجوي. وفي 
كل مرة تظهر فيها معلوماتها في الجغرافية الطبيعية» كانت تتكلّم بحماس 
منقطع النظير» وتطفو في الأعالي فوق الغيوم» وتقفز من طبقة جوية إلى 
أخرى. وبعد سنة من تخرّجهاء بدأت فريدة تبدي سلوكاً غريباً» ورغبة في 
العزلة والانفراد. 

ومع أن اهتمام فريدة بالجغرافية الطبيعية لم يتضاءل في الوقت 
الملائم» بل أوحى إليها بدائرة أخرى من الاهتمام كانت تجد متعة كبيرة 

فيها: الحوادث والكوارث. ففي كل يوم» كانت تنكبَّ على قراءة الصفحة 
الالغة من الصحف الشعبية . حوادث السيارات» جرائم القتل المتسلسلة› 
والأعاصيرء والزلازلء والحرائق» والفيضانات»› ا القاتلة 
والأمراض المعديةء والفيروسات غير المعروفة. . . كانت فريدة تقرأً كل 
هذه الأشياء. وكانت ذاكرتها الانتقائية تستوعب الكوارث المحلية والوطنية 
والدولية لكي تنقلها للآخرين من حيث لا يحتسبون. ولم يكن يستغرق 
الأمر طويلاً لكي تضفي الكآبة على أي حديث» وتجعله كثيباً قاتماًء لأنها 
ا وتختلق قصصاً 
عندما لا يکون فيها شيء من المآسي . 

بيد أن الأخبار التي كانت ترويها لم تكن تزعج الآخرين» مع أن أحداً 
لم يعد يصدقها منذ زمن بعيد. فقد فهمت عائلتها إحدى سبل التعامل مع 
الجنون» وهو عدم تصديقها. 

قال الأطباء في البداية إن فريدة مصابة ب «قرحة الإجهاد». ولم يأخذ 
أحد في العائلة هذا التشخيص على محمل الجد لأن كلمة «الإجهاد» كانت 
مسحت مرف و ر لى كل هة ولان فا إن اقح غا 
الإجهاد» في الثقافة التركية» حتى لقيت ترحيباً حاراً من سكان إستانبول 
جميعهم» وعلى الفور ظهر عدد لا يحصى من الأشخاص المصابين 
«بالإجهاد» في المدينة. وما فتئت فريدة تتنقل من مرض له علاقة بالإجهاد 


Twitter: @ketab_n 


إلى مرض آخر» واكتشفت رحابة الأرض وسعتها بعد أن وجدت أنه لا 
يوجد ثمة شيء لا يرتبط بالإجهاد. ثم أخذت تتنقل بين الاضطراب 
الاستحواذي القهري» وفقدان الذاكرة اللا ترابطى» والكآبة الذهانية . وبعد 
أن تمکنت من تسميم نفسهاء ا کات مرغ ا تات 
العنب الحلو المر» وهو أكثر الأسماء التي أعجبتها من بين جميع 
الأمراض التي آصيبت بها: 

وفي كل مرحلة من رحلتها إلى الجنونء كانت فريدة تغْيّر لون شعرها 
وتصفيفته» إلى درجة أن الأطباءء في سعيهم لتتبع التغيرات الحاصلة في 
نفسيتها» وضعوا جدولا بيانيا يرصد حركة شعرها: قصير» متوسط 
الطول» طويل جداًء وفي إحدى المرات حلقت شعرها بالكامل» وكانت 
تجعله في شقن الأحان سا الت ار مط سبدلا أن ذا تاباك 
مدبّبة» أو بضفائر» وكان يحمل أطناناً من بخاخ الشعر» والجلء والشمع»› 
أو مراهم التصفيف والتثبيت الأخرى» أو مشابك الشعر والمجوهرات» أو 
أشرطة الزينة؛ ثم تجعله في قصّة البانك» وتجعله في شكل كعكة مثل 
راقصات البالية» تلوّنه وتصبغه بجميع الألوان الممكنة. كانت جميع 
تصفيفات شعرها حوادث عابرة» أما مرضها فقد ظل ثابتا ومستقراً. 

وبعد فترة طويلة من المكوث في مرض «الاأضطراب الاكتئابي 
الرئيسي»» انتقلت فريدة إلى «الحدود» - وهو اصطلاح أخذت كل واحدة 
في عائلة قازانجي تفسره على طريقتها. فقد فسّرت أمَها كلمة «الحدود»» 
بأنها مشكلة ترتبط بالشرطة وبموظفي الجمارك» مما يعني البحث عن 
امجم غريب يقم فى شخص فريدة. ذلك بدا ارتیابها بداد هذه الفتاة 
المخبولةء التي لم تكن تشق بها في المقام الأول. وبتضاد واضح» كان 
مفهوم «الحدود» بالنسبة لأخوات فريدة يستدعي بشكل رئيسي فكرة 
الحافةء وقد استدعت فكرة الحافة إلى الأذهان صورة جرف قاتل . لذلك 
رحن يعاملنها لفترة طويلة بحرص شديد» كما لو أنها كانت تسير في نومها 


Twitter: @ketab_n ۳٢ 


فوق جدار يعلو عدة أمتار» وقد تهوي من فوقه فى أي لحظة. أما بالنسبة 
للجدة ما -الهيفاء» فكانت كلمة «حدود» تستدعى فكرة تشذيب عريشة 


وكانت فريدة قد هاجرت مؤخراً إلى تشخيص آخر لا يمكن لأحد أن 
يلفظه» ناهيك عن الجرأة وتفسيره وهو: «خبل البلوغء أو الفصام 
المسلكى الصبياني والإصابة بالهلوسة والأوهام». ومنذ ذلك الحين» ظلت 
وفيَّة للمصطلحات الجديدة» وكأنها رضيت أخيراً بالاسم الذي تبحث 
عنه. ومهما كان التشخيص› فقد عاشت فريدة وفق قواعد عالم الخيال 
الخاص بهاء الذي لم تطأً قدمها خارجه على الإطلاق . 

أما في أول يوم جمعة من شهر تموزء فلم تعر زليخة أي اهتمام 
لكراهية أختها المعروفة تجاه الأطباء. فما إن بدأت تأكل» حتى أدركت كم 
كانت جائعة طوال النهار. وبشكل يكاد يكون آلياء تناولت قطعة من «برك 
الجبنةا اوصبت لنفسها كاسا من العيران» ووضعت قطعة دولما خضراء 
أخرى في صحنهاء وأفصحت عن المعلومة الحبيسة في داخلها: «لقد 
ذهبت إلى الطبيب النسائي اليوم.. ٠.‏ 

«الطبيب النسائي!» كرّرت فريدة على الفور» لكنها لم تبدي أي تعليق 
محدد. فقد كان الأطباء النسائيون هم الفئة الوحيدة التي لم تكن لديها 
معهم تجربة مهمة. 

«ذهبت إلى الطبيب النسائي اليوم لأجري عملية إجهاض»» أكملت 
زليخة جملتها دون أن تنظر إلى أحد. 

سقط جناح الدجاجة من يد بانو وأطرقت برأسها وراحت تنظر إلى 
قدميها وكأن لهما علاقة بهذا الأمر؛ وزمّت شكرية شفتيها بشدة؛ 
وصرخت فريدة ثم أطلقت العنان لنوبة من الضحك؛ وأخذت أمَهن تفرك 
جبينها بتوترء وبدأت تشعر بأول موجة من اقتراب صداع فظيع؛ أما ما - 


Twitter: @ketab_n ۲۷ 


الهيغاء فقد واصلت تناول حساء اللبن. وربما يعزى ذلك لإصابتها بالصمم 
التام في الأشهر الأخيرة. أو ربما لأنها كانت تعاني أيضاً من مراحل 
الخرف المبكرة. أو ربما لأنها بكل بساطة لم تر شيئاً يستحق إحداث جلبة 
بشأنه. فمع الجدة ما -الهيفاء» لا يمكنك أن تعرف شيئاً على الإطلاق . 

«كيف يمكنك أن تقتلين طفلك؟» سألت شكرية بوجل . 

«إنه ليس طفلا؛» قالت زليخة باستهجان» «ففى هذه المرحلةء فأنا 
أفضل أن أسميه فُطيرة. فهذا أدق علمياً» . ۰ 

«علمياً! إنك لا تعرفين شيئاً عن العلم» إنك لا تعرفين الشفقة)» 
وانفجرت شكرية في البكاء» وأردفت : «إنك قاسية» عديمة الرحمة! هذا 
هو أنت». 

«حسناًء لدي أخبار جيدة إذن. لم أقتل. . .ه - ها -أياً كان»» التفتت 
زليخة نحو أختها بهدوء: «لا لأنني لم أرد أن أفعل ذلك. بل كنت أريد 
ذلك! فقد حاولت أن أجهض تلك القطيرة إلا أن هذا لم يحدث». 

«ماذا تقصدین؟» سألت بانو. 

ارتدت زليخة وجهاً شجاعاًء وقالت دون أن تغْيّر نبرة صوتها: «لقد 
أرسل لى الله رسالة٠»‏ وكانت تعرف أنها يجب ألا تقول هذا لأسرتهاء 
لكنها قالته في جميع الأحوال. «كنت مستلقية مخذرة» وكان الطبيب يقف 
إلى جانب» والممرضة تقف إلى الجانب الآخر. وكانت العملية ستبدأ بعد 
بضع دقائق» وكان الجنين سيولي إلى غير رجعة! لكني ما أن أوشكت 
على أن أغيب عن الوعى فوق طاولة العمليات تلك» حتى سمعت صوت 
ن ارهن جه د م و اة لسرت اعا ر ل ف ف 
المخملء غلفت جسدي كله. وما أن انتهى الأذان» حتى بدأت أسمع 
همهمة وكأن أحداً يهمس في أذني: «يجب ألا تقتلي هذا الطفل». 

جفلت شكرية» وأخذت فريدة تسعل بعصبية في منديل المائدة» 


Twitter: @ketab_n ۳۸ 


وغْصّت بانو» وعبست كلثوم وتجهم وجهها. وبقيت ما _ الهيفاء فقط 
شاردة في أرض الأحلام» بعد أن أنهت حساءها» وراحت تنتظر باستسلام 
رضرل طبقها التالي: 

ال واصلت زليخة قصتهاء «وأمرني هذا الصوت الغامض : 
«أووووووووو زليخة! أوووووو زليخة» أيتها القاتلة في عائلة قازانجي 
التقية الورعة! دعي هذا الطفل يعيش! فأنت لا تعرفينه بعد» لكنه سيصبح 
زعيماً. هذا الطفل سيكون ملكاً» . 

«هذا غير ممكن»» قاطعتها المعلّمة شكرية» ولم تضع الفرصة لإظهار 
خبرتها» «فلم يعد هناك ملوك إننا أمة حديثة) . 

«أوووو أيتها الخاطئة» هذا الطفل سيحكم الآخرين» واصلت زليخة»› 
متظاهرة بآنها لم تسمع الدرس. «ليس هذا البلد فقط» وليس الشرق 
الأوسط ودول البلقان جميعها فقط» بل العالم بأسره سيعرف اسمه. 
طفلك هذا سيقود الجماهير» وسينشر السلم والعدل بين البشر». 

«على كل حال» فإني أزف لكم جميعكم هذا الخبر السعيد! فما زال 
الطفل في بطني! وبعد فترة قصيرة» سنضيف صحناً آخر على هذه 
المائدة) . 

«لقيط!» صاحت كلشوم. «أتريدين أن تجلبي إلى هذه العائلة طفلاً 
بدون زواج . لقيط !». 

انتشر تأثير الكلمة» مثل حصاة ألقيت في مياه راكدة. 

«العار عليك! إنك تجلبين دائماً العار إلى هذه العائلة»» لوت كلثوم 
وجهها بغضب. «انظري إلى الحلقة في أنفك. .. كل هذا المكياج 
والتنانير القصيرة المثيرة للقرف» وأوه» وتلك الأحذية ذات الكعوب 
العالية! هذا ما يحدث عندما تتأنقين في ملبسك. . . مثل عاهرة! يجب أن 


Twitter: @ketab_n ۳۹ 


تحمدي الله ليلاً ونهاراً؛ يجب أن تكون ممتنة لأنه لا يوجد رجال في هذه 
العائلة. فلو كانوا موجودين لذبحوك». 

لم يكن ذلك صحيحاً تماماً. ريما ليس الجزء المتعلق بالقتل» بل 
الجزء المتعلق بعدم وجود رجال في العائلة. فقد كان هناك رجال. في 
مكان ما. لكن صحيح أيضاً أن عدد الرجال يقل كثيراً عن عدد النساء في 
عائلة قازانجى . وكأن عيناً حسودة وشرّيرة أصابت السلالة برمتها. إذ كانت 
اال پک جال ف رال غاا نارای ارد حم ری شاب 
وبشكل مفاجئ. فقد سقط زوج ما - الهيفاء مثلاًء رضا سليم قازانجي» 
فجأة ميتاً وهو في الستين› ولم يعد قادراً على التنفس . وفي الجيل التالي» 
مات ليفينت قازانجي إثر نوبة قلبية قبل أن يبلغ الحادية والخمسين» حاذيا 
حذو أبيه وجذه لأبيه. وأصبح يبدو وكأن فترة حياة الرجال في العائلة 
أخذت تقصر وتقصر مع كل جيل . 

وكان هناك أحد أخوال أمها الذي هرب مع مومس روسية سلبته كل 
أمواله» ومات متجمداً في سانت بطرسبرغ؛ وانتقل قريب آخر إلى مثواه 
الأخير بعد أن صدمته سيارة وهو يحاول عبور الطريق السريع عندما كان 
مفرطاً في السكر؛ ومات أبناء الأخ وهم في العشرينيات من أعمارهم» إذ 
غرق أحدهم وهو يسبح سكراناً تحت ضوء البدر» ومات آخر بعد أن 
أصيب برصاصة في صدره كان قد أطلقها أحد الرعاع مبتهجاً بفوز فريق 
كرة القدم الذي يؤيده بالكأس» ومات ابن أخ آخر بعد أن سقط في خندق 
عمقه ستة أقدام كانت البلدية قد حفرته لترميم المجاري في الشارع . 
وهناك ابن عم ثان» ضياء» أطلق النار على نفسه» لسبب مجهول . 

جيلاً بعد جيل» وكأنهم كانوا يمتثلون لقاعدة غير مدونة» كان الرجال 
في شجرة عائلة قازانجي يموتون في سن الشباب . وكان أعلى عمر وصل 
إليه أحدهم في هذا الجيل هو الحادية والأربعين. ولكي لا يتكرّر هذا 
النمط في رجال العائلة» حرص أحد أعمام الأب على أن يعيش حياة 


Twitter: @ketab_n 


المومسات› وعن الاحتكاك بالرعاع» وعن احتساء الكحول والمشروبات 
المسكرة الأخرى» وانتهى به الأمر أن سقطت فوقه كتلة خرسانية من موقع 
بناء صادف أنه كان يمر من تحته. وهناك جلالء أحد أبناء العم البعيدين» 
الذي كان حب حياة شكرية والزوج الذي فقدته في مشاجرة. فلأسباب ما 
زالت غير واضحة» حكم على جلال بالسجن لمدة سنتين بتهمة الرشوة. 
وخلال هذه الفترة القصيرة من وجود جلال في العائلةء الذي انحصر في 
الرسائل القليلة التي كان يرسلها من السجن» والتي كانت تتسم بالغموض 
الشديد وبالبعد إلى درجة أنه عندما وصل نبأ موته» وقع الخبر على الجميع 
باستثناء روجته» وكأنك فقدت ذراعاً ثالثة»› ذراعاً لم تکن موجودة لديك 
أصلا. فقد غادر هذه الحياة فى مشاجرة» لا بضربة أو لكمة وجهت إليه» 
بل لأنه وطأً سلكاً كهربائياً ذا فولطية عالية فيما كان يبحث عن مكان أفضل 
ليتفرج على السجينين الآخرين وهما يتبادلان اللكمات. وبعد أن فقدت 
شكرية حب حياتهاء» باعت بيتهما وانضمت إلى بيت عائلة قازانجي 
كمعلمة تاريخ ثقيلة الظل» تتمتع بإحساس إسبارطي من الانضباط وضبط 
تق كا شتت ممركة روا صد الأتتحال والفش فى المدرمة 
وأخذت على عاتقها شن حملة ضد التهور والطيش والعفويَة فى البيت. 

الطباع» لكن المتواضع إلى درجة كبيرة. ومع أنه لم يكن واحداً من أقارب 
الدم» فقد كان يتمتع بصحة جيدة ورقيق القلب . ومع أنهما انا متزوجين 
على الورق فقط» باستثناء فترة وجيزة أعقبت شهر العسل»› کانت پانو 
تمضي وقتا في قناق عائلتهاء أكثر مما كانت تمضيه في بيتها مع زوجها. 
وكان تباعدهما الجسدي ملحوظاً للغاية إلى درجة أنه عندما أعلنت بانو أن 
استحالة حدوث الحمل من الناحية العملية. ومع ذلك فقد أصاب المصير 


Twitter: @ketab_n ٤١ 


المشؤوم الذي ينتظر جميع الرجال في عائلة قازانجي التوأم في سن 
مبكرة. وبعد أن فقدت طفليها نتيجة إصابتهما بأحد أمراض الطفولة» 
انتقلت بانو للإقامة بشكل دائم في بيت العائلةء وأصبح زوجها يزورها بين 
الحين والآخر في السنوات التالية . وكانت بين الفينة والفينة تزوره لتطمئن 
عليه» كغريبة قلقة أكثر من كونها زوجة محبّة. 

وبالطبع کان هناك مصطفى ٠»‏ الابن الوحيد في هذا الجيل»ء الجوهرة 
التي أورثها الله هذه العائلة بعد أربع بنات» والذي كان ثمرة رغبة ليفانت 
قازانجي الشديدة في إنجاب صبي يحمل اسم العائلة. وهكذا نشأت 
الأخوات قازانجي الأربع وهن يشعرن بأنهن مجرد زائرات غير مرغوب 
فيهن. فقد كان أول ثلاثة أطفال فتيات . وكانت بانو وشكرية وفريدة 
يشعرن وكأنهن مقدمة لمجىء الشىء الأصيل» مقدمة عرضية فى حياة 
اوهو الت الان ا عار عل ات هى ان ا ا 
الخامسة» فقد كانت تعلم أن أبويها كانا يأملان بان يضرب الحظ ضربته 
معهما مرة أخرى. فبعد أن أنجبا صبياً أخيراًء كانا يريدان أن يريا إن كانا 
محظوظين في إنجاب صبي آخر. 

منذ أول يوم ولد فيه مصطفى» أعتبر درة نفسية في العائلة . وأتخذت 
سلسلة من الإأجراءات لحمايته من المصير المشؤوم الذي ينتظر جميع 
الرجال فى شجرة العائلة. فعندما كان رضيعاًء أحيط بالخرزات الزرق 
والأحجبة لدرء العين الشريرة عنه؛ وكانت العيون مسمّرة عليه عندما أصبح 
طفلاً يحبو» وأرسل شعره طويلاً مثل فتاة حتى بلغ الثامنة من عمره وذلك 
لتضليل عزرائيلء ملاك الموت. وعندما كان يريد أحد أن يخاطب الطفلء 
«البنت» كانوا يقولون له: «يا بنت» تعالي إلى هنا»» ومع أن مصطفى كان 
طالباً جيدأًء دُمُرت معظم حياته في المدرسة الثانوية لعدم قدرته على 
الاختلاط بالآخرين. فقد كان ملكا في بيته» وكان يبدو أنه يرفض أن 
يكون ملكا بين ملوك كثيرين في قاعة صفه في المدرسة. ومع مرور 
الزمنء لم يعد أحد من زملائه يحبه» إلى درجة أنه عندما أرادت كلثوم أن 


Twitter: @ketab_n 3 


تقيم حفلة لمصطفى وأصدقائه بمناسبة تخرّجهم» لم يجدوا أحداً يوجهون 
إليه الدعوة. 

کان شخصاً غير اجتماعي ومتغطرساً خارج بیته» ومدللاً بشکل لا 
يقبل الجدل مثل ملك متوّج في البيت» ومع مرور كل سنةء كن يخشين 
دنو الموت منه شأن جميع رجال عائلة قازانجي› إلى أن خطرت لهن فكرة 
جيدة وهي أن يرسلن مصطفى إلى الخارج. وبعد شهر واحد» باعت 
الجدة ما - الهيفاء مجوهراتها لجمع المبلغ المطلوب» وفي الثامنة عشرة 


من عمره» غادر ابن عائلة قازانجی إستانبول إلى أريزوناء حیث التحقى 
بالجامعة ليدرس الهندسة الزراعية والنظم البيولوجية بأمل أن يعيش ليرى 
r‏ 


لذلك» عندما وتخت كلثوم زليخة في يوم الجمعة ذاك. أول جمعة 
من شهر تموز» تطلب منها أن تكون ممتنة لعدم وجود رجال في العائلةء 
كان ثمة شيء من الحقيقة في هذا الكلام. وردأ عليهاء لم تفه زليخة 
بكلمة» بل توجهت إلى المطبخ لتبحث عن الذكر الوحيد في البيت» وهو 
القط الفضي المبرقع النهم الذي لا يشبع أبداًء والذي كان مولعاً على نحو 
غير عادي بالماء» والمصاب بأعراض كابة وتوتر اجتماعية كثيرة» التي 
يمكن تفسيرها فى أفضل الأحوال بأنه مستقل» وفى أسواً الأحوالء بأنه 
عصابي . وكان اسمه الباشا الثالث. ۰ 

تمکنت أجيال القطط في قناق عائلة قازانجي بنجاح في أن اسل 
وفي أن تنجب سلالة بعد أخرى كالبشر؛ وكان جميع أفراد العائلة يكنّون 
لهذه القطط مودّة بدون استثناء» وبخلاف البشر»ء لم تكن تجرفها من هذه 
الدنيا سوى الشيخوخة. ومع أن كل قطة كانت تحتفظ بشخصيتها 
المتميزة» كان ثمة مورّئان اثنان متنافسان يجريان فى السلالة القطيّة فى 
البيت . فمن ناحية» كانت هناك المورَثة «النبيلة» الواردة من القطة القارسة 
البيضاء بلون البودرة» ذات الشعر الطويلء والأنف الأفطس» التي كانت 


Twitter: @ketab_n ۳ 


ما الهيفاء قد أحضرتها معها عندما كانت عروساً شأبة في أواخر 
العشرينيات من القرن العشرين («لا بد أن القطة هي المهر القليل الذي 
حصلت عليه»» كانت النساء في الح يقلن ساخرات). ومن الناحية 
الأخرى» كانت هناك مورثة «الشارع؛ التي لا يعرف أحد من أين جاءت» 
لكن من الواضح أنها جاءت من قطة شارع بنية اللون مائلة للاصفرار» 
تمكنت على ما يبدو من التزاوج مع القطة الفارسية البيضاء في اليوم الذي 
هربت فيه من البيت. وجيلاً بعد جيل» وكأنها تتناوب على ذلك» کانت 
إحدى الميزات الوراثية تسود في العائلة القطيّة التي ولدت تحت هذا 
السقف. وبعد فترة› توقفت عائلة قازانجي عن الاهتمام بإيجاد أسماء 
بديلة» بل راحت تتبع شجرة النسب القطيّة . فإذا كانت الهرّة تشبه سليلة 
النسب الأرستقراطي» بيضاء ومكسوة بالفرو» وذات أنف أفطس» 
يسمونها على التوالى» الباشا الأول الباشا الثانى» الباشا الثالث. . . 

إذا كانت تنتمي إلى سلالة قطة الشارع» فكانوا بظلقون عليها اسم «سلطان» 
اسم أرفع مقاماًء ويشير إلى الاعتقاد بأن قطط الشارع أرواح حرة تحكم 
ذاتها» وليست بحاجة لأن تداهن وتتزلف أحداً. 


وحتی الآن» کان امتیاز الاسم» بدون استثناء» ينعکس في شخصیات 
القطط التى تعيش تحت هذا السقف . فقد تبين أن القطط التى تنتمى إلى 
طبقة النبلاء من النوع المنعزل» المحتاج» الهادئ» تلعق نفسها باستمرار» 
تمحي أي أثر لأي اتصال إنساني بها عندما يربت عليها أو يمسدها أحد؛ 
أا الت 2ة الثانية ء فكانت من النوع الفضولي والأكثر قوة ونشاطاً التي 
تجد متعة في وسائل ترف غريبة» مثل تناول الشوكولاتة. 
وكان الباشا الثالث يجسّد مزايا وخصائص نسبه العريق» وكان دائماً 
يمشي متبختراً وبأبهة» وکأنه کان يسير على أطراف أصابعه فوق زجاج 
مکسور. وکان يشغله أمران أثيران لديه» كان يمارسهما فى كل مناسبة 
وهما: قضم أسلاك الكهرباء» ومراقبة الطيور والفراشات» وكان يشعر 


Twitter: @ketab_n ٤ 


بالكسل لمطاردتها. فربما شعر بالتعب إذا طاردهاء أما قضم الأشرطة 
ومراقبة الطيور والفراشات فلم يكن يكل أو يمل من ممارستهما. فقد 
قضم» أو كشط» أو بعج جميع الأسلاك الكهربائية في البيت ما لا يقل عن 
ثلاث مرات. ووصل الباشا الثالث إلى سن الشيخوخة المتقدمة رغم 
الصدمات الكهربائية الكثيرة التي تعرض لها. 

«هياء يا باشاء أيها الولد الجيد». راحت زليخة تطعمه قطعاً من جبنة 
الفيتاء التي يحبها كثيراً. ثم وضعت مثزراً وراحت تنظف تلالاً من القدور 
والمقالى والصحون. وعندما أنهت الصحون وهدأت نفسهاء عادت إلى 
مائدة العشاء حيث وجدت كلمة «لقيط» لا تزال معلقة في الهواءء وأمَها 
لا تزال متجهمة . 

لبشن جميعهن جالسات دون أن يأتين بأي حركة» إلى أن تذكرت 
إحداهن الحلوى. فعبقت رائحة حلوة لطيفة في الغرفة عندما بدأت شكرية 
تصبَ الرز بالحليب من قدر ضخم في أطباق صغيرة. وفيما واصلت 
شكرية توزيع الأطباق وكأنها تتصدق عليهن» تبعتها فريدة» وراحت ترش 
جوز الهند المبشور فوق كل طبق. 

«كان من الأفضل بكثير لو أضيفت له القرفة»» قالت بانو وكأنها 
تنتتحب» «كان يجب ألا تنسي أن تشتري القرفة. . ٠.‏ 

مالت زليخة إلى الوراء في كرسيهاء ورفعت أنفها إلى الأعلى وآخذت 
فا غا رکا کان ت ا فن طا غر رة وعندما بدأت 
تزفر شعورها بالإعياء شيئاً فشيئاًء أحسّت بأن لا مبالاة «اليويو» أخذ يتباطأً 
ويتراخى ثانية. غاصت روحها تحت ثقل كل ما حدث» وكل مالم 
يحدث في هذا اليوم الطويل والجهنمي. مسحت بعينيها مائدة العشاءء 
وأحست بالذنب عندما رأت صحون الررّ بالحليب مكسوة برقائق جوز 
الهند. ثم ودون أن تحرّل نظرتها» همهمت بصوت رقيق» لم يبد أنه 
صوتها على الإطلاق. 

«أنا آسفة . . .»» قالت: «أنا آسفة جداأً». 


Twitter: @ketab_n ٤ 


حمص 


إن السوبر ماركت مكان خطير مليء بالأفخاخ للقانطين والمنبهرين› 
أو هكذا قالت روز لنفسها وهي تشق طريقها إلى قسم حفاضات الأطفالء 
بعد أن عزمت هذه المرة على ألا تشتري شيئاً ليست بحاجة إليه حقاً. كما 
أن هذا ليس وقَتاً للعبث والتسكع . فبعد أن تركت ابنتها الصغيرة في 
السيارة عند موقف السيارات. بدأ القلق يعتريها الآن. فقد كانت تفعل 
أحياناً أشياء سرعان ما تندم على القيام بهاء لكنها لم تكن تستطيع أن 
تتراجع عنها. وقد تكررت هذه الحوادث إلى درجة مرعبة في الأشهر 
القليلة الماضية - لكي نكون أكثر دقة» ثلاثة أشهر ونصف الشهر. ثلاثة 
أشهر ونصف الشهر من الجحيم على الأرض وهي تقاوم» تكافح» تصيح› 
ترفض» تتوسل»› وأخيراً استسلمت مذعنة لوضع حد لزواجها. فقد يكون 
الزواج حماقة عابرة يخدعك» ويجعلك تعتقدين أنه سيكون زواجا أبدياًء 
لكن يصعب أن تقدّري هذه الدعابة عندما لا تكوني أنت من يضع حدأ له. 
ففي الواقع» يجب أن يستمر الزواج ويسير ببطء إلى أن يصاب بنكسة لا 
E‏ 
ليس الأمل بأن تعيشين حياة أفضل بل الأمل بأن تنتهي المعاناة لكليكماء 
N TT‏ وأن تذهب فى حال سبيلهاء کان 
اما ما فرت أن ل روز ا عن هن الفحف .فا كان ما کل 


Twitter: @ketab_n ٦ 


أشبه بنفق من المعاناة التي أرغمها الله على أن تمر زاحفة عبره» فهي لن 
تخرج منه هذه المرة» تلك المرأة الضعيفة التي كانت في الماضي . 

وكدلالة على عزمها وتصميمهاء حاولت روز أن تطلق ضحكة خافتةء 
إلا أنها كبتتها ولم تجعلها تتجاوز حنجرتها. وبدلاً من ذلك أطلقت 
تنهيدة» تنهيدة تشي بقلق أكثر مما كانت تنوي» وذلك لأنها وصلت إلى 
القسم الذي لم تكن ترغب في أن تأتي إليه» قسم الحلوى وألواح 
الشوكولاته. وعندما مرت من أمام رفوف الشوكولاتة الداكنة الخالية من 
السكر ذات طعم الفانيلا المخصصة للذين يراقبون الكربوهيدرات في 
طعامهم» توقفت على الفور. تناولت لوحا لوحين. . .ثلاثة ألواح» 
خمسة ألواح. لا لأنها كانت تراقب الكربوهيدرات في غذائهاء بل لأنها 
كانت تحب هذه العبارة» أو بدقة أكبر» كانت تحب إمكانية أن تراقب 
شيئاًء أي شيء» وخاصة بعد أن أتهمت مراراً بأنها رة بيت فاشلة» وأمْ 
شنيعة . لكن روز كانت متحمسة لإثبات العكس بأي وسيلة ممكنة. 


وبلمح البصر غيّرت روز وجهة العربة» لكنها وجدت نفسها في قسم 
آخر من أقسام الأطعمة الرخيصة. بحق الجحيم أين هو قسم حفاضات 
الأطفال؟ ثم وقعت عيناها على كومة من ألواح جوز الهند المحمّْص› 
وكان الشيء التالي الذي عرفته هو أنه أصبح يقبع في عربتها رزمة» 
رزمتان. . . ست رزم. لاء يا روزء لا تفعلي ذلك. .. فبعد ظهر هذا 
اليوم التهمتِ ربع غالون كامل من الآيس كريم من نوع كرز غارسيا. . . 
لقد ازداد وزنك کثيراً. . . وإن کان هذا تحذیراً داخلياًء فإنه لم يصل 
بصوت مسموع . لكنه كان يضغط على زر من الإحساس بالذنب في بقعة 
ما من لا وعي روزء ليجعل صورة عن نفسها تنبثق في مخيلتها. ولوهلة»› 
توقفت وراحت تحدق في صورتها المنعكسة في مرآة خيالية» مع أنها 
تمكنت بمهارة من تجحاشى المرآة الحقيقية القابعة وراء رفوف الخسش 
الصغير . وبقلب حزين أخذت تنظر إلى ردفيها ووركيها التي ازدادت اتساعاً 


Twitter: @ketab_n ۷ 


وعرضاًء لكنها كانت لا تزال تستطيع أن تبتهج من أجل عظام وجنتيها 
المرتفعة» وشعرها الأشقر الذهبي» وعينيها الزرقاوين» وأذنيها الجميلتين! 
فالأذن جزء من جسم الإنسان يمكن الوثوق به. فمهما ازداد وزنك» تظل 
الأذنان على حالهماء وفيّتان دائما. 

لكن للأسف ليس هذا هو الحال مع باقي أجزاء جسم البشر. ويمكن 
إطلاق أي اسم على شكل جسد روز» إلا أنه لا يمكن تسميته جسداً وفياً 
على الإطلاق. فقد مر جسدها بسرعة في مراحل عديدة إلى حد أنها لم 
تعد تستطيع أن تصتفه» كما تصنّف «مجلة الحياة الصحية» أشكال الجسم 
لجمهور قارئاتها. فإن كانت تنتمي إلى فثة «شكل الأجاص» مثلا» فيجب 
أن يكون وركاها أعرض من كتفيها. وإن كانت تنتمي إلى «شكل التفاحة»» 
فستكون عرضة لزيادة الوزن عند البطن والصدر. وبما أن لديها صفات 
شكل الأجاصة والتفاحة معأًء لم تعرف روز بدقة إلى أي صنف تنتمي» 
إلا إذا كانت هناك فئة أخرى لم يرد ذكرها في هذه التصنيفات مثل «شكل 
المانغا»» التي تكون ممتلئة في جميع أنحاء الجسم وتكون أكثر اكتنازاً 
في الجزء السفلي . يا إلهيء قالت لنفسها. عليها أن تفقد هذه الباوندات 
الإضافية . فبعد أن انتهى جحيم فصل الطلاق هذا» ستصبح امرأة جديدة. 
بالتأكيد» قالت لنفسها. وكانت كلمة «بالتأكيد» الكلمة التى دأبت روز على 
استخدامها بدلاً من كلمة «نعم». ا ت 
«بالتأكيد لا» . 


استحوذت على روز فكرة أن تفاجئ زوجها السابق وعائلته الكبيرة 
الممتدة بالمرأة الجديدة التى ستصبحها قريباً» وجالت عيناها رفوف 
الممر. ثم امتدت يدها إلى الخلوق والسكاكر ي اكاك مفحففة الك 
وخالية من الزبدة٠»‏ «ستاربورست بطعم الفاكهة»» «رقائق عرق السوس 
الأسود». وما أن ألقت بهذه الأشياء فى العربةء حتى أخذت تغذّ الخطى 
وکأن أحداً يطاردها. لکن لا بد أنه کان لاستسلامها للحلوى بهذا الشكل 


Twitter: @ketab_n ۸ 


تأثير قوي على ضميرها المعذڏب» لأنها سرعان ما كانت تجد نفسها تكافح 
بإحساس عميق من الندم. كيف يمكنها أن تترك طفلتها وحيدة داخل 
السيارة؟ مع أنها كانت تسمع كل يوم في التلفزيون أخباراً عن اختطاف 
طفلة من أمام بيتهاء أو عن أمٌ أتهمت بتعريض طفلتها للخطر. . . ففي 
الأسبوع الماضي› أضرمت امرأة من تاسكون بولاية أريزونا النار ببيتهاء 
وكادت تودي بحياة طفليها اللذين كانا نائمين داخل البيت. وإذا ما حدث 
لها شيء قريب من هذاء قالت روز لنفسهاء فإن حماتها ستصاب بالهلع . 
وعلى الفور سترفع شوشان» الأمّ المهيمنة» حاكمة الأسرةء ذات النفوذ» 
وذات القدرة الكلية» دعوى لضم حفيدتها إلى رعايتها. 

في غمرة هذه السيناريوهات الكئيبة» سرت في جسد روز رجفة. 
صحيح أنها بدأت تسرح في آرائها قليلاً في الآونة الأخيرة» وبدأت تنسى 
أشياء من طبيعة مختلفة» لكن لا يستطيع أحد» بل لا يمكن لأحد يملك 
عقلاً سليماًء أن يّهمها بأنها أمّ سيئة! بالتأكيد لا! وستثبت ذلك لزوجها 
السابق ولعائلته الأرمنية الضخمة. إذ كانت عائلة زوجها السابق من بلد 
آخر يحمل أهله أسماء لا يمكنها أن تتهجاهاء ويحتفظون بأسرار لم تتمكن 
من فك رموزها. كانت روز تشعر بأنها غريبة دائماً هناك وكانت تدرك 
على الدوام أنها «أودار»» هذه الكلمة الصمغية التي التصقت بها منذ اليوم 
الأول . 

إنه لشيء فظيع أن تظل مرتبطاً بشخص من الناحية العقلية والعاطفية 
بعد أن تكون قد انفصلت عنه جسدياً. وعندما هدا الغبار واستقر» بعد 
مضي فترة السنة والأشهر الثمانية على الزواج» لم يتبق لروز إلا الغضب 
والاستياء وطفلة. 

«هذا كل ما تبقى لي ٠٠...‏ تمتمت روز لنفسها. في الواقع» فهذا هو 
الأثر الجانبي المعروف عن الشعور بالمرارة المزمنة بعد الزواج : الذي 
يجعلك تكلمين نفسك. مهما كان الحوار الذي تتخيلينه» ولن ينضب منك 


Twitter: @ketab_n ۹ 


معين الكلمات . وخلال الأسابيع الماضية» راحت روز تتجادل في مخيلتها 
مع جميع أفراد عائلة تشكمكجيانء تدافع عن نفسها بقوة» وكانت في كل 
مرَة تخرج منتصرة في هذا الجدال المتخيل» وتقول بحرية وبطلاقة كل ما 
لم تتمكن أن تقوله قبل الطلاق» وكانت تلوم نفسها لأنها لم تفعل ذلك 
من ل 

ها هى! حفاضات الأطفال ذات القدرة الكبيرة على الامتصاص 
ا ما أن وضعتها في العربةء حتی رآت رجلا متوسط 
العمر» ذا سكسوكة وشعر بدأ يدب فيه الشيب. كان يبتسم لها. في 
الواقع» كانت روز تحب أن يلاحظ أحد أنها أم» وها هو الآن شخص 
ينظر إليهاء فارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة. مدت يدها» وهي 
تشعر بالسعادة» لتصل إلى صندوق كبير من الحفاضات المعطرة التى 
تقون على مين إى». الحمة لله آته يرج ااي رر انها 
وبدافع من رغبتها في الحصول على مزيد من التقدير» راحت تتمشى ذهاباً 
وإياباً في ممر قسم منتجات الأطفال» وها هي ذي تجد أشياء لم يكن في 
نيتها أن تشتريها في المرات السابقةء أما الآن» فلم تر سبباً لعدم شرائها: 
ثلاث قناني من مستحضر مضاد للبكتريا للقضاء على الطفح الجلدي 
الناجم عن الحفاضات» ولعبة صغيرة لحمَام الأطفال تطلق تحذيراً عندما 
تزداد حرارة الماء في الحوض»› ومجموعة من ست قطع بلاستيكية لحماية 
الأصابع الصغيرة» وكيس قمامة صغير مرسوم عليه قرد» وعضاضة أسنان 
طرية في شكل فراشة . 

وضعت جميع هذه الأشياء في العربة. من يستطيع أن يدعوها أمَاً لا 
مبالية؟ كيف يمكنهم أن يتّهمونها بأنها لا تأبه لما تحتاج إليه طفلتها؟ ألم 
تتوقف عن الدراسة في الجامعة عندما ولدت الطفلة؟ ألم تبذل جهداً كبيراً 
لكي تحافظ على هذا الزواج؟ وكانت روز تحب أن تتذكر بين الحين 
والاخرء الفترة التي كانت لا تزال فيها طالبة تذهب إلى الجامعة» وعندما 


Twitter: @ketab_n 


کانت لا تزال عذراء» وغندما کان لا يزال جسدها رشيقاً. لقد وجذت 
مؤخراً عملاً في مطعم الجامعة» مما قد يساعدها في تحقيق حلمها الأولء 
لكنه قد لا يساعدها في تحقيق حلميها الأخرين . 

ما أن وجدت روز نفسها في القسم التالي» حتى لوت وجهها. «قسم 
الأطعمة الأجنبية» . اختلست نظرة متوترة إلى مرطبانات غموس الباذنجان» 
وغلب: آوراق التب المملحة. لا باذنجان بعد الآن! لا رماس جد الاآن! 
لا طعام أرمني غريب الشكل بعد الآن! حتى أن مجرد رؤية الخافورما 
الشنيعة» كانت تجعل معدتها تهتاج وتتلبك . ومن الآن وصاعداً» ستطهو 
ما يحلو لها. ستطهو لابنتها أطباق الكنتاكي الحقيقية! وقفت روز دقيقة 
طويلة تعصر دماغها لتجد مثالا عن وجبة طعام مثالية . وأبدى وجهها شيئاً 
من الانشراح عندما خطر لها الهمبرغر. بالتأكيد! قالت مؤكدة لنفسها. 
وأيضا» بيض مقلي» وفطائر مغمسة بعصير نبات القبقب» ونقانق مع 
البصل»ء ولحم الضأن المشوي» نعم وخاصة لحم الضأن المشوي. . . 
وعوضاً عن شراب اللبن الذي يشبه الوحل» والذي كانت تتقزز من مجرد 
رؤيته عند كل وجبة طعام» ستشربان عصير التفاح! ومن الآن وصاعداًء 
ستختار هي قائمة الوجبات اليومية من المطبخ الجنوبي» فلفل حار أو لحم 
خنزير مدخن. .. أو حمَص. وستقدم هذه الأطباق بدون شكوى أو 
تذمر. وكان كل ما تحتاج إليه» رجل يجلس قبالتها في آخر النهار. رجل 
يحبَها حقاًء ويحبًَ الطعام الذي تعدّه. بالتأكيدء هذا ما كانت روز بحاجة 
إليه: حبيب بدون أحمال وأثقال عرقية» لا أسماء يصعب لفظهاء ولا 
عائلة لا يعد أفرادها ولا يحصون؛ حبيب جديد طازج يقذر تناول 
الحمَّص. 

مرت فترة من الزمن أحبّت هي وبرصام أحدهما الآخر. الفترة التي لم 
یکن يلاحظ خلالها برصام» وبالتأکید لم يکن يمانع» أي طعام تضعه على 
المائدةء لأن عينيه كانتا معلقتين في مكان آخر» مثبتتين عليها» مفعمتين 


Twitter: @ketab_n 0۱ 


بالحب . وما أن تذكرت تلك اللحظات الشبقة حتى تورّدت وجنتا روز 
واعتراهما الدفءء إلا أنهما سرعان ما بردتا وعاد إليهما بياضهما الطبيعي 
عندما تذكرت المرحلة التى أعقبت ذلك . فللأسف» دخلت عائلته الشنيعة 
على المسرح بسرعة لخن عه ا الأبدء ومنذ ذلك الحين بدأ 
حبهما يخبو. لو لم تدس عصابة تشكمكجيان أنوفها المعقوفة في زواجهاء 
قالت روز لنفسهاء لظل زوجها إلى جانبها. «لماذا تتطفلين دائماً على 
زواجنا؟» سألت شوشان» التي تخيّلتها الآن جالسة في كرسيها ذي 
المسند» وهي تعد القطب في البطانية التي تحيكها الآن ا لکن 
حماتها لم تجبها. وكرّرت روز سؤالها بشيء من الإحباط . كان ذلك 
حقاًء الأثر الجانبي العام لشعورها بالاستياء المزمن بعد الزواج : الذي لا 
يجعلك تكلمين نفسك فقط» بل يجعلك تصبحين عنيدة أيضا مع 
الآخرين. وحتى لو أصبحت على وشك الانهيار» فلن تنحني . «لماذا لم 
تتركينا في حالنا؟» طرحت روز السؤال نفسه على كل أخت من أخوات 
زوجها الثلاث - العمَة سوربان» والعمة زاروهي» والعمة فارسينيغ - وهي 
تحذق في مرطبانات البابا غنوج المصفوفة على رفوف البقالة. 

تركت روز قسم الأطعمة الأجنبية» واستدارت واتجهت بسرعة إلى 
القسم التالي. وبدافع من شعورها بالغضب والكآبة» راحت تتنقل بين 
جانبي ممر قسم الأغذية المعلبة والفاصولياء الجافة» واصطدمت بشابَ 
كان واقفاً فى الممر» ينظر إلى الرف الذي تصطف عليه أصناف مختلفة من 
الحمَص . بالتأکید لم یکن هذا الرجل واقفاً هنا قبل ثانيةء قالت روز في 
نفسها. يبدو أنه تجسّد هناء وكأنه هبط من السماء. كانت بشرته فاتحة 
اللون» وجسمه رشيقاً ومتناسقاًء وعيناه بلون البندق» وأنفه مدبباًء مما 
جعله يبدو شخصا حذراً وجدياً. وكان شعره الذي يشبه شعر السمور 
قصيراً. خيّل إلى روز أنها كانت قد رأته في مكان ما من قبل» لكنها لم 
تتذكر أين ومتى . 


Twitter: @ketab_n ۲ 


«إنها جيدة» أليس كذلك؟» سألته روز» وأضافت» «لكن لسوء الحظ 


لا يقذرها الجميع'. 

عندما خرج من تأمله» أجفل الشاب والتفت إلى المرأة ذات الوجه 
الوردي» المكتنزة الواقفة إلى جانبه» وهي تمسك في كل يد علبة حمَص 
وقد احمرَ وجهها خجلاً. وعندما فوجئ وأخذ على حين غرة» لم يستطع 
أن يستعيد حذره الذكوري بسهولة . 

«آنا آسف. . .» قال» وأمال رأسه إلى اليمين» وقد تشنجت عضلات 
وجهه على نحو لا إرادي» فسّرته روز بأنه دلیل على الخجل . 

ابتسمت روز لري الشاب أنها سامحته» ثم نظرت إلى وجهه بسرعة 
كومضة» مما زاده توتراً وعصبية . فبالإضافة إلى تعبير الأرنب الرقيق الذي 
كساها الآن» كان يكسو روز ثلائة أشكال أخرى تشبه الحيوانات كانت 
توحي لها بها الطبيعة الأم» وكانت تستخدمها بالتناوب في جميع تعاملاتها 
مع الجنس الآخر: تعبير الكلب الوفي» الذي كانت تختاره عندما تريد أن 
تنقل مشاعرها المخلصة التامة؛ وتعبير السنور الشيطاني» الذي كانت 
تستخدمه عندما تريد أن تغوي أحداً؛ وتعبير ذئب البراري المشاكس» الذي 
كانت تستخدمه عندما يوجه إليها أحد انتقاداً. 

«أوه» أنا أعرفك!» وارتسمت على وجه روز ابتسامة مِلء شدقيهاء 
سعيدة بذاكرتها. «كنت أعصر دماغى وأنا أتساءل أين رأيتك من قبل. لقد 
تكرت الها نك ال فى محلدت | اند يوء مح اراهن أنك ت 
دجاج کیسدودیا!؛ . 

ألقى الشاب نظرة باتجاه الممر» وكأنه يفكر في الهرب في أيي لحظةء 
لكنه لم يكن يعرف في أي اتجاه سينطلق . 

«إني أعمل ساعات قليلة في محل شواية الصبّار» - بذلت روز جهداً 
لقساغده على القذكر لطم الكبير في الطابق الثاني سن تى ااه 


Twitter: @ketab_n o 


الطلاب» أتذكر؟ إني أقف عادة وراء الكاونتر حيث نقدم الطعام ساخناً - 
عجة وكيسدوديا كما تعرف . إني لا أعمل طوال الوقت» طبعأء فهم لا 
يدفعون كثيراً لكن ماذا على المرء أن يفعل؟ إنه شىء مؤقت فقط . أريد أن 
أصبح معلمة مدرسة ابتدائية» . ۰ 

بدأ الشاب يتفخص الآن وجه روز وكأنه يريد أن يحفظ تفاصيل 
قسماته عن ظهر قلب لكي يستعيدها في المستقبل . 

في جميع الأحوالء لا بد أني رأيتك هناك أنهت روز كلامها. 
ضيقّت عينيهاء» وبللت شفتها السفلى» وانتقلت إلى تعبيرها الكلبي وقالت : 
«لقد تركت العمل عندما أنجبت طفلتي في العام الماضي» لني حاون 
أن أعود إلى الجامعة الأن. ..). 

«أوه» حقا؟» قال الشاب» لكنه أغلق فمه على الفور. لو كان لدى 
روز أي تجربة سابقة مع الأجانب لاكتشفت مقدمة الفعل المنعكس بالنسبة 
للأجنبي - وهي عدم الدخول في حديث خشية ألا يستخدم الكلمات 
الصحيحة في الوقت المناسب» أو يلحن في لفظها. 

إلا أنه كانت لدى روز» منذ أن كانت في سن المراهقة» نزعة 
للافتراض بأن كل شىء حولها يكون إما عنها أو من أجلها أو ضدها. 
للك فرت الصمت بان امار ةغل عام فدرتها على قدي ننا 
بشكل لائق. ولكي تستدرك خطأها» مدت يدها. 

«أوه» أنا آسفة. نسيت أن أقذَم نفسي . اسمي روز». 

(مصطفى . . ٠.‏ ابتلع الشاب تفاحة أدم خاصته» التي أخذت تعلو 
وتهبط بسرعة . 

«من أين أنت؟» سألته روز. 

«من إستانبول»» أجاب باقتضاب . 


Twitter: @ketab_n o 


لو كان لدى مصطفى أي تجربة سابقة في التعامل مع الريفيين» لأمكنه 
أن يكتشف مقدمة الفعل المنعكس لديهم - الخوف من ألا توجد لديهم 
معرفة كافية بجغرافية العالم أو تاريخه. حاولت روز أن تتذكر أين تقع 
إستانبول على سطح الكرة الأرضية. هل هي عاصمة مصر أو ربما مدينة 
في الهند. . .؟ عبست مشوشة التفكير . 

أما مصطفى» فقد كان الخوف يتملكه منذ أن كان مراهقاً من أن يفقد 
قبضته على الزمن وأن يفقد جاذبيته نحو النساء. لذلك فسّر بادرتها بأنها 
دليل على أن روز انتابها الملل لأنه لم يقل شيئاً مثيراً للاهتمام» 
ولاستدراك ذلك أسرع يقاطعها . 

اتر يقابك با روزا فاك عاطا الأحرف الصوتة رة رة 
كا راف .ف ان انف ان .ء٤‏ 

وبسرعة كبيرة أعاد علب الحمَص» وحذق في ساعته» وأمسك سلته 
وغادر مسرعاً. وقبل أن يختفي» سمعته روز يهمهم «باي ۔ باي»» ثم 
سمعته یقول وکأنه یردد صدی نفسه» «باي - باي» أخرى . وانطلق . 

بعد أن فقدت روز هذا الرفيق الغامض» أدركت فجأة أنها أضاعت 
وقتاً طويلاً في السوبرماركت. فأمسكت عدداً من علب الحمَص» بما فيها 
العلب التي تركها مصطفى» وهرعت إلى صندوق الدفع . عبرت قسم 
المجلات والكتب» ورأت هناك شيئاً كانت بحاجة ماسة إليه: أطلس العالم 
الكبير. وقد كتب تحت العنوان الرئيسي: أطلس رايات العالم» حقائق 
وخرائط تساعد الآباء والطلاب والمعلمين والمسافرين في أنحاء العالم . 
أمسكت الكتاب» وراحت تبحث عن «إستانبول؟ فى الفهرس» ويعد أن 
عثرت على الصفحة المطلوبةء نظرت إلى الخريطة لترى أين تقع . 

عند موقف السيارات» وجدت سيارة الجيب تشيروكي ۱۹۸٤‏ الزرقاء 
اللون وهي تغلي ټحت أشعة شمس أريزونا فيما طفلتها الصغيرة تغط في 
النوم في داخلها. 


Twitter: @ketab_n 9 


«آرمانوش› استيقظي يا حبيبتي› لقد رجعت ماما» . 

تحركت الطفلة قليلاًء لكنها لم تفتح عينيهاء حتى عندما أخذت روز 
تمطر وجهها بالقبلات . كان شعرها البني الناعم مربوطاً بشريط ذهبي كبير 
يكاد يكون بحجم رأسهاء وكانت ترتدي ثوباً أخضر من الريش المزيّن 
بأشرطة وردية وأزرار أرجوانية. بدت مثل شجرة عيد ميلاد قزمة فام 

«هل أنت جائعة؟ ستطهو لك ماما طعاماً أمريكياً حقيقياً الليلة!» قالت 
روز وهي تضع الأكياس البلاستيكية في المقعد الخلفي» وأبقت علبة من 
حلوى جوز الهند قريبة منها لكي تأكل منها في الطريق . رتبت شعرها في 
المرآة الخلفية› ووضعت شريط کاسیت كانت تحب أن تستمع له في تلك 
الأيام» وأمسكت حفنة من حلوى جوز الهند قبل أن تشعّل المحرّك. 

«هل تعرفين أن الرجل الذي التقيت به الآن في السوبرماركت هو من 
ترکیا؟ ٩!‏ قالت روز» وهي تغمز لابنتها في المرآة الخلفية. كان يبدو أن 
كل شيء في طفلتها على ما يرام: أنفها الذي يشبه حبة الررًّء يداها 
الملفوفتانء قدماهاء كل شىء فيها باستثناء اسمها. فقد أرادت عائلة 
زوجها أن تسمي الطفلة باسم أمٌ جدتها. وكم حزنت روز لأنها لم تطلق 
على ابتتها اسماً أقل غرابة» مثل آني أو کاتي أو سيندي» بدلا من أن تقبل 
االات الاي و اوا هان كرون العف اتم ن لرا 
أما اسم «آرمانوش» فهو أبعد ما يكون عن ذلك. فقد بدا الاسم . . . باردا 
جداًء ربما کان يلائم امرأة عجوزاً. هل يجب على روز أن تنتظر حتى 
بشيء يثقب لسانها؟ دحرجت روز عينيهاء والتهمت قطعة أخرى من 
الحلوى. وهنا خطر لها خاطر: فبدءاً من الآن ستنادي ابنتها «آمي»» 
وكجزء من مراسم المعمودية› أرسلت إلى طفلتها قبلة في الهواء. 


Twitter: @ketab_n 01 


عند التقاطع التالي انتظرتا إشارة المرور حتى تتحول إلى اللون 
الأخضر. راحت روز تنقر على المقود» ترافق غلوريا إستيفان في الغناء . 

لا يوجد حب جديد لديء کل شيء في هرج ومرج 

ما جری قد جری» والآن جاء دوري کي أبتهج. . . 


¥ ¥ ¥ 


وضع مصطفى المواد القليلة التي اختارها أمام أمينة الصندوق : زيتون 
كالاماتاء سبانخ مجمّد» وبيتزا بجبنة الفيتاء وعلبة حساء الفطر» وعلبة 
حساء بكريم الدجاج» وعلبة حساء دجاج بالمعكرونة الرفيعة. فمنذ 
وصوله إلى الولايات المتحدة» لم يطه شيئاً مطلقاً. وكلما كان يعمل في 
المطبخ الصغير في شقته المؤلفة من غرفتين» كان يتملكه شعور بأنه مثل 
ملك مخلوع يعيش في المنفى. فقد ولت الأيام التي كانت تخدمه وتطعمه 
جدته وأمّه وأخواته الأربع الوفيات . أما الآنء فقد أصبح غسيل الصحون» 
وتنظيف الغرف والكوي والتسوّق بشكل خاص» عبئاً ثقيلاً جداً على 
کاهله. ولم يکن من السهل أن يتخلّص من الشعور بأ شخصاً آخر يجب 
أن يفعل له هذه الأشياء. فلم يعتد على القيام بهذه الأعمال» أكثر من 
اعتياده على الوحدة. 

وكان يشارك مصطفى في الشقَة» طالب جامعي أندونيسي› لا یکاد 
يفتح فمه. وكان منكباً دائماً على دراسته» وينصت إلى أشرطة غريبة مثل 
«خرير جداول الجبل» أو «أغاني الحيتان»» في كل ليلة حتى ينام . کان 
مصطفی یتمنی أن يكون لديه رفيق يشاركه في البيت» ليخفف عنه مشاعر 
وحدته في أريزوناء لکن ما حدث کان الکن اا ففي الليل» عندما 
يكون وحيداً في سريره تبعده آلاف الأميال عن عائلته» لم يكن بوسعه 
مقاومة الأصوات التي تتلاطم داخل رأسه. الأصوات التي تسأله وتوجه 
إليه اللوم لأنه هكذا. ولم يكن ينام نوماً هانئاً. وكان يمضي ليال كثيرة 


Twitter: @ketab_n 0¥ 


وهو يتفرج على مسلسلات كوميدية قديمة» أو يبحر في الإنترنت. ؤهي 
أشياء كانت تساعده كثيراً. وعندها فقط كان يتوقف عن التفكير بهذه 
الأمورء التي لا تني تعود مع ضوء النهار التالي. وكان يذهب من البيت 
إلى الجامعة سيراً على الأقدام» وفي فترات الاستراحة أو أثناء فترة الغداءء 
کان مصطفی یجد نفسه یفکر بإستانبول. وکان یتمتّی أن یتمکن من محو 
ذاكرته» ويزيل جميع الملفات فيها ليعيد تشغيل برنامج رأسه من جديد. 

وكان من المفروض أن تنقذه أريزونا من المصير السيء الذي حل 
بجميع الذكور في عائلة قازانجي. لكن مصطفى لم يكن يؤمن بهذه 
المعتقدات . فقد كان التخلى عن هذه الخرافات جميعها: الخرزات لدرء 
العو الف ورا حجان العمرة وجليات ر ايخ فى اه 
اختياراً واعياً منه أكثر من أن يكون رذ فعل تلقائي . وکان یری أنها جميعها 
جزء من عالم مظلم ومعقد يخص النساء فقط . 

وفي جميع الأحوال» كانت النساء لغزاً. فبعد أن نشأً وتربى مع عدد 
من النساء» كان من الغرابة أن يشعر بالجفاء والابتعاد عنهن طوال حياته . 

فقد كان مصطفى قد نشأ وتربى على أنه الصبي الوحيد في عائلة 
يموت رجالها في سن مبكرة وعلى نحو مفاجئ ودون توقع أيضاً. وکانت 
تعتريه رغبات جنسية متزايدة وهو محاط بأخوات حُرّْمن عليه حتى من حياة 
التخيّل. ومع ذلك فقد انزلق في مهاوي أفكار شنيعة عن النساء. ففي 
بادئ الأمر» كان مصطفى يغرم بالفتيات اللاتي كن يرفضنه. وبما أنه كان 
يخشى أن ترفضه الفتيات» أو أن يسخرن منه» أو يحتقرنه» بدأ يتوق إلى 
جسد الأنثى من بعيد. وفي هذه السنة» بدأ يتفرج بتوتر على صور 
عارضات في مجلات أمريكية ذات صفحات مصقولة» وكأنه فهم الحقيقة 
المبرّحة بأنه لا توجد امرأة بهذا القدر من الجمال سترغب به أبداً. 

ولن ينسى مصطفى تلك النظرة العنيفة التي برزت على وجه زليخة 
عندما قالت له إنه «أير لا يقدر بثمن». فلا يزال إحراج تلك اللحظة يحترق 


Twitter: @ketab_n 0۸ 


فى داخله حتى اليوم. فقد كان يعرف أن زليخة تستطيع أن ترى ما وراء 
ذكورته المفروضة عليه» وترى قصّة تربيته الحقيقية . 

فقد كانت تعرف أنه صبي مدلل تلقمه بالملعقة أمّ مضطهدة يهددها 
ويضربها أب مستبد. فقد قالت له: «لقد أصبحت في نهاية الأمر نرجسياً 
ولا تشعر بالأمان». هل كان بالإمكان أن تكون الأمور مختلفة بينه وبين 
زليخة؟ لماذا كان يعتريه شعور بالرفض والكره رغم وجود عدة أخوات وأمٌ 
خرفة إلى جانبه؟ 

كانت زليخة لا تفتأً تهزأً بمصطفى» وكانت أمّه لا تفتأً تبدي إعجابها 
به. وکان يرغب في أن يكون رجلا عادياً جيداً وغير معصوم في الوقت 
نفسه. وكان كل ما يحتاج إليه الحنان وأن تتاح له الفرصة لأن يكون 
شخصاً أفضل. كم كان يتمنى أن تكون لديه امرأة تحبّهء لتغْيّر كل شيء. 
کان مصطفی يعرف أنه يجب أن يعيش في أمریکا لا لأنه كان يريد أن 
يحقق مستقبلاً أفضل» بل لأنه كان يريد أن يتخلأّص من ماضيه . 

«كيف حالك؟» سألته أمينة الصندوق الصبية بابتسامة على وجهها. 

کان هذا شيئاً لم يعتد عليه مصطفى بعد. ففي أمريكا يسأل كل 
شخص الآخرعن م ج لو كان غ ا تماماً. وعرف أن هذه 
الطريقة هي لإلقاء التحية أكثر منها سؤالاً حقيقياً عن الصحة. لكنه لم يكن 
يعرف كيف يرد التحية بالسهولة النلمحة ذاتها . 

«أنا بخير» شكراً» قال» «كيف حالك؟». 

ابتسمت الفتاة. «من أي بلد أنت؟». 

قال مصطفى لنفسه سيأتي يوم سأتحدث فيه بطريقة لن يسألني فيها 
أحد هذا السؤال الوقح لأنهم لن يظنواء حتى للحظة واحدةء أنهم 
يتكلڵّمون مع شخص أجنبي. حمل كيسه البلاستيكي وخرج . 


#*#¥## 


Twitter: @ketab_n 0۹ 


عبر الرصيف شاب وشابة من أمريكا اللاتينية» هي تدفع طفلاً صغيراً 
في عربة» وهو يمسك بيد طفل . كانا يمشيان الهوينى فأخذت روز 
تراقبهما بعين مليئة بالحسد. فبعد أن انتهى زواجهاء كان يبدو لها أن كل 
رجل وامرأة تراهما يعيشان في منتهى السعادة. 

(«أتعرفين؟ أتمتّى أن تراني جدتك - الساحرة أغازل ذلك التركي. هل 
N‏ 
ا 

لم تكمل روز جملتها لأن فكرة خبيثة طرأت لها على الفور. كان لون 
إشارة المرور قد تحرّل إلى الأخضرء وبدأت السيارات أمامها تتقدم» 
وأطلقت الخاحة وراعشا زمررا. لكن روز ظلت واقفة في مكانها ولم 
تتحرك . كانت المخيّلة لذيذة إلى درجة أنها لم تستطع أن تتحرك. وبدأت 
تتداعى إلى رأسها صور شتى» فيما أضاءت عيناها بشعاع من الغضب 
الخالص بزاوية منحرفة . كان هذا في واقع الأمر» ثالث تأثير جانبي نتيجة 
الإحساس بالقنوط المزمن بعد الطلاق: فهو لا يجعلك تتكلمين مع نفسك 
ومشاكسة الآخرين فقط» بل يجعلك أيضأ لا عقلانية وغير منطقية. فما إن 
تشعر المرأة بالسخط المبرّر» حتى ينقلب العالم رأساً على عقب» ويصبح 
اللامنطقى منطقياً تماماً . 

أيها الثأر الجميل. إن البرء يحتاج إلى فترة طويلة» استثمار مجز لكنه 
روز هو أن تفعل شيئأًء أي شيء» لكي تثير حفيظة حماتها السابقة. ولا 
يوجد شيء على وجه الكرة الأرضية يمكنه أن يثير حنق النساء في عائلة 
تشكمكجيان أكثر من «أودار»: أي رجل تركي! 
يمكنك أن تجدي رجلا تركياً في وسط صحراء أریزونا؟ فهم لا يعيشون 


Twitter: @ketab_n 


على نبات الصبّار» أليس كذلك؟ كتمت روز ضحكة» فيما تحوّلت 
قسمات وجهها من الإحساس بالشكر إلى الشعور بالامتنان الشديد. يا لها 
من مصادفة رائعة تلك التي جلبها لها الحظ بالتعرف على شاب تركي. يا 
لها من مصادفة؟ 

تحركت روز إلى الأمام وهي تدندن مع الأغنية. لكنها بدلا من أن 
تدطلق فى طريقها مباشرة» انعطفت إلى اليسارء واستدارت استدارة كاملة› 
ا ا الطريق الآخر» أسرعت في الاتجاه المعاكس . 

أيها الحبٍ البدائي» أريد ما كان في الماضي . 

وبسرعة كبيرة وصلت سيارة الجيب التشيروكي موديل ۱۹۸٤‏ إلى 
مکات قوف ستارات سر رارکت فرای: 

لا يجب علي أن أفكرء فقد أوصاتني الآن إلى الحافة 

هذه هي كلمة الوداع للأوقات التي بكيت فيها. . . 

استدارت السيارة في شكل نصف دائرة» ثم ناورت بشكل مستعرض› 
وبهذه الطريقة وصلت إلى بوابة الخروج من السوبرماركت. وما أن بدأت 
روز تفقد الأمل في العثور على الشاب حتى لمحته واقفاً ينتظر بصبر عند 
موقف الحافلات وإلى جانبه كيس بلاستيكي رقيق . 

(هيه» موصطفى!» صاحت روز» ومدت رأسها من النافذة المفتوحة 
إلى نصفهاء «هل تريد أن أوصلك؟». 

«بالتأكيد» شكراا» أوماً مصطفى» وبذل محاولة ضعيفة ليصحح 

يقة لفظها : «اسمي مصطفی) . 

عندما أصبح داخل السيارة» ابتسمت روز وقالت: «مصطفى» هذه 
ابنتي» آرمانوش. . . لكنني أناديها آمي! آمي» هذا مصطفی» مصطفی هذه 
امی. . .). 


Twitter: @ketab_n 1 


فيما راح الشاب يبتسم في وجه الطفلة التي كان النعاس يغالبهاء 
تمعنت روز في وجهه لتكتشف فيه علامات فارقة» لكنها لم تستطع أن 
تجد أي علامة مميّزة. لذلك قرّرت أن توحي له بفكرة أخرى» هذه المرة 
فكرة أشد وضوحاً: «اسم ابنتي الكامل آمي تشكمكجيان». 

لم تظهر على وجه مصطفى أي دلالة على أن هذه الكلمات أوحت له 
بأي شيء سلبي . لذلك أحست روز بضرورة أن تكرر ذلك فلعله لم 
يفهم قصدها في المرة الأولی: «آرمانوش تشکم - کشیان». 

عندها فقط برقت عينا الشاب لكن ليس بالطريقة التي كانت تتوقعها 
روز. 

اتشاك ماك شيانء ‏ تشاك عاك جى.. .| هيه إنه بشبه اسا 
تركيا» صاح بسعادة. 

«حسناًء في الحقيقة إنه اسم أرمني»» قالت روز» وفجأة اعتراها شيء 
من القلقء «أقصد أبوهاء زوجي السابق؟» وابتلعت ريقها بصعوبة» وكأنها 
تحاول أن تتخلص من کن خا ن فمها. «كان»ء أقصده إنه» 
أرمني» . 

«أيوه؟» قال بلا مبالاة. 

لم يفهم الأمرء أليس كذلك؟ سألت روز نفسها وهي تعلك اللحم 
داخل فمھا. وکما لو كانت تطلق َمْسا مکبوتاً منذ زمن بعيد في حنجرتهاء 
أطلقت شهقة ضاحكة . 

لكنه لطيف. . . لطيف جداً. . . سيكون ثأري الجميل! قالت لنفسها. 

(اسمع»» قالت روز» «لا أعرف إن كنت تحب الفنْ المكسيكي» لكن 
سيفتتح معرض للفن المكسيكي ليلة غد. إذا لم تكن لديك خطط أخرىء 
فیمکننا زیارته» ثم نتناول شیئا بعد ذلك . 


«الفنْ المكسيكي . . .؟» توقف مصطفى . 


Twitter: @ketab_n 1۲ 


«الأشخاص الذين زاروه في مكان آخر قالوا إنه جيد جدا»» قالت 
o‏ «ما رأيك. . . هل تريد أن تأتي معي؟» . 

«الفنْ المكسيكي . . . !» رذد مصطفى بثقة . «بالتأکيد. لِم لا؟» : 

«رائع»» قالت روز مبتهجة . «لقد سررت بلقائك» يا مو صطفى»› 
قالت» محرّفة اسمه ثانية. لكن هذه المرة لم يشعر مصطفى بالحاجة لأن 
يصخح لها اسمه. 


Twitter: @ketab_n 1۳ 


۳ 


سڪز 


«هل هذا صحيح؟ أرجو أن يقول لي أحد إن هذا غير صحيح»» صاح 
العم ديكران ستامبوليان عندما فتح الباب بقوة» واندفع إلى غرفة الجلوس»› 
باحثاً عن ابن أخيه أو بنات أخته أو أي شخص يمكن أن یواسیه. کانت 
عيناه الداكنتان جاحظتين بعض الشىء من شدة الانفعال والتوتر. وكان 
شاربه الكت معقرفا فيلا عند طرفي مما جعله واو وکانه ببسي خن 
وهو يستشيط غضبا. 

«أرجوك هدئ من روعك واجلس يا عم٤»‏ تمتمت العمّة سوربان» 
أصغر الأخوات في عائلة تشكمكجيان» دون أن تنظر في عينيه مباشرة. 
وبما آنها كانت الشخص الوحيد في العائلة التي أيّدت زواج بارسام من 
روز بقوة» فقد شعرت أن اللوم يقع عليهاء علماً أنها لم تكن معتادة على 
أن تنحي باللائمة على نفسها. وكانت سوربان تشكمكجيان» أستاذة العلوم 
الإنسانية في جامعة كاليفورنيا في بيركلي» امرأة تتمتع بثقة كبيرة بنفسهاء 
ومن أنصار تحرر المرآة ومساواتها مع الرجل» وتؤمن بأنه يمكن حل 
جميع المشاكل في هذا العالم عن طريق الحوار والعقل. ومرت أوقات 
جعلها هذا الاعتقاد تشعر بالوحدة في عائلة مزاجية مثل عائلتها. 

نفذ دیکران ستامبولیان ما طلب منه» وألقی بنفسه في كرسي فارغ» 
وراح يقضم أطراف شاربيه. كان أفراد العائلة جميعهم متحلقين حول 


Twitter: @ketab_n 1٤ 


طاولة قديمة مصنوعة من خشب الماهوغوني TT‏ الطعام» 
مع أن أحداً لم يكن يتناول شيئاً. وكانت طفلتا العمْة فارسينيغ التوأمين 
تغطان في النوم على الأريكة . وكان ابن العم البعيد كيفورك کارا کاراوجلانیان 
هناك أيضاًء بعد أن قدم بالطائرة من مينيبوليس لحضور مناسبة اجتماعية 
تنظمها جالية الشباب الأرمنية في منطقة الخليج (۸۲۴4 yة8).‏ وخلال 
إالأشهر الثلاثة الماضية› حضر كيفورك جميع المناسبات التي نظمتها 
الجالية بدافع من الإحساس بالواجب - حفلة موسيقية خيرية» رحلة سنوية› 
حفلة عيد الميلادء حفلة ليلة الجمعةء الاحتفال الشتوي السنوي» فطور 
يوم الأحد» وسباق الطوافات لصالح السياحة البيئية في يريقان. وكان العم 
ديكران يشك في أن مجيء ابن أخيه الوسيم إلى سان فرانسيسكو كثيرأء لم 
يكن بسبب التزامه بحضور هذه المناسبات فقط› بل لأنه كان يريد أن يبث 
أيضاً مكنونات صدره لفتاة التقى بها في الجالية . 

أخذ ديكران ستامبوليان يحدّق بشغف في الطعام الذي تمتلئ به 
المائدةء ومد يده إلى جرّة صغيرة مليئة بالعيران» ووضع فيهاء مثل 
الأمريكيين» قطع ثلج كثيرة. وفي الأطباق الفخارية المتعددة الألوان 
والأحجام» كان يقبع العديد من أطباقه المفضلة : فاصوليا بيلاكي» كادين 
بودو كوفتاء كارمياريك»› وتشوريك مُعَدَ حديثا» ولبهجة جة العم ديكران» 
بسطرما . ورغم أنه کان یشتعل غضباًء فقد هفا قلبه عندما رأى البسطرماء 
وذاب تماماً عندما رأى طبقه المفضّل إلى جانبه: بورما. 

ورغم أن طعامه كان تحت مراقبة زوجته الصارمة على الدوام» كان 
العم ديكران يضيف في كل سنة طبقة أخرى من الشحم إلى كرشه التي 
أصبحت بارزة بشكل فاضح» وأضحت تشبه جذع شجرة تضيف إليها 
حلقة من حلقات النمو في كل سنة. وبعد أن أصبح بديناً الآن ذا كرش 
كبيرة» لم يعد يكترث بأي من هذين الأمرين. وقبل سنتين» عرض عليه 
أن يمثل دوراً في أحد الإعلانات التجارية للباستا. وأدى دور طاه مرح» لا 


Twitter: @ketab_n 


تستطيع حتّى خطيبته التي خذلته» أن تثبط من روحه المرحة» ما دام 
يحتفظ بمطبخه ويستطيع أن يطهو قدراً من السباغيتي . وبالفعل» وکما متّل 
في الإعلانات التجارية» كان العم ديكران رجلا خفيف الظل» مرحاً إلى 
درجة كبيرة إلى حد أنه عندما كان أصدقاؤه يريدون إثبات القول المعروف 
بن البدينين أشخاص يتمتعون بخفة الظل وبروح مرحة أكثر من الآخرين › 
کانوا يستشهدون به. أما اليوم» فلم یکن العم دیکران على سجیته . 

«أين بارسام؟» سأل العم ديكران مادا يده ليتناول كفتة من فوق التلةء 
«هل يعرف ماذا تنوي أن تفعل زوجته؟» . 

«زوجته السابقة)» قالت العمَّة زاروهى مصححة. فبما أنها كانت 
معلمة جديدة في مدرسة ابتدائية تتصارع طوال النهار مع أطفال ناکین 
لم تكن تستطيع أن تمسك نفسها عن عدم تصحيح أي خطأً تسمعه. 

لانعم» السار بقة! باستشنا ا ء أنها لا ڌ تعترف بذلك! هذه المرأة معتوهة› 
أقول لكم . إنها تفعل ذلك عن قصد. إن لم تكن روز تفعل ذلك لتغيظناء 
فیس اسم دیکات نها آوجدوا لی اسما ارا 

«إنك لست بحاجة إلى اسم آخراء قالت العمَّة فارسينيغ» تواسي 
عمّهاء «لا شك أنها تفعل ذلك عمداً. . .» 

يجب أن ننقذ آرمانوش)» قاطعتها الجدة شوشان» كبيرة العائلة. 
نهضت وتركت المائدة» وجلست على كرسي ذي مسندین . ومع أنها 
كانت طاهية ممتازة» فلم تعد لديها شهية جيدة للأكلء ويدأً القلق يعتري 
بناتها مؤخراً لأنها وجدت طريقة ما لكي تعيش بأقل قدر من الطعام قد لا 
يتجاوز ملعقة شاي في اليوم. كانت امرأة قصيرة» ناتئة العظام» وتتمتع 
بقَرّة استثنائية لمعالجة حالات أشد تعقيداً وهولا من هذه الحالةء وكان 
وجهها الرهيف يشغ بهالة من القوة والسلطة. كانت ترفض الاعتراف 
بالهزيمة مهما بلغت» وتعتقد اعتقاداً جازماً بان الحياة كفاح لا يتوقف› 


Twitter: @ketab_n 11 


لكن إذا كان الأمر يتعلق بأرمني تصبح أشد صلابة ثلاث مرات» وقد 
حيرت قدرتها على استمالة كل من تصادفه طوال تلك السنين الكشثيرين في 
عائلتها . 

«لا يوجد شىء يعادل أهمية أن تبقى الطفلة فى صحة جيدةا» دمدمت 
لحد رشان وهي تفاعت القلادة القضة للقديس أنطرن الى تملقها دافا 
ل را ا ا هذا القديس» شفيع الأشياء افر ف رات 
كثيرة في التغلب على الخسارات التي تعرضت لها في حياتها. 

هنا أخذت الجدة شوشان أبر حياكتها وجلست. وتدلت شلة الصوف 
وهي تحيك بطانية زرقاء اللون للطفلة التي حاكت على حافتها الحروف 
اا أ. ك. ساد صمت لوهلة» ومثل جميع من كان في 
الغرفة» O O‏ فقد 
أثرت حياكة الجدة شوشان على + جميع أفراد العائلة وكانت بمثابة جلسات 
علاج جماعية. eo as‏ 
ويشعره بالاطمئنان» مما جعلهم يشعرون بأن الجدة شوشان ما دامت 
تواصل الحياكة» فلا خوف من وقوع مكروه» وكان الجميع على ثقة بأن 
کل شيء سیکون على ما یرام . 

«إنك على حق يا آرمانوش الصغيرة المسكينة)» قال العم ديكران 
الذي كانء كقاعدة عامة» يصطف إلى جانب شوشان فى أي خلاف 
عائلي» لأنه يعرف جيداً أنه من الأفضل ألا يخذل كبيرة العائلة التي تتمتع 
بنفوذ مطلق . خفْض العم ديكران صوته عندما سأل: «وماذا سيحل بذلك 
الحمل الوديع؟». 

قبل أن يجيبه يجيبه أحد» سمع صوت خشخشة عند العتبة» ثم فتح الباب 
بالمفتاح ا کان وجهه شاحباً» وعیناه تحدّقان بقلق من وراء 
الكؤوس ذات الحواف الذهبية. 


Twitter: @ketab_n 1۷ 


«هاه! انظروا من جاء!» قال العم دیکران» «سيد بارسام» سيربي ترکي 
ابنتك وأنت لا تحرك ساکناً. . . آموت!». 

«وماذا بوسعي أن أفعل؟» قال بارسام تشكمكجيان بنبرة حزينة» 
والتفت إلى عمه. نقل عينيه إلى لوحات مستنسخة ضخمة لرسوم طبيعة 
N‏ وكأن الرد 
الذي كان يبحث عنه مخفي في اللوحة. لکنه بدا أنه لم يجد أي عزاء في 
اللوحة» لأنه عندما بدأ يتكلْم» کان صوته قد خلا من أي عزاء كما من 
قبل» فقال: «لا يح لنا أن نتدخل . إن روز أمَها». 

«أمان! يا لها من أمٌ!» ضحك ديكران ستامبوليان. بالنسبة لرجل 
بحجمه» كانت لديه ضحكة حادة مجلجلة على نحو غريب - وهو شىء 
يعرفه جيداً ويستطيع التحكم بهاء إلا عندما تعتريه الكابة والإجهاد. ۰ 

«وماذا ستقول تلك الحمل الوديع لأصدقائها عندما تكبر؟ أبي بارسام 
تشکمکجیان» وعم أبي دیکران ستامبولیان» وأبوه فارفانت إیستانبوليان› 
د سمي آرمانوش تشكمكجيان» وکل من في شجرة عائلتي يحمل اسم 
شي ان ونا حفيدة الناجين من الإبادة الجماعية التي فقدت جميع 
أقاربها على يد الجزارين الأتراك في عام ١١١۱ء‏ لكني تعرضت إلى غسيل 
دماغ وأصبحت أنكر حدوث المجازر لأني تربيت في كنف رجل ترکي 
يدعى مصطفى! يا لها من مهزلة؟ . . . «‘marnim khalasim! «o‏ . 

توقف دیکران ستامبولیان وراح ینظر بإمعان إلی ابن أخیه لیری مدى 
تأثير كلماته عليه. لکن بارسام لہ لبث واقفاً دون أن يأتي بحركة وكأنه 
صخرة . 

«اذهب يا بارسام!» صاح العم ديكران بصوت أعلى هذه المرة» 
«استقل الطائرة إلى تكسون هذه الليلة وأوقف هذه المهزلة قبل أن يفوت 
الأوان. تكلم مع زوجتك. هيده!٠.‏ 


Twitter: @ketab_n 14 


«الزوجة السابقة!» صححت له العمَّة زاروهي» وهي تتناول قطعة 
بورماء «آه» يجب ألا آكل هذه ففيها كمية كبيرة من الشكر مليثة 
بالسعرات الحرارية . لماذا لا تجربين المحليات الاصطناعيةء يا أمّي؟» . 

«لأني لا أسمح بأن يدخل مطبخي شيء اصطناعي»» أجابت شوشان 
تشكمكجيان . «كلي كما يحلو لك حتى تصابي بالسكري عندما تتقدمين 
في العمر. لکل شيء موسمه». 

«حسناًء أظن أني لا أزال في موسمي لتناول السكر» غمزت لها العمَة 
زاروهي» لكنها لم تجرؤ على تناول قطعة بورما كاملة» بل أكلت نصفها. 
وبینما کان فمها لا یزال يمضغ› التفتت إلى أخيها وقالت: «في جميع 
الأحوالء ماذا تفعل روز في أريزونا؟». 

«لقد وجدت عملا هناك»» قال بارسام بصوت يخلو من أي نبرة. 


لانعم» يا له من عمل!» راحت العمَة فارسينيغ تنقر على رأس أنفها. 
ابحق السماء ماذا تظن نفسها فاعلة» تعمل في مطعم وكأنه لا يوجد في 
حسابها ولا قرش واحد؟ إنها تتعمد أن تفعل ذلك. إنها تريد العالم بأسره 
أن يوجه لنا اللوم» ليظن الناس أننا لا نعيل الطفلة. أمْ شجاعة بدون زوج 
تواجه مصاعب الحياة وحدها! هذا هو الدور الذي تحاول أن تؤديه!». 

ستکون آرمانوش بخیر٤»‏ دمدم بارسام» محاولاً ألا يبدو يائساً. «لقد 
بقيت روز في أريزونا لأنها تريد أن تعود للدراسة في الجامعة. وعملها في 
مطعم اتحاد الطلاب مؤقت. إن ما تريده حقاً هو أن تصبح معلمة مدرسة 
ابتدائية . تريد أن تمضي وقتها مع الأطفال. ولا يوجد غلط في ذلك. ما 
دامت على ما يرام وتعتني بارمانوش» ماذا يهم مع من تخرج؟». 

«أنت على حقّ» لكنك مخطى أيضاً؛» قالت العمَة سوربان وهي تدس 
ساقيها تحتها في كرسيها» وقد تصلبت عيناها فجأة بشيء من التهكم. «في 
عالم مثالي» يمكنك أن تقول» حسناًء إنها حياتها ولا علاقة لنا بها. وإذا 


Twitter: @ketab_n 3۹ 


لم یکن لديك ى تقدير للتاريخ والأجدادء أو ذاكرة أو مسؤولية› وإذا 
كنت تعيش وحدك في الحاضر فقط يمكنك بالطبع أن تذعي ذلك. لكن 
الماضى يعيش فى الحاضرء وأجدادنا يتنفسون من خلال أطفالنا وأنت 
تعرف ذلك . . . وما دامت ابنتك تعيش مع روز» فلديك كل الحق في أن 
تتدخل فى حياتهاء وخاصة عندما تصاحب شاباً تركاً!» . 

تدخلت العمَة فارسينيغ التي لم تكن تشعر بالراحة لسماع خطب 
فلسفية» والتي كانت تفضل الكلام بصراحة ووضوح على الكلام الذي 
يتفوه به المثقفونء وقالت: «عزيزي بارسام» أرني تركيأ يتكلم الأرمنيةء 
هل يمكنك أن تفعل ذلك؟». 

بدلاً من أن يرد عليهاء ألقى بارسام إلى أخته الكبرى نظرة جانبية . 

تابعت العمَة فارسينيغ كلامها: «قل لي كم تركي تعلَم اللغة الأرمنية 
في حياته . لا أحدا لماذا تعلّمت أمهاتنا لختهم ولم يحدث العكس؟ أليس 
واضحاً من هيمن على من؟ مجرد حفنة من الأتراك قدموا من آسيا 
الوسطی» صحیح؟ ثم كل ما تعرفه أنهم انتشروا في کل مکان! ماذا حدث 
لملايين الأرمن الذين كانوا يعيشون هناك؟ لقد تم استيعابهم! دبحوا! 
تيتموا! رُخُلوا! ثم نسي أمرهم! كيف يمكنك أن تعطي ابنتك من لحمك 
ودمك إلى أناس جعلونا قلة ونعيش في معاناة وألم اليوم؟ سيتململ 
میسروب ماشتوتس في قبره!. 

هز بارسام رأسه» لکنه ظل صامتاً. ولیخفف من کرب ابن أخيه» بدأ 
العم ديكران يروي قصة. 

«ذهب عربي إلى دكان حلاق لیحلق شعره. وعندما انتھی »› هم بدفع 
الأجرة لكن الحلاق قال له: «أبدأًء لن أقبل منك نقوداً. فهذه خدمة 
التاليء عندما فتح الحلاق دكانه» وجد بطاقة عند الباب كتب عليها 
«شكرأً» وسلة مليئة بالتمرا. 


Twitter: @ketab_n 


تململت إحدى التوأم النائمتين على الأريكة لكنها لم تبك . 

«وفي اليوم التالي» ذهب تركي إلى الحلاق نفسه ليحلق شعره. 
وعندما انتهى» حاول أن يدفع الأجرء لكن الحلاق قال مرة أخرى: «لن 
أقبل منك نقودا. فهذه خدمة اجتماعية». دهش الترکي› وغادر الدكان 
مسروراً. وفي صباح اليوم التالي» عندما فتح الحلاق دكانه» وجد بطاقة 
كتب عليها «شكرا» وصندوقا من اللقم عند باب دكانه». 

بدأت الطفلة الثانية التي أيقظتها حركة أحدهم تبكي . فهرعت العمَةَ 
فارسينيغ إليها وأسكتتها بلمسة من أصابعها. 

«وفي اليوم التالي جاء أرمني ليحلق شعره. وعندما انتهى» حاول أن 
بدفع للحلاق أجرته لكن الحلاق اعترض وقال: «(سف» لا يمكنني أن 
أقبل منك نقوداً. فهذه خدمة اجتماعية). دهش الأرمني وغادر الدكان 


ور وفي صباح اليوم التالي» عندما فتح الحلاق دکانه. . . احزروا 
مادا وجد؟). 

«صرَة من البورما؟» اقترح كيفورك . 

«ل لقد وجد عشرة أرمن ينتظرون حلاقة شعرهم مجاناً!». 

«هل تريد أن تقول إننا شعب بخيل؟» سأله كيفورك. 

«لاء أيها الشاب الجاهل»» قال العم ديكران» «كل ما أريد أن أقوله 
إن أحدنا يهتم بالآخر. فإذا رأينا شيئاً جيدأًء نتبادله ونتقاسمه على الفور 
مع أصدقائنا وأقربائنا. وبهذه الروح الجماعية تمكن الشعب الأرمني من 
البقاء على قيد الحياة» . 

«لكنهم يقولون أيضاًء (عندما يجتمع أرمنيان» فهما يقيمان ثلاث 
كنائس مختلفة))» قال ابن العم كيفورك» متخذاً موقفاً حازماً. 

فقال دیکران ستامبولیان اخرا؛ Das’ mader’s mom’ri, noren koh)»‏ 
كا" نط» فقد كان يعطي دائماً أمثلة عن الأرمن عندما يحاول أن يعلّم 
شابا درس لكنه فشل هذه المرة. 


Twitter: @ketab_n ۷۱ 


استطاع أن يفهم معنى بيت - أرمني فقط» لكنه لم يفهم معنى صحيفة - 
أرمتية. حك كفورك ضحكة خافة» بشىء من الحصبية أيضا ريماء وهو 
بار إا الحية باه فم الضف الارن من الجمكتة لهل ني 
الباقي . 

رفعت الجدة شوشان أحد حاجبيها» وتحدثت بالتركيةء كما دأبت 
عندما تريد أن تنقل رسالة مباشرة إلى شخص مسن فى الغرفة ولا تريد أن 
يفهم ما تقوله الأشخاص الأصغر سنا . «‘Oglani E iii‏ . 

بعد أن فهم الرسالةء تنهد العم ديكران» مثل صبي وبّخته أَمَه» وعاد 
د ثم ساد صمت. کل شخص وکل شيء - 
الرجال الثلاثة» أجيال النساء الثلاثة» البسط الكثيرة التى تزيّن الأرضية› 
والمجموعات الفضية الأثرية في الخزانة» الا ي ا 
وشريط الفيديو في جهاز تشغيل الفيديو (لون الرمان)ء بالإضافة إلى 
اللرحات الكرة٠‏ وابقرة صلاة القذيسة آناء وملصق جبل أرارات المجلل 
بطبقة من الثلج الأبيض النقي - ساد صمت لوهلة فيما اكتسبت الغرفة 
لمعاناً نادراً تحت الضوء الناعس المنبعث من ضوء الشارع الذي أضيء 
للتو في الخارج . كانت أشباح الماضي ترافقهم . 

توقفت سيارة» ورکنت أمام البيت» وأضاءت أنوارها الأمامية الغرفة 

من الداخل» فأضاءت الأحرف المكتوبة على الحائط في إطار مذهّب : 
آمین › الحقٌ أقول لكم: ما تَرْبُطونَةُ في الأرض يكونٌ مَربوطا في السّماءء 
وما تَحْلْونَةُ في الأرض يكودٌ مَحلولاً في السّماءِ . القدیس منّی› ۱۸ - 
۱۸ مرت عربة آخرى تقرغ أجراسها؛ تنقل الأطفال والسيّاح الصاخبين 

من الهضبة الروسية إلى الحديقة المائية» والمتحف البحري» ورصيف 

صيادي السمك - وتدفقت إلى الغرفة أصوات ساعة الازدحام في سان 
فرانسيسكو» فأخرجتهم من أحلامهم . 

«في الواقع أن روز ليست امرأة سيثة)» جازف بارسام بالقول: «لم 


Twitter: @ketab_n ا‎ 


يكن من السهل عليها أن تعتاد على أساليبنا. فقد كانت فتاة خجولة من 
کنتاکى عندما التقينا أول مرة». 

«يقولون إن الطريق إلى جهنم معبّد بالنوايا الحسنة»» قال العم 
دیکران. 

لکن بارسام تجاهله» وتابع کلامه: «هل یمکنکم أن تتخيّلوا هذا؟ 
حتى أنهم لا يبيعون الكحول هناك! إنه ممنوع! هل تعرفون أن أهم مناسبة 
في إليزابيث تاون بكنتاكي هي ذلك المهرجان السنوي الذي يرتدي فيه 
لتاس ثباباً سل الآباء المؤسسين؟٠‏ وقلب بارسام كيه إلى الأعلى» إما 
ليثبت وجهة نظرهء أو ليلفت انتباه الله في دعاء يائس» «ثم يذهبون إلى 
وسط البلدة للقاء الجنرال جورج آرمسترونغ كستر!». 

«لهذا السبب لم يكن عليك أن تتزوّجها في المقام الأول». قال العم 
دیکران بهدوء. فقد تلاشی منه الآن الخضب» وحلت محله معرفته بأنه لا 
يستطيع أن يظل غاضباً من ابن أخيه الذي يحبه كثيراً. 

«إن ما أريد أن أقوله هو أنه لا توجدلدى روز خلفية متعددة 
الثقافات»» قال بارسام» «فقد كانت الطفلة الوحيدة لأبوين لطيفين جنوبيين 
يديران مخزنا للخرداوات› وكانت تعيش الحياة التى تحياها بلدة صغيرة» 
وفجأة وجدت نفسها وسط هذه العائلة الكاثوليكية الأرمنية الكبيرة الممتدة 
التي تعيش في الشتات. عائلة ضخمة ذات ماض مؤلم للغاية! فكيف 
يمكنكم أن تتوقعوا أن تتأقلم مع كل هذا بهذه السهولة؟». 

«حسناًء لم يكن هذا سهلا علينا أيضاً»ء قالت العمَّة فارسينيغ 
معترضة» مشيرة بأسنان شوكتها إلى أخيها قبل أن يسبقهم إلى قطعة كفتة 
أخری . وبخلاف أمَهاء كانت تتمتع بشهية جيدة» فقدمت لها كمية الطعام 
التي تتناولها يومياً تقريباًء فضلاً عن أنها كانت قد أنجبت توأماً في الآونة 
الأخيرةء وكانت معجزة حقاً أن تظل نحيفة هكذا. «عندما تفكر أن الطعام 

3 


Twitter: @ketab_n VY 


الوحيد الذي تعرف طهيه هو شواء الخروف الفظيع في شكل أقراص! ففي 
كل مرة كنا نأتي إلى بيتك كانت تضع ذلك المئزر القذر وتشوي لحم 
خروف) . 

«أوه» لکنى يجب أن أكون منصفة)» واصلت العمة فارسینیغ کلامهاء 
سعيدة باستجابة مستمعيهاء «وكانت بين الحين والآخر تغْيّر نوع الصلصة. 
ففى بعض الأحيان» كنا نأكل شواء الخروف بصلصة تيكس ميكس الكثيرة 
التوابل» وفى أوقات أخرى» كنا نتناول الشواء بصلصة الكريمة. .. كان 
مطبخ زوجتك أرضاً متنوعة من الأطعمة!». 

«الزوجة السابقة!» صخحت العمَة زاروهى مرة أخرى . 

«لكنكم قسوتم عليها كثيرا»» قال بارسام» دون أن ينظر إلى أي منهم 
بشکل خاص»› وأضاف : «انتبهواء إن أول كلمة أرمنية تعلمتها كانت ت كلمة 
«أودار». 

«لكنها هي نفسها أودار». انحنى العم ديكران إلى الأمام» وصفع ابن 
أخيه على ظهره. «إذا كانت أودار» فلماذا لا ندعوها أودار؟». 

هزته الصفعة أكثر مما هزه السؤالء تجرأً بارسام وأضاف: «حتى إن 
بعض الأشخاص في هذه العائلة E‏ 

«وما الخطاً في ذلك؟» أخذت العمة فارسینیغ ية الاسر شخضيا »> بین 
لقمتيها الأخيرتين من التشوريك . اجب على هذه التراة أن تخ اسنها 
من روز إلى شوكة. فاسم روز لا يلائمها. هذا الاسم الجميل لتلك 
المرارة الشديدة. لو كان لدى أباها وأمّها المسكينين أدنى فكرة عما 
ستكون عليه» صدقني يا أخي العزيز» لسمياها شوكة!). 

«كفى مزاحاً!». 

كانت شوشان تشكمكجيان هي التي قالت هذا. لم تكن الصرحة تبدو 


Twitter: @ketab_n vt 


وكأنها لوم أو تحذير» بل كان لها كلا التأثيرين بطريقة ما على جميع من 
فى الغرفة. وتحول الغروب الآن إلى ليلء وبدأً الظلام يخيم. نهضت 
الجدة شوشان وأشعلت ضوء الثريا الكريستال . 

يجب أن ننقذ آرمانوش من الأذى» هذا هو أهم شيء»» قالت 
شوشان تشكمكجيان بهدوء» وبرزت تحت الضوء الأبيض الخطوط الكثيرة 
على وجهها والحعروق الأرجوانية الرقيقة في يديها: «إن هذا الحمل الوديع 
بحاجة إليناء كما أننا بحاجة إليها. 

بهت وجهها من التصميم هرت رأسها وأضافت : 
«لا يمكن إلا لأرمني أن يفهم ماذا يعني أن أن يقل عددنا كثيراً. لقد تقلّصنا 
قل جا ليت: خط ووز ان ترج مج س تھا پل وان رچ 
من تريد» لكن ابنتها أرمنية» ويجب أن تنشأً وتتربى كأرمنية) . 

ثم انحنت إلى الأمام وقالت لابنتها الكبرى وهي تبتسم : «ناوليني ذلك 
النصف من صحنك. بمرض سكري أم لا» كيف يمكن للمرء أن يرفض 
البورما؟». 


Twitter: @ketab_n 


لم تكن آسيا قازانجي تعرف ما الذي يجعل بعض الناس يغرمون 
بالاحتفال بأعياد الميلاد» التي تكرهها هي . بل كانت تمقتها بشدة. 

ربما تعود كراهيتها لأعياد الميلاد إلى أيام طفولتهاء عندما كان يُصنع 
لها في کل عيد ميلاد قالب الكاتو نفسه ۔ كاتو بالتفاح بثلاث طبقات تعلوه 
طبقة من الكراميل (شديدة الحلاوة) وعليها قشطة الليمون المخفوقة 
(شديدة الحموضة). ولم تكن تعرف كيف يمكن أن تتوقع خالاتها أنهن 
يدخلن البهجة إلى نفسها عندما يقدمن لها قالب الكاتو هذاء رغم أن كل 
ما كن يسمعنه منها سيلا من الاحتجاجات. وربما كن ينسين ذلك. وربما 
كانت ذكريات عيد الميلاد في السنة الماضية تمحى من ذاكرتهن. ربما كان 


الإطلاق» أما عندما يتعلق الأمر بقصصها هي» فهي تنساها تماما . 

هكذا إذن» ففي كل عيد ميلاد» كانت آسيا قازانجي تأكل الكاتو 
نفسه» وتكتشف في كل مرة حقيقة جديدة عن نفسها. فعندما كانت في 
الثالثة من عمرها مثلاًء تبين لها أنها تستطيع أن تحصل على أي شيء تريده 
تقريباًء بشرط أن تفتعل نوبات غضب . لکنها أدركت بعد ثلاث سنوات» 
في عيد ميلادها السادس» أنه من الأفضل أن تتوقف عن افتعال نوبات 
الخضب» لأنها مع كل حادثة» رغم تلبية جميع مطالبهاء فإن فترة طفولتها 


Twitter: @ketab_n ۷٦ 


زطول أكثر. وعندما بلغت الثامنةء بدأت تعرف شيئاً كانت تشعر به» لكنها 
لم تكن متأكدة منه» وهو أنها لقيطة. وعتدما تفكر بالأمرء تجد آنه لم 
يكن لها أي فضل في اكتشاف هذه المعلومة بالذات» لأنه لولا جدتها 
كلثوم» لاستغرق اكتشاف هذه الحقيقة وقتاً أطول بكثير . 
الجدة كلثوم منهمكة في سقاية نباتاتهاء وكانت آسيا تراقبها وهي تلوّن 
صورة مهرَّج في كتاب تلوين للأطفال. 

«لماذا تتكلمين مع نباتاتك؟» أرادت آسيا أن تعرف . 

«النباتات تتفتح بسرعة إذا كلمتها» . 

«حقاً؟» قالت آسيا مبتسمة . 

«حقاً. إذا قلت لها إن التراب مها والماء أبوهاء فهي تتشجع 
وتتفتح) . 

لم تطرح آسيا سؤالاً آخر» بل عادت إلى تلوينها. فلرّنت بدلة المهرج 
باللون البرتقالي ولؤّنت أسنانه باللون الأخضر. وفيما بدأت بتلوين حذائه 
بلون قرمزي ساطع» توقفت» وبدأت تقد جدتها. «يا حلوتي» يا حلوتي! 
التربة امَك والماء أبوك». 

تظاهرت الجدّة كلثوم بأنها لم تلحظ ذلك. وعندما لاحظت آسيا عدم 
مبالاة جدتهاء» زادت من جرعة أنشودتها . 

جاء دور البنفسج الأفريقي في السقاية» النبتة الأثيرة لدى الجدة 
كلثوم. فراحت تهدل للزهرة» «كيف حالك يا حلوتي؟) فرددت آسياء 
«(كيف حالك يا حلوتي؟) . 

زمت الجدة کلثوم شفتیها وقالت : «کم أنت أرجوانية وجميلة!». 

کم أت أرجوانية وجميلة!). 


Twitter: @ketab_n ¥ 


عند ذاك رمت الجدة كلثوم فمها وغمغمت» «لقيطة». قالت الكلمة 
بصوت خفيض » ولم تعرف آسيا على الفور أن جدتها كانت تخاطبها هي »› 
لا الزهرة. 

لم تعرف آسيا معنى الكلمة إلا بعد سنة» عندما اقترب موعد عيد 
ميلادها التاسع» عندما أطلق عليها أحد الصبية في المدرسة كلمة «لقيطة» . 
وعندما بلغت العاشرة» اكتشفت أنه» بخلاف جميع الفتيات الأخريات في 
غرفة صفهاء لم يكن يوجد في عائلتها رجل واحد تحتذي به. واستغرقت 
ثلاث سنوات أخرى لتفهم أن هذا قد يحدث تأثيراً دائماً على شخصيتها. 
ففي أعياد ميلادها الرابع عشر»ء والخامس عشر» والسادس عشر» كشفت 
على التوالى ثلاث حقائق أخرى عن حياتها: أن عائلات أخرى لا تشبه 
عائلتهاء وأن بعض العائلات قد تكون عادية؛ وأنه يوجد في عائلتها نساء 
كثيرات وأسرار كثيرة عن رجال اختفوا في سن مبكرة وعلى نحو غريب 
أيضاً؛ وأنها مهما فعلت» فلن تصبح امرأة جميلة على الإطلاق . 

وعندما بلغت آسيا قازانجي السابعة عشرة من عمرهاء فهمت كذلك 
أنها لم تعد تنتمي إلى إستانبول أكثر من اللوحات التي كتب عليها «طريق 
قيد الإنشاء» أو «بناية قيد الترميم» التي تضعها البلدية بشكل مؤقت› أو 
الضباب الذي يكتنف المدينة في الليالي الكئيبة» وينقشع مع بزوغ الفجرء 
الذي لم يكن يؤدي إلى أي مكانء بل كان يتجمع ليصبح لا شيء . 

وفي السنة التالية مباشرة» وبالتحديد قبل يومين من عيد ميلادها الثامن 
عشر» سرقت آسيا علبة الدواء في البيت» وابتلعت جميع الحبوب فيها. 
وفتحت عينيها لتجد نفسها في سرير محاطة بجميع خالاتها وجدتها كلثوم» 
بعد أن أرغمنها على شرب منقوع من الأعشاب الموحلة ذات رائحة 
كريهة» وكأنه لم يكن يكفي أنهن جعلنها تتقياً كل ما كان في معدتهاء فقد 
بدأت سنتها الثامنة عشرة وهي تعرف حقيقة أخرى لكي تضاف إلى 
فا ا ا او ت ا الم او م ا 


Twitter: @ketab_n ۷۸ 


كالياقوت» وأنها في عائلة كعائلتهاء لن تكون بالتأكيد واحدة من 
الحظوظات . 

من الصعب معرفة إن كانت هناك علاقة بين هذا الاستنتاج وما أعقب 
ذلك» إلا أن هوسها بالموسيقى بدأ يتشكل في تلك الأيام. لم يكن حباً 
مجرداً شاملاً للموسيقى» ولم يكن ولعاً ببعض أنواع الموسيقى المختارةء 
ل كان تعلقأ بمغن واحد أحد وهو جوني کاش . 

کانت تعرف کل شيءَ عنه: تفاصيل دقيقة وكثيرة عن مسيرته من 
آرکانساس إلى ممفیس › ورفاقه فى الشراب»› وزیجاته › وتقلباته» وصوره» 
وإيماءاته» وبالطبع أغانيه . واتخذت من أغنيته «ثلاثة عشر» شعارها الدائم 
وهي في الثامنة عشرة» وقررت آسيا آنها هي أيضا ولدت بروح مشبعة 
بالتعاسة» وأنها ستجلب المتاعب أينما ذهبت . 

اليوم» وفی عید میلادها التاسع عشر» شعرت نها نضجت » بعد أن 
سجلت ملاحظة عقلية عن حقيقة أخرى من حياتها: أنها بلغت الآن العمر 
الذي ولدتها فيه آمّها. وبعد أن توصلت إلى هذا الاكتشاف» لم تكن 
تعرف تماما ماذا ستفعل به. فكل ما عرفته أنها من الآن وصاعداء لا 
يمكنهن أن يعاملنها كطفلة . 

لذلك قالت متذمرة: «إنى أحذركن! فأنا لا أريد قالب الكاتو لعيد 
میلاد هذه السنة!». 

عندما كرّرت كتفيها» واسندت يديها على خصرها» نسيت للحظة أنها 
عندما تقف هكذاء فإن صدرها يندفع إلى الأمام. وعندما كانت تلاحظ 
ذلك» کانت تعود إلى وقفتها المحدودية» لأنيا کانت تکره صدرها الكبير› 
الذي اکتشفت أنه عبء وراٹى آخر من أمَها. 

وكانت تشبَّه نفسها أحياناً بالغول الذي سيظهر يوم القيامة» والذي 
يتألف كل عضو من أعضائه من حيوان مختلف. ومثل ذلك المخلوق 


Twitter: @ketab_n ۷۹ 


الهجين تماماًء كانت تحمل جسداً مكوناً من أجزاء منفصلة ورثتها عن 
النسوة في عائلتها. فقد كانت طويلة» أطول بكثير من معظم النساء في 
إستانبول»ء مثل أمَّها زليخة» التي كانت تدعوها «خالتي» أيضاً؛ وكانت 
لديها تلك الأصابع النحيفة ذات العروق الرفيعة الكثيرة مثل أصابع الخالة 
شكرية؛ والذقن المدببة على نحو مزعج التي ورثتها عن خالتها فريدة؛ 
والأذنان الفيليتان اللتان ورئتهما عن الخالة بانو. وكان أنفها أكثر الأنوف 
المعقوفة بوضوح شديد» الذي لم يكن له شبيه سوى أنفان آخران فقط في 
تاریخ العالم - أنف السلطان محمد الفاتح وأنف الخالة زليخة. فقد كان 
السلطان محمد قد فتح إستانبول» شئت أم أبيت» وهي حقيقة هامة لم 
تكن تجعله يكترث بشكل أنفه كثيراً. أما الخالة زليخة» فقد كانت 
شخصيتها قوية جداً» وجسدها فاتناً إلى درجة أن أحداً لن يعتبر أن أنفها أو 
أن أي جزء آخر - عيب فيها. لكن بما أنه لا توجد إنجازات إمبراطورية في 
سيره الاةونظر لجرا الطبيعن عن جاب الاسن وسخرعم» كانت 
آسيا تتساءل» ماذا يمكنها أن تفعل بأنفها؟ 


وكانت قد ورثت بعض الصفات الجيدة أيضاً من قريباتها. وأول هذه 
الأشياء» شعرها! فقد كان شعرها أجعد» أسود داكناًء أهوشاً - نظرياًء فهو 
يشبه شعر جميع النساء في العائلة» وعمليأًء فهو لا يشبه إلا شعر الخالة 
زليخة . فقد كانت معلمة المدرسة الثانوية المنضبطة» الخالة شكرية مثلاً 
ترفع شعرها دائماً إلى الأعلى في شكل شينيون» بينما تستثنى الخالة بانو 
من أي مقارنةء لأنها لا تكاد ترفع المنديل عن رأسها. أما الخالة فريدةء 
فكانت تغيّر لون شعرها وتسريحته بطريقة مسعورة» وذلك حسب المزاج 
الذي يعتريها. أما الجدَة كلثوم» فكان شعرها يشبه القطن» لأنه أصبح 
أبيض كالثلج وكانت ترفض أن تصبغه» بدعوى أن ذلك لا يليق بامرأة 
عجوز فى عمرها. أما الجدَة ما الهيفاء فكان شعرها أحمر. وقد يكون 
الزهابعر الذي كاه شد جدة يوبا بعد يرم جخلها تى مورا رة با 


Twitter: @ketab_n ۸۰ 


فى ذلك أسماء أولادهاء لكنها لم تنس حتى هذا اليوم أن تصبغ شعرها 
الحتاء . 

وفي النهاية ضمت آسيا قازانجي إلى قائمة الصفات الوراثية الإيجابية 
التي ورثتها عن العائلة» عينيها اللوزيتين اللتين تشبهان عيون المها (من 
الخالة بانو)» وجبينها العالي (من الخالة شكرية)ء وتقلّب المزاج الذي 
جعلها عرضة للانفجار بسرعة كبيرة» لكنه كان يجعلها أيضاء وعلى نحو 
غريب» تشعر بأنها لا تزال على قيد الحياة (من الخالة فريدة). ومع ذلك» 
فقد کانت تکره أن ترى مع كل سنة تمر» بأنها تزداد شبهاً بخالاتها أكثر 
وأكشر أكثر . باستثناء شيء واحد: ميلهن نحو اللاعقلانية. إذ لم تكن نساء 
عائلة قازانجي يعرفن العقلانية على الإطلاق. وكانت آسيا قد قطعت عهداً 
على نفسها منذ فترة من الزمن» بأن لا تتصرّف مثلهن» وألا تنحرف عن 
مسار عقلها الذي يمتاز بالتحليل والعقلانية. 

وفي عيد ميلادها التاسع عشرء أصبحت آسيا صبية يدفعها حافز قوي 
لإثبات شخصيتها بأنها أصبحت قادرة على التمرد على كل شيء. لذلك» 
فإن كانت قد كرّرت اعتراضها على الكاتو» وبحماس أشد هذه المرةء فإن 
ثمة سبباً أعمق يكمن وراء غضبها: «لا مزيد من الكاتو الغبي لي». 

«تأخرتِ كثيراً يا آنسة» لقد صْنع وانتهى»» قالت الخالة بانو» بعد أن 
رفعت نظرها عن ورقة اللعب ثماني خمسات ونظرت إلى آسيا. وإذا لم 
تظهر الورقات الثلاث التالية نها واعدة» فإن ورق اللعب الملقى على 
الطاولة أمامها سيتجه نحو طالع سيء. «لكن تظاهري بأنك لا تعرفين 
شيئأًء وإلا لانزعجت أمّك المسكينة. من المفروض أن يكون هذا مفاجأة 
بالنسبة لك». 

كيف يمكن أن يكون شيئاً متوفعاً جداً مفاجأة؟» قالت آسيا متذمرة . 
فقد أصبحت تدرك جيداً الآن بما أنها تنتمى إلى عائلة قازانجى» فإن هذا 
يعئي» بین آشياء أخرى» أن تتبنى خيمياء السخافة؛ وتحول باسعمرار 


Twitter: @ketab_n ۸۱ 


الأشياء السخيفة إلى نوع من المنطق يمكنك أن تقنع الجميع به» وبمجهود 

«أنا التي يفترض أن تتوقع وتتنبًاً في هذا البيت» لا أنت». غمزت 
الخالة بانو. 

هذا صحيح» على الأقل إلى حدَ معين. فبعد أن نمت موهبتها في 
قراءة البخت لسنوات طويلة» بدأ يأتي إلى البيت بعض الزبائن لزيارة 
الخالة بانو لتكشف لهم طالعهم وتقرأً بختهم وبدأت تجمع نقوداً. ففي 
إستانبول» لا يأخذ قارئة البخت سوى رمشة عين حتى تصبح ذات سمعة 
أسطورية. وإن كان الحظ حليفك» يكفي أن تنجح في قراءة طالع 
أحدهم» حتی یصبح هذا الشخص أهم زبائنك . وبمساعدة الريح 
والنوارس» ينتشر النبأً بسرعة مذهلة في أرجاء المدينة» إلى درجة أنه لا 
يمضي أكثر من أسبوع حتى تجد رتلاً من الزبائن ينتظرون آمام باب بيتك . 
وبهذه الطريقة شقّت الخالة بانو طريقها» وصعدت سلم فن قراءة الببخت» 
وكانت مع كل درجة تصعدهاء تزداد شهرة. وکانت زبوناتها يفدن من 
جميع أنحاء المدينة» عذراوات وأرامل» صبايا وجذّات لا أسنان لهنء› 
فقيرات وثريات» جميعهن غارقات في هواجسهن ووساوسهن» وجميعهن 
مستعدات لدل اتن کی يغلمن ما تبه لهن فورتانا تلك القَرة 
الأنثوية المتقلّبة. وكن يأنين وأفواههن مليئة بالأسثلة» ويغادرن وهن 
محملات بأسئلة إضافية. وبعضهن يدفعن مبالغ كبيرة للإعراب عن 
امتنانهن» أو كان يخيّل لهن أنه باستطاعتهن رشوة فورتاناء إلا أنه كانت 
هناك أخريات» لم يكن يخرج من جيوبهن فلس واحد. وعلى اختلافهن› 
كان ثمة شيء أساسي واحد يجمع بين أولئك الزبائن: وهو آنهن جميعهن 
من النساء. ففي اليوم الذي أعلنت فيه الخالة بانو أنها عرَافة» أقسمت بألا 
تستقبل زبائن ذکور . 


)١(‏ إلهة الحظ عند الرومان (المترجم). 


Twitter: @ketab_n A۲ 


لقد تغيّرت أشياء عديدة فى الخالة بانو تغيراً جذرياً أيضاًء بدءاً من 
عا نی بدا مما کرت ی کان سر ی الي ری 
تستعرض شالات قرمزية مطرزة ومبهرجة تلقيها بإهمال حول كتفيها. لكنها 
سرعان ما استبدلت الشالات بدثارات مصنوعة من الكشميرء ثم بدثارات 
مصنوعة من شعر الماعز» وبعدها بدثارات ذات عمائم من الحرير معقودة 
بشكل طليق» ودائماً بتدريجات اللون الأحمر. ثم أعلنت الخالة بانو بختة 
أنها كانت تتأمَّل سرا منذ مدة لا يعرفها إلا الله» وقررت أن تنسحب من 
کل شيء مادي ودنيوي» وتكرّس نفسها كلية لخدمة الله. ولتحقيق هذه 
الغاية» أعلنت بوقار أنها أصبحت على استعداد للدخول فى مرحلة التوبة 
رال وغو ركه راان عن خارف اانا رتاعجاء كه ن 
يفعل الدراويش في الماضي . 

«لكنك لست من الدراويش»» قالت أخواتها متهكمات بصوت واحد» 
عازمات على أن يثنينها عن انتهاك المحرمات بهذا الشكلء وهو أمر لم 
يسمع به أحد في حوليات عائلة قازانجي . ثم بدأت الأخوات الثلاث يثرن 
الاعتراضات» كل واحدة بصوت أعلى وأشد صلفاً من الأخرى. 

«تذكري أن الدراويش كانوا يرتدون أكياساً خشنة أو أردية صوفية» لا 
أوشحة من الكشمير»ء قالت الخالة شكرية»ء أكثر واحدة فيهن امتلاء 
بالعاطفة . 

ابتلعت الخالة بانو ريقها باضطراب» منزعجة من ملابسهاء منزعجة 
من جسمها. 

«كان الدراويش ينامون على القش» لا على فرش واسعة محشوة 
بالريشر انضمت الخال فرية إلى الجرقة أكخرهن خلا راختلال مه 
التاحة العقلة؛ 


وقفت الخالة بانو صامتة» تحدّق فى الغرفة لتتفادى نظرات أخواتها 


Twitter: @ketab_n AY 


اللاتي كن يحققن معها. ماذا يمكنها أن تفعلء فألم ظهرها سيقتلها إن لم 
تنم على سریر خاص . 

«بالإضافة إلى ذلك. لا توجد للدراويش «نفس» انظري إلى نفسك!» 
قالت الخالة : 

زليخة» أكثرهن شذوذاً وغرابة . 

وشنت الخالة بانو هجوماً مضاداً للدفاع عن نفسها. 

«ولا أنا. هذا يكفي. لقد ولت تلك الأيام». ثم أضافت بصوتها 
الصوفي الجديدء «سأدخل معركة مع «نفسي» وسأنتصر. 

في عائلة قازانجي» كلما تجرأت إحداهن على القيام بشيء غير 
عادي» كانت ترد الأخريات جميعهن بالطريقة ذاتهاء متبعات الأسلوب 
القديمء الذي يمكن تلخيصه على النحو التالي : «هيا امضي . انظري إن 
كنا نهتم بذلك». لذلك لم يأخذ أحد الخالة بانو على محمل الجد. 
وعندما رأت نظرات الشك في عيونهن› توجهت إلى غرفتها وصفقت 
الباب وراءهاء ولم تفتحه مرة أخرى لمدة أربعين يوماً إلا للقيام بزيارات 
سريعة إلى المطبخ والمرحاض . وفي المرَّة الوحيدة التي تركت فيها الباب 
موارباً» كانت عندما علقت لوحة من الورق المقوى على باب غرفتها 
تقول: تخل عن النفس يا من تدخل إلى هنا! 

فى البدايةء حاولت بانو أن تأخذ معها الباشا الثالث» الذي كان آنذاك 
في أواخر أيامه على هذه الأرض. فقد خَيّل لها أنها ظنت أنه يستطيع أن 
يرافقها طوال فترة التكفير عن ذنوبهاء إلا أن الدراويش لم يكونوا يربون 
قططاً. إلا أن الباشا الثالث لم يتحمل حياة النسك هذه لأنه كان يتمتع 
بمباهج كثيرة في الحياةء بدءاً من تناول جبن الفيتا وانتهاءَ بقضم أسلاك 
الكهرباء. فلم تمض أكثر من ساعة داخل زنزانة الخالة بانو» حتى بدأ 
الباشا الثالث يطلق سلسلة عالية من المواء» وراح يخدش الباب بقوة» 


Twitter: @ketab_n A٤ 


ففتحت له الباب وأخرجته على الفور. وبعد أن فقدت شريكها الوحيد» 
غرقت الخالة بانو في وحدتهاء وامتنعت عن الكلام» وأصبحت خرساء 
وصمّاء أمام الجميع . حتى أنها توففت عن الاستحمام أيضأًء وعن تمشيط 
شعرهاء بل حتى عن مشاهدة مسلسلها التلفزيوني الأثير لديهاء «لعنة 
لبلاب الفتنة» وهي تمثيلية برازيلية تعرضت فيه عارضة أزياء رقيقة القلب 
إلى جميع أنواع الخيانات من أكثر الأشخاص الذين كانت تحبهم . 

لكن الصدمة الحقيقية جاءت» عندما لم تعد الخالة بانوء المرأة التي 
كانت تتمتع بشهية هائلة على الدوام» اکل شا وی الخبز والماء. ومع 
أنها كانت معروفة بولعها بالكربوهيدرات» وخاصة الخبزء فإن أحداً في 
العائلة لم يكن يصدق أنها تستطيع أن تعيش على الخبز وحده. ولإغرائها 
لكي تعود شهيتها إلى الأكل كما كانت في السابق» بذلت أخواتها الثلاث 
كل ما بوسعهن» فرحن يطهين أطباقاً كثيرة» ويملأن البيت بروائح 
الحلوى» والسمك المقلي» واللحم المشوي» التي غالبا ما تكون مشبعة 
بالسمن والزبدة التي تزيد من حدة الرائحة. 

لم تتنازل الخالة بانو قيد أنملة. وإن كان قد حدث شيء» فهو أنها 
تمسكت بما كانت تفعله بحزم أشد» وبخبزها الجاف . وطوال أربعين يوماً 
وليلة» ظلت بعيدة عن الأخريات اللاتي يعشن تحت سقف واحد- 
وأضحى غسل الصحون وغسيل الثياب ومشاهدة التلفزيون والثرثرة والقيل 
والقال مع الجيران - روتين الحياة اليومية» كفراً لم تعد تريد أن تقاربه. 
وفي الأيام التالية» عندما كانت ترغب الأخوات في رؤية ماذا تفعل» كن 
يجدنها تتلو القرآن الكريم . وأصبحت متجهمة حادة المزاج» بعد أن كانت 
مرحة» وأصبحت غريبة على اللاتي كن يعرفنها حق المعرفة طوال حياتها. 
وفي صباح اليوم الجادي والأربعين» وفيما كانت الأخريات يتناولن السجق 
المشوي والبيض المقلي على مائدة الفطور» خرجت بانو من غرفتهاء 


Twitter: @ketab_n 


ووجهها يشعَ بابتسامة بهيجة» وبريق غريب يلتمع في عينيهاء وعلى رأسها 
وشاح أحمر كرزي اللون. 

اما هذا الشيء التعس على رأسك؟» كانت أول رذة فعل للجدة 
كلثوم التي لم تكن تلين قيد أنملة» وظلت طوال هذه السنين تشبه إيفان 
الرهيب . 

ابدءاً من هذه اللحظة سأغطي رأسي كما يطلب مني ديني» . 

«ما هذا الهراء؟» قالت الجدة كلثوم عابسة: «فقد نزعت النساء 
التركيات الحجاب منذ تسعين سنة. وأنا لا أسمح لأي من بناتي أن تخون 
الحقوق التي منحها القائد العظيم أتاتورك للمرأة في هذا البلد». 

انعم» لقد ملحت المرأة حن التصويت في عام ٠۱۹۳٤‏ ردت 
الخالة شكرية . إن كنت لا تعرفين» فالتاريخ يتقذم إلى الأمام» ولا يرجع 
إلى الوراء. اخلعي هذا الشيء فوراً!». 

لكن الخالة بانو لم تفعل ذلك . 

وظلت تغطي رأسها بالمنديل» وبعد أن اجتازت بنجاح اختبار التكفير 
عن الذنوب والسجود والتقوى - أعلنت عن أنها قد أصبحت مبصرة . 

ومثل مظهرهاء تعرضت طريقتها في التبصير لتغيير كبير في مسيرتها 
الغيبية. ففي البداية» كانت تستخدم فناجين القهوة فقط لقراءة مستقبل 
زبوناتهاء إلا أنها مع الزمن بدأت تستخدم شيا فشيئاً أساليب جديدة 
بالأضافة إلى الطرق غير التقليدية المعروفة» شملت ورق التارو» وحبات 
الفاصولياء المجمَفة» والقطع النقدية الفضية» والسبحة» والأجراس› 
واللآلى المقلدة» واللآلئ الحقيقية» وحصى المحيط - أي شيء يجلب 
أخباراً من عالم الغيب. وفي بعض الأحيان» كانت تتكلم بحماس إلى 
کتفیھا حیث» کما كانت تدعي» یجلس جنیان غير مرئیین» يدلیان 
قدميهما. الجني الطيب على الكتف اليمنى» والجني السيء على الكتف 


Twitter: @ketab_n ۸٨ 


اليسرى. ومع أنها كانت تعرف اسميهماء ولكي لا تلفظهما بصوت 
مرتفع» كانت تناديهما ببساطة «السيدة حلوة» و«السيد مرّ٠»‏ على التوالي . 

«إذا كان هناك جنى سىء على كتفك اليسرى» فلماذا لا ترمينه عنك؟» 
الت اسا خالا دات مرة. 

«لأنه توجد أوقات نحتاج فيها جميعنا إلى صحبة السيئين!» جاء 
ا 

حاولت آسيا أن تعبس وحركت عينيهاء لكن التأثير الوحيد الذي 
أحدثته هو أنها أبدت وجهاً طفولياً. وراحت تصفر لحناً من أغنية من 
أغاني جوني كاش» التي كانت تحب أن تتذكره خلال المواجهات العديدة 
مع خالتها: «لماذا أنا يا إلهي» ماذا فعلت في حياتي . . . ٩؟!‏ 

«ما اللحن الذي تدندنيه؟» سألتها الخالة بانو بارتياب . فبما أنها لم 
تكن تعرف شيئاً من اللغة الإنكليزية» كانت ترتاب بأيي لغة لا تفهم منها 

«كنت أدندن أغنية تقول بما أنكِ أكبر خالاتي سنا فمن المفروض أني 
تكوني قدوة لي وتعلمينني الخطأ من الصواب. لكنك تقدمين لي دروساً 
عن ضرورة الشرَ. 

«حسناًء دعينى أخبرك شيئأًاء قالت الخالة بانو بلهجة آمرة» وهى 
تحدق في ابنة اخ بإمعانء «هناك أشياء سيئة جداً في هذا العالم لا 
يعرف عنها شيئ ذوو القلوب الطيبةء باركهم الله. وكما أقول لك لا 
بأس إن كانوا لا يعرفون شيثاً عن هذه الأمور لأن هذا يثبت كم هم 
طيبون . وإلا لما كانوا طيبين» اليس كذلك؟». 

كان كل ما فعلته آسيا هو أنها أومأت برأسهاء وأحست أن لجونى 
کاش الرأي نفسه . ٤‏ 

«الكن إذا صادف ووطئت منجماً من الحقد»ء فإنك لن تطلبى مساعدة 
من هؤلاء الناس». ۰ 


Twitter: @ketab_n Av 


«وهل تظنين أني سأطلب مساعدة من جني خبيث!» قالت آسيا. 

«ربما فعلتٍ ذلك»» هرت الخالة بانو رأسها: «إن شاء الله لن 
تحتاجي إلى هذا في حياتكا. ٠‏ 

وكان هذا كل شيء. فلم تتحدثا ثانية عن حدود الجيد والحاجة إلى 
عديمي الضمير . 

في تلك الفترة» غيّرت الخالة بانو طريقتها في قراءة الطالع مرة 
أخرى» فانتقلت إلى البندق» الذي غالباً ما يكون بندقاً محمَّصاً. وشكت 
عائلتها بأن هذا الشىء الجديدء مثل التغيرات الأخرى» قد يكون من باب 
الصدفة المحضة. اذ يرجح أن الخالة بانو كانت قد رأت إحدى زبوناتها 
تلتهم البندق» مما جعلها تعتقد أنها تستطيع أن تقرأ في البندق أيضاً. هذا 
هو الاعتقاد الذي ساد لدى جميع أفراد العائلة. أما الآخرون فكان لديهم 
رأي مختلف . فقد أشيع في إستانبول أنه بما أنها سيدة مباركة» فلم تكن 
تطلب نقوداً من زبوناتها الفقيرات» بل كانت تطلب منهن أن يجلبن لها 
حفنة من البندق فقط . وأصبح البتدق رمزاً لطيبة قلبها الكبير. في جميع 
الأحوال» لم تسهم غرابة أسلوبها إلا في ازدياد شهرتها المنتفخة أصلاً. 
وأطلق عليها الناس اسم «الأم البندقة»» بل حتى «الشيخة بندقة٠»‏ مع أنهن 
لم يكن يعرفن أن النساء» بقدراتهن المحدودة» لا يستطعن أن يحصلن 
على مثل هذا اللقب الجليل . 

الجني السيء» البندق المحمَص . .. رغم أن آسيا قازانجي اعتادت 
على هذه الأمور وعلى أمور غريبة أخرى مع مرور الزمن» فقد بدا أنها 
تواجه صعوبة في تقبّل اسم أكبر خالاتها سنا. إذ كان من المستحيل عليها 
أن تقبل أن «الخالة بانو»» قد تصبح «الشيخة بندقة٠»‏ لذلك بدأت 
تتحاشاها لدی وجود زبونات فى البيت أو عندما يكون ورق التارو مفتوحا 
على الطاولة. لذلك كانت آسيا تتظاهر بأنها لا تسمع هذه الكلمات الأخيرة 
عندما تتفوه بها خالتها. وكانت ستبقى جاهلة بسعادة لو لم تدخل الخالة 


Twitter: @ketab_n A۸ 


فريدة غرفة الجلوس في تلك اللحظةء حاملة صحناً مسطحاً ضخماً انتصب 
فوقه قالب كاتو عيد الميلاد. 

«ماذا تفعلين هنا؟» سألت الخالة فريدة آسيا عابسة: «ليس من 
المفروض أن تكوني هنا؛ عندك درس في الباليه الآن» . 

لقد أصبح قيد آخر حول کاحل آسيا الآن. فشأن أمهات تركيات 
كثيرات من الطبقة المتوسطة اللاتي كن يتطلعن لرؤية أطفالهن يبرعن في 
جميع الأشياء التي يفترض أن أطفال الطبقات الراقية يفعلونها» كانت 
عائلتها تنتمي إلى الطبقة المتوسطة العلياء ترغمها على القيام بأشياء لم 
تكن تبدي بها آي اهتمام . 

«هذا مستشفی مجانین؟» دمدمت آسيا فى نفسهاء وأصبحت هذه 
الكلمات اللات شمارا هذه الأيامء وقانت تكزرعا بحرية .لم رقت 
صوتها قليلاً وقالت: «لا تقلقى. فى الحقيقة» كنت على وشك أن 
أغادر». ا 

«ما الفائدة من ذلك الآن؟» قالت الخالة فريدة» مشيرة إلى الصحن. 
«يفترض أن تكون هذه مفاجأة!» . 

«إنها لا تريد قالب الكاتو هذه السنة»ء تدخلت الخالة بانو من الزاوية 
التي تجلس فيها وهي تقلب أول ورقة من أوراق التارو الثلاث التي كانت 
تنتظر. كانت كبيرة الكاهنات. رمز الإدراك اللاراعى ‏ فاتحة الخيال 
ا اغا فت الول ع ا وت 
الورقة التالية : البرج. رمز التغيرات الصاخبةء انفجارات عاطفية» وهبوط 
مفاجئ. نظرت الخالة بانو بإمعان لمدة دقيقة. ثم قلبت الورقة الثالثة . 
يبدو أنهم سيستقبلون زائراً قريباًء زائراً غير متوقع من وراء المحيطات . 

«ماذا تقصدين أنها لا تريد قالب الكاتو؟ إنه عيد ميلادها!» صاحت 
الخالة فريدة» وقد زمّت شفتيها وانطلقت ومضة غضب من عينيها. لكن 


Twitter: @ketab_n ۸۹ 


يبدو أن فكرة أخرى كانت قد خطرت ببالها لأنها التفحت إلى آسيا ونظرت 
را «هل تخشين أن يكون أحدهم قد دس الس في الكاتو؟». 

نظرت إليها آسيا مندهشة. فبغد كل هذا الزمن وهذه التجربةء لم 
تتمكن من أن تضع إستراتيجية» الإستراتيجية الذهبية التي تقول بالتزام 
الهدوء إزاء نوبات غضب الخالة فريدة. فبعد e‏ 
«شيزوفرانيا خبل البلوغ» لسنوات عديدة» انتقلت الخالة فريدة مؤخرا إلى 
جنون الارتياب. وكنّ كلما بذلن محاولة لإعادتها إلى أرض الواقع› 
ازدادت ارتیاباً وشکاً بهن . 

هل تخشى أن تكون قد دست واحدة منا السم في الكاتو؟ بالطبع لاء 
يا غريبة الأطوار غير المؤذية». 

التفتت جميع الرؤوس في الغرفة باتجاه الباب حيث تقف الخالة زليخة» 
التي كانت تضع على كتفيها سترة قطنية» وتنتعل حذاء ذا كعب عال» 
وارتسمت على وجهها تعابير غريبة جعلت نظرتها جميلة إلى درجة مفجعة . 
إذ يبدو أنها انسلت إلى الغرفة ووقفت تستمع إلى الحديث صامتة » هذا إن لم 
N‏ . وبخلاف معظم النساء التركيات 
اللاتي ربما كن يتمتعن بارتداء التنانير القصيرة والأحذية ذات الكعب العالي 
في شبابهنء لم تطوّل زليخة الأولى» وقصرت الثانية مع تقدمها في العمر. 
فقد ظل أسلوبها في ارتداء الثياب مبهرجاً كما كان أبداً. وأضافت السنون إلى 
جمالهاء فيما أحدثت أثرها على أخواتها جميعهن . وكما لو كانت تعرف تأثير 
وجودهاء ظلت الخالة زليخة واقفة عند الباب» تمعن النظر فى أظافرها 
المشذبة والمطلية. فقد كانت شديدة الاهتمام بيديها لاا ت اني 
ا ل کن زا ل الل قي الان البيروقراطية » أو في أي 
مجال قيادي» وبما أن غضبا وسخطأ شدیدین کانا يعتملان في داخلهاء فقد 
آدركت فى سن مبكرة أن عليها أن تختار مهنة تجعلها مستقلة ومبتكرة - وإن 
أمكن» إحداث قليل من الألم . 


Twitter: @ketab_n 


فقبل عشر سنوات» افتتحت الخالة زليخة صالوناً للوشم» وجمعت 
مجموعة واسعة من التصاميم الأصلية. بالإضافة إلى تصاميم من الفنَ 
الكلاسيكي - ورود قرمزية» فراشات ذات ألوان قزحية» قلوب يضخها 
الت < رالفجرغة الا لحشرات يها الكحر: وداب شرمة 
وعناكب عملاقة» وقذمت تصاميمها الخاصة التي ألهمها لها مبدأ أساسي 
واحد هو : التناقض . فقد كانت هناك وجوه نصفها ذكر ونصفها أنثى› 
وأجساد نصفها حيوان ونصفها إنسان» وأشجار نصف متَفتّحة ونصف 
جافة. إلا أن تصاميمها لم تكن شعبية. فقد كان زبائنها يرغبون في نقل 
رسالة عن طريق وشمهم» لا ليضيفوا غموضاً آخر إلى حياتهم المجهولةء 
بل كانوا يرغبون أن يعبر وشمهم عن عاطفة بسيطةء لا عن فكرة مجرّدة. 
وبعد أن تعلمت درسها جیداء أطلقت زليخة سلسلة جديدة» مجموعة 
مركبة من الصورء أطلقت عليها «التغلب على وجع القلب». 


فقد صمم كل وشم في هذه المجموعة الخاصة لمخاطبة شخص 
واحد فقط : الحبيبة السابقة . فقد كان الحزانى واليائسون» الذين يعتريهم 
الغضب ولحق بهم الأذى» يجلبون صورة أحبائهم السابقين الذين كانوا 
يريدون أن يقصوهم عن حياتهم إلى الأبدء لكنهم لم يكونوا قادرين بطريقة 
ما على التوقف عن حبهم. فكانت الخالة زليخة تدرس الأمر جيداء 
وتعصر دماغها إلى أن تجد الحيوان الذي يشبه ذلك الشخص. ويصبح 
الباقي سهلا. فترسم ذلك الحيوانء وتطبع الوشم على جسم الزبون 
البائس. وكانت العملية تطبق وفق الممارسة الشامانية القديمة في جغل 
الطوطم مقبولاً من الداخل ومن الخارج. فلكي تصبح قوياً أمام خصمك»› 
يجب أن تقبله» وترحب به» ثم تحوله. فيكون الحبيب السابق قد حقن 
داخل الجسم» ويبرز في الوقت نفسه إلى الخارج - أي يرك خارج الجلد. 
فما إن يصح الحبيب السابق عند هذه العتبة بين الداخل والخارج»› 
ويتحول بمهارة إلى حيوان» وتتغير هيكلية القَوّة بين المكتثب ومسبّب 


Twitter: @ketab_n ۹۱ 


الاكتثاب . وعندها يشعر الحبيب الذي وضع الوشم بالتفوّق» وكأن المفتاح 
إلى روح الحبيب السابق أصبح في يده أو في يدها. وعند الوصول إلى 
هذه المرحلة» وما أن يفقد الحبيب السابق جاذبيته أو جاذبيتهاء قد يتخلى 
كسيرو القلوب أخيراً عن وساوسهم» لأن الحبّ يحب القَوّة. لذلك قد 
نقع في حبّ الآخرين بطريقة انتحارية» لكننا نادراً ما نستطيع أن نتبادل 
الحبَ مع الذين وقعوا في حبنا بطريقة انتحارية . 

وبما أن إستانبول مدينة القلوب الكسيرة» لم تستغرق الخالة زليخة 
وقتاً طويلاً لكي توسع عملها الذي أصبح أسطورياً» وخاصة بين الدوائر 
البوهيمية . 

أشاحت آسيا بعينيها كي لا تحدّق طويلاً في عينيّ أمَهاء أمَها التي لم 
تنادها في حياتها «ماما»» والتي لعلها كانت تريد أن تبقي مسافة بينها وبين 
أمَها فأخذت تناديها «خالة» . غمرها شعور قوي برثاء الذات. فمن الظلم 
الفادح أن يخلق الله فتاة تقل جمالاً عن جمال أمَها بكثير . 

«ألم تفهمي بعد لماذا لا تريد آسيا قالب الكاتو هذه السنة؟» قالت 
الخالة زليخة عندما انتهت من تدقيق طلاء أظافرها. «إنها تخشى أن يزداد 
وزنها!» . 

مع أنها كانت تعرف تماماً أنه ليس من المناسب أن تفقد مزاجها في 
وجه أُمَهاء صرخت آسيا غاضبة : «هذا ليس صحيح!». 

استسلمت الخالة زليخة وانبثق وميض شيطانى من عينيها: «حسناًء يا 
حلوتي» إذا كان هذا رأيك» . 

عندها فقط لاحظت آسيا الصينية التي تحملها الخالة فريدة» التي رأت 
عليها قطعة كبيرة من اللحم وقطعة أكبر من العجين . إنهن سيتناولن مانتي 
على العشاء هذه الليلة. 

«كم مرّة يجب أن أقول إني لا حب المانتي ؟ زأرت آسياء «تعرفين 
أني توقفت عن تناول اللحم؟. بدا صوتها غريباً لهاء أجشاً ودخيلاً. 


Twitter: @ketab_n ۹۲ 


«قلت لك إنها تخشى أن يزداد وزنها». هرّت الخالة زليخة رأسها 
وأزاحت خصلة من شعرها الأسود التي سقطت على وجهها. 

ألم تسمعي في حياتك كلمة «نباتية»؟ «هزت آسيا رأسها أيضاًء لكنها 
قاومت الرغبة في أن تزيح خصلة من الشعر» خشية أن تقلّد حركة أمَها. 

«طبعاً سمعت»» قالت الخالة زليخة» وقوست كتفيهاء «لكن لا تنسى 
يا عزيزتي»» واصلت كلامها بصوت أكثر نعومة لأنها كانت تعرف أنه 
سبكرن مقتعا أكثر: ١إنك‏ قازانجة» ولست باقة!۲: 

ابتعلت آسيا ريقها بصعوبة» فقد أحست أن فمها قد جف فجأة. 

«ونحن القازانجية نحبَ اللحم الأحمر! وكلما كان أكثر حمرة» وأكثر 
دهناء كان أفضل! إذا لم تصدقيني» اسألي السلطان الخامس» أليس كذلك 
يا سلطان؟» وأمالت الخالة زليخة رأسها نحو القط السمين المستلقى على 
وسادته المخملية بالقرب من باب الشرفة. التفت نحو الخالة زليخة بعينين 
ضبابیتین وکأنه فهم ووافق على ما قالته . 

بعد أن خلطت أوراق التاروء قالت الخالة بانو منتهرة من زاويتها: 
ايوجد في هذا البلد أناس فقراء لا يعرفون ما طعم اللحم الأحمرء ولولا 
الزكاة التي يقدمها لهم المسلمون المحسنون في عيد الأضحى» الوقت 
الوحيد الذي يستطيعون أن يتناولوا فيه وجبة طعام دسمة» لما ذاقوه. 
اذهبي واسألي تلك الأرواح المعدمة ماذا يعني أن يكون المرء نباتياً. يجب 
أن تكوني ممتنة لكل قطعة لحم توضع في صحنك» لأنها رمز البحبوحة 
والثراء) . 

«هذا بيت مجانين! جميعنا معتوهون» كل واحدة منا». کرّرت آسيا 
شعارهاء وهذه المرة كان صوتها غارقاً في الهزيمة. «سأخرج» أيتها 
السيدات . بوسعكن أن تأكلن ما ترغبن . لقد تأخرت على درس الباليه!». 

لم يلحظ أحد أنها شخرت كلمة باليه وكأنها لعاب تريد أن تبصقه» لكنها 
شعرت بالاشمئزاز لعدم قدرتها على السيطرة على الرغبة في عمل ذلك . 


Twitter: @ketab_n ۹۳ 


۵ 
فانیلا 


کان مقهى كونديرا مقهى صغيراً يقع في شارع فرعي ضيّق في الجانب 
الأوروبى من إستانبول. وهو الحانة الصغيرة الوحيدة فى المدينة التى لا 
تهدر طاقتك فيها في الأحاديث» والتي تعطي فيها النادل بقشيشاً لكي 
اا ا چ ف وا ی بام الو اتم 9 ا 
يعرف تماماً - وتزيد عدم المعرفة تلك الحقيقة بأنه لا يوجد شيء» فعلاً لا 
يوجد شيء» داخل هذا المقهى يذكر بالكاتب الشهير ميلان كونديراء أو 
بأي رواية من رواياته . 

فعلى امتداد الجدران من الجوانب الأربعة توجد مثات من اللوحات 
المؤطرة من جميع الأحجام والأشكال» عشرات الصور واللوحات 
والرسوم» عدد كبير منها إلى حد أن المرء قد يساوره شك إن كانت توجد 
جدران خلف هذه اللوحات حقاً. إذ يعطي المكان انطباعاً بأنه بني فوق 
اللوحات المؤطرة» ولم يشيد من الطوب والحجر. وفي جميع هذه 
اللوحات» بلا استشناء» تشرق صور شوارع . طرق سريعة عريضة في 
أمريكاء طرق سريعة لا نهاية لها في أسترالياء طرق سريعة مكتظة في 
ألمانياء جادات متلألئة في باريس» شوارع فرعية مزدحمة في روماء 
دروب ضيقة في ماكو بيكو» طرق قوافل منسية في شمال أفريقيا» وخرائط 
طرق التجارة القديمة على امتداد طريق تجارة الحرير» تقتفي آثار خطى 


Twitter: @ketab_n ٤ 


ماركو بولو - باختصار» كانت هناك صور طرق من جميع أنحاء العالم . 
وكان الزبائن سعداء تماماً بهذا الديكور. فقد كانوا يظنون أنه بديل مفيد 
عن الأحاديث العقيمة التي لا تؤدي إلى شيء. وعندمالم يكن رواد 
المقهى يشعرون بالرغبة في الكلام» كانوا يختارون إحدى اللوحات» 
وذلك حسب زاوية الطاولة التي يجلسون إليهاء والمكان الذي يتمنون أن 
ينطلقوا إليه في ذلك اليوم بالذات. ويبدأون في إمعان النظر في الصورة 
التى اختاروها بنظرة غائمة هائمةء وشيئاً فشيئاً يقلعون إلى تلك الأرض 
البعيدة» شيئاً يشتهون أن يجدوه في مكان ما هناك» أي مكان إلا هذا 
المكان» ويستطيعون أن يحلقوا ذ في اليوم التالي إلى مكان آخر. 


E E‏ کان ثمة 
شيء واحد أكيد وهو أنه لم يكن لأي منها أي علاقة بميلان كونديرا. 
فعندما افتتح المقهى» أشيعت نظرية بأن المؤلف كان يزور إستانبول» وفيما 
كان متجهاً إلى مكان ماء توف بالصدفة ليتناول كوباً من الكابوتشينو . 
تكن الكابوتشينو جيدة» ولم يعجبه بسكويت الفانيلا الذي قدموه له مع 
کوب الکابوتشینو» لکنه سرعان ما طلب كوبا آخر» بل إنه أخذ يكتب 
قليلاء لأن أحداً لم يزعجه أو حتى لم يعرفه. في ذلك اليوم» عُمّد المكان 
باسمه. بل وزعمت نظرية أخرى أن صاحب المقهى كان قارئاً نهماً 
لأعمال كونديرا؛ فبعد أن التهم كل كتبه وجعله يوفع له عليها جميعهاء 
قَرّر أن يسمي المقهى باسم المؤلف الشهير المفضل لديه. ربما كان هذا 
الزعم معقولاً أكثر من أي زعم ونظرية أخرى لو لم يكن صاحب المقهى 
الذي كان في متوسط العمر» أسمر البشرة ورياضياًء ويهوى الموسيقى 
والغناءء يكن كراهية شديدة للكلمة المطبوعة إلى درجة أنه لم يكن يه 
بقراءة كلمات الأغنية التي كان يغنيها في كل ليلة جمعة على أنغام فرقته 
الموسيقية . 

أما السبب الحقيقي' في تسمية المقهى باسم كونديرا» حسب الآراء 


Twitter: @ketab_n 0 


المتضاربةء أن هذه البقعة من الفضاء لم تكن إلا نسجاً من خياله 
المشوش . فلم يكن المقهى إلا مكاناً خيالياً يضم أناساً خياليين في هيئة 
زبائن منتظمين. وكان كونديرا قد بدأ منذ فترة يكتب عن هذا المكانء 
كجزء من مشروع كتاب جديد كي ينفخ فيه الحياة والفوضى» لكنه سرعان 
ما عزف عن ذلك» وانصرف إلى مشاريع أكثر أهمية - تلبية دعوات. إلقاء 
محاضرات» وتسلم جوائز أدبية - وفي غمرة أشغاله الكثيرة نسي هذا الثقب 
القذر في إستانبول»ء المكان الذي كان هو المسؤول الوحيد عن وجوده. 
ومنذ ذلك الحين» يعتري الزبائن في مقهى كونديرا شعور بالعدمية» 
فينبشون في سيناريوهات مستقبلية كئيبة» ويقطبون وجوههم في القهوة 
التركية التي كانت تقدم لهم في أكواب قهوة الإسبريسوء ينتظرون دورهم 
في مسرحية تشي بثقافة رفيعة يؤدون فيها دور البطولة. ومن جميع 
النظريات المتعلقة بأصل اسم المقهى» لقي التفسير الأخير هذا قبولاً 
واسعاً. ورغم ذلك» فقد كان أحد الرواد الجددء أو أي شخص يريد أن 
يلفت الانتباه» يخرج بنظرية أخرى بين الحين والآخرء وكان الآخرون 
يصدقونه لفترة سكون عابرةء فيعبثون بالنظرية الجديدة» إلى أن يسأموها 
ويعودوا ليغرقوا ثانية في مستنقعاتهم من العبوس وتقطيب الجبين. أما 
اليوم» عندما بدأ رسام الكاريكاتير المدمن يعبث بنظرية جديدة عن اسم 
المقهى» شعر جميع أصدقائه - حتى زوجته - أنهم مرغمون على الإنصات 
له بانتباه شديد» دلالة على تأييدهم له» لأنه استجمع شجاعته أخيراً ليفعل 
ما كان كل واحد منهم يرجوه أن يفعله: وهو أن ينضم إلى شلة مدمني 
الخمر المجهولين . 

إلا أن ثمة سبباً ثانياً جعل الجالسين إلى الطاولة يشعرون بالتعاطف 
تجاهه أكثر من المعتاد. فللمرة الثانيةء وجهت إليه اليوم تهمة إهانة 


شخص رئيس الوزراء في رسوماته الكاريكاتيرية » وإذا أقَرَ القاضي بالتهمة 
يوم انعقاد الجلسة» فقد يحکم عليه بالسجن لمدة تقارب ثلاث سنوات . 


Twitter: @ketab_n ۹1 


فقد اشتهر رسام الكاريكاتير المدمن برسم سلسلة من الرسوم الكاريكاتيرية 
السياسية التي يصور فيها أعضاء الوزارة بأنهم قطيع من الغنم» وصور 
رئيس الوزراء في شكل ذثب في هيئة خروف. لكنه بعد أن مُنع من 
استخدام هذا الضرب من الاستعارة» كان يريد أن يرسم أعضاء الوزارة في 
شکل قطیع من الذئاب» ورئيس الوزراء ضبع في ثوب ذئب. وإذا منم هذا 
الکاریکاتير أيضاً كان فكر باستراتيجية الخروج أيضاً: البطاريق! فقد 
صمَّم على أن يرسم جميع أعضاء البرلمان كبطاريق يرتدون بدلات 


رسمه . 


«ها هي نظريتي الجديدة»» قال رسام الكاريكاتير المدمن» غير مدرك 
أنه أثار كل هذا الحماس» وفوجىئ قليلاً عندما رأى هذا الاهتمام الشديد 
من مستمعیه - بل وحتی من زوجته. فقد کان رجلا بدیناًء ذا أنف روماني 
أرستقراطي» وعظام خديه مرتفعة» وله عینان زرقاوان حادتان» وفم مزموم 
ومتجهم. كان يشي بالتعاسة والكابة منذ زمن بعيد» لکنه بعد أن وقع سراً 
في حب امرأة يستحيل عليه أن يدركها» تضاعف حزنه وغمّه. 

وإن أنت أمعنت النظر إليهء لا يمكنك أن تتخيّل أن هذا الرجل 
يكسب رزقه من الدعابة والسخرية» وأنه يجري وراء هذا الوجه المتجهم 
سيل من أجمل النكات والدعابات. ومع أنه كان دائماً سكيراً سيء 
السمعة» تصاعدت مشاكله مؤخراً مع الكحول صعوداً صاروخياً. فقد بدأ 
يجد نفسه مستيقظاً في أماكن مريبة لم تطأها قدماه من قبل. لكن القشة 
التي قصمت ظهر البعير كانت عندما وجد نفسه في صباح أحد الأيام 
مستلقياً فوق قطعة الحجر التي يغسلون عليها الأموات في باحة أحد 
المساجد» إذ يبدو أنه أغمي عليه هناك وهو يحاول أن يرتب أمور جنازته. 
وعندما فتح عينيه عند الفجر» كان يقف إلى جانبه إمام شاب» كان في 
طريقه ليرفع آذان صلاة الصبح» فبهت عندما رأى شخصاً غريباً غارقا في 
النوم ويشخر فوق قطعة الحجر التي يغسلون عليها الأموات. وبعد هذه 


Twitter: @ketab_n ۷ 


الحادثة» شعر أصدقاء رسام الكاريكاتير المدمن - بل وحتى زوجته - بالقلق 
الشديد عليه وبدأوا يحثونه على أن يرى طبيباً نفسانياً وأن يبدأ في عمل 
ت دا و و اک اج لدی ای 
المجهرلين» وضرب عهداً على نفسة بان يتوقف عن الشراب. لذلك» مال 
جميع الجالسين إلى الطاولة - حتى زوجته - بتعقل ليستمعوا إلى نظريته 
مهما کانت . 

القد سمي هذا المقهى بهذا الاسم لأن كلمة كونديرا رمز. فالاسم 
ليس مهما بقدر ما يرمز إليه الاسم . 

«وما هو هذا الرمز؛؟ سأل كاتب السيناريو غير الوطني الذي يكتب 
أفلاماً مغرقة في الوطنية» وهو رجل نحيف قصير ذو لحية بدأ يصبغها 
باللرة الرمادي هد أن قوسل إلى أكغات مقاب أن الصبابا فشان الرجال 
الناضجين . فقد كتب مسلسلا تلفزيونياً شعبياً» يدعى «تيمور قلب الأسده» 
يصوّر فيه بطلا وطنياً قوي البنية» قادراً على سحق جحافل جيوش الأعداء 
وجعلها كتلا من اللحم والدم. وعندما كان يُسأل عن برنامجه التلفزيوني 
المبتذل وعن أفلامه» كان يدافع عن نفسه ويجادل بأنه رجل وطني من 
حيث المهنة» لكنه شخص عدمي حقيقي من حيث الاختيار. وقد جاء هذا 
اليوم ترافقه صديقة أخرى» امرأة جميلة جذابة لكتها تخلو من أي عمق في 
التفكير. وكانت أوساط الرجال يطلقون اسما خاصا على النساء ذوات 
العقول الضحلة مثلها: «فاتحات الشهية» ‏ لا الوجبة الرئيسية بالطبع» بل 
وجبة خفيفة سريعة الهضم . وفيما كانت يده غاطسة في صحن اللوز على 
الطاولةء قهقه وهو يطوق صديقته الجديدة بذراعه وقال: «هياء قل لنا ما 
هو ذلك الرمزا. 

«الضجراء قال رسام الكاريكاتير المدمن بعد أن نفث هبة من 
سيجارته» فأخذت دوائر الدخان تتصاعد من جميع الجوانب» وبما أن 
جميع رواد المقهى كان ينفثون دخانهم كالمداخن» فقد انضم خيط الدخان 


Twitter: @ketab_n ۹۸ 


الرفيع الذي نفثه الرسام بتكاسل إلى السحابة الرمادية السميكة التي تشكلت 
فوق الطاولة. 

أما الشخص الوحيد الجالس معهم الذي لم يكن يدخن» فهو 
الصحفي الشاذ» الذي كان يمقت رائحة الدخان. وعندما كان يعود إلى 
البيت كل يوم» كان يخلع ثيابه على الفور ليتخلص من روائح مقهى 
كونديرا النتنة. لكنه لم يكن يبدي أي اعتراض عندما كان الآخرون 
يدخنون. بل ولم يكف عن ارتياد المقهى أيضاً. فقد كان يأتي إلى هنا 
بانتظام» لأنه كان يجد متعة في أنه أحد أعضاء هذه المجموعة المتباينة 
المشارب» ولأنه كان ينجذب سرَاً إلى رسام الكاريكاتير المدمن . 

لم يكن سبب انجذاب الصحفي الشاذ إلى رسام الكاريكاتير لأنه كان 
يريد منه شيئاً جسدياً . فمجرد التفكير به عارياً كان يكفي لأن تبعث الرجفة 
في أوصاله. ولم يكن لذلك علاقة بالجنس» قال مطمئناً نفسه» بل له 
علاقة بالأرواح ذات وشائج القربى. بالإضافة إلى ذلك» كانت هناك 
عقبتان كبيرتان تقفان في طريقه. الأولى» أن رسام الكاريكاتير المدمن لم 
يكن يعاشر إلا النساء» وفرصته في أن يجعله يغْيّر موقفه ضئيلة للغاية. 
والثانية » أنه كان مغرماً بتلك الفتاة الكثيبةء ذات المزاج النكد» آسيا - وهي 
حقيقة لاحظها الجميع . 

لذلك لم يعلق الصحفي الشاذ أية آمال على إقامة علاقة مع رسام 
الكاريكاتير المدمن. بل كان يريد أن يتقرب منه فقط . وكانت أحياناً تسري 
قشعريرة مفاجئة في جسده عندما تلمس يده أو كتفه عرضاً يد رسام 
الكاريكاتير عندما يمدها لتناول كأس أو منفضة سجائر. ورغبة منه في أن 
يدخل الطمأنينة في نفوس الجميع بأنه لا يوجد لديه أي اهتمام به» أو باي 
رجل لذلك الغرض» كانت تمر أوقات يعامل فيها الصحفي الشاذ رسام 
الكاريكاتير من بعيد» مشوهاً آرائه من حيث لا يحتسب. إنها حقاً قصة 


معقدة . 


Twitter: @ketab_n ۹۹ 


«الضجر»» قال رسام الكاريكاتير المدمن عندما ارتطمت يده بقنجان 
القهوة بالحليب وانقلب» وتابع » «إن الضجر خلاصة حياننا. إذ إننا نتمرغ 
في الملل يوماً بعد يوم . لماذا؟ لأننا لا نستطيع أن نهجر جحر الأرنب هذا 
خوفاً من أن نصطدم بشقافتنا على نحو مؤلم. فالسياسيون الغربيون 
يفترضون أنه توجد فجوة ثقافية بين الحضارة الشرقية والحضارة الغربية. 
أرجو أن يكون الأمر بهذه البساطة! لكن الفجوة الحضارية الحقيقية تكمن 
بين الأتراك والأتراك أنفسهم. إذ إننا مجموعة من الحضريين المثقفين 
المحاطين بسكان الجبال والريفيين الساذجين من جميع الجهات»› الذين 
احتلوا المدينة بأسرها». 


وألقى نظرة جانبية إلى النوافذ» وكأنه كان يخشى أن تقفز حشود 
الناس عليهم بعصيهم ومنجنيقاتهم . 

«القد أصبحت الشوارع ملكهم» الساحات لهم العبّارات لهم. لقد 
أصبحت جميع المناطق المفتوحة لهم. وبعد بضع سنوات» ربما لن يعود 
لنا مكان نلجأ إليه سوى هذا المقهى . منطقتنا المحررة الأخيرة. إننا نهرع 
إلى هنا كل يوم هرباً منهم. أوه نعم» هم! فليحفظني الله من شعبي» . 

«إنك تقول شعرآ»» قال الشاعر غير الموهوب بامتياز. فہما آنه كان 
شاعراً يخلو من أي موهبة» فقد دأب على أن يشبّه کل شىء بالشعر. 

«لقد علقنا. لقد علقنا بين الشرق والغرب. بين الماضى والمستقبل . 
فمن ناحية تجد أن العلمانيين العصريين يفتخرون بالنظام الذي أقاموه» ولا 
تستطيع أن تنتقدهم بكلمة واحدة» لأن الجيش ونصف الدولة يقف إلى 
جانبهم . ومن الناحية الأخرى» هناك التقليديون المتمسكون بالتقاليدء 
المفتونين بالماضي العثماني» ولا يمكنك أن تنتقدهم بكلمة واحدةء لأن 
عامة الناس والنصف الآخر من الدولة يقفون إلى جانبهم. فماذا تبقى 
لا؟». 


Twitter: @ketab_n 


عاد ووضع السيجارة بين شفتيه الشاحبتين المشققتين» حيث مكثت 
طوال فترة شكواه وتذمره. «المعاصرون يطلبون منا أن نتقدم إلى الأمام» 
لكننا لا نؤمن بأفكارهم عن التقدم . والتقليديون يطلبون منا أن نعود إلى 
الوراءء لكننا لا نريد أن نعود إلى نظامهم المثالي أيضاً. إننا محصورون 
بين الاثنين» نتقدم خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الوراءء تماماً كما كانت 
تفعل فرق الجيش العثمانى! حتى أننا لا نعزف على أي وتر! أين المفر؟ 
فاا أف فل كا اف عرية أو فعا من المرب الأمة 
لأصبحنا تحت حماية ميثاق الأمم المتحدة» وعندها يمكننا أن نحصل» 
على الأقل» على بعض الحقوق الأساسية. أما العدميون والمتشائمون 
والفوضويون فلا يُعتبرون أقلية» بل أصبحنا نوعاً منقرضاًء وأخذ عددنا 
يقل يوماً بعد يوم . إلى متى يمكننا أن نبقى على قيد الحياة؟» . 


علق السؤال بتشاقل شديد فوق رؤوسهم» في مكان ما تحت سحابة 
الدخان. وكزت على أسنانها زوجة رسام الكاريكاتير» التي کانت امرأًة 
عصبية وسريعة الهياج» وذات عينين داكنتين كئيبتين فيهما الكثير من 
الامتعاض والاستياء» لأنها كانت ترسم الكاريكاتير أفضل مما يرسمه 
زوجهاء لكنها لم تكن تحظى بذات التقدير الذي يحظى به. وكانت تتمزق 
حيرة بين أن تتصيّد أخطاءه وتنتقده» كما كانت تريد أن تفعل بشريكها منذ 
اثنتي عشرة سنة» أو أن تؤيد نوبات حنقه وجنونه مهما كانت» كما يفترض 
أن تفعل الزوجة المثالية. فقد كان الواحد منهما يكره الآخر بإخلاص› 
ومع ذلك كان كل واحد منهما يتمسك بزواجهما طوال هذه السنوات» هي 
بأمل أن تنتقم منه» وهو بأمل أن تتحسن وتصبح أفضل حالاً. أما اليوم 
فقد أصبحا يتكلمان بكلمات وإيماءات يسرقانها من بعضهما البعض. حتى 
رسومهما الكاريكاتيرية أضحت متشابهة هذه الأيام. فقد كانا يرسمان 
أجساماً مشوّهة» ويخترعان حوارات غريبة تشمل أشخاصاً مكتئبين تصور 
حالات حزينة وساخرة. ' 


Twitter: @ketab_n 


«أتعرفوا من نحن؟ إننا حثالة هذا البلد. عجينة نيئة ندية نثير الشفقةء 
لا شيءَ أكثر من ذلك! فالجميع إلا نحن» مهووسون بالانضمام إلى 
الاتحاد الأوروبى» وتحقیق الأرباح» وشراء الأسهم» وتبديل سیاراتهم 
بسيارات جديدة» وتبديل صديقاتهم. . ٠.‏ . 

تململ كاتب السيناريو بعصبية. 

«هنا حيث يدخل كونديرا الصورة»» تابع رسام الكاريكاتير المدمن 
كلامه دون أن يلاحظ زلة لسانه» «إن فكرة الخمة بأكملها تتخلل حياتنا فى 
شکل فراغ لا معنی له. إن وجودنا شيءَ مبتذل» أكذوية جميلة» يساعدنا 
على تحدي حقيقة الموت والفناء. إنه بدقة أكبر هذا . 

لكن خشخشة الأجراس عندما فتح أحدهم باب مقهى كونديرا بقوة 
قطعت كلماته» ودخلت صبيّة تبدو عليها آثار التعب والاستياء بشكل 
يتجاوز عمرها. 

«هيه » آسيا»» صاح كاتب السيناريو» وكأنها المنقذة التي طال انتظارها 
لوضع حد لهذا الحديث السخيف. «هنا! نحن هنا». 

ابتسمت آسیا قازانجی نصف ابتسامة» وقطبت حاجبيها بتعبير يقول»› 
أوه حسناً» يمكنني أن أنضم إليكم أيها الرفاق قريباًء ما الفرق على أي 
حال» فالحياة سيئة في كلتا الحالتين. وببطء» وبتثاقل وكأنها محملة 
بأكياس غير مرئية» اقتربت من الطاولة» وحيّت كل واحد فيهم تحية تخلو 
من أي حيوية › وجلست» وراخت قلف ستجارة: 

«ماذا تفعلين هنا فى هذه الساعة؟ أليس من المفروض أن تكونى فى 
درس الباليه الآن؟» سأل رسام الكاريكاتير المدمنء ناسياً أنه كان يناجي 
نفسه. وبرقت عيناه بالاحترام - إشارة لا حظها الجميع تقريباً إلا زوجته. 

الكن هذا هو المكان الذي يجب أن أكون فيه: في درس الباليه. 
والآن» - حشت آسيا ورقة السجائر بالتبغ - إني أمارس حالياً إحدى أكثر 


Twitter: @ketab_n 


القفزات صعوبة» حيث أضم ربلتيّ ساقي وأثب في الهواء بزاوية بين 
خمسة وأربعين وتسعين درجة»). 

«عظيم“ قال رسام الكاريكاتير مبتسماً. 

«ثم أثب وثبة مع استدارة»» تابعت آسياء «القدم الأيمن إلى الأمام» 
زف مثنية» ثم أقفز!» وأمسكت كيس التبغ الجلدي ورفعته في الهواءء 
«أستدير مائة وثمانين درجة» - قالت وهى تفتل الكيس بيدهاء فتبعثر قليل 
ن التب غلى الطاولة ‏ #وأتقدم غلى القدم اليسرى؛. جم الكيس إلى 
جانب صحن اللوز. «ثم أكرّر هذه الحركة مرة أخرى لأعود إلى الوضعية 
التي انطلقت منها. إمبوفت؟ . 

«كانك تكتين القغر بجسمك وآنت تمارسين الباله)) همس الشاعر 
غير الموهوب بامتياز . 

ساد فتور کئیب. ومن مکان بعید تناهت أصوات المدينةء مزيج من 
أصوات الصافرات» وأبواق السيارات» وصياح الباعة» وضحكات تصحبها 
صرخات النوارس. ودخل بضعة زبائن جدد» وغادر آخرون. ووقع نادل 
وهو يحمل صينية مليئة بالكؤوس . وأحضر نادل آخر مكنسة» وفيما راح 
يكنس الزجاج عن أرضية المقهى» كان ينظر إلى الزبائن بدون اكتراث. 
ففي هذا المقهى كان الندل يتغيرون بسرعة . إذ كانت ساعات العمل طويلة 
ولم يكن الأجر كبيراً. ومع ذلك» لم يقدم أي نادل استقالته حتى يومنا 
هذاء بل کانوا بُطردون طرداً. هذا هو حال مقهی کوندیرا. فما إن تطأه 
قدماك» حتى ترتبط به إلى أن يبصقك خارجه. 

وفي نصف الساعة التالي» طلب بعض الجالسين إلى طاولة آسيا 
قازانجي قهوة» وطلب آخرون بيرة. وفي الجولة الثانية» احتسى بيرة من 
کان ات قهوة فى الجولة الأرلى» وراجسى قهوة من كان قد طلب 
وكا سارت الأمور وكا وتام الكاريكاير الخص الرة الاق 


Twitter: @ketab_n 9F 


التزم بطلب القهوة بالحليب وتناول قطع البسكويت بالفانيلا التي كانت تأتي 
مع القهوة» رغم أن استياءه بدا واضحاً الآن. وفي جميع الأحوالء لم 
يكن ثمة شيء يتم بانسجام» ومع ذلك كان هذا التنافر يحدث إيقاعا غير 
عادي هناك . وهذا ما كان يثير إعجاب آسيا فى هذا المقهى: خموله 
السباتي وتنافره الهزلي. لقد كان هذا المكان خارج الزمان والمكان. فمع 
أن إستانبول تسير فى حركة سريعة محمومة» كان السبات والخمول 
E eae‏ أما الناس خارج المقهى» فكانوا يتمسكون 
ببعضهم بعضاً كي يخفوا وحدتهم» ويتظاهرون بأنهم أكثر حميمية وإلفة 
مما كانوا فعلاًء أما هناء فعلى العكس تماماًء فقد كان كل واحد منهم 
يتظاهر بأنه أكثر بعداً وانفصالاً عن الآخر مما كان فى حقيقة الأمر. إن هذا 
الساكاتسكل تاا ورف تسه متك اعات سا ا س 
سيجارتها» مقذرة تماماً هذا الكسل والخمول حتى نظر رسام الكاريكاتير 
إلى ساعته والتفت إليهاء وقال: «الساعة الثامنة إلا ثلثا يا عزيزتي. لقد 
انتهی موعد درسك». 

«أوه» هل يجب عليك أن تذهبي؟ إن أسرتك موضة قديمة»» قالت 
صديقة كاتب السيناريو» وأضافت: «لماذا يجعلونك تأخذين دروساً في 
الباليه مع أنه من الواضح أنك لا تريدين ذلك؟». 

كانت هذه مشكلة جميع الصديقات اللاتي لم تكن تزيد أعمارهن على 
عمر الفراشة» واللاتي كان كاتب السيناريو يحضرهن معه. فلكي يتقربن 
من الآخرين» كن يطرحن أسئلة شخصية عديدة» ويبدين تعليقات شخصية 
كثيرة» وكنْ لا يعرفن على نحو يثير الشفقة» أن أحداً منهم لم يكن يبدي 
اهتماماً جديا ومخلصاً في خصوصية الآخر» وهذا ما كان يجمعهم . 

«كيف تتحملين كل تلك الخالات؟» تابعت صديقة كاتب السيناريو» 
ولم تستطع أن تقرأً التعابير التي ارتسمت على وجه آسياء وتابعت: «يا 


Twitter: @ketab_n ê 


إلهي» كل تلك النسوة يقمن بدور الام تحت سقف واحد. . . أنا شخصياً 
لا أستطيع أن أتحمل ذلك ولا دقيقة واحدة». 

هنا بلغ السيل الزبى . فقد كانت هناك قواعد غير مدونة لدى مجموعة 
انتقائية کهذه» وکان كل واحد منهم یحرص على عدم انتهاکها. سحبت 
آسيا نمسا عميقاً من سيجارتها. وعندما كانت تلتقي بامرأة جديدة» كانت 
تفعل أحد أمرين: إما أن تنتظر لترى متى ستكرههاء أو أنها تكرهها في 
الحال. 

«لا توجد لدي عائلة بالمعنى المعروف للكلمة»» قالت آسيا ورمقتها 
بنظرة متعالية» راجية أن يوقف هذا ما كانت الأخرى تخطط لقوله بعد 
ذلك . وأثناء ذلك وقعت عيناها على إطار فضي يلمع على الجدار فوق 
كتف الفتاة اليمنى. كانت صورة طريق يؤدي إلى البحيرة الحمراء في 
بوليفيا. يا له من شيء رائع أن يكون المرء على هذا الطريق الآن! أنهت 
قهوتهاء أخرجت سيجارتهاء وبدأت تلف سيجارة أخرى وهي تهمهم : 
«إننا مجموعة من الحيوانات الإناث المرغمات على العيش معاً. أنا لا 
أسمي هذه عائلة» . 

«لكن هكذا هي العائلة بالضبط يا عزيزتي»» قال الشاعر غير 
الر ت اا وی ارات هده كان جار أنه أك ر اراد الوط 
ا لا من كد سات ال فف بل من حك رات اكاب افا 
أيضاً . فقد تزوج وطلق ثلاث مرات» وشاهد جميع زوجاته السابقات 
يغادرن إستانبول» الواحدة تلو الأخرى»ء ويتجهن إلى أبعد مكان يمكنهن 
أن يصلن إليه لكي يبتعدن عنه. وكان لديه أطفال من كل زوجة لم يكن 
یزورهم إلا لماماًء لکنه كان يذعي دائماً بأنه قادر على «التذكر»» فقال وهو 
ضعا اونا تحر اسا «إن جميع العائلات السعيدة تشبه إحداها 
الأخرى»ء لكن كل عائلة غير سعيدة هي غير سعيدة بأسلوبها الخاص». 

«يسهل على تولستوي أن يقول هذا الهراء»» قالت زوجة رسام 


Twitter: @ketab_n 10 


الكاريكاتير المدمن باستهجان: «فقد كان للرجل زوجة تعتنى بأدق 
التفاصيل» وربت عشرات الأطفال الذين أنجباهماء وكانت تعمل كالكلب 
روایاته). 

«ماذا تريدين؟» سأل رسام الكاريكاتير المدمن . 

«الاعتراف! هذا كل ما أريده. أريد أن يعترف العالم بأسره» بأنه لو 
أتيحت لها الفرصة» لكان من الممكن أن تكون زوجة تولستوي كاتبة 
أفضل منه . 

«لماذا؟ ألأنها امرأة فقط؟». 

«لأنها كانت امرأة موهوبة جداً وقد اضطهدها رجل موهوب جدااء 
قالت زوجته . 

«أوه)» قال رسام الكاريكاتير المدمن. وبانزعاج نادى النادل» ولحزن. 
الجميع طلب زجاجة بيرة. لكن عندما وصلت البيرة› لا بد أنه أحس 
بالذنب» فغيّر الموضوع فجأة» وراح يلقي خطابا عن فوائد الكحول . 

«إن هذا البلد يدين بحريته لهذه القنينة الصغيرة التى يمكننى أن 
أمسكها بحرية كبيرة في يدي». ورفع رسام الكاريكاتير صوته ليغطي على 
صوت بوق سيارة إسعاف كانت تن في الخارج. لا إصلاحات 
اجتماعية› ولا تعلیمات سياسية . لیس حتی حرب الاستقلال . بل إن هذه 
القنينة بالذات هي التي تميّز تركيا عن جميع البلدان الإسلامية الأخرى . 
هذه البيرة هنا - رفع القنينة وكأنه يريد أن يشرب نخب أحد» «إنها رمز 

«أوه» هيا. منذ متى كان سكير متعفن رمزاً للحرية؟» قال كاتب 
السيناريو بحدة. أما الآخرون فلم يشاركوا في الحديث» لسبب بسيط وهو 
أن المناقشة تبدد الطاقة . لذلك اختار كل واحد منهم لوحة على الجدارء 
وراح يركز على صورة أحد الطرق . 


Twitter: @ketab_n 


«منذ اليوم الذي حرمت فيه المشروبات الكحولية» وشوهت سمعتها 
في الشرق الأوسط الإسلامي. منذ الأزل»» شخر رسام الكاريكاتير 
المدمن: «فكروا بالتاريخ العثماني . كل تلك الحاناتء كل تلك المازوات 
التي ترافق كل كأس... يبدو أن هؤلاء الرجال كانوا يمضون أوقاتاً 
ممتعة. نحن كأمة يروق لنا الكحول» فلماذا لا نقبل ذلك؟ فهذا مجتمع 
ويصوم في شهر رمضان» ثم يعود إلى الشراب ما أن ينتهي الشهر 
الفضيل . إذا لم تكن هناك شريعة في هذا البلدء وإذا لم ينجح الأصوليون 
كما نجحوا في أماكن أخرى» فإني آقول لكم» إننا ندين بذلك إلى هذا 
ترکیا . 

«حسناً لماذا لا نشرب إذن؟» ابتسمت زوجة رسام الكاريكاتير 
لنشرب أفضل من الشراب على نخب السيد «أطراف أصابع القدم»؟ ماذا 
کان اسمه سیشه؟» . 

e‏ قالت آسیا مصححة» کک تلعن ذلك ايوم الذي کانت فيه 
ا وقد اجيم هتا الائ Ns‏ کان یقترح 
أحدهم بي بين الحين والآخر تناول كأس على نخبه» الراقص الذي استنبط 
الرقص غل رؤوس الأصابع. 

«إذن لولاه لما استطاع راقصو الباليه السير على رؤوس أصابع 
أقدامهم » أليس كذلك؟» كان أحدهم يقول ضاحكاً في كل مرة. 

وکان آخر رت يضيف : «وبأي شيءَ کان يفكر ؟» فرت فرضحك ال لجميع . 


كانوا يجتمعون في مقهى كونديرا يومياً. الشاعر غير الموهوب 


Twitter: @ketab_n 


بامتياز» وكاتب السيناريو غير الوطني الذي يكتب أفلاماً مغرقة في الوطنيةء 
وزوجة رسام الكاريكاتير المدمن» والصحفى الشاذ» وآسيا قازانجى . 
وكانت هناك مشاعر مليئة بالتوتر مدفونة في مكان عميق» تنتظر حديثهم 
اليومي لكي تطفو على السطح وتنبعث إلى الخارج. وكانت الأشياء في 
الوقت نفسه» تتدفق بسهولة. فقد كانوا يجلبون معهم أحياناً أشخاصاً 
آخرين» أو أصدقاءء أو زملاء أو غرباء تماماً؛ وكانوا أحياناً يأتون 
وحدهم. وکانت النجخغة ا شونا ذاتی التنظيم› تظهر فيه 
الاختلافات الفردية لكنها لا تهيمن عليه» وكأن لدى الجسم العضوي حياة 
في خارج الشخصيات التي يتكون منها. 

وکانت آسیا قازانجي قد وجدت سلاماً داخلیاًء وأصبح مقھی کوندیرا 
ملاذاً لها. فقد كان يتعين عليها أن تصحح أساليبها دائماً في بيت 
قازانجي» وتبذل ما بوسعها لكي تصل إلى كمال يتجاوز إدراكهاء أما هنا 
في مقهى كونديراء فلم يكن ثمة أحد يرغمك على أن تتغيرء لأنهم 
يعتقدون أن البشر غير كاملين من حيث الجوهر ولا يمكن إصلاحهم . 

صحيح أنهم لم يكونوا الأصدقاء المثاليين الذين كانت خالاتها 
ستختارهم لهاء وخاصة أن بعض أفراد المجموعة كانوا في عمر أمٌ آسياء 
وبما أنها كانت أصغرهم سناً» كانت تستمتع بمراقبة طفولتهم . وكان من 
المريح أن ترى أنه لم يطراً أي تحسّن فعلي على حياتهم خلال تلك 
السنوات؛ فإن كنت مراهقاً كثيبا متجهماً» فسينتهى الأمر بك بأن تكون 
بالغاً كئيباً متجهماً. إذ إن هذا النمط يلازمنا وسيبقى معنا. صحيح أن ذلك 
قد يبدو كثيباً بعض الشىء» إلا أن آسيا» على الأقل» قالت تواسى نفسها 
إن هذا يشبت أنه لا يتعين على المرء أن يصبح شيئاً آخر» شيئاًء مثل 
خالاتها اللاتي لا يتوقفن عن إزعاجها والتذمر ليلا نهاراً. فبما أنه لن يتغير 


Twitter: @ketab_n 


شىء مع الزمن» وبما أن هذه الكآبة ستبقى هنا إلى الأبدء فيمكنها أن تظل 
هى الكثيبة المتجهمة ذاتها 

«اليوم عيد ميلادي»» أعلنت آسياء مفاجئة نفسها لأنها لم تكن تنوي 
أن تعلن هذا النبأً . 

«أوه حقاً؟» سأل أحدهم. 

«يا لها من مصادفة! فاليوم عيد ميلاد أصغر بناتي أيضاً»» صاح الشاعر 
غير الموهوب بامتياز . 

«أوه» حةا؟« الآن جاء دور آسیا. 
الجوزاء». 

هر الشاعر رأسه المفوش مفتيطاء بطريقة مسرحية . 

برج الحوت»» قالت آسيا مصححة . 

وهكذا كان. لم يحاول أحد أن يعانقها أو يمطرها بالقبل› تماما كما 
لم يفكر أحد بأن يطلب لها قالب كاتو. لكن بدلا من ذلكء راح الشاعر 
يقرأ لها قصيدة رديئةء واحتسى رسام الكاريكاتير ثلاث زجاجات بيرة على 
شرفها» ورسمت زوجة رسام الكاريكاتير كاريكاتيرها على منديل - صبيّةَ 
هوجاء ذات شعر يشبه أسلاك الكهرباءء وثديين ضخمين» وأنف حادّ 
تحت عینین فطنتين اقبتين . وطلب لها الا خرون فنجان قهوة اخر»ء وفي 
النهاية» لم يدعوها تدفع نصيبها في الفاتورة. كان الأمر بتلك البساطة. 
وهذا لا يعني أنهم لم يأخذوا عيد ميلاد آسيا بجدية» بل على العكس» 
أخذوه بجدية شديدة إلى درجة أنهم سرعان ما بدأوا يفكرون بصوت عال 
بمفهوم الزمن والفناءء ومن هناك انتقلوا إلى أسئلة متى سيموتون» وإن 
كانت هناك حقاً حياة بعد الموت. وأخيراً توصلوا إلى الرأي بأنه اتوجد 
حياة بعد الموت» لكنها ستكون أسوأ مما هي هنا»» وخلصوا إلى النتيجة 
يجب على المرء أن ي يتمتع بالوقت المتبقي لدیه) . 


Twitter: @ketab_n 


فكر البعض في ذلك» وتوقف آخرون عند منتصف الكلمة وهربوا إلى 
صورة الطريق هذه أو تلك على الجدار. أخذوا وقتهمء وكأن أحداً لا 
ينتظرهم في الخارج» وكأنه لم يكن هناك خارج أصلاًء» وشيثاً فشيئاًء 
تحوّل تجهمهم إلى ابتسامات سعيدة من اللامبالاة. وبما أنهم كانوا 
يفتقرون إلى الطاقةء أو العاطفةء أو الحاجة إلى أحاديث أخرى» فقد 
غاصوا في أعماق مياه اللامبالاة والخمول الموحلةء متسائلين لماذا» بحق 
السماءء سمي هذا المقهى مقهى كونديرا. 


# ¥ # 


في الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم» وبعد أن تناولن وجبة دسمة» 
وبعد أن أطفأن الأضواء» ووسط الغناء والتصفيق» أطفأت آسيا قازانجي 
الشموع الموضوعة في قالب كاتو التفاح المؤلف من ثلاث طبقات تعلوها 
كراميل (شديدة الحلاوة) وكريمة الليمون المخفوقة (شديدة الحموضة). 
ولم تتمكن إلا من إطفاء ثلث الشموع» أما باقي الشموع فقد أطفأتها 
خالاتها وجدتها وما -الهيفاء» اللاتي رحن ينفخن جميعهن من جميع 


الجوانب . 
«كيف كان درس الباليه اليوم؟٠‏ سألت الخالة فريدة عندما أشعلت 
الضوء تانىة 


«کان جیداً) انتسمت اسا: «إن ظهري يؤلمنی قلیلاً بسبب التمدد 
الذي تجبرنا المعلمة على عملهء لكنني لا أستطيع أن أتذمر. فقد تعلْمت 
عدة حركات جديدة) . 

«أوه» نعم؟» جاء صوت يشي بالريبة . كان صوت الخالة زليخة. 

«مشل ماذا؟) . 

«حسناً. . .» أجابت آسيا وهي تتناول اللقمة الأولى من الكاتو . 

«لنر . لقد تعلمت eاءز petit‏ ى القفزة الصغيرة» وء)اءuهءم‏ (الدوران) 
ولوا الانزلاق» . 


Twitter: @ketab_n 


«أتعرفين» هذا يشبه إصابة عصفورين بقطعة حجر واحدة)» قالت 
الخالة فريدة: «ندفع ثمن دروس الباليه» وينتهي الأمر بأنها تتعلّم الباليه 
واللغة الفرنسية معاًء وبذلك نوفر مالا كثيراًا. 

أومأن جميعهن - جميعهن إلا الخالة زليخة» التي برزت ومضة شك 
في هاوية عينيها الزرقاوين المائلتين إلى اللون الأخضرء قبت وجهها من 
وجه ابتتها وقالت بصوت لا يکاد يسمع»› «أرينا» . 

«هل جننت؟» أجفلت آسياء «لا يمكننى أن أنفذ هذه الحركات وسط 
غرفة الجلوس هنا! يجب أن أكرن قى الأستديو وأن أفعل ذلك مع 
المعلمة. ففي البداية نقوم بحركات الإحماء» ونتمدد ونركز. ودائماً توجد 
موسیقی . . . 2اا تعنی الانزلاق» هل تعرفين ذلك؟ کیف یمکننی أن 
ا و فقا ۷ ك ال اوو ق ق ` 

ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي الخالة زليخة وهي تمرر أصابعها 
فوق شعرها الأسود. لم تقل شيئاً آخر» وتظاهرت بأنها مهتمة بتناول قطعة 
الكاتو أكثر من اهتمامها بافتعال مشاجرة مع ابنتها. لكن ابتسامتها كانت 
تكفي لإثارة حنق آسيا. دفعت صحنها جانباًء وسحبت کرسیهاء ونهضت . 

في الساعة التاسعة وخمس عشرة دقيقة من ذلك المساء» وفي غرفة 
جلوس كانت ندل عل البحيوة زالتراذات يرم لكتها أصبحت اليرم 
تدل على ذوق عفا عليه الزمن» وقناق خرب آيل للسقوط في إستانبول» 
راحت آسيا قازانجي ترقص الباليه فوق سجادة تركية» وكان وجهها في 
وضع رومانسي» ااا واا ت اد 
اصبعاها الأوسطان يلامسان إبهاميهاء فيما كان شعور بالغضب والاستياء 


Twitter: @ketab_n 


٠ تق‎ 


أخذت آرمانوش تشكمكجيان تراقب أمينة الصندوق في مكتبة «المكان 
النظيف والجيد الإإضاءة للكتب» وهى تكدس الروايات الاثنتى عشرة التى 
اشترتها للتو» الكتاب تلو الكتاب فى حقيبتهاء فيما أخذتا تنتظران المرافقة 
على بطاقتها الائتمانية . ثم أعطتها أمينة الصندوق الإيصال» فوفعت عليه 
وهي تحاول ألا تنظر إلى مجموع المبلغ. فللمرة الثانية أنفقت جميع 
مخراتها الشهرية على الكتب! إنها دودة كتب حقبقية» ولم يكن هذا شيثا 
جيدأً» خاصة في عيون الشبانء مما كان يجعل أمَّها تخشى أن تقل فرص 
زواجها من رجل غني . وكانت قد وعدت أمَها على الهاتف صباح اليوم 
بأنها لن تنبس بكلمة واحدة عن الروايات أثناء لقائها هذه الليلة. وما أن 
تذكرت آرمانوش موعدها هذا المساء» حتى أحست بدفق مفاجئ من القلق 
في معدتها مشوب بالإحساس بالذنب . فبعد مضي عام على عدم خروجها 
مع أي شاب - وهي دلالة خطيرة على سنواتها الإحدى والعشرين من 
العزوبية المزمنة التي تخللتها مواعيد كارثية مع بعض الشبان ‏ ستمنح أخيراً 
آرمانوش تشكمكجيان الحبٌ محاولة أخرى . 

وإذا كان ولعها بالكتب أحد الأسباب الرئيسية الذي لم يمكنها من 
إقامة علاقة عادية مع الجنس الآخر» فثمة عاملان آخران أججا نيران 
فشلها. فأولاً وقبل كل شيءء كانت آرمانوش جميلة» جميلة جداًء ذات 


Twitter: @ketab_n 11۲ 


جسد متناسق» ووجه ناعم» وشعر أشقر متمرّج» وعینین زرقاوین رماديتين 
واسعتين» وأنف دقيق ذي نتوء طفيف قد يبدو عيباً فى وجوه الأخريات» 
أما هى» فقد أضاف لها شيئاً من الثقة بالنفس . اا ا 
وتقلها يران الخرف فى انقوس الشباب. إلا أن هذا لا يعني انهم يفضلون 
النساء القبيحات» أو أنهم لا يقدّرون الذكاء» بل لأنهم لا يعرفون في أي 
فثة يصنفونها: في فثة النساء اللاتي يتشوقون للنوم معهن (العشيقات)» أو 
في فة النساء اللاتي يستشيروهن (الرفيقات)ء أو في فة الراغبات في 
ازاج (الخطيبات)ء وبما أنها کانت تتمتع بجمیع هنا ااضفات في آن 
واحد» لم تعد تنتمي إلي أي فثة من هذه الفثات في نظر الشباب. 

أما العامل الثاني فكان أكثر تعقيداًء ولم يكن بوسعها أن تتحكم فيه 
أيضاً وهو أقرباؤها. فقد كان لعائلة تشكمكجيان في سان فرانسيسكو 
ولأمها في أريزوناء آراء ووجهات نظر متباينة تصل إلى درجة العداوة 
عندما يتعلق الأمر بمن هو الرجل المناسب الذي يجب أن تقترن به 
آرمانوش . 

ومنذ طفولتهاء كانت تمضي في كل سنة تقريبا خمسة أشهر هنا 
(العطلة الصيفية» وعطلة الربيع» وزيارات نهاية الأسبوع) في حين كانت 
تمضي الشهور السبعة المتبقية في أريزوناء مما جعل آرمانوش تعرف» من 
المصادر الأساسية مباشرة» ما يتوقعه منها كل جانب» ومدى تناقض هذه 
التوقعات . فأي شيء يجعل أحد الجانبين سعيداً» كان يسبب الكدر 
والحزن للجانب الآخر. ولكي لا تزعج أحداً منهماء كانت آرمانوش 
تحاول أن تلتقي بشبان أرمن عندما تكون في سان فرانسيسكو» وأن تلتقي 
بأي شاب شريطة ألا يكون أرمنياًء عندما تکون في أریزونا. لکن لا بد أن 
القدر كان يسخر منهاء لأنها عندما تكون في سان فرانسيسكو» كانت 
تنجذب لجميع الشباب سوى الشبان الأرمن» وتبين لها أن الشبان الثلاثة 


Twitter: @ketab_n 11۳ 


الذين أغرمت بهم عندما كانت في أريزوناء كانوا جميعهم من الأمريكيين 
الأرمن» مما أثار استياء أمَها. 

اجتازت ميدان أوبرا وهي تجرَ قلقها مع حقيبتها الثقيلة» فيما كانت 
الريح تصفر وتعصف ألحاناً غريبة في أذنيها. ورأت في مقهى ماكس 
أوبراء شابا وقاة ومن قات وجهههاء عرفت ارمانوشن نها انا 
منزعجين من سندويتشات لحم البقر المكدسة أمامهماء أو أنهما كانا قد 
تشاجرا للتو. «الحمد لله أنى عازبة)» دمدمت لنفسها بسخرية قبل أن 
تنعطف إلى «شارع تركي». ثم تذكرت آرمانوش تلك الفتاة الأمريكية 
الأرمنية التي جاءت لزيارتها من نيويورك منذ بضع سنوات التي 
اصطحبتها لتريها معالم المدينة» كيف أن وجه الفتاة تغضن عندما وصلتا 
إلى هذا الشارع› وقالت: «شارع ترکي! هل هم موجودون في كل 
مکان؟» . 

تذكرت آرمانوش الدهشة التي اعترتها بسبب ردّة فعل الفتاة. وحاولت 
أن تشرح لها أن اسم تركي كان قد أطلق على الشارع تكريماً لفرانك 
تركي» المحامي الذي عمل قاضياًء الذي يتمتع بأهمية كبيرة في تاريخ هذه 
المدينة. 

مهما كان»» قاطعتها صديقتها المحاضرة»› غير مكترثة بتاریخ 
المدينة» ورددت : اومع ذلك» فهم موجودون فی کل مکان» اليش 
كذلك؟». 

بالفعل» إنهم في كل مكان» إلى حذ أن أحدهم تزوج أمَّهاء لكن 
آرمانوش احتفظت بهذه المعلومة لنفسها. 

فقد کانت تتحاشی الخوض في الحديث عن زوج أمَها مع أصدقائها 
الأرمن. كما أنها لم تكن تتحدث عنه مع أصدقائها من غير الأرمن أيضاًء 
حتى مع الذين لم يكونوا يبدون اهتماماً في الحياة خارج حیاتهم» ولم 


Twitter: @ketab_n 11٤ 


يكن لهم أي اهتمام بتاريخ الصراع بين الأرمن والأتراك. ولأن حكمة 
آرمانوش تقول لها إن هذه الأسرار قد تنتشر بين الناس انتشار النار في 
التي الك كات لر بالصمكم فخا ل في ادي 
استٹنائي» فانه سيعتبر SS‏ وکانت آرمانوش قد 
اكتشفت هذه الحكمة وهي في سن مبکرة. أن أمَها كانت «أودار»ء 
أي غريبة» فما الشيء NS‏ 
تتزوج غریباً آخر؟ ومع أن هذا الاعتقاد کان سائداً بين أصدقائهاء کان زوج 
أمَها يعتقد أنه أمريكي» بل وأنه ينتمي إلى منطقة وسط الغرب . 

في «شارع تركي» مرت من أمام فندق صغير للمثليين جنسياًء 
واجتازت بقالية تبيع سلعاً شرق أوسطية» ثم اجتازت سوقاً تايلانديا 
ا وشاهدت أناساً من جميع المشارب والألوان يتسكعون على 
الرصيف . ثم استقلت عربة الترام إلى التل الروسي. أسندت جبينها إلى 
النافذة المكسوة بالغبار» وراحت تفكر «بالأنا الأخرى» في متاهة بورخيس 
وهي تراقب طبقة الضباب الرقيقة تنجرف بعيداً في الأفق. فقد كانت 
رارش ات خر أبضا فاك تقها بيت غا أا ذهب 

كانت تحبٌ أن تعيش في هذه المدينة التي تجعل حيويتها تنبض في 
مدعا نة رة أطفارها كانت جد عة فى المجيء إلى هنا 
المدينة والإقامة مع أبيها وجدتها شوشان. وعلى عكس أمَهاء لم يتزوج 
أبوها ثانية. مع أنها كانت تعرف أنه كانت لأبيها صديقات في الماضي› 
لكنه لم يعرّفها على أي واحدة منهن» إما لأن علاقته بهن لم تكن جدية› 
أو لأنه كان يخشى إزعاجهاء ويرجح هذا السبب الثاني . فقد كان ذلك 
طبعاً من طباع برصام تشكمكجيان» الذي كان أبعد الرجال عن الأنانيةء 
وأكثرهم لطفاً ودماثة على وجه الكرة الأرضية» في نظر آرمانوش طبعاً. 
وحتى الآن لم تجن تصدق كيف تزوج امرأة لا تهتم إلا بنفسها مثل روز. 
وهذا لا يعني أن آرمانوش لم تكن تحب أمَهاء بل كانت تحبهاء ولكن 


Twitter: @ketab_n 


بطريقتها الخاصةء لكنها كانت تجد حب أمها المتبرم يكاد يخنقها في 
بعض الأحيان. لذلك» كانت تهرب إلى سان فرانسيسكو إلى أحضان 
عائلة تشكمكجيان» حيث تجد حباً رقيقاً ومتطاباً في الوقت ذاته. 

ما أن ترجلت من عربة الترام حتى بدأت تغدٌ الخطىء لأن مات 
هاسينغير سيصل في الساعة السابعة والنصف ليرافقها لتناول العشاء. ولم 
يتبق لديها إلا أقل من ساعة ونصف الساعة كي تتهيأً للقائه» وهذا يعني أن 
تأخذ دوشاً وترتدي فستانهاء ربما الفستان الفيروزي اللون» الذي قالت لها 
عماتها جميعهن إنه يليق بها تماماً. وهذا كل شيء. لا مكياج لا 
مجوهرات . فلن تجعل من نفسها دمية من أجل هذا اللقاء» ومن المؤكد 
أنها لم تكن تتوقع الكثير من هذا اللقاء. فإن لم تسر الأمور على ما يرام» 
فلا بأس. وإذا سارت على ما يرام» فإنها ستكون مهيأة لذلك أيضاً. 
وهكذا راحت آرمانوش تشق طريقها تحت الضباب الذي يغلف المدينةء 
وفى الساعة السادسة وعشر دقائق مساء» وصلت إلى شمَّة جدتها ذات 
الحمّامين في حي التل الروسي» وهو حي مفعم بالحركة شيّد فوق أحد 
أكثر التلال انحداراً فى سان فرانسيسكو . 

«أهلأًء يا حبيبتى» الحمد لله على سلامتك». 

للغرابة أن العمَّة سوربان هي التي فتحت لها الباب» لا جدتهاء «لقد 
اشتقت إليك»)ء زقزقت بموذة» «ماذا فعلت طوال النهار؟ كيف كان 
يومك؟) . 

«کان جیداً»» قالت آرمانوش بهدوء» وتساءلت فی نفسها ماذا تفعل 
أصغر عماتها هنا في مساء يوم الثلاثاء. 

كانت العمة سوربان تعيش في بیرکلي› حيث تدرس منذ الأزلء على 
الأقل منذ أن كانت آرمانوش طفلة. وهي تأتي إلى سان فرانسيسكو 
بالسيارة في عطل نهاية الأسبوع» لكن لم يكن من عادتها أن تأتي أثناء 


Twitter: @ketab_n ۱71 


الأسبوع . لکن السؤال لم يعد يشغل بال آرمانوش ما إن بدأت تروي ما 
فعلته آثناء يومهاء فقالت بشغف» ووجها يشعَ : «لقد اشتريت بعض الكتب 
الجديدة» . 

اكتب؟ هل قالت ”كتب” مرة أخرى؟» صاح صوت مألوف من 
الداخل. 

كان ذاك صوت عمتها فارسينغ! علقت آرمانوش معطفها الواقي من 
المطر» وسرت شعرها الذي نثره الهواء» وتساءلت فى الوقت نفسه ماذا 
تفعل العمَّة فارسينغ هنا أيضاً . فقد كانت ابنتاها التوامان قادمتین هذا 
المساء من لوس أنجلوس» حيث تشاركان في مباريات كرة السلة. فقد 
قانت الغتة فارسيتغ في غاب العمانن هة المباراة إلى حد آنا لم تت 
جیداً خلال الأيام الثلاثة الماضية» ولم تتوقف عن التحدث إلى ابنتيها أو 
إلى مدربهما على الهاتف. ومع ذلك» فبدلاً من أن تكون في المطار قبل 
ساعات من وصول طائرة ابنتيها مع الفريق» كدأبهاء ها هي هنا في بيت 
الجدة تعد مائدة العشاء. 

«نعم» قلت كتب*» قالت آرمانوش» ودخلت إلى غرفة الجلوس 
الفسيحة» وحقيبتها تتدلى من على كتفها. 

«لا تنصتي إليها. فقد كبرت في العمر وأصبحت نزقة»» قالت العمُة 
سوربان مَنْ وراءها وهي تتبعها إلى غرفة الجلوس» «إننا جميعنا فخورون 
بك يا حبيبتي" . 

«إننا فخورون بهاء لكنها يمكنها أن تتصرف حسب عمرها»» قالت 
العمَة فارسينغ» وهي تضع الصحن الخزفي الأخير على المائدة» ثم ضمت 
إليها ابنة أخيها وعانقتهاء وأضافت» إن الفتيات في عمرك منهمكات في 
تجميل أنفسهن. كما تعرفين . وبالطبع فإنك لست بحاجة لأن تفعلي مثلهن»› 
لكنك إذا قرأت وقرأت وقرأت» فأين سينتهي بك الأمر؟». 


Twitter: @ketab_n 11¥ 


«على عكس ما يحدث في الأفلام» فإن إشارة «النهاية» لا تومض في 
نهاية الكتاب . فعندما أقرأً كتاباًء لا أشعر بأننى أنهيت أي شىء. لذلك 
ئی ا کا چدیا ایت رماش غا درن ان ترف کے کات 
تبدو جميلة تحت نور الشمس الباهت في الغرفة. أسندت حقيبتها على 
كرسي جدتها وراحت تفرغها مثل طفل متلهّف لرؤية ألعابه الجديدة. 

تهاطلت الكتب الواحد فوق الآخر: «ألف وقصص أخرى»» «تحالف 
البليدين»)ء «إدارة الحزن» «روايات بور خيس المختارة)» «النرجسي 
وغولدموند»» ملوك المامبو يعزفون أغنية الحبَ)» «مشهد طبيعي مطلي 
بالشاي»» «المرأة الصفراء وجمال الروح». وكتابان لميلان كونديراء 
المؤلف الأثير لديها وهما «كتاب الضحك والنسيان» و«الحياة في مكان 
آخر». وكانت بعض من هذه الكتب جديدة» في حین کانت قد قرأت 
بعضها الآخر منذ سنوات لكنها شعرت بالرغبة في قرأتها ثانية. 

کانت آرمانوش تعرف» ربما ليس عقلانياً بل غريزياً» أن السبب وراء 
مقاومة عائلة تشكمكجيان لولعها بالكتب شيء أكثر عمقاً من مجرد رغبتهم 
في تذكيرها بالأشياء التي تنشغل بها الفتيات في عمرها. لا لأنها امرأة 
فقط» بل لأنها أرمنية أيضاً ولا يتوقع منها أن تكون مولعة بقراءة الكتب . 
فقد كانت آرمانوش تشعر أن اعتراض العمَة فارسينغ المستمر على قراءتها 
لی کل فا فا ابا ان یکن ریا وهو الخوف من الفناء. 
وبكال بساطة» لم تكن تريدها أن تصبح بارزة ومتميّزة عن القطيع . فقد 
كان الكتّاب والشعراء والفنانون والمثقفون هم أول من أبيدوا من ملة 
الأرمن في أواخر الحكم العثماني . ففي البدء» تخلصوا من «العقول» ثم 
بدأوا ينفون الآخرين ‏ عامة الناس. وشأن عائلات أرمنية كثيرة في 
الشتات» تعيش هنا في خير وسلام» لكن القلق لا يزال يتملكهاء لذلك 
كانت عائلة تشكمكجيان تشعر بالبهجة والغخضب معا عندما ترى أحد 
أطفالها يقرأ كثيرأء يفكر كثيراً» ويبتعد كثيراً عن الأمور العادية والمألوفة. 


Twitter: @ketab_n 11۸ 


ورغم أن الكتب قد تكون ضارة» لكن الروايات أكثر خطورة. فقد 
تضللك مسالك القصة بسهولة وتقودك إلى عالم القصص الذي يكون فيه 
كل شيء سلساًء وخيالياًء ومفتوحاً على المفاجآت مثل الليالي الظلماء في 
الصحراء. وقبل أن تشعرء يمكنها أن تجرفك بعيداً وقد تجعلك تفقد 
الاتصال بالواقع - هذه هي الحقيقة الصارمة والبليدة التي يجب على أي 
أقلية ألا تحيد عنها كثيراً كي لا تفقد يقظتها وتأهبها عندما تهب الرياح 
وتحل أيام عصيبة. ويجب ألا تكون ساذجاً وتعتقد أن الأمور قد لا تصبح 
سيئة» لأنهم يفكرون بذلك على الدوام. فالخيال سحر آسر خطير للذين 
يرغمون على أن يكونوا واقعيين في الحياة» وقد تكون الكلمات سامّة 
للذين كتب عليهم أن يلوذوا بالصمت دائماً. فإن كنت من بين الأطفال 
الناجين ولا تزال تريد أن تقرأ وتجترَء فعليك أن تفعل ذلك بهدوء شديدء 
وبخوف» وبسرية» ويجب ألا تجعل من نفسك قارئاً بارزاً. وإذا لم تكن 
لديك تطلعات وطموحات عليا في الحياة» فيجب على الأقل أن تكون 
لديك رغبات بسيطة» وأن تكبت عواطفك وطموحك» وكأآنك لا تمتلك 
طاقة وقوة تكفيان لأن تجعلاك إنساناً عادياً. وبهذا القدرء وبهذه العائلة» 
کان على آرمانوش أن تتعلم ألا تظهر مواهبها كثيراً» وأن تبذل ما بوسعها 
لأن لا تشع كثيراً. 

هبت من المطبخ رائحة قوية مفعمة بالتوابل ودغدغت منخريهاء 
فانتزعتها من حلم يقظتها. «إذن»» صاحت آرمانوش» والتفتت نحو أكثر 
عماتها الثلاث ثرثرة» وسألتها: «هل ستمكثين حتى العشاء؟». 

الفترة قصيرة فقط يا عزيزتي»» همهمت العمَة فارسينغ» «يجب أن 
أذهب إلى المطار» فكما تعرفين ستعود الفتاتان اليوم. لقد جئت إلى هنا 
لأعد لكم «مانتي» من صنع يدي» - وشعَّت العمَة فارسينغ بابتسامة مليئة 
بالزهو - «هل تعرفون آننا حصلنا على بسطرما من يريفان!». 


Twitter: @ketab_n ۱۹ 


«يا إلهي» لن آكل مانتي وبالتأکيد لن آكل بسطرما»» قالت آرمانوش 
متجهمة» وأضافت: «لا يمكن أن تفوح مني رائحة الثوم هذه الليلة». 

«لا توجد مشكلة . فإذا نظفت أسنانك» ومضغت علكة بطعم النعناع 
فلن تنبعث منك رائحة على الإطلاق». قالت العمَة زاروهي ما أن دخلت 
الغرفة وهي تحمل طبقاً من «المسقعة» مزينة بالبقدونس وشرائح الليمون. 
وضعت الصحن على المائدة وفتحت ذراعيها واشتغا لتعانق ابنة أخيها. 

بادلتها آرمانوش القبلات وهي تتساءل ماذا تفعل هنا. . .؟ لكنها بدأت 
تحزر الست sis e‏ أن ياتقي + وج عائلة 
بذلك الشاب . e‏ واحدة منهن ذريعة مختلفة› 
للغرض نفسه: فقد كن يرغبن في رؤية هذا الشاب الذي يدعى مات 
هاسينغير» الشاب المحظوظ الذي سيلتقى بقَرّة أعينهن هذا المساءء 
ویختبرنه ویحکمن عليه بعیونهن . 

نظرت آرمانوش إلى عماتها نظرة بدت يائسة. ماذا بوسعها أن تفعل؟ 
CG aS‏ 
یمکنها أن : تقنعهن بأن لا يقلقن عليها في حين توجد لديهن أمور كثيرة 
يجب أن ينشغلن بها في حياتهن؟ كيف تستطيع أن تتحرّر من تراثها 
الموروثء وخاصة وأن جزءاً منها يفتخر به كثيراً؟ كيف يمكنها أن تصدَ 
الذين يحبونها؟ هل يمكن محاربة طيبة القلب واللطف؟ 

«كل هذا لا يفيد!» قالت آرمانوش لاهثة» «لا معجون أسنانء لا 
علكة» ولا حتى غسول الفم بطعم النعناع السيء» لا شيء على وجه 
الأرض يمكنه أن يزيل رائحة البسطرما. فهي تحتاج إلى أسبوع لكي تزول 
نهائيا . فإذا تناولتِ بسطرما ستصبح رائحتك بسطرما» وستتعرقین بسطرماء 
وستتنفسين بسطرما لأيام عديدة . حتى أن بولك تصبح رائحته بسطرما!». 


Twitter: @ketab_n 


«وما علاقة البول بالموعد؟» سمعت آرمانوش عمتها المرتبكة فارسينغ 
تهمس للعمة سوربان عندما أدارت ظهرها. 

كانت لا تزال تعترض» لكنها لم تكن ترغب في أن تتشاجر معهن . 
توجهت آرمانوش إلى الحمَام» لتجد العم ديكران هناك. كان رأسه داخل 
خزانة تحت المغسلة» وجسمه الضخم جاث على يديه ورکبتيه. 

«عمّو؟» قالت آرمانوش بصوت يشبه الصرخة . 

«هلووو!» صاح دیکران ستامبوليان من تحت الخزانة» «هذا البيت 
ملیء بشخصیات من روایات تشیخوف»» دمدمت آرمانوش لنفسها. 

«إذا كان هذا رأيك)» ترذد صوت من تحت المغسلة. 

«عمّوء ماذا تفعل؟» . 

«كما تعرفين فإن جدتك تتذمر دائماً من الحنفيات القديمة في البيت. 
لذلك قلت لنفسى هذا المساءء لماذا لا أغلق المحل مبكرأًء وآتى إلى 
بيت شوشان» وأصلح هذه الأنابيب اللعينة؟». 

(نعم» مکی أن رى ذلك»» قالت آرمانوش› وهي تکتم ابتسامة» 
«بالمناسبة أين هي؟» . 

«إنها تأخذ قيلولة». قال ديكران» وقد انسل من تحت الخزانة ليحضر 
آلة ثني الأنابيب ثم عاد زاحفاً إلى الداخل. «الشيخوخة - ماذا ستفعلين؟ 
الجسم بحاجة إلى النوم! ستستيقظ قبل الساعة السابعة والنصف» مع ذلك 
لا تقلقی» . 

السابعة والنصف! يبدو أن لكل شخص فى العائلة ساعة منبّه بيولوجية 

«ناولینی مفتاح الفك الناعم» سمعت سرا مستاأء» يبدو أن هذا ل 
يعمل . 


Twitter: @ketab_n 


زمَّت آرمانوش شفتيها وهي تنظر إلى الحقيبة على الأرض» التي 
شعَّت منها أكثر من مائة أداة من جميع الأحجام. ناولته ملقطاًء ومفكاًء 
ومضخة اختبار ضخ الماء قبل أن تجد مفتاح الفك الناعم» الذي تبين أنه 
لا تخل أيبقا. :وعنذما رات ارمانوش أنه تخل علهاآن تاخذ وها 
والعمَّ ديكران» السبّاك المستحيل» لا يزال يصلح الأنبوب» اتجهت إلى 
غرفة نوم جدتهاء فتحت الباب قليلاء ومدت رأسها إلى الداخل. ها هي 
نائمة بخفة ولكن بهدوء وسعادة لا توجد إلا لدى المسنات اللاتي يحيط 
بهن أولادهن وأحفادهن. امرأة جذابة ذات جسم نحيل لكنها تتحمل 
كثيراً» ومع تقدمها في العمر ازدادت قصراً ونحافة . فعندما بدأت تشيخ»› 
أصبحت بحاجة إلى قليل من النوم أثناء النهار. وكانت تستيقظ في الليل . 
لكن الشيخوخة لم تقلل من أرق شوشان التي لم يدعها الماضي تستريح 
كثيراًء كما كانت تقول عائلتها؛ إذ إن فترات القليولة القليلة العابرة هذه 
كانت تعوض لها ذلك . أغلقت آرمانوش الباب وتركتها تنام . 

أصبحت المائدة جاهزة عندما عادت إلى غرفة الجلوس. كن قد 
وضعن لها صحناً أيضاً. تساءلت كيف يمكنها أن تأكل مع أنها ستخرج مع 
ذلك الشاب بعد أقل من ساعةء لكنها فضلت ألا تسأل. فمن الخطأً 
الفاحش أن تكون عقلانياً فى هذه العائلة. وبوسحها أن تتناول قليلاً من 
الطعام لتدخل لال فد ها غا ا الطعام. فقد 
كانت أمَها في أريزونا تحرص على أن تبقي المطبخ الأرمني بعيداً عن 
حدود مطبخها بقدر الإمكان» وكانت تجد متعة كبيرة في ذم جيرانها 
وأصدقائها والحط من قدرهم . وكانت مولعة في أن تلفت الاهتمام إلى 
طبقين اثنين كانت تستخف بهما علناً كلما أتيحت لها الفرصة إلى ذلك : 
أقدام العجل المطبوخة والأمعاء المحشوة. تذكرت آرمانوش كيف اشتكت 
روز ذات مرة إلى جارتهما السيدة غرينيل . 


Twitter: @ketab_n 1۲۲ 


«يا إلهي»» صاحت السيدة غرينيل ونبرة من الاشمئزاز تتخلل صوتهاء 
«هل يأكلون الأمعاء حقاً؟» . 

«أوه نعم . أومأت روز بحماس» «صدقيني» إنهم يأكلونها. يتبّلونها 
بالثوم والبهارات» ويحشونها بالرز» ويلتهمونها بشغف» . 

وحمحمت المرأتان وربما سخرتا أكثر لو لم يلتفت إليهما زوج آم 
آرمانوش في تلك اللحظةء وقال ونظرة متعبة تكسو وجهه: «وماذا في 
ذلك؟ إنها تشبه «الممبار». يجب أن تجرباها فى وقت ماء إنها لذيذة 
حقاً) . 

«هل هر أرمنى أيضاً؟ همست السيدة غرينيل عندما غادر مصطفى 
الغرفة. 

«طبعاً لا٤»‏ قالت روزء وأخذ صوتها يبخفت شيئاً فشيئاً . الكن لديهم 
أشياء مشتر كة) . 


K¥#### 


لعلع صوت الجرس» فانتزع آرمانوش من غيبوبتها وجعل الأخريات 
يقفزن مذعورات. لم تكن الساعة السابعة بعد. يبدو أن دقة المواعيد 
ليست من مایا مات هاسینغير. وکا لو آن اخدا قد فط على زر ما 
اندفعت العمّات الثلاث جميعهن إلى الباب لكنهن لم يفتحنه. أصاب العمْ 
ديكران رأسه بالخزانة التى كان لا يزال يعمل تحتهاء وفتحت الجدَة 
وان تیا نغور طت انرک الوحيدة هادئة ومتماسكة. 
وبخطوات مدروسة سارت نحو الباب تحت نظرات عماتها وفتحته . 

«بابا!! ٠!‏ خرج صوت آرمانوش مثل مزمار مبتهجة» «ظننت أن لديك 
اجتماعاً هذا المساء. كيف حدث وأن أتيت إلى البيت في وقت مبكر 
جدا؟). 


لكنها قبل أن تنهي سؤالهاء عرفت آرمانوش الجواب. 


Twitter: @ketab_n ۳ 


ابتسم بارسام تشكمكجيان ابتسامته الناعمة المعروفة وبرزت على 
وجنتیه هاتان الغمازتان وعانق ابنته. كانت عيناه تتألقان بفخر يشوبهما 
شيء من القلقء وقال لآرمانوش: «نعم» لكن لم يُعقد الاجتماع» لقد 
أجلنا الاجتماع». وعندما ابتعد عن مدى سمعهاء همس لأخواته: «هل 
وصل؟). 

كانت الدقائق الثلاثون الأخيرة التي سبقت وصول مات هاسينغير 
مشحونة بمشاعر متصاعدة من الخوف والتوتر من قبل الجميع ما عدا 
آرمانوش . فقد جعلوها تجرّب عدة فساتين» وتسير أمام كل واحدة منهن 
لترى كيف تبدوء إلى أن توصلن إلى قرار من طرف واحد: الفستان ذو 
اللون الفيروزي» مع أقراط تتماشى معه» ومحفظة حمراء غامقة موشاة 
بالخرز»ء قالت العمَة فارسينغ إنها تضيف عليها لمسة أنثوية» وبلوزة زرقاء 
غامقة منفوشة» لكي لا تبرد. كانت آرمانوش تعرف أنها يجب ألا تسأل 
شنيا: فبطريقة SE SES Ss‏ 
عیون آل تشکمکجیان» «فالخارج» ي ينی «أرضاً باردة٠»‏ ولكي تزور هذا 
العالم» يجب أن ترتدي بلوزتك» التي بُفضل آن تکون اة اليد اشا 
وكانت تعرف قليلاً من ذلك منذ طفولتهاء بعد أن أمضت سنواتها الأولى 
تحت البطانيات المحشوة بالريش التي كانت جدتها تحيكها لها وتخيط 
على حوافها الحروف الأولى من اسمها. فمن المستحيل أن تنام دون أن 
تغطي جسمك»› ون تخرج إلى الشارع دون أن ترتدي كنزة صوفية لأن 
ذلك سيكون خطأ فادحاًء» فمثل بيت يحتاج إلى سقف» يحتاج البشر أيضاً 
إلى جلد إضافي يفصل بينهم وبين العالم كي يشعروا بالدفء والأمان. 

ما أن وافقت آرمانوش على ارتداء بلوزتها وانتهى الجزء المتعلق 
بارتداء الثياب» حتى طلبن منها طلباً آخر» وهو طلب متناقض في 
اللأساس» لكن ليس بالنسبة لعائلة تشكمكجيان . 

فقد كانوا يريدونها أن تشاركهم الطعام» كي تكون مستعدة وقوية 
لعشاء الليلة. 


Twitter: @ketab_n ۲٤ 


«لکن يا حبيبتي› إنك تأكلين كالعصفور. لا تقولي لي إنك لن تتذوقي 
الشديد البارز في عينيها البنيتين الداكنتين مما جعل آرمانوش تتساءل إن كان 
طق الماش يعلى شيا أكر من الحياة والموت. 

اعمُتي» لا أستطيع؟» أطلقت آرمانوش زفرة» «لقد ملأت صحنى 
بالقطايف . دعيني أنهيها أولاًء إن هذه الكمية كثيرة على“ . 

احسناً إنك لا تريدين أن تفوح منك رائحة اللحم والثوم!ء قالت 
العمة سوربان وفي صوتها نبرة خبيثة» «لذلك قدمنا لك قطايف بالقيمق . 
وبهذه الطريقة ستفوح من نَمَسك رائحة الفستق الحلبي» . 

«لماذا يريد أحد أن تفوح منه رائحة الفستق الحلبي؟» سألت الجدة 
شوشان مندهشة» لأنها لم تحضر الجزء الأول من الحديث. الذي لم يكن 
سيعني لها شيئاً على أية حال . 

«لا أريد أن تفوح مني رائحة الفستق الحلبي٤»‏ قالت آرمانوش وقد 
اتسعت عيناها بالإحباط واليأس والتفتت إلى أبيهاء مرسلة إشارة استغاثة» 
منتظرة أن ينقذها. 

قبل أن يتمكن بارسام تشكمكجيان من أن يتفوه بأي كلمةء بدأ هاتف 
آرمانوش الخلوي يرن مصدراً لحناً كلاسيكياً لتشيكوفسكي : «رقصة جنيّة 
أجاص السكر». أمسكت الهاتف ونظرت بتجهم إلى شاشته الصغيرة. إنه 
رقم خاص. قد یکون أي شخص» بل ربما کان مات هاسینغیر» يتصل بها 
ليعتذر ویلغی العشاء هذه الليلة. وقفت آرمانوش هناك باضطراب ممسكة 
الهاتف . وفى الرّنة الرابعة» أجابت» راجية ألا تكون أَمَها. 

وقد کانت . 

«حبيبتي» هل يعاملونك جيدا؟» کان ول شيء سألتها. 


نعم ماما»» ا بصوت خال من أي نبرة. فقد اعتادت 


Twitter: @ketab_n 1o 


على ذلك الآن. فمنذ أن كانت صغيرة» كانت أمَها تتصرف وكأن حياتها 
في خطر عندما تأتي لزيارة بيت تشكمكجيان . 

«آمي» لا تقولي لي إنك لا تزالين في البيت؟» . 

لقد تعرّدت آرمانوش على ذلك أيضاً. فمنذ انفصال أبويهاء حصل 
فراق من نوع مختلف بين أمَها وبين اسمها. فلم تعد تناديها «آرمانوش»» 
وکأنها كانت ترد أن تخيّر اسم ابتتها كي تتمكن من مواصلة حبها لها. 
لكن آرمانوش لم تخبر أحداً في عائلة تشكمكجيان عن تغيير اسمها حتى 
يومنا هذا. إذ يتعين على المرء أحياناً أن يحتفظ ببعض الأسرار» والتي 
يوجد لديها الكثير منها. 

الماذا لا ترذين على الهاتف؟» قالت أمَها بإصرار: «ألن تخرجي 
الليلة؟) . 

توقفت آرمانوش» مدركة تماماً أن جميع من في الغرفة يتنصتون إلى 
ما تقوله. «نعم» يا أمّي»» كان كل ما قالته بعد صمت أخرق . 

«لا أظن أنك غيّرت رأيك؟». 

«لاء يا آمّي. لكن لماذا لديك رقم خاص؟». 

«حسناًء لدي أسبابي الخاصةء مثل أي أمْ. إذ إنك لا ترذين دائماً 
على الهاتف عندما تعرفين أنى أنا المتصلة»» وخفت صوت روز على نحو 
كثيب ليرتفع ثانية› «هل سيلتقي مات بالعائلة؟». 

انعم» يا آمَي». 

سيكون هذا خطأ كبيراً. إنهم سيخيفونه. أوه عمّاتك» آنت لا 
تعرفينهن» إنك فتاة طيبة جد ولا تستطيعين أن تري الأمور السيئة فيهن› 
إنهن سيثرن فزع الصبي المسكين بأسئلتهن واستفساراتهن». 

لم تنبس آرمانوش بكلمة. كانت هناك هسهسة غريبة على الخط 
وتوفعت أن أَمّها تنظف شعرها فيما تطلتق فيه العنان للسانها. 


Twitter: @ketab_n 


«حبيبتي» لماذا لا تقولين شيئاً؟ هل هم جميعهم هناك؟» سألت روز. 
وجاء صوت هسیس مکتوم آخر» لکنه لم یبد لآرمانوش أنه صوت تمشيط 
شعر. بل بدا مثل شيء يسقط في سائل طري دون أن يحدث طرطشة» بل 
رت را ت فی عا ار جد 

«أوه» لماذا أسأل عن الأشياء الواضحة؟ بالطبع إنهم هناك. جميعهم»› 
أراهن على ذلك . إنهم لا يزالون يكرهونني» أليس كذلك؟» . 

لم یکن لدی آرمانوش أي رذ. وکان بإمکانها أن تتصور روز» وهي 
تقف في المطبخ ذي الخزانات بلون السلمون التي بدأت تتقشر»ء والتي 
كانت تخطط لتجديدها لكنها لم تكن تملك النقود أو الوقت للقيام بذلك» 
وشعرها مرفوع في شكل كعكة» وجهاز الهاتف اللاسلكي ملتصق بأذنهاء 
ومقلاة بيدها الأخرى» تصنع كومة من الفطائر وكأن هناك جيشاً من 
الأطفال في البيت» فقط لتأكلها جميعها وحدها في آخر النهار. وكان 
بإمكانها أن تتصور زوج أمَها أيضاً» مصطفى قازانجي» وهو جالس إلى 
مائدة المطبخ» يحرّك الحليب القليل الدسم في قهوته وبتصفح جريدة 
أريزونا ديلي ستار على عجل . 

فبعد أن تخرّج مصطفى من جامعة أريزونا وتزوّج روز» عمل في 
شركة للمشروبات المعدنية في المنطقة» وحسب ما تتذكره آرمانوش» فقد 
كان يجد متعة بعالم الروك أند رول أكثر من أي شيء آخر. لم يكن رجلاً 
سيئا» وإذا كان ثمة عيب فيه فإنه كان بليداً بعض الشيء. ولم يكن يبدو 
أن لديه أي ولع أو رغبة بأي شيء في الحياة. ولم يسافر إلى إستانبول منذ 
مدة لا يعرفها إلا اللهء مع أنه توجد لديه عائلة هناك . وکانت آرمانوش 
تشعر بأنه كان يريد أن ينفصل عن ماضيه» لكنها لم تكن تعرف لماذا. 
وعندما حاولت بضع مرات أن تتحدث معه عن أحداث عام ۱۹۱١‏ وماذا 
فعل الأتراك بالأرمنء أجابها مصطفى: «لا أعرف الكثير عن هذه 


Twitter: @ketab_n 1۲۷ 


الأشياء»» وأسكتها بلطف ولكن بحزمء «لقد أصبح كل هذا يتعلق 
بالتاريخ . يجب أن تتحدثي عن ذلك مع المؤرخين» . 

«آمي» هل ستکلميني؟» بدا صوت روز غاضباً الان . 

«ماماء يجب أن أغلق الخط. سأتصل بك فيما بعداء قالت 
آرمانوش . وسمعت على الهاتف صوت نقرة غير متوقعة مصحوبة بصوت 
هسيس آخر» فخْيّل إليها أن أمَّها قد وضعت قطعة أخرى من عجينة 
الفطيرة في المقلاةء أو أنها بدأت تنشج . وفضلت آرمانوش أن يكون ظنها 
الأول. 

عادت إلى المائدة منزعجة» e‏ وأمسكکت 
ملعقتهاء متحاشية النظر في عيونهم» وبدأت تلتهم ما كان أمامها» سوى 
أنه لم يكن الشيء الذي كانت تريد أن تتناوله. ولم تدرك خطأها إلا بعد 
بضع ملاعق أخرى . 

«لماذا علي أن أتناول مانتي؟» صاحت آرمانوش 

«لا أعرف» يا حبيبتي)» ردت عليها العمَةَ فارسينغ» محدقة فيها 
بخوف وكأنها كانت مخلوقاً جديداً. «لقد وضعته هناك لعلك کنت تریدین 
أن تجربيه . ويبدو أنك جربتيه». 

اعترت آرمانوش رغبة في البكاء. فاستأذنت وذهبت إلى الحمَام 
لتنظف أسنانهاء وهي تشعر بالأسف لهذا الموعد السخيف. وقفت آمام 
المرآة ممسكة أنبوب معجون الأسنان نصف المعصور»ء وفى عينيها نظرة 
شخص على وشك أن ينبذ المجتمع إلى الأبد ويصبح ا وان وحیداً 
فوق قمة جبل مهجور. كيف يمكن لمعجون أسنان كولجيت توتال 
المبيّض أن يزيل رائحة المانتي الفاضح؟ ربما كان عليها أن تتصل بمات 
هاسينغير وتلغي الموعد؟ فقد كان كل ما تريد أن تفعله هو أن تستلقي في 
السرير وتقرأً الروايات التي اشترتها. تقرأً وتقرأ حتى يسيل الدم من أنفها 
وتتهدل عیناها. هذا کل ما کانت تریده. 


Twitter: @ketab_n 1۸ 


«كان يجب أن تمكثي في السرير وتقرئي رواياتك»» وتخت الوجه 
المألوف لديها في المرآة. 

«هراء!» جاء صوت العمَة زاروهي» التي رأتها واقفة إلى جانبها في 
المرآة: «إنك صبِيَّةَ جميلة وتستحقين أفضل رجل في العالم . الآن وا 
نرى قليلاً من الجمال والبهاء الأنشوي. ضعي قليلاً من أحمر الشفاه يا 
آنستي!٠‏ . 

وقد فعلت ذلك. لم يكن مكتوباً على الجزء السفلي من أنبوب أحمر 
الشفاه «جمال وبهاء أنثوي» بل شيئا قريباً من ذلك: فقد كتب عليه رونق 
الكرز. وضعت آرمانوش أحمر الشفاه بسخاءء» ثم أخذت تربت بمندیل 
على شفتيها ومسحت معظمه. كان ذلك عندما رن الجرس. الساعة 
السابعة واثنتان وثلاثون دقيقة! يبدو أن الدقة فى المواعيد إحدى ميزات 
مات هاسینغیر . 

وبعد دقيقة کانت آرمانوش تبتسم لمات هاسینغیر الذي يرتدي ثياباً 
أنيقة . كان مستثاراً ومضطرباً قليلاً وهو واقف عند الباب. وكان يصغرها 
بثلاث سنوات - وهو أمر تافه لم تشعر بالحاجة لأن تذكره لأحد إلا أن 
ذلك كان واضحاً فى وجهه»ء إما لأنه فعل شيا بشعره الذي حلقه قصيراًء 
أو لأنه ارتدى ا و عادة. فقد کان مات هاسينغير يرتدي 
سترة بنية داكنة من جلد الخروف وبنطلون من ماركة رالف لورين. كان 
يبدو مثل مراهی يرتدي ثیاب بالغین. دخل وهو يحمل باقة ضخمة من 
الزنبق القرمزي بيده اليسرى» ابتسم لآرمانوش» ثم لاحظ حشداً يقف 
وراءها فتجمّدت أوصاله . كانت عائلة تشكمكجيان جميعها تصطف وراء 
آرمانوش . 

«تفضل أيها الشابًّ)» قالت العمَّة فارسينغ مشجعة إياه» بصوت بدا 


Twitter: @ketab_n ۹ 


صافح مات هاسينغير جميع أفراد العائلة» وهو يشعر بنظراتهم 
المتسائلة تنتهك وجهه. فقد ثقته بنفسه في الحالء فاضطرب وأخذ العرق 
يتفصد منه . تناولت منه إحداهن-باقة الزهر» وأخذت أخرى سترته. وبعد 
أن خلع سترته» بدا مثل طاووس منتوف الريش» واتجه نحو غرفة 
الجلوس وألقى بنفسه على أول كرسي وقعت عيناه عليه . وتحلّق الجميع 
حوله بشكل هلال. تبادلوا بضع كلمات عن الطقس› وعن دراسته (فقد 
كان طالباً في كلية الحقوق» وهو شيء قد يكون جيداً وقد يكون سيئاً)» 
وعن عائلته (كان الطفل الوحيد» وهو أمر قد يكون جيداً وقد يكون 
سيئاً)» وعن والديه (كانا محاميين أيضاً» وهو أمر قد يكون جيداً وقد 
يكون سيثاً)» وعن مدى معرفة مات بالأرمن (ليس كثيرأً» وهو شيء 
سيء» لكنه كان متحمساً لتعلم المزيدء وهو شيء جيد أيضاً)» ثم عادوا 
للحديث عن الطقس قبل أن يسود صمت ثقيل. وطوال خمس دقائق» لم 
ينبس أحد بكلمة» إلا أنهم جميعهم كانوا يبتسمون وكأن ثمة شيء قبع في 
حناجرهم وقد وجدوا طرافة في ذلك. من هذا الوضع المحرج»› كانوا 
على وشك أن ينتقلوا إلى طريق كئيب مسدود» إلا أن تلفون آرمانوش 
الذي رن مرة أخرى أيقظهم من سباتهم . نظرت آرمانوش إلى شاشة 
الهاتف بإمعان وقرأت «رقم خاص». أغلقت الهاتف» وتركته يتذبذب. 
عقدت حاجبيها» وزمّت شفتيها» وكأنها تريد أن تقول لمات «لا تكترث 
بالأمر؛» لكنه لم يفهم قصدها لا هو ولا الآخرون جميعهم . 

في الساعة السابعة وخمسة وأربعين دقيقة» خرجت آرمانوش 
تشکمکجیان ومات هاسينغير من البيت أخيراًء وراحا يسيران بخطى ثابتة 
على طول شارع هايد ستريت متجهين إلى مطعم» سمع مات أنه مطعم 
لطيف ورومانسي : «النافذة المائلة» . 

«أرجو أن تحبي الطعام الآسيوي وفيه لمسة من التأثير الكاريبي»» قال 
لھا مات ضاحکا» مستمتعاً بکلماته : «لقد أوصى لي به كثیرون» . 


Twitter: @ketab_n ۳۰ 


بالنسبة لآرمانوش لم تكن عبارة «أوصى لي به كثيرون» معياراً جيداً 
وخاصة لأنها كانت تحذر دائماً من عبارة أكثر الكتب مبيعاً التي «ايوصي 
بقراءتها كثيرون»» ومع ذلك لم تعارضهء راجية آلا تكون ا 
صحيحة في نهاية الليلة . 

لكنه تبين أنه بعيد تماما عما أوصوا به لمات. فقد كان عبارة عن 
ملتقى شعبي للمثقفين والفنانين في المدينة» وقد يكون مطعم «النافذة 
المائلة» أي شيء لكنه لا يمكن أن يكون مطعماً رومانسياً لطيفاً. بل كان 
عبارة عن مخزن غير تقليدي ذي سقوف عالية» وأضواء مزخرفة تتدلى من 
السقف» وجدرانه تتلألأ بلوحات من الفن التجريدي المعاصر. وكانت 
تكسوه كله» من رأسه وحتى أخمص قدميه حلة سوداء» وكان الندل 
يتحركون بسرعة حول الطاولات مثل مستعمرة نمل اكتشفت كومة من 
حبيبات السكر. وقدمت مستعمرة الندل أطباقاً معدة بطريقة فنية › مع أن 
زبوناً جديداً سيحل محلك» ربما نفح النادل إكرامية أكبر. ولم تكن قائمة 
الطعام مفهومة جيداً. وكأن المحتويات لم تكن في الأصل تثير الحيرة 
والبلبلة في النفس» إذ شكل ورين كل طبق وكأنه لوحة تعبيرية تجريدية. 

وكان لدى كبير الطهاة الهولندي ثلاثة طموحات في حياته: أن يصبح 
فیلسوفاًء أو أن يصبح رساماء أو أن يصبح كبير الطهاة في أحد المطاعم . 
وما أنه فشل بمهارة في كل من الفلسفة والفنَ في سني شبابه» وظف 
جميع مواهبه التي لم يقدرها أحد في مطبخه. لذلك» كان يفتخر بأنه 
استطاع أن يجسد المجرّد من جديد» وأن يدخل إلى الجسد البشري قطعة 
فنية انبثقت من رغبة فنان فى أن يجسّد حالته العاطفية الداخلية ويخرجها 
إلى العلن. هنا في مطعم النافذة المائلة» لم يكن تناول الطعام شيئاً يتعلق 
بالطهى أكثر مما كان شيا فلسفياًء ويجب ألا تعتبر أن عملية الأكل يوجهها 
دافع أساسي لملء معدتك أو لتكبت جوعك» بل كانت توجهها رقصة 
سامية من الرغبة في إفراغ أمعائك . 


Twitter: @ketab_n ۳۱ 


وبعد محاولات محبطة عديدة لاختیار ما سيأكلانه» قررت آرمانوش 
أن تختار طبقاً من سمك التونا أهي النيء» تكسوه طبقة من السمسم وقطعة 
كبد أوزة ياكينيكو» وقرر مات أن يجرب قطعة من الضلع مع صلصة كريمة 
الخردل الحارة تكسوها طبقة من الزيت والخل مع الخردل والثوم وسلطة 
جيكاما. ولم يكن يعرف ما نوع النبيذ الملائم لهذه الأطباقء لكنه لكي 
يعطيها انطباعاً جيداًء بدأ مات يفتش في قائمة النبيذ» وبعد خمس دقائق 
من الحيرة» فعل ما يفعله دائماً عندما لم يكن يعرف ماذا يطلب: وهو أن 
يتخذ قراره بالنظر إلى ثمن النبيذ. فقد كان نبيذ كابيرنيت سوفينيون 
۷ غالیاً» لکنه کان لا یزال ضمن إمکانیاته . وبعد أن طلبا وجبتیهماء 
حاولا أن يعرفا إن كان خيارهما موفقاً من قسمات وجه النادل الذي كان 
يقدم لهما الأطباقء إلا أنهما لم يجدا سوى صفحة فارغة من التهذيب 
المسرف, 

تحدثا قليلاً. فقد تحدث هو عن المهنة التي كان يريد أن يبنيهاء 
وتحدثت هى عن الطفولة التى كانت تريد أن تهدمها؛ تحدث هو عن 
ال قدت هى عن آفار النافي ؛ تحدث هو عن توفعاته 
في الحياة» وتحدثت هي عن ذکريات العائلة. وبدأت «جنية أجاص 
السكر» تتراقص عندما كانا على وشك أن يخوض في موضوع آخر. 
نظرت آرمانوش إلى الرقم بغضب. لم يكن رقماً مألوفاًء لكنه لم يكن 
رقا خاضا ابضاً: فأجابت . 

«آمي» أين أنت؟» . 

تأتأت آرمانوش بذهول: «ما- ما! كيف . . . لماذا رقمك مختلف 
الآن؟» . 

«أوه» لأنني أتصل بك الآن من هاتف السيدة غرينيل الخلوي»ء 
اعترفت روز» «لم يكن علي أن أفعل ذلك» لكني اضطررت لأن أفعل 
ذلك لأنك لا تردين على اتصالاتي» طبعاً» . 


Twitter: @ketab_n ۲۲ 


رمشت عينا آرمانوش وهي تنظر إلى النادل وهو يضع طبقاً غريب 
الشكل أمامهاء يتكون من ألوان حمراء» ولون بني فاتح» وأبيض. ووسط 
صلصة تشبه ضربات فرشاة ملطخة قبعت ثلاث قطع كروية من سمك التونا 
اليء الأحمر»› ومح بيض أصفر ناصع» شكلت جميعها وجهاً يبدو عليه 
اللأسف بعينين غائرتين . كانت لا تزال تمسك بالهاتف الخلوي بالقرب من 
أذنھا لکنها لم تعد تنصت إلى أمَهاء زمّت آرمانوش شفتيهاء وهي تحاول 
أن تفكر كيف ستأكل وجهاً. 

«آمي» لماذا لا تردين علي؟ ألست أمَك؟ ألا تمنحيني على الأقل 
نف الحقرق الى تنحينها لمائلة شكمكجيان؟ا: 

«ماماء أرجوك»» قالت آرمانوش» لأن هذا السؤال بدا وكأن الإجابة 
عنه تكمن في أن ترجوها بأن ألا تسأله. قوست کتفيها وکأن وزن جسمها 
تضاعف . لماذا تجد صعوبة كبيرة في التواصل مع أمَها؟ 

وبعد أن أعطتها عذراً سريعاً ووعدتها بأن تتصل معها لدى عودتها إلى 
البيت» أغلقت آرمانوش الهاتف وأطفأته . واختلست نظرة إلى وجه مات 
لترى إن كانت هذه المخابرة قد أزعجتهء لكنها عندما رأت أنه لا يزال 
يمعن النظر في صحنه» زال قلقها. لم يكن صحن مات مستديراً» بل 
مستطيلاًء وقد فُسّم فيه الطعام إلى قسمين يفصلهما خط مستقيم تماما من 
صلصة كريمة الخردل. ولم يدهشه التصميم أو الألوان أكثر مما أدهشته 
دقة الترتيب. ابتلع ريقه بصعوبة وكأنه كان يخشى أن يفسد استطالة 
الصحن . 

كان صحناهما نسختين طبق الأصل من لوحتين تعبيريتين . فقد كان 
صحن آرمانوش من لوحة للرسام فرانسيسكو بوريتي بعنوان «العاهرة 
العمياء؛» بينما كان صحن مات مستوحى من إحدى لوحات مارك روثكو 
التى كان عنوانها عن جدارة «بدون عنوان». استغرق الاثنان في صحنيهما 
إلی ح آنھما لم پسمعا التادل وهو يسالھما إن کان کل شيءَ على ما يرام: 


Twitter: @ketab_n ۳۳ 


كانت بقيّة الأمسية لطيفة» لكن بقدر ما يمكن أن تعنيه كلمة «لطيفة» 
فقط . وتبين لهما أن الطعام لذيذ وسرعان ما راحا يلتهمان القطع الفنية 
بسرعة» إلى درجة أنه عندما وصلت الحلوى» لم يجد مات مشكلة في أن 
يمزج حبات العنب المصفوفة بدقة كبيرة بلوحة «كآبة نيسان تجعل أيار 
أصفر» للرسام بيتر كيتشيل» بل لم تتردد آرمانوش في أن تطعن بملعقتها 
الكاسترد المخملي الرجراج الذي كان يمثل «المادة البراقة» بريشة جاكسون 
بولوك. لكن عندما جاء دور الحديث» لم يحرزا نصف ما أحرزاه في 
تناول الطعام . إلا أن هذا لا يعني أن آرمانوش لم تستمتع برفقة مات أو 
أنها لم تجده جذاباً. بل كان ثمة شيء مفقوداً إلى درجة رهيبة» لا بمعنى 
أن ثمة تفصيلا كان ينقص الشيء كله» بل بمعنى الذوبان التام إلى قطع 
بدون ذلك الجزء المفقود. لعله كان طعاماً فلسفياً إلى أقصى حد. لكن 
آرمانوش کانت تعرف حدودهاء وربما لم تستطع آن تقع في حبٌ مات 
هاسينغير . وعندما توصلت إلى هذا الاكتشاف» كفت عن التساؤل» وحل 
العطف التام عليه مكان اهتمامها به . 

في طريق عودتهما إلى البيت أوقفا السيارة ومشيا قليلاً على طول 
جادة كولومبوس» وكانا كلاهما جدَّياً وصامتاً. إلا أن هبة النسيم تغيرت 
بعد ذلك إذ هبّت على آرمانوش نفحة مالحة لاذعة من هواء البحر» 
فشعرت بالاشتياق لأن تكون ممدة الآن على شاطى البحر» وتملكتها رغبة 
جامحة للهروب من هذه اللحظة بالذات. لكنهما عندما وصلا أمام مكتبة 
«أضواء المدينة٠»‏ ٠لم‏ تستطع إلا أن تتوقف وتنظر باهتمام عندما رأت أحد 
كتبها المفضلة من وراء واجهة العرض: «قبر لبوريس دافيدوفيتش» . 

قالت له: «هل قرأت هذا الكتاب؟ إنه كتاب رائع!»» وعندما سمعت 
كلمة «لا٤»‏ أخذت تحكي له أول قصة من الكتاب» ثم تلتها القصص 
السبع كلها. وبما أنها كانت تعتقد حقاً أنه لا يمكنك أن تفهم الكتاب جيدا 
دون أن ترسم أولاً خارطة عن التضاريس الوعرة لأدب أوروبا الشرقية» 


Twitter: @ketab_n ٤ 


وبذلك نقضت آرمانوش تشكمكجيان الوعد الذي كانت قد قطعته على أَمَها 
صباح هذا اليوم بأن لا تقل كلمة واحدة عن الكتب» على الأقل في 

عندما عادا إلى حي التل الروسي» وأصبحا أمام بناية الجدّة شوشان» 
وقفا وجهاً لوجه» وقد أدرك كل منهما أن الليلة قد انتهت. وأنهما يرغبان 
فى أن يجعلا النهاية أفضل من نهاية الأمسية السابقة كما يعتقدان أنها 
ستنتهى . فقد كانا يهدفان أن تكون قبلة حقيقية» طال انتظارها وتخْيّلها. 
لكن بدلاً من ذلك تبين أنها كانت قبلة ناعمة مختومة بالشفقة والحنان من 
جانب آرمانوش» وبالإاعجاب من جانب مات» بعد أن كانت تفصلهما 
أميال عن الإحساس بأي عاطفة اتجاه أحدهما الآخر. 

«أتعرفين كنت أنوي أن أقول لك ذلك طوال الأمسية»» قال مات 
متلعثماًء وكأنه مسرج بالحقيقة المزعجة التي كان على وشك أن يعترف 
بها : «لديك هذه الرائحة الرائعة . إنها رائحة غير عادية وغريبة. . . مثل». 

«مثل ماذا؟» وشحب لون وجه آرمانوش عندما برقت فى رأسها صورة 
صحن «مانتى» يتصاعد منه البخار. 
رائحة الفستق الحلبى». 

في الساعة الحادية عشرة والربع» أخذت آرمانوش تبحث عن حزمة 
المفاتيح لتفتح الأقفال العديدة التي أقفل بها باب بيت الجدذة شوشان» 
لكنها كانت تخشى أن تجد أفراد العائلة جميعهم بانتظارها في غرفة 

إلا أن العتمة كانت تخيم على المكان ولم يكن هناك أحد. فقد أوى 
أبوها وجدتها إلى الفراش»ء وهكذا فعلت الأخريات. وجثم على الطاولة 
صحن فيه تفاحتان وبرتقالتان» جميعها مقشرة بعناية عرفت أنها تُركت من 


Twitter: @ketab_n 0 


أجلها. أمسكت آرمانوش إحدى التفاحتين» التي أصبح لونها داكناً من 
الخارج . i ea E a E‏ وقد اعتراهال 
شعور بالحزن والتعب . إذ إنها ستعود إلى أريزونا قريباًء لکنھا لم تکن! 
متأكدة إن كانت ستتحمّل عالم آمَها الذي يهيمن عليها بالكامل . ۰ 

تحب أن تعيش هنا في سان فرانسيسکو» وربما کان باستطاعتها أن تتوقف' 
ا مع آبیھا وجدتها د شوشان» کما کانت « 
أن ثمة شيئاً غائباً هناء بأن من هويتها کان مفقوداً وبدونه لن تستطیع. 
ن تعيش حياتها الخاصة بها. ولم يسهم اللقاء الباهت مع مات هاسينغير؛ 
إلا في تعزيز هذا الشعور. فقد شعرت أنها اكتسبت مزيداً من الحكمة: 
الآن» وأصحت تدرك الها آأكتر» لها شرت بالحرن لما لفت هذه 
الححفة: 

ألقت حذاءها من قدميها» وهرعت إلى غرفتهاء وأخذت الفاكهة 
معها. ضمت شعرها في شكل ذنب حصان» وخلعت فستانها الفيروزي»' 
وارتدت بيجامتها الحريرية التي اشترتها من الحيّْ الصيني. وعندما أصبحت' 
مستعدّة» أغلقت باب غرفتهاء وفتحت الكمبيوتر في الحال. واستغرقت: 
دقائق قليلة كي تصل إلى الملاذ الوحيد الآمن الذي كان بإمكانها أن تلجا 
إليه في أحیان کهذه: مقهى کونستانتينوبوليس . 

کان مقهى كونستانتينوبوليس» غرفة من غرف الدردشة على الانترنت› 
أو كما يسميه الرواد النظاميون» مقهى الإنترنت› صمّمه في الأصل عدد 
من الشبان اليونانيين الأمريكيين» واليهود الشرقيين الأمريكيين» والأرمن 
الأمريكيين الذين كان يجمعهم» فضلاً عن كونهم من أهالي نيويوركء. 
شيء أساسي مشترك واحد وهو أنهم أحفاد عائلات كانت تعيش ذات يوم 
في إستانبول. وعندما فتح الموقع انطلتق اللحن المعروف: «كانت إستانبول 
القسطنطينية/ أما الآن فهي إستانبول» وليست القسطنطينية) . 


بهذا اللحن ظهرت صورة مظللة للمدينة تحت ظلال تتلألاً عن 


Twitter: @ketab_n ۳٢ 


الغروب» كان يغطيها من الأعلى لون بنفسجي وأسود وأصفر. وفي 
منتصف الشاشة سهم يومض مشيراً إلى المكان الذي يجب أن تنقر عليه 
كى تدخل إلى غرفة الدردشة. ولكي تدخلء عليك أن تكتب كلمة السر. 
الناحية النظرية» أما من الناحية الحملية» فقد كان مخصصاً للرواة 
المنتظمين. ورغم أن عدداً كبيراً من الأشخاص كانوا يظهرون يوماً بعد 
خر إلا أن المجموعة الرئيسية بقيت نفسها تقريبا. وغا أن تتمكن من 
الدخول» حتى تخفت الصورة الظليّة في الأسفل وتنسحب» كما تُفتح 
ستارة مسرح مخملية قبل بدء الفصل الأول . وعندما تدخل إلى مقهى 
الإنترنت» تسمع قرع أجراس ترن» ثم تسمع اللحن ذاته» لكنه يكون بعيداً 
فى الخلفية هذه المرة. 

عندما دخلت آرمانوش إلى غرفة الدردشة» تجاهلت غرف «العزاب 
الأرمن»ء و«العزاب اليونانيين»» ومنتديات «جميعنا عزاب» ونقرت على 
شجرة أنوش - وهو منتدى يلتقي فيه الأعضاء النظاميون ممن لديهم 
اهتمامات ثقافية . كانت آرمانوش قد اكتشفت هذه المجموعة منذ عشرة 
شهور» وأصبحت أحد أعضائهء وكانت تشارك في المناقشات كل يوم 
تقريباً. ورغم أن بعض الأعضاء كانوا يظهرون بين الحين والآخر أثناء 
العمل والهموم اليومية. وكان يحلو لآرمانوش أن تتخيّل هذا المنتدى مثل 
حانة معتمةء يعلوها الدخانء ترتادها وهى عائدة إلى البيت. وهكذا كان 
مقهی كونستانتينوبوليس ملاذاً يمكنك أن تتخلى عند مدخله عن ذاتك 
الحقيقية الرتيبة» وكأنك تخلع معطفك الواقي من المطر المبلل عند مدخل 
المقهى . 

كان قسم شجرة أنوش في مقهى كونستانتينوبوليس يضم سبعة رواد 


Twitter: @ketab_n ۳۷ 


بالاخر شخضيا ولم يشعر أحدهم بالحاجة إلى ذلك. وكانوا جميعهم من 
مدن مختلفة» ولديهم مهن وحياة متباينة. وكان لكل واحد منهم اسم 
مستعار. وكان اسم آرمانوش هو «مدام روحي المنفية)» الذي اختارته تيمناً 
بزابيل يسيان» الروائية الوحيدة التي أدرج أعضاء حزب تركيا الفتاة اسمها 
في قائمة الإعدام في عام ۱۹٠١‏ . كانت زابيل التي ولدت في القسطنطينية 
شخصية رائعة» وعاشت معظم حياتها في المنفى . وكانت تتمتع بحياة 
صاخبة كروائية وكاتبة صخفية. وكانت ارمانوش تضع على طاولتها 
صورتها التي تنظر فيها زابيل من تحت حافة قبعتهاء نظرة كئيبة إلى بقعة 
مجهولة خارج إطار الصورة. 

وكان لجميع رواد الغرفة أسماء مستعارة لأسباب لم يكن أحد يسأل 
عنها. وفي كل أسبوع» كانوا يختارون موضوعاً لمناقشته. ورغم أن 
المواضيع كانت تتفاوت كثيرا» فإنهم ينحون جميعهم للحديث عن 
تاريخهم وثقافتهم المشتركة - وتعني «المشتركة» غالبا «العدو المشترك): 
الأتراك. ولم يكن ثمة شيء يجمع هؤلاء الناس معاً بسرعة وقوة أكثر - إلا 
هذا العدو. 

كان موضوع هذا الأسبوع «الإنکشاريون». وفیما راحت آرمانوش 
تستطلع بعينيها آخر الموجودين في المقهى» شعرت بالسعادة عندما رأت 
البارون باغداساريان هناك الذي لم تكن تعرف الكثير عنه» سوى أنه 
حفيد أحد الناجين» مثلها تمامأ» وملىء بالغضب» على عكسها. وقد 
کرو ااا فاا رسا الك رخال الأشهر القليلة الماضية» ورغم 
مراوغة فضاء الإنترنت» أو ربما بفضله» بدأت آرمانوش تشعر بالميل نحوه 
دون أن تعلم . فلم يكتمل يومها إذا لم تقرأ رسائله. ومهما كان ذلك 
الشيء الذي تشعر به نحوه - صداقة» ام ولع م مجرد فضول ۔ كانت 
آرمانوش ردان کان عورا ادل 

إن الذين يعتقدون بأن الحكم العثماني كان حكماً صالحاً لا يعرفون 


Twitter: @ketab_n 1۲۸ 


شيئاً عن ظاهرة الإنكشارية . فقد كان الإنكشاريون أطفالاً مسيحيين يتم 
لظاهرة الإنكشارية علاقة بجميع الأقليات اليوم كما كانت في الأمس. أنتم 
أطفال المنفيين! يجب أن تسألوا أنفسكم هذا السؤال القديم المتكرر: ماهو 
موقفكم إزاء هذه الظاهرة المتناقضة؛ هل ستقبلون دوركم الإنكشاري؟ هل 
ستتخلون عن مجتمعكم لإقامة سلام مع الأتراك وتدعونهم يبيّضون صفحة 
الماضي لكي» كما يقولون» نستطيع أن نمضي قدماً؟ 

كان وجه آرمانوش ملتصقَاً بالشاشة» وهي تقضم ما تبقى من التفاحة 
بعصبية . لم تشعر من قبل بمثل هذا الإعجاب تجاه أي رجل - غير أبيهاء 
طبغا إل أن ذلك كان شيعا مختلفاً. كان ثمة شىء فى البارون 
باغداساریان يسحرها ویخیفها في وقت واحد. ولم تکن تخشی منه أو من 
الأشياء التي كان يذعيها بجرأة - بل كانت تخشى من نفسها. فقد كان 
لكلماته تأثير قوي» تستطيع أن تخرج آرمانوش الأخرى القابعة في داخلها 
أن البارون باغداساريان أثار بطريقة ما ذاك المخلوق برمح كلماته» وظل 
يحتّها وينخزها إلى أن أفاقت بهديرء وبرزت إلى الضوء. 

كان عقل آرمانوش لا يزال يفكر بهذه النتيجة المخيفة» عندما لمحت 
رسالة طويلة أرسلتها السيدة طاووس/ سيرامارك - وهي أمريكية من أصل 
أرمني» تعمل في مصنع للنبيذ في كاليفورنيا كخبيرة في النبيذ. وهي تسافر 
كثيراً إلى يريفان» وكانت تُعرف بمقارناتها المسلية الذكية بين أمريكا 
وأرمينيا. فقد أرسلت اليوم اختباراً ذاتياً لقياس درجة اكم أنت أرمني». 

١‏ إن كنت نشأت وأنت تنام تحت بطانيات محاكة باليد» أو أنك 
كنت ترتدي بلوزات محاكة باليد وتذهب بها إلى المدرسة. 


Twitter: @ketab_n ۳۹ 


۲ إن كان يقدم لك كتاب أبجدية أرمني كهدية في كل عيد ميلاد 
حتى بلغت السادسة أو السابعة. من عمرك. 

۳ إن كانت توجد صورة جبل أرارات معلقة فى بيتك» أو فى 

٤‏ - إن كنت معتاداً على أن تحب ونّدلل بالأرمنية» وأن تُوبخ وتّعاقب 
بالإنكليزية» وتنبذ بالتركية . 

ه ‏ إن كنت تقدم لضيوفك حمَص مع رقائق ناتشو وغموس الباذنجان 
مع كعك الرز. 

١‏ إن كنت تعرف جيداً طعم المانتي ورائحة السودزوك ولعنة 
الها 
تستطيع أن تحافظ على رزانتك عندما يكون هناك شىء يدعو للقلق أو 
الاضطراب حقا: 

٩‏ إن كان عندك مرطبان من ماركة نوتيلا في ثلاجتك ولوحة تافيا في 

۱۰ إن كان لديك بساط عزيز عليك ممدود فى غرفة جلوسك . 

-١‏ إن كنت تحزن عندما ترقص على أنغام «لوركي لوركي»» حتى 
لو كان اللحن راقصاً ولا تفهم معنى كلمات الأغنية . 

١‏ _ إن كان اللقاء لتناول الفاكهة بعد كل وجبة عشاء عادة متأصلة 
تماما في بيتك» وإن كان أبوك لا يزال يقشّر لك البرتقالء مهما بلغت من 
الشمر: 


14۰ 


Twitter: @ketab_n 


۳ _ إن كان أقاربك لا يزالون يحشرون الطعام في فمك» ولا يقبلون 
عبارة «لقد شبعت» كرد. 

٤‏ - إن كان صوت الناي «دودوك؛ يبعث القشعريرة في أسفل ظهرك 
ولا يمكنك إلا أن تتساءل كيف يمكن لناي مصنوع من غصن شجرة 
مشمش أن يبكي المرء بحزن شديد. 

٠٥‏ _ إن كنت تشعر فى أعماقك أنه يوجد دائماً شىء عن ماضيك أكثر 
ا ی ا ا ۰ 

بعد أن وضعت «نعم» على كل سؤال من هذه الأسئلة» انتقلت 
آرمانوش إلى أسفل الصفحة لترى النتيجة : 

صفر - ۳ نقاط : آسف يا صديقي» لا بد أنك دخيل . 

٤‏ - ۸ نقاط : يبدو أنك تشبه الدخيل في داخلك. وثمة احتمال بأنك 
متزؤج من أرمنية. 

١١ ۹‏ نقطة: تكاد تكون أرمناً. 

٠١‏ نقطة: لا يوجد شك إنك أرمني فخور. 

ابتسمت آرمانوش أمام الشاشة. وأدركت في تلك اللحظة ما كانت 
تعرفه» وكأن باباً سرياً قد فتح في أعماق دماغهاء وقبل أن يتمكن عقلها 
من استيعاب الأفكار المتدفقة إليه» أحست بموجة من تأمل الذات. لا بد 
أن تذهب إلى هناك. هذا ما تحتاج إليه بقوة: القيام برحلة. 

وبسبب طفولتها المتشتتة» لم تكن قادرة على أن تجد إحساساً 
بالاستمرارية والهوية. كان عليها أن تسافر إلى ماضيها كي تتمكن من البدء 
فی أن تيش اها وفيا بور ها هنا الإيغات جلها ذلك تكب رسالة 
أيضاً؛ إلى الجميم» على ما بيدى» باستكاء البارون باغداساريان: 

إن ظاهرة الإإنكشارية ممزقة بين حالتين متناقضتين من الوجود. فمن 
ناحية» تتراكم بقايا الماضي - رحم من الرقة والأسى» شعور بالظلم 


Twitter: @ketab_n 


والتمييز. ومن الناحية الأخرى» يضيء المستقبل الموعود - ملاذ مزدان 
بزركشات وبهارج النجاحء شعور بالأمان كأنك لم تشعر به من قبل» 
الشعور بالراحة والانضمام إلى الأغلبية» لكي يعتبرك الآخرون طبيعياً في 
نهاية الأمر. 

ما اة رو ا يسعدنى أنك عدت. من الجميل أن 
تمتخ إلىالتافر ك ۰ 

كان هذا البارون باغداساريان. لم تتمالك آرمانوش نفسها فعادت 
وقرأت الجزء الأخير بصوت عال: من الجميل أن نستمع إلى الشاعرة 
فيك . فقدت سلسلة أفكارها لوهلة. 

أظن آنني أستطيع أن أكون على علاقة بظاهرة الإنكشارية. لأنني الابنة 
الوحيدة لأبوين مطلقين من خلفيتين ثقافيتين مختلفتين . 

توقفت وأحست بالانزعاج لأنها كشفت قصتها الشخصية» إلا أن حافز 
الاستمرار كان قريا جداً, 

بما أنني الابنة الوحيدة لأب أرمني» الذي هو نفسه ابن أحد الناجين»› 
ولام من إليزابيشتاون في كنتاكي» فإنني أعرف كيف يمكن للمرء أن يشعر 
بأنه ممزق بين جانبين متناقضين» لا أستطيع أن أنتمي تماماً إلى أي مكانء 
إنني أتذبذب باستمرار بين حالتين من الوجود. 

حتى هذا اليوم» لم تكن قد كتبت شيئاً شخصياً ومباشراً جداً لأي 
شخص فى المجموعة. بدأ قلبها يخفق بقوةء وأخذت قليلا من الراحة. 
ماذا 9 البارون باغداساريان عنها الآن» وهل سيكتب أفكاره الحقيقية؟ 

لا بد أن هذا أمر صعب . فبالنسبة لمعظم الأرمن في الشتات» تعتبر 
هاي دات المرساة النفسية الوحيدة الموجودة لدينا لكى نحتفظ بهوية. إن 
حالتك مختلفة» لكننا فى النهاية جميعنا أمريكيون ا هذه التعددية 
وال و 


Twitter: @ketab_n €۲ 


كتبت «التعايش _ البائس!» وهي ربّة بيت غير سعيدة» زوجة رئيس 
تحرير مجلة أدبية معروفة في منطقة الخليج . 

إن التعدد يعني أن يكون المرء أكثر من واحد. لكن لم يكن هذا هو 
الحال بالنسبة لي. فلم يكن بإمكاني أن أصبح أرمنية في المقام الأول» 
كتبت آرمانوش. مدركة أنها على وشك أن تعترف. يجب أن أجد هويتي . 
أتعرفون بماذا كنت أفكر في سري؟ أن أقوم بزيارة بيت عائلتي في تركيا. 
إن جذتي لا تكفٌ عن التحدث عن هذا البيت الرائع في إستانبول. 
سأذهب وأراه بأم عينيّ . e‏ وكذلك إلى 
مستقبلي . إن ظاهرة الإنكشارية ستستحوذ على إن لم أفعل شيئاً لأكتشف 
ماضيّ . 

انتظري» انتظري» انتظري» كتبت السيدة طاووس/ سيرامارك 
مذعورة. بحق السماء» هل فكرت بما ستفعلينه؟ هل تزمعين الذهاب إلى 
تركيا وحدك» هل استشرت أحاسيسك؟ 

يمكنني أن أجد لك بعض الصلات . إنه ليس بالأمر الصعب. وكيف 
يكون ذلك يا سيدة روحي المنفية؟ أصرّت السيدة طاووس/ سيرامارك. 
إلى أي مدى يمكنك أن تذهبي وذلك الاسم مكتوب على جواز سفرك؟ 

لماذا لا تذهبين بدلا من ذلك إلى مديرية الشرطة مباشرة فى إستانبول 
رفلس ك اطا دل عل اة ما لارا ور طا 
في السنة الأخيرة في قسم دراسات الشرق الأدنى في جامعة كولومبيا. 

أحست آرمانوش آنه قد يكون هذا هو الوقت المناسب لأن تعترف 
بحقيقة أساسية أخرى في حياتها. إن إيجاد الصلة الصحيحة قد لا يكون 
على هذه الدرجة من الصعوبة بما أن أمّي متزوّجة الآن من رجل تركي . 

ساد صمت قلق . ولدقيقة كاملة لم يكتب أحد شيئاء لذلك تابعت 
آرغانوشی: 


Twitter: @ketab_n €۳ 


اسمه مصطفى» وهو جيولوجي يعمل في شركة في أريزونا. إنه رجل 
لطيف» لكنه لا يبدي اهتماماً بالتاريخ منذ وصوله إلى أمريكاء أي منذ 
حوالى عشرين سنة» ولم يزر وطنه آبداً منذ ذلك الحين. حتى أنه لم يدعو 
عائلته إلى حفل زفافه. ثمة شىء مريب» لكنى لا أعرف ماهو. إنه لا 
یتحدّث عنه أبداً. کی اعرف آذ اذیا کے فے اسانیوں: سالته 
ذات مرة كيف يبدو ا الناس فقال: أوهء إنهم ا أناس عاديين› 
مثلك ومثلي . 

إنه لا يبدو وكأنه أكثر الرجال حساسية على وجه الأرض - هذاء 
طبعاً» إذا كان من الممكن أن يكون لدى الرجال أية ا قاطعتها «ابنة 
سافو؟» وهي سحاقية تعمل ساقية في حانة رة تعزف موسيقى الريغي في 
بروکلن . 

من المؤكد لا توجد لديه مشاعر»ء أضافت «التعايش - البائس»» هل 
لدیه قلب؟ 


عنده قلب . وهو يحب أمَّي» وآمّي تحبّه» أجابت آرمانوش» وأدرکت 
لأول مرة أنها اعترفت بالحبً بين أمَها وزوج أمّهاء وكأنها تراهما من 
خلال عيني شخص غريب . على أي حال» يمكنني أن أمکث مع عائلته ؛ 
ففي جميع الأحوال أنا ابنة زوجته» وأظن أنهم سيقبلونني كضيفة . إنه لغز 
لي كيف سيستقبلني أناس أتراك عاديون. عائلة تركية حقيقية» ليست 
و من أولئك الأكاديميين المتأمركين . 

عما ستتحذثين مع أتراك عاديين؟ سألت السيدة طاووس / سيرامارك . 
انظري» حتى المتعلمين جيداً فهم إما وطنيون أو جاهلون. هل تظنين أن 
أناساً عاديين سيهتمّون بقبول الحقائق التاريخية؟ هل تظنين أنهم سيقولون: 
أوه نعم» نحن ¿ آسفون» فقد ذبحناكم وهجرناكم ثم ننكر ذلك عن قناعة . 
لماذا تریدين أن تضعي نفسك في ورطة؟ 


Twitter: @ketab_n 1٤ 


أفهم ذلك . لكن يجب أن تحاولي أن تفهمي أيضاً. أحست آرمانوش 
بدفق مفاجئ من الشعور بالقنوط . إذ إن الإفضاء بسر تلو الآخر» جعلها 
تشعر بأنها وحيدة في هذا العالم الهائل - شيء كانت تعرفه دائماً لكنها 
كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتواجهه. لقد ولدتم جميعكم في مجتمع 
أرمني ولا يتعين على أحد منكم أن يثبت انتماءه له. أما أنا فقد علقت في 
هذه العتبة منذ اليوم الذي ولدت فيه وآنا أتقلب باستمرار بين عائلة أرمنية 
فخورة لكنها مجروحة نفسياً وبين أمٌ تعادي الأرمن بطريقة هستيرية . 
ولكي أستطيع أن أصبح أمريكية أرمنية مثلكم» يجب أن أجد أرمنيتي 
أولا. وإذا كان ذلك يحتاج إلى القيام برحلة إلى الماضي» فليكن» فإني 
سأقوم بهاء مهما قال أو فعل الأتراك. 


لكن هل سيدعك أبوك وعائلته تذهبين إلى تركيا؟ كان هذا «أليكس 
الرواقي»» وهو شخص أمريكي يوناني من بوسطن» يشعر بالرضا تجاه 
الحياة ما دام یحیط به طقس مشمس › وطعام لذيذه ونساء جميلات . وبما 
أنه أحد أتباع زينو الأوفياء» كان يؤمن بأن الناس يجب أن يبذلوا ما 
بوسعهم لكي لا يتجاوزوا حدودهم وأن یکونوا راضين بما لديهم . أ 
تظنين أن عائلتك فى سان فرانسيسكو ستكون قلقة عليك؟ 


قلقة؟ کشرت آرمانوش عندما تصوّرت وجوه عماتها وجدتها. فقد 
كانت تعرف أنهم سيقلقون عليها حتى الموت. 


يجب ألا يعرفوا شيئاً عن هذاء من أجلهم. لقد اقتربت عطلة الربيع 
ويمكنني أن أمضي الأيام العشرة كلها في إستانبول. سيظن أبي أنني في 
أريزونا مع ايء وستظن أي آنني لا آزال هنا في سان فرانسيسكو . إذ إن 
أحدهما لا يكلم الأخر. وزوج آمَّي لا يكلم أفراد عائلته في إستانبول. 
لذلك لا يمكن كشف هذا الأمر بأي شكل. سيظل الأمر سرَاً. راحت 


Twitter: @ketab_n 4 


آرمانوش تحدَق في الشاشة» وكأنها شعرت بالاضطراب من الكلام الذي 
طبعته. فإذا واصلت الاتصال بأمَي كل يوم» وبأبي كل يومين أو ثلاثة 
أيام» يمكنني أن أتحكم بالأمر. ‏ 

خطة جيدة! عندما تصلين إلى إستانبول» اقترحت السيدة طاووس / 
سيرامارك» يمكنك أن ترسلي تقارير إلى المقهى كل يوم. 

رائع» ستكونين مراسلتنا الحربية» قال المناهض للخافورما بحماس» 
وتبعت ذلك فترة صمت طويلة لم يشاركها فيها أحد هذه الدعابة . 

مالت آرمانوش إلى الوراء في كرسيها. ففي هدأة الليلء استطاعت أن 
تسمع صوت تنمس أبيها الهادئ» وصوت تقلب جدتها في سريرها. 
شعرت أن جسدها ينزلق إلى جانب» وكأن جزءاً من جلوسها على هذا 
الكرسي طوال الليل جعلها تتذوق طعم الأرق» فيما كان جزء منها يريد أن 
تأوي إلى الفراش وتغط في النوم. مضغت القطعة الأخيرة من تفاحتهاء 
وأحست بدفقة من الأدرينالين تسري في جسدها بسبب قرارها الخطير. 

أطفأت آرمانوش مصباح المنضدة» وتركت ضوءاً خفيفاً يش من 
شاشة الكمبيوتر. وعندما أوشكت على مغادرة مقهى كونستانتينوبوليس»› 
ظهر سطر على الشاشة. 

حيثما قادتك رحلتك الداخلية» نرجو أن تعتني بنفسك يا سيدة روحي 
المنفية العزيزة» رلا تاع الراك يمارك بشگل سی ۰ 

کان هذا البارون باغداساریان. 


Twitter: @ketab_n 1 


۷ 


e 


قمح 


رغم مضي أكثر من ساعتين على استيقاظهاء ظلت آسيا قازانجي 
مستلقية في سريرها تحت لحاف ريش الإوز» تستمع إلى الأصوات التي لا 
تعد ولا تحصى والتي لا يمكن أن تصدرها أي مدينة أخرى إلا إستانبول» 
فيما أخذت تصيغ في مخيلتها بياناً شخصياً عن العدمية . 


المادة الأولى: إذا لم تتمكني من إيجاد سبب كي تحبّي الحياة التي 
تعيشينهاء فلا تنظاهري بأنك ثحبّين الحياة التي تعيشينها. 


أمعنت التفكير في هذه العبارة وأعجبتها إلى حد أنها قررت أن تجعلها 
ا اا اا بدأت تدوّن المادة الثانية» حتى ضغط سائق في 
الشارع مكابح سيارته بقوة شديدة. وسرعان ما سمع صوته وهو يشتم 
ويزعق بأعلى صوته على أحد المارة الذي كان يجتاز تقاطع طريق مع أن 
ضوء إشارة المرور كان أحمر. أخذ السائق يصيح ويصرخ حتى بُح صوته 
في وسط ضوضاء المدينة وجلبتها. 


المادة الثانية : إن الأغلبية الساحقة من الناس لا يفكرون مطلقاًء والذين 
يفكرون لا يصبحون الأغلبية الساحقة أبداً. فاختاري في آي فثة تريدين أن 
تکوني . 


Twitter: @ketab_n 1۷ 


المادة الثالثة : إذا لم يكن بوسعك أن تختاري» فكوني موجودة فقط؛ 
کوني فطراً أو نباتاً. 

«لا يمكنني أن أصدق عينيّ أنك لا تزالين في مكانك كما وجدتك منذ 
نصف ساعة! هياء ماذا تفعلين فى السرير» أيتها البنت الكسولة؟». 

كانت تلك الخالة بانو» بعد أن مدت رأسها من باب الغرفة دون أن 
تقرع الباب أولاً. وكانت هذا الصباح تضع على رأسها منديلاً ملفتاً للنظر 
ذا لون أحمر فاقع إلى حد أنه جعل رأسها يبدو من بعيد مثل حبة بندورة 
ناضجة كبيرة . «لقد شربنا سماور كامل من الشاي ولا نزال ننتظر سموك› 
يا صاحبة الجلالة. هياء انهضى ولتشرق شمسك! ألا تشمين رائحة 
السجق المشوي؟ ألست جائعة؟» وأغلقت الباب قبل أن تسمع ردها. 

تمتمت آسيا شيا وسحبت اللحاف حتى أنفهاء واستدارت إلى الجانب 


ت 


الآخر. 
المادة الرابعة: إذا لم تكوني مهتمة بالرّد عليهنء فلا تطرحي أسئلة . 


وفي غرفة الجلوس» وفي غمرة حركة لا تفتر أثناء تناول طعام الفطور 
في عطلة نهاية الأسبوع» كان بإمكانها أن تسمع صوت قطرات الماء تقطر 
من حنفية السماور الصغيرة› وصوت بقبقة البيضات السبع التي تغلي في 
القدر» وطشيش وأزيز شرائح السجق في المقلاة» ولم تكن إحداهن تكف 
عن تقليب قنوات التلفزيون» وهي تتنقل من أفلام الكرتون إلى أفلام 
الفيديو إلى موسيقى البوب» ومن هناك تنتقل إلى الأخبار المحليّة 
والدولية. ودون أن تختلس نظرة خاطفة» كانت آسيا تعرف أن الجِدّة 
كلثوم هي المسؤولة عن السماور؛ وتعرف كذلك أن الخالة بانو هي التي 
تقلي السجق» التي عادت إليها شهيتها الفذة للطعام بعد أن أنهت أيامها 
الأربعين من التوبة الصوفية» وبعد آن أعلنت آنها أصبحت قارئة طالع 


Twitter: @ketab_n 14۸ 


ناجحة. وكانت آسيا تعرف كذلك أن الخالة فريدة هي التي كانت تقلّب 
القنوات» ولا تستطيع أن تتوقف عند قناة واحدة» إذ توجد لديها مساحة 
كافية من الأرض الشاسعة لكي يستوعب جنون العظمة الفصامي كل هذاء 
أفلام الكرتون وموسيقى البوب والأخبار جميعها في وقت واحد» تماماً 
كما كانت تتوق إلى أن تنجح في أشياء كثيرة في الحياة» لكنها لم تنجز 
شيئاً في نهاية المطاف . 

المادة الخامسة: إذا لم يكن لديك سبب أو قدرة على إنجاز شيء» 
فمارسي فن أن تكوني لائقة . 


المادة السادسة: إذا لم يكن لديك سبب أو قدرة على ممارسة فن أن 

«آسیا! !!» . 

تح الباب بقوة واندفعت الخالة زليخة إلى داخل الغرفة» عيناها 
الخضراوان تلمعان مثل قطعتين مدورتين من حجر الفيروز: «هل يتعين 
علينا أن نرسل مبعوثين إلى سريرك لتشاركينا الفطور؟» . 

المادة السابعة: إذا لم يكن لديك سبب أو قدرة على أن تكوني› 
فعندها تحمّلی فقط . 

«آسا!!!». 


«ماذا؟ ٠!!!‏ برز رأس آسيا من تحت الملاءات مثل كرة مجِعّدة شديدة 
السواد من الخضب. قفزت واقفة على قدميهاء وركلت نعلها الأرجواني 
القابع إلى جانب السريرء إلا أن فردة لم تصب هدفهاء فيما حلقت فردة 
النعل الأخرى فوق الخزانة وأصابت المرآة ثم ارتدت وهوت على 


Twitter: @ketab_n ۹ 


الأرض. ثم رفعت بيجامتها المرتخية والمتهدلة عند خصرها على نحو 
مضحك» التي» والحق يقال» لم تسهم في زيادة التأثير الدراماتيكي الذي 
کانت ترید أن تحدثه. 

«ابحق السماء» ألا يمكنني أن أحصل على لحظة من الهدوء والسلام 
في صباح يوم الأحد هذا؟. 

«اللأسف لا توجد لحظة على وجه الأرض تدوم ساعتين»» قالت 
الخالة زليخة» بعد أن شاهدت مسار النعل المحزن: «لماذا تثيرين 
آعضابی؟ إذا كان ما تفعلينه تمرد المراهقة» فقد تأخرت كيرا يا آنسة› كان 
کت اذ کر عا قل خی عترات غل الائ فذگري فد بات 
التاسعة رة من فرك 

انعم العمر الذي ولدتني فيه خارج الرباط الزوجي»» نعقت آسياء 
وهي تعلم أنها يجب ألا تكون فظة وقاسية جداً» لكنها كانت تفعل ذلك 
في جميع الأحوال. 

راحت الخالة زليخة الواقفة عند الباب» تحدّق فى آسيا بإحباط فنان» 
الذي بعد أن ثمل وأنهى قطعة فنية» نام طوال اليل هانئاًء لكنه عندما 
استيقظ في صباح اليوم التالي وجد أمامه المجنون الذي خلقه عندما كان 
ثملا. ورغم قسوة هذا الاكتشاف» لم تنبس زليخة كلمة واحدة طوال 
دقيقة كاملة. ثم لوت شفتيها بابتسامة كئيبة وكأنها أدركت للتو أن الوجه 
الذي تنظر إليه هو في الحقيقة صورتها في المرآة. وجهان متشابهان تماماًء 
ومع ذلك فهما منفصلان بالكامل . فقد أصبحت ابنتها تشبهها في شخصيتها 
تماماء رغم الاختلاف الشديد في مظهريهما. 

فبالنسبة لشخصيتهاء كان يملؤها ذات القدر من الشك والريبةء 
والتمرد ذاته» وذات المرارة التي كانت تظهرها عندما كانت في عمر آسيا. 
ودون أن تعلم» نقلت دور الشخص الذي كان يغرد خارج السرب في 


Twitter: @ketab_n 


عائلة قازانجي إلى شخصية ابنتها. ولحسن الحظ» لم تكن آسيا متململة 
من العالمء أو تشعر بقلق يشوبه إحساس بالذنب بعد لأنها ما زالت 
صغيرة جداً على كل هذا. إلا أن الرغبة في هدم صرح وجودها كانت 
قابعة في داخلهاء يتلألا برقة في عينيهاء سحر تدمير الذات الجميل الذي 
لا يصيب سوى المحنكين أو المصابين بالكابة. 

أما الشكل الخارجي» فكانت الخالة زليخة ترى بوضوح أن آسيا كانت 
لا تكاد تشبهها. فهي لن تكون» وربما لن تصبح امرأة جميلة مطلقاً. لا 
لوجود عيب في جسمهاء أو في وجههاء أو في آي شيء آخر. فإذا ما 
نظرت إلى كل جزء من جسمها على حدةء فإنك سترى أنها تتمتع بقوام 
جيد: الطول والوزن الملائمين» الشعر الحالك السواد المجعْد»ء الذقن 
المناسبة. . . لكنك إذا ما جمعت كل هذه القطع معأ« فإنك ستكتشف أنه 
يوجد خطآ ما في التوليفة كلها. وهذا لا يعني أنها قبيحة» بل هي في 
موقع متوسط من الجمالء يمكنك أن تنظر إليهاء لكنها لا يمكن أن تعلق 
في مخيلتك. فقد كان وجهها عادياً جداً إلى درجة أنه يتكؤّن لدى الذين 
يلتقون بها لأول مرة انطباع بأنهم كانوا قد رأوها من قبل. إنها فتاة عادية 
إلى درجة كبيرة. وبدلاً من كلمة «جميلة» فإن كلمة «ظريفة» ستكون أفضل 
إطراء يمكن أن يطلق عليها في هذه المرحلة» وهو شيء ملائم تماما 
باستثناء أنها كانت تمر في مرحلة صعبة من حياتهاء وكانت تريد أن تكون 
«الظرافة» آخر شيء توصف به. فبعد عشرين سنة سقنظر إلى جسدها 
بطريقة فة . فقد لا تكون آسيا واحدة هن النساء الجميلات فى رة 
مراهقتهن» أو لا تكون من النساء الجذابات في فترة شبابهن» لكنها قد 
تصبح امرأة جميلة في منتصف عمرهاء شريطة أن تتمكن من الثبات حتى 
تلك الفترة. 

وللأسف لم يكن قد أنعم الله على آسيا أي قدر من الإيمان. فقد 
كانت حادة جداً وسليطة ولاذعة جداً كي تتأكد من أن الزمن يتدفق . 


Twitter: @ketab_n 


وكانت تتأجج في داخلها نار لا يوجد فيها أدنى قدر من الإيمان بنزاهة 
النظام الإلهي. وفي هذا الأمر أيضاًء لم تكن تشبه أحداً إلا أمَها. فبهذا 
النسيح الأخلاقي وبهذا المزاجء لا يمكنها بأي شكل من الأشكال أن 
تتمتع بالصبر والإيمانء وأن تنتظر الحياة اليومية حتى تحوّل جسدها 
لصالحها. وكانت الخالة زليخة ترى بوضوح أن بلادتها الطبيعية» من بين 
الأشياء الأخرى»ء كانت تنخر قلب ابنتها الصغيرة. وكانت تريد أن تقول 
لها إن الجميلات لا يجذبن إلا أسوأً الرجال. وكانت تأمل أن تفهمها بأنها 
محظوظة لأنها لم تولد جميلة جداً؛ وأن الرجال والنساء سيكونون أكثر 
إحسانا وعطفاً عليهاء وأن حياتها ستكون أفضل حالاًء نعم» أفضل بكثير 
بدون الجاذبية التي تتوق إليها الان. 

لم تفه الخالة زليخة بكلمة واحدة» بل اتجهت نحو الخزانةء 
وأحضرت فردة النعل» ووضعت الفردتين أمام قدميْ آسيا الحافيين . 
ووقفت أمام ابنتها المتمرّدة» التي كانت ترفع ذقنها دائماً وتجعل ظهرها 
مستقيماً في وضعية أسير حرب أبيّ» اضطر إلى تسليم سلاحه لكنه بالتأكيد 
لم یسم کرامته. 
«لنذهب!» قالت لها الخالة زليخة. وبصمت» واكبت الأ ابنتها باتجاه 
غرفة الجلوس. 

كان طعام الفطور ممدوداً على طاولة قابلة للطيّ منذ فترة طويلة. 
ورغم شعور آسيا بالكآبة» كانت تلاحظ أنه عندما تكون المائدة مزدانة بهذا 
الشكل» كان البساط الأحمر المائل إلى البني المتوهج بأشكاله الزهرية 
المعقّدة داخل حدود مرجانية رائعة» يزيد المائدة بهاءٌ. ومثل البساط› 
كانت المائدة مزدانة . فهناك زيتون أسود» وزيتون أخضر محشو بالفلفل 
الأحمر» وجبنة بيضاء» وجبنة صفراء» وجبن ماعزء وبيض مسلوق» 
وأقراص عسل بشهده» وقشطة جاموس» ومربى المشمش البيتي الصنع»› 


أومربى التوت» وبندورة مغمسة بزيت الزيتون فى طاسات خزفية رشت 


Twitter: @ketab_n \o۲ 


بالنعناع . والبرك التي تفوح رائحة خبيزها من المطبخ: الجبن الأبيض› 
والسبانخ» والزبدة» والبقدونس يذوب أحدها في الآخر وسط طبقات 
رقيقة من معجنات الفيلو. 

وكانت ما - الهيفاء التي بلغت السادسة والتسعين من عمرها تجلس 
عند رأس المائدة» تحمل كوب شاي أنحف منها. وبنظرة شاردة ومشوّشة 
قليلاً على وجههاء كانت عصافير الكناري في القفص بالقرب من باب 
الشرفة تزقزق» وكأنها لم تلحظ وجود العصافير إلا الآن. وربما كان الأمر 
كذلك. فبعد أن دخلت مرحلتها الخامسة من مرض الزهايمر» بدأت 
الوجوه والحقائق الأكثر إلفة ومعرفة تختلط في حياتها. 

ففي الأسبوع الماضي مثلاًء عندما أوشكت على الانتهاء من صلاة 
العصرء وعندما سجدت. وأسندت جبهتها على بساطها الصغير» نسيت ما 
يجب أن تفعله بعد ذلك. واختلطت فجأة العبارات التي كان عليها أن 
تقولها في سلسلة طويلة من الأحرف» ثم تلاشت شيئاً فشيئاً» مشل يرقة 
سوداء مكسوة بالشعر وذات أقدام كثيرة يصعب عذَها. وسرعان ما توقفت 
اليرقة» استدارت» ولحت إلى ما- الهيفاء من بعيد» وكآنها محاطة 
بجدران زجاجية» مرئية بوضوح شديد» لكنها كانت بعيدة المنال. وكانت 

الهيفاء جائية هناك باتجاه القبلةء جبهتها ملتصقَة على سجادة الصلاة 
وغطاء الصلاة على رأسهاء وخيط المسبحة العنبرية في يدهاء لا تأتي 
بحركة» ولا يصدر عنها صوت» إلى أن لاحظت إحداهن حالتها 
وأنهضتها. 

«وماذا بعد ذلك؟» سألت ما الهيفاء مذعورة عندما جعلنها تستلقى 
عن الريك روفن وسات رة منت راه اء اجرد يجب أن 
تقولي سبحان ربي الأعلى. يجب أن ترديدها ثلاث مرات. لقد فعلت . 
قلتها ثلاث مرات . «سبحان ربي الأعلى» سبحان ربي الأعلى» سبحان 


Twitter: @ketab_n 


ربي الأعلى» راحت تكرر العبارة» كما لو كانت في نوبة من الجنون. «ثم 
ماذا؟ ماذا بعد ذلك؟). 

وات العف آد الحا زل کات راف انها دما سالك 
الجدّة هذا السؤال. وبما أنها لم تكن تمارس الشعائر الدينية» أو تؤدي أي 
واجب ديني» فمن المؤكد أنه لم يكن لديها أدنى فكرة عما كانت تتحذّث 
جدتها. لكنها أرادت أن تقدم لها المساعدة لتهدئ من روع المرأة العجوز 
بأي طريقة تستطيعها. فأحضرت القرآن الكريم» وراحت تقلْب صفحاته 
حتی وجدت شيئاً مشابهاً فى بعض الآيات : «انظري ماذا تقول. «يا أيها 
الذين ارا إا تودي لالصلا من ين الجنهة فاسعرا إلى كر الله ء٠‏ قإذا 
قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً 
لعلكم تفلحون)) (1۲ : 0-۹( 

«ماذا تقصدين؟» رمشت الجدَة عينيهاء إذ زادتها ضياعاً أكثر مما كانت 
ضائعة . 

«أقصد. بما أنك أنهيت الصلاة الآن بطريقة أو بأخرى» فلا تفكري 
بالأمر. كماهو مكتوب هناء صحيح؟ هيا يا جذتي» انتشري في 
الأرض. . . وتعشي معنا». 

وقد نجحت في تحقيق ذلك. فقد توقفت الجدة عن الشعور بالقلق 
للبحث عن العبارة التي نسيت أن ترددها وتناولت معهن العشاء بسلام . إلا 
أن حوادث كهذه بدأت تتكرر مؤخراً كثيراً. إذ أصبحت تبدو غالبا سارحة 
ومستسلمة» وكانت تنسى أحياناً أبسط الأشياء» مثل أين هي» وما هو 
اليوم» أو من هن تلك الغريبات اللاتي يجلسن معها إلى المائدة. وفي 
أحيان أخرى» كنت لا تصدق أنها مريضةء ويبدو عقلها واضحاً ویلمع كما 
يلمع الزجاج الفينيسي المصقول حديثاً. وفي هذا الصباح كان يصعب 
معرفة إن كانت ستتذكر أم لا. وكان الوقت لا يزال مبكراً جداً لمعرفة 
ذلك. 


Twitter: @ketab_n 10٤ 


«صباح الخير» يا جدتي!» صاحت آسيا وهي تجرَ قدميها ٻخُفها 
الأرجواني نحو المائدة» بعد أن غسلت وجهها ونظفت أسنانها. انحنت 
على العجوز وقبلتها بصوت مسموع على خديها. 

فمنذ صغرها كان للجذة ما الهيفاء» من بين جميع نساء عائلتهاء 
مكانة خاصة جداً فی قلب آسیا. وکانت تحبها کثیراً. وعلی عکس بعض 
نساء العائلة الأخربات: كانت ما الهيفاء تحب دائماً» ولكن دون أن 
تخنق من تحبه. ولم تكن تتذمر» أو تنتقد أدق التفاصيل» أو تلكز 
بكلماتها. ولم يكن حبها تملكي وأناني . وفي بعض الأحيان» كانت تضع 
في جيوب آسيا سراً حبوباً من القمح قرأت عليها آيات قرآنية لحمايتها من 
العين الشريرة. وباستثناء محاربتها للعين الشريرة» كان الضحك أفضل 
وأكثر شيء تفعله» حتى اليوم الذي اشتد فيه مرضها. ففي السابقء كانت 
تضحك هى وآسيا كثيراً. إذ كان ينبعث من ما - الهيفاءء جدول طويل من 
الشات الغا الما قى عن كانت فطل من اسا لاه دة 
اة من الات ا اة الكفة وريد أن اتعه ف الآن فلي عا 
جدَّتها الصحية» أصبحت آسيا تحترم أيضاً عالم النسيان المستقل ذاتياً الذي 
انجرفت إليه» لأنه لم يكن يسمح لها أن تكون مستقلة ذاتياً دائماً. وكلما 
ابتعدت العجوز عنهن › ازدادت قربا منها. 

«صباح الخير يا حفيدة حفيدتي الجميلة»» أجابت الجِدَة» مثيرة 
إعجاب الجميع بجلاء ذاكرتها ووضوحها. 

قالت لها الخالة فريدة» الجالسة هناك وجهاز التحكم في يدهاء» دون 
أن تنظر إليها: «أخيراً استيقظت الأميرة المشاكسة). بدت بشوشة رغم 
النبرة الوعظية في صوتها. فقد صبغت شعرها هذا الصباح» وجعلته أشقر 
خفیفاًء یکاد یکون رمادياً. وأدرکت آسيا الآن أن التغيير الجذري في 
تصفيفة شعرها دليل على تغيير جذري في مزاجهاء فراحت تنبش عن 
وجود آثار من الجنون متبقية في الخالة فريدة التي كانت مستغرقة بجميع 


Twitter: @ketab_n 


حواسها في التلفزيون» تشاهد بمتعة مطربة بوب تخلو من أي موهبة» 
ترقص بحركات مفتعلة» لكن آسيا لم تعثر على أي أثر للجنون. 

يجب أن تستعدّي» فكما تعرفين ستصل ضيفتنا اليوم»ء قالت الخالة 
بانو عندما دخلت غرفة الجلوس وهي تحمل صينية البرك الطازجة التي 
خرجت للتو من الفرن» اوبدت البهجة على وجهها لانها اول الكمية 
اليومية المخصصة لها من الكربوهيدرات. «يجب أن نرب البيت قبل أن 
تصل» . 

ت اسا لها ادا ن اشاق من الستاورالنى خضاعد م 
البخار محاولة أن تبعد السلطان الخامس بقدمها عن الحنفية الصغيرة التى 
اط ما رات رت عات ١‏ اعرف اة آفى مات لبد 
الفتاة الأمريكية؟». أخذت رشفة من الشاي» ولوت وجهها وهي تبحث 
عن السكر. واحدة» اثنتان. . . وملأت الكأس الصغيرة بأربعة ات 
اس 

«ماذا تقصدين ”لماذا أنتن متحمسات؟ إنها ضيفة! قطعت كل هذه 
المسافة من الجانب الآخر من الكرة الأرضية»» ومذت الخالة فريدة ذراعها 
إلى الأمام في شكل تحية نازية لتشير إلى مكان ذلك الجانب الآخر من 
الكرة الأرضية وبعده عنهن. إذ إن فكرة الكرة الأرضية جعلت نبرة صوتها 
حماسية» عندما ومضت في مخيلتها خريطة أنماط التيارات الجوية 
والمحيطية العالمية» التي رأتها الخالة فريدة آخر مرة عندما كانت طالبة في 
الثانوية . لكن لا يعرف أحد أنها حفظت الخريطة عن ظهر قلب» بأکثر 
التفاصيل دقة» وظلت حتى اليوم محفورة في ذاكرتها بذات الوضوح عندما 
نظرت إليها بإمعان في أول مرة. 

«والأهم من ذلك آنها ضيفة من طرف خالك»» قاطعتها الجدّة كلثوم» 
التي حافظت على سمعتها بأنها كانت إيفان الرهيب في حياة أخرى . 


Twitter: @ketab_n 07 


«خالي؟ أي خال؟ الخال الذي لم ره في حياتي؟» رشفت آسيا 
الشاي . كان لا يزال مرَاً. ألقت في الكأس مكعْباً آخر من السكر. «هياء 
أفقن جميعكن! إن الرجل الذي تتحدثن عنه لم يزرنا ولا مرة واحدة منذ 
أن وطئت قدمه التراب الأمريكي . والشيء الوحيد الذي تلقيناه منه ليثبت 
لنا أنه حي يرزق بطاقات بريدية عن مشاهد طبيعية في أريزونا؟» قالت آسيا 
بنظرة مليئة بالسم: «نبات صبار تحت الشمس» نبات صبّار عند الغروب»› 
نبات صبّار بأزهار أرجوانية» نبات صبّار عليه طيور حمراء. . . حتى أن 
الرجل لم يكترث بتغبير البطاقات التي كان يرسلها». 

«أرسل أيضاً صور زوجته»» أضافت الخالة فريدة لتكون عادلة . 

«لا أعير هذه الصور أي اهتمام. زوجة شقراء مكتنزة الجسم تبتسم 
أمام بيتهم المبني من الآجرء الذي لم ندع إليه أبداً؛ زوجة بدينة شقراء 
تبتسم في الوادي الكبير؛ زوجة شقراء لحيمة تبتسم وهي تعتمر قبعة 
مكسيكية ضخمة؛ زوجة شقراء ممتلئة تبتسم وذئب براري ميت على 
الشرفة؛ زوجة شقراء سمينة تبتسم وهي تطهو فطائر في المطبخ. . . ألم 
تسأمن منه وهو يرسل لنا كل شهر صور هذه الغريبة وهي تقف في أوضاع 
مختلفة؟ ولماذا تبتسم لنا على أي حال؟ حتى أننا لم نلتق بهذه المرأة» 
بح الله!» رشفت آسيا الشاي» متجاهلة أنه كان لا يزال حارأًء حارقاً. 

«السفر ليس آمناً. فالطرق مليئة بالأخطار. هناك طائرات تُخطف»› 
وسيارات تتحطم في حوادث . . . حتى القطارات تنقلب وتسقط . فقد مات 
البارحة ثمانية أشخاص فى حادث سير على ساحل بحر إيجة٤»‏ قالت 
الخالة فريدة» دون أن تتطلع مباشرة في عين آي واحدة منهن› وراحت 
مقلتاها تتحركان في دوائر عصبية حول المائدة إلى أن استقرتا فوق حبة 
زيتون سوداء قابعة في صحنها . 

گلا كرت الخال فة فا ربعا شهدا من العفة اة ن 
الصحف الشعبية التركية كان يعقب ذلك صمت ممض. ولم تكن هذه 


Twitter: @ketab_n 


المرة مختلفة . وبعد فترة الصمت هذه» كشرت كلثوم منزعجة من السخرية 
من ابنها والتقليل من شأنه بهذه الطريقة . وشدت الخالة بانو طرفي منديل 
رأسهاء وحاولت الخالة شكرية أن.تتذكر إلى أي فصيلة من الحيوانات 
ينتمي «ذئب البراري»» لكن بما أن أربعاً وعشرين عاماً في مهنة التعليم 
جعلتها تجيد الرّد على الأسئلة التي تطرح عليهاء لم تكن تجيد طرح 
الأسئلةء لذلك لم تجرؤ على أن تسأل أحداً. وتوففت ما الهيفاء عن 
قضم شريحة السجق في صحنهاء وحاولت الخالة فريدة أن تفكر 
بالحوادث الأخرى التى قرأت عنهاء لكنها بدلا من أن تخبرهن عن 
أحداث أكثر شناعةء تذكّرت القبعة الزرقاء اللامعة العريضة التى كانت 
تعتمرها زوج مصطفى الأمريكية فى إحدى الور لر وجات شيا ريا 
منها في إستانبول» لارتديتها ليل نهار. وفي غضون ذلك لم يلحظ أحد 
أن وجه الخالة زليخة أصبح كئيباً فجأة. 

«يجب أن نواجه الحقيقة!» قالت آسيا بيقين : «فطوال هذه السنوات»› 
كنتن مغرمات بالخال مصطفى باعتباره الابن الوحيد والغالى فى هذه 
ا ا ام الک ج ی کو ا ا 
الواضح أن هذا الرجل لا يعباً ولا بذرّة واحدة بعائلته؟ لماذا يجب أن يعني 
لنا شيغا؟) . 

«الصبي مشغول»ء تدخلت الجدة كلثوم. في الواقع» كانت تحب 
ابنها وتحابيه» الابن الذي لم يكن لديها منه إلا واحد فقط» بين بنات 
توجد منهن الكثيرات» وتابعت: «ليس من السهل أن يعيش المرء فى 
الخارج . فأمريكا بعيدة جدا». ٤‏ 

«نعم» طبعاً إنها بعيدة جداًء وخاصة عندما تعلمين أنه يتعين عليك أن 
تعبري المحيط الأطلسى سباحة» وأن تسيري على قدميك القارة الأوروبية 
کلها؛» قالت آسیا وهي تقطع شريحة من الجبن الأبيض لتبرّد لسانها الذي 
لسعه الشاي . ولمفاجأتها كان الجبن جيداً» وطرياً ومالحاً» على النحر 


Twitter: @ketab_n 10۸ 


الذي تحب. وعندما وجدت صعوبة في أن تتحدث وتستمتع بالطعام في 
آن واحد» سكتت لوهلة وراحت تمضغ بعصبية. 

استغلت الخالة بانو فترة الصمت المؤقتة هذه فراحت تروي قصة 
أخلاقية » كعادتها فى الأوقات الصعبة. فقد حكت لهن قصة رجل قَرّر أن 
يجرت المال لبهرب من البرت. فذحب شالا وجدرباء شرقا وغرياء 
وجال في کل مکان» ولم يترك ركنا على سطح الكرة الأرضية إلا وزاره. 
وذات مرة» وفي إحدى رحلاته الكثيرة» وعلى نحو غير متوقع» صادف 
فى القاهرة عزرائيلء ملاك الموت. ومن نظرة عزرائيل الثاقبة ارتسمت 
تیار عاف غل ناجل لم يقل له شيئاً ولم يتبعه. وفي الحال 
غادر الرجل القاهرة» وراح يسافر بدون توقف إلى أن وصل إلى بلدة 
ناعسة صغيرة في الصين . كان عطشاً ومتعباًء فأسرع إلى أول حانة صادفها 
في طريقه. وهناك» وإلى جانب الطاولة التي طلب منه أن يجلس إليهاء 
كان عزرائيل يجلس بانتظاره نافد الصبر» وبدت على وجهه قسمات 
مسترخية» وقال للرجل: القد فوجئت برؤيتك في القاهرة» لكن قدرك 
كان يقول إننا سنلتقي هنا في الصين» . 

كانت آسيا تحفظ هذه القصة عن ظهر قلب» كما كانت تعرف قصصاً 
كثيرة أخرى تروى مراراً وتكراراً تحت هذا السقف. والشيء الذي لم تكن 
تفهمه» ولم تكن تظن أنها ستفهمه على الإطلاق» المتعة التي تستمدها 
خالاتها من سماع قصة ثقبت آذانهن من كثرة تكرارها. أصبح الهواء في 
غرفة الجلوس مريحاً ودافئاًء وشعرن جميعهن بالرضا والقناعة» يغلفهن 
الروتين اليومي المتكرر» وكأن الحياة بروفة طويلة لا تنقطع» بعد أن 
حفظت كل منهن دورها عن ظهر قلب . وفي الدقائق التالية» فيما أخذت 
النساء حولها يتنقلن من موضوع إلى آخر» ومن حدیث إلى آخر» کانت 


أنها أصبحت غير الفتاة التي كانت عليه هذا الصباح. فقد كانت هي نفسها 


Twitter: @ketab_n 1۹ 


أحياناً تشعر بالحيرة نتيجة تقلبات مزاجها. فكيف يمكنها أن تكره 
الأشخاص الذين تحبَهم كثيرا؟ كان مزاجها يشبه حركة اليويو» يصعد ثم 
يهبط» غاضبة الآن» وراضية بعد حين. كانت تشبه أمَها أيضاً في هذا 
الشيء: 

تسلل صوت بائع كعك «الصميت» الرتيب من النافذة المفتوحةء 
وأحدث ثقباً فى الثرثرة الجارية. هرعت الخالة بانو إلى النافذة ومذت 
رأسها ا ونادت: «بائع الصميت! بائع الصميت! تعال من هنا! 
بكم الواحدة؟). 

لم تسأله لأنها لم تكن تعرف سعر الصميت» فمن حكم المؤكد أنها 
كانت تعرف. ولم يكن السؤال استفساراً بقدر ما كان عادة» يؤدي 
بإحساس بالواجب . لذلك ما أن خرج السؤال من فمهاء» حتى انتقلت إلى 
الجملة التالية» دون أن تنتظر رد الرجل: «حسناًء أعطنا ثماني كعكات). 

كن يشترين كل يوم أحد على الفطور ثماني كعكات صميت» واحدة 
لكل واحدة منهن» وأخرى للشقيق المفقود الذي يمكث في مكان بعيد 
الآن. 

#إنها رائحة لذيذة»» قالت الخالة بانو وابتسامة عريضة ترتسم على 
وجهها عندما عادت وهي تضع كعكات الصميت في كل ذراع مثل بهلوان في 
سيرك سيؤدي لعبة رمي الحلقات. وضعت كعكة أمام كل واحدة منهن› 
فتناثرت حبات السمسم . وبدا من الواضح أن الخالة بانو أحست بالراحة الآن 
بعد أن توفر لها مخزون احتياطي من الكربوهيدرات» وراحت تلتهمهاء 
تجمع بين الصميت والبرك وبين البرك والخبز. إلا أنه سرعان ما انقبضت 
قسمات وجههاء إما لأنها شعرت بحموضة في معدتهاء أو لأن فكرة متجهمة 
داهمتهاء كما كانت تفعل عندما تخبر زبونة بطالع مشؤوم يومض في ورق 
التاروء وقالت: «إن كل شيء يتوقف على الطريقة التي تنظرين إليها)» ثم 
رفعت حاجبيها» فاضحة خطورة الكلمات التي ستقولها. 


Twitter: @ketab_n ا‎ 


«كان يا مكان» في قديم الزمان. . . کان يعيش في أيام العثمانيين 
القديمة خائِكا سلال. وكانا عاملين مجدّين» لكن كان أحدهما مؤمناًء 
والآخر حاد الطبع ونزقاً على الدوام. وذات يوم زار السلطان القرية» وقال 
لهما: سأملأ سلالكما بالقمح» وإذا اعتنیتما به جيداً» ستتحوّل حبوب 
القمح إلى قطع نقدية ذهبية. قبل الحائك الأول العرض ببهجة وملا 
سلاله. أما الحائك الثاني الذي كان لا يقل نكداً ومشاكسة عنك يا 
عزيزتى» فقد رفض هدية السلطان العظيمة. هل تعرفين ماذا حدث فى 
الهاية؟: 

«طبعاً أعرف»» قالت آسيا: «فكيف ألا أعرف نهاية قصّة لا بد أني 
سمعتها ما لا يقل عن مائة مرة؟ لكن ما لا تعرفينه يا خالتى الضرر الذي 
تبه هذه القصص على إبداع الطفل. فبسبب هذه القضة السخيفة كنت 
أضع قشة من القمح تحت وسادتي عندما أنام لما كنت طفلة» راجية أن 
تتحول إلى قطعة ذهبية في اليوم التالي . ثم ماذا حدث عندما بدأت أذهب 
إلى المدرسة؟ ففي أحد الأيام» قلت للأطفال الآخرين إنني سأصبح قريباً 
غنية لأن حبوب القمح ستتحول إلى قطع من الذهب لأني أضعها تحت 
وسادتي» وكل ما أعرفه أنني أصبحت موضع سخرية في الصف. فقد 
جعلتِ مني بلهاء وغبية وأضحوكة في عيون الأطفال الآخرين». 

ومن بين جميع الصدمات والجروح التي عانتها آسيا في طفولتهاء لم 
يبق شيء في ذاكرتها سوى حادثة حبوب القمح» وعندما سمعت الكلمة 
التي رافقتها طوال السنوات التالية» ودائماً في اللحظات التي لم تكن 
تتوقعها» وهي كلمة لقيطة. فحتى حادثة حبوب القمح تلك» عندما كانت 
في الصف الأول الابتدائي» كانت آسيا قد سمعت كلمة لقيطة مرة واحدة 
فقط» لكنها لم تعبا بها كثيراً» لأنها لم تكن تعرف معناها. إلا أن التلاميذ 
الآخرين سارعرا وفسروا لها معناها. لكنها حرصت على الاحتفاظ لنفسها 
بذلك الجزء من القَصّة» فصبّت كأساً آخر من الشاي» الحار جداً. 


Twitter: @ketab_n 11 


«اسمعي يا آسياء يمكنك أن تتذمري أمامنا كما يحلو لك» لكن عندما 
تصل ضيفتناء يجب أن تكمَي عن الكلام وتعامليها بلطف . فإنكليزيتك 
أفضل من إنكليزيتي وأفضل من إنكليزية أي واحدة منا هنا» . 

لم يكن ذلك تقريراً متواضعاً من ناحية الخالة بانو لأن ذلك جعلها 
تبدو وكأنها تتحدث قليلاً من الإنكليزية بينما لا تعرف شيئاً منها. فمع أنها 
درستها في الثانوية» إلا أنها نسيت ضعف ما تعلمته. وبما أن قراءة الطالع 
لا يحتاج إلى لغة أجنبية» لم تكن تشعر بالحاجة إلى تعلم الإنكليزية. أما 
الخالة فريدةء فلم تبد اهتماماً بتعلَّم الإنكليزية في المقام الأولء لأنها 
اختارت أن تتعلم اللغة الألمانية في المدرسة. لكن بما أن ذلك تزامن مع 
الفترة التي فقدت فيها أي اهتمام بدراسة أي شيء إلا الجخرافية الطبيعية» 
فلم تحقق في تعلمها الألمانية تقدماً كبيراً أيضاً. وبما أن الجدَّة ما - الهيفاء 
وكلثوم لم تكونا مؤهلتين لذلك» بقيت الخالة زليخة والخالة شكرية 
الوحيدتين اللتين تعرفان شيئاً من الإنكليزية تكفيهما للانتقال من مرحلة 
المبتدئين إلى مرحلة المتوسطين. وكان هناك فرق شديد بين إجادة 
الخالتين للغة الإنكليزية. فقد كانت الخالة زليخة تتكلم الإنكليزية 
المستخدمة في الحياة اليومية» تتخللها تعابير عامية» وبلكنة عامية» كانت 
تمارسها كل يوم تقريباً مع الأجانب الذين يأتون إلى محل الوشم الذي 
تديره؛ أما الخالة شكرية» فكانت تتكلم الإنكليزية التي تعلمتها من كتب 
مدرسية مضبوطة بالقواعد» وقد تجمّدت مع الزمن» إنكليزية لا تتعلمها إلا 
في المدارس الثانوية» وفي المدارس الثانوية فقط . وكان بوسع الخالة 
شكرية أن تميّز بين الجمل البسيطة والجمل المركبة والجمل المترابطة»› 
وتستطيع أن تميّز بين الظرف والصفة والجملة الاسمية» حتى أنها كانت 
تستطيع أن تميّز المعدّلات الموضوعة في غير مكانها في التركيب النحوي» 
لکتھا لم تكن تستطيع أن تتكلم بها. 

«لذلك يا عزيزتي» ستكونين مترجمتها. ستنقلين كلماتها إليناء 


Twitter: @ketab_n 1۲ 


وكلماتنا إليها»» ضبقت الخالة بانو عينيها» وعقدت حاجبيها محاولة أن 
تلمح إلى عظمة ما كانت على وشك أن تقوله: «ومثل جسر يمتدّ فوق 
الثقافات» ستوصلين الشرق بالغرب» . 

جعدت آسيا أنفهاء وكأنها اكتشفت رائحة نتنة في البيت لم يشمها 
أحد غيرهاء وزمّت شفتيها وكأنها تريد أن تقول : «اطلبي وتمني!) . 

في غضون ذلك لم تلحظ أي منهن أن ما - الهيفاء نهضت من على 
كرسيهاء واقتربت من البيانو الذي لم يعزف عليه أحد منذ سنوات طويلة. 
فقد كن يستعملن سطح البيانو المغلق كلوح جانبي يضعن فوقه الصحون 
والأطباق الإضافية التي لا تتسع لها مائدة العشاء. 

امن الجيد أنكما فتاتان في نفس العمر» اختتمت الخالة بانو مناجاة 
نفسها: «و ستصبحان صديقتين) . 

حدذقت آسيا في الخالة بانو باهتمام متجدد» متسائلة إن كانت ستكفّ 
عن اعتبارها طفلة. فعندما كانت صغيرة» وعندما كان يأتى طفل آخر إلى 
البيت» كانت خالاتها يضعنهما معا وتأمرهما: «هيا العبا الآن! كونا 
صديقتين! فبما أنكما فى سن واحدةء فهذا يعنى تلقائياً أنكما 
ستدسجمان. فبطريقة ماء يُعتبر الأقران القطع المكسورة في اللغز نفسه» 
ويتوقع منهما إكماله فجأة عندما يصبحان جنباً إلى جنب . 

سیگون هذا شیا مثیراً۔ وعندما تعودا [لی بلدیکماء پمکنکما آن 
تصبحا صديقتين بالمراسلة». رددت الخالة شكرية» التى تؤمن بالصداقات 
بالمراسلة. فبما أنها أستاذة رفيقة في النظام الجمهوري الركي: فقد كانت 
تعتقد أن كل مواطنة تركية» مهما كانت مواطنة عادية في المجتمع› لديها 
واجب في أن تمتّل وطنها بفخر أمام العالم بأسره. وماذا هناك أفضل من 
فرصة إقامة صداقة دولية بالمراسلة لتمتّل بلدها؟ 


«وستتبادلان األرسائل بين سان فرانسيسكو وإستانبول»» همهمت الخالة 


Twitter: @ketab_n 1۳ 


شكرية لنفسها. إذ إن تبادل الرسائل مع غريب بدون غرض تعليمي أمر 
مستحيل بالنسبة لهاء ثم أخذت تلقي محاضرة عن آهمية المسألة 
التعليمية 7 إن فشكلا نحن الأتراك آنه يسا تفسير ما نقوؤله داتماً ويساء 
فهمنا. لذلك يجب على الغربيين أن يروا أننا لسنا مثل العرب على 
الإطلاق . فهذه دولة علمانية حديثة». 

عندما رفعت الخالة فريدة صوت التلفزيون فجأة» حولن انتباههن إلى 
فيديو مغنية بوب تركية جديدة. عندما انزلقت عينا آسيا إلى المغنية 
الححقاهة لظت أن تصفيفة شع ر المراة دى مالرقة غالوفة جداء 
وراحت عيناها تتنقلان بين الشاشة وبين الخالة فريدة» وفهمت الآن مصدر 
إلهام تصفيفة شعرها الجديدة. 

«(فقد غسل اليونانيون والأرمن الذين للأسف وصلوا إلى الولايات. 
المتحدة قبل الأتراكء أدمغة الأمريكيين تقريباً؛» وتابعت الخالة شكرية 
قولها: «لذلك ضللوهم وأصبحوا يظنون أن تركيا هي بلد قطار منتصف 
الليل السريع . يجب أن تري الفتاة الأمريكية كم أن بلدنا جميلة» وتعززين 
الصداقة الدولية والتفاهم الثقافي». 

شهقت آسيا وقد ارتسمت على وجهها تعابير محبطة» وكان من 
الممكن أن تظل هكذاء لولا أن أكبر خالاتها سناً لم تظهر أنها متصابة في 
رأيها. 

«علاوة على ذلك فإن ذلك سيحسن لختك الإنكليزية وربما علمتها 
اللغة التركية . ألن تكون تلك صداقة رائعة؟». 

الصداقة. . . التحدث عنهاء استوت آسيا واقفة وأمسكت كعكة 
الصميت نصف المأكولة» وأخذت تتهياً لمغادرة المنزل لترى بعض 
اللأصدقاء الحقيقيين . 

«إلى أين ستذهبين يا آنسة؟ فالفطور لم ينته بعده» قالت الخالة 


Twitter: @ketab_n 14 


زليخة» وهي أول مرَّة تفتح فمها منذ أن جلسن إلى المائدة. فالعمل في 
وسط الضجيج والجلبة في محل الوشم» ستة أيام في الأسبوع من الساعة 
الثانية عشرة ظهراً وحتى الساعة التاسعة مساء» جعلها أكثر شخص في 
العائلة تستمتع وتتذوق بتناول فطور صباح يوم الأحد بہطء . 

«هناك مهرجان للأفلام الصينية»» أجابت آسيا» وبدا صوتها مرهقاً 
قليلاً بسبب الجهد الذي بذلته كى تبدو جدية ومخلصة: «وقد طلب منا 
أحد أساتذتي أن نذهب ونشاهد فيلماً في عطلة نهاية الأسبوع لنكتب عنه 

«ما نوع هذه الواجبات المدرسية؟» رفعت الخالة شكرية أحد 
حاجبيها» متحفظة دائماً من الأساليب التربوية غير التقليدية . 

لكن الخالة زليخة لم تثر الموضوع أكثر من ذلك فقالت لها وهي تهز 
رأسها: «حسناًء اذهبي وشاهدي فيلمك الصيني» لكن لا تتأخري» يا 
آنسة . أريدك أن تعودي إلى البيت قبل الساعة الخامسة. سنذهب لاستقبال 
ضيفتنا فى المطار هذا المساء» . 

أخذت آسيا حقيبتها الهيبية وهرعت باتجاه الباب. وما أن كانت على 
وشك أن تضع قدمها خارج البيت» حتی سمعت صوتاً غير متوفع. فقد 
راح أحدهم يعزف على البيانو. نغمات مفككة خجولة تبحث عن نغم 
مفقود منذ زمن بعید. 

بدت على وجه آسيا نظرة تقدير وهمست لنفسها: «جدتي» . 


¥ ¥ ¥ 


كانت ما الهيفاء قد ولدت فى سالونكى . وكانت فتاة صغيرة عندما 
هاجرت مع أمها الأرملة إلى إستانبول في عام 1۹۲۳. إذ لا يمكن نسيان 
السنة التي وصلت فيها إلى هذه المدينة» لأنها تزامنت مع إعلان 
الجمهورية التركية الحديثة . 


Twitter: @ketab_n 1٥ 


«لقد وصلت آنتِ والجمهورية إلى هذه المدينة معاً. كنت أنتظركما 
بفارغ الصبر»ء قال لها زوجها رضا سليم قازانجي بطريقة غرامية بعد ذلك 
بسنوات : «كلاكما وضعتما حداً للنظامين القديمين إلى الأبدء أحدهما في 
البلدء والآخر في بيتي. لقد أشرقت الحياة عندما أتيت إليّ». 

فرذت الجدّة: «عندما أتيت إليك» كنت حزيناً لكن قوياً. لقد جلبت 
لك البهجة» ومنحتني أنت القوة) . 

وبما أن ما الهيفاء كانت جميلة واجتماعية» فقد تقدم لخطبتها في 
ذلك الحين سنة عشر رجلا كان من النمكن أن يشكلرا صفاً يمد من 
طرف جسر غالاتا القديم إلى طرفه الآخر. ومن بين جميع المرشحين 
الذين قرعوا بابهاء لم يخفق قلبها إلا لرجل واحد ما أن وقعت عيناها عليه 
من وراء حاجز الشبك. وكان هذا الرجل طويلاً مهيباً يدعى رضا. 

كانت له لحية كثة وشارب رفيع» وعينان داكنتان مليئتان» وكان 
يكبرها بما لا يقل عن ثلاثة وثلاثين سنة. كان متزوجاً ويشاع أن زوجته 
كانت امرأة قاسية وقد هجرته هو وابنهما. وبعد خيانة زوجته تلك مع أنه 
ظل وحيداً مع طفل» رفض أن يتزوج ثانية لفترة طويلة» وفضل أن يعيش 
في بيته العائلي الكبير وحيداً. فقد مكث هناك» وراح يضاعف ثروته التي 
شارك أصدقاءه فيها» وكرّس غضبه لأعدائه. كان رجل أعمال عصامياً. 
فقد كان صانع قدور ذات يوم» صانعاً حرفياً» ثم أصبح مقاولاً دفعته 
حكمته لأن يبدأ صناعة الأعلام في الزمن المناسب والمكان الملائم. 
فخلال العشرينيات من القرن العشرين» كانت الجمهورية التركية الجديدة 
لا تزال تتأجج بالمشاعر الحماسية» ولم يكن العمل اليدوي» الذي كان 
موضع تقدير في الدعاية الحكومية» يجلب له إلا قدراً قليلاً من المال. 
فقد كان النظام الجديد يحتاج إلى معلمين لإعداد أتراك وطنيين من بين 
طلابه» وإلى موالين لإنشاء برجوازية وطنية» وإلى صانعي العلم التركي 


Twitter: @ketab_n 1771 


لرفعه في سائر البلادء لكنه لم يكن بحاجة إلى صانعي قدور. وهکذا ولج 
رضا سليم صناعة الأعلام والرايات . 

ورغم الأرباح الكبيرة التي جناها من الأموال والأصدقاء ذوي النفوذ 
من عمله الجديد» فإنه عندما اختار لقب العائلة في ,/,٥‏ بعد أن فرض 
قانون الألقاب على كل مواطن تركي أن تكون له كنية» اختار رضا سليم 
أن تکون حرفته الأولى هي کنيته» وهي قازانجي . 

ورغم حسن مظهره» وبالتأكيد ثرائه» وبسبب عمره وصدمة زواجه 
الأول (فقد كانت النساء يشرثرن عن السبب الذي جعل زوجته تهجره» 
فربما کان رجلا منحرفاً) کان رضا سلیم قازانجي آخر رجل على وجه 
الأرض كانت والدة ما - الهيفاء تريد أن ترى ابنتها العزيزة زوجة له. فمما 
لا شك فيه أنه تقدم لها مرشحون أفضل منه. لكن ما الهيفاء رفضت أن 
تستمع إلا إلى صوت قلبهاء رغم اعتراضات أمَها المستمرة. ربما كانت 
عينا رضا سليم قازانجي الداكنتين هما اللتان جذبتاهاء ولأنها كانت 
تعرف» لا فکریاً بل حدسياًء بأنه کان موهوباً بشيء لم یکن يتوفر لمعظم 
الرجال في هذا العالمء وهو القدرة على حب شخص أكثر مما تحب 
نفسك. ومع أنها كانت صغيرة جدأ وعديمة الخبرة في السادسة عشرة من 
عمرها» كانت ما الهيفاء عاقلة مما جعلها تعرف النعمة الخاصة التي 
حباها الله بها وهي أن يحبها رجل يتمتع بهذه الموهبة ويعشقها. كانت 
عينا رضا سليم قازانجي رقيقتين وبراقتين مثل صوته؛ کان ثمة شيء فيه 
يجعل المرء يشعر بالأمان برفقته» وبالدلال والحماية حتى في غمرة 
الفوضى والصخب. ولم يكن هذا الرجل من النوع الذي يتهرب من 
واجباته . 

إلا أن ذلك لم يكن السب الوحيد الذي جذب الجدَة إلى رضا سليم 
قازانجي . بل انجذبت إلى قصّته قبل أن تنجذب إليه بفترة طويلة. فقد 
احسشت کف أن روحه تألمت بسبب هروب زوجته الأولى. وكانت واثقة 


Twitter: @ketab_n 1۷ 


من أنها تستطيع أن تبرئ هذه الكدمات. إذ تجد النساء متعة في ترميم 
حطام إحداهما الأخرى. ولم تستغرق ما الهيفاء فترة طويلة لتحزم 
أمرهاء بل قررت أن تتزوجه ولم يكن بوسع أحد» حتى قدرهاء ا 
ذلك. 

إذا كانت ما - الهيفاء قد آمنت بحدسها برضا سليم قازانجي» فقد کان 
أيضاً يستحنَ هذه الثقة حتى نمه الأخير. فالزوجة الشقراء هذه ذات 
العينين الزرقاوين» التي جاءت إليه ومعها قطة بيضاء ثلجية يكسوها الفروء 
بدلاً من مهر لائق» كانت بهجة حياته. ولم يرفض لها يوماً طلباًء مهما 
كان غريباً. لكن لم يكن هذا حال الصبي الذي كان في السادسة من عمره 
آنذاك : فقد رفضها ليفينت قازانجي أمَاً له. وكان يقاومها ويسخر منها في 
كل مناسبة» وأنهى طفولته بمرارة مكبوتةء إن كان للطفولة أن تنتهى إذا 
قلت المرارة تعمل فى دال المرء: ۰ 

ففي زمن كان فيه الزواج دون إنجاب أطفالء إن لم يكن دليلاً على 
مرض لا براء منه» فمن المؤكد أنه كان يعتبر انتهاكاً للمحرمات» إذ لم 
تنجب ما - الهيفاء ورضا سليم قازانجي طفلاً. لا لأنه كان عجوزاًء بل 
لأنها كانت صغيرة جداً في البداية» ولم تكن تبدي اهتماماً كبيراً في تربية 
الأطفال» وعندما غيّرت رأيهاء كان قد أصبح عجوزاً حقاً. وظل ليفينت 
قازانجي الطفل الوحيد الذي حافظ على استمرار اسم العائلة» وهو لقب 
ل يكن ما لحك 

ومع أنها كانت حزينة وتشعر بالمهانة من حدَة مزاج ابن زوجها 
ومرارته» كانت ما - الهيفاء فتاة جذلةء منفتحة» ذات خيال واسع» بل 
وكانت لها قائمة واسعة من المتطلبات . ففي هذا العالم» كانت هناك أشياء 
أهمَ من إرضاع طفل»ء مثل تعلّم العزف على البيانو. ولم تمض فترة 
طويلة» حتى أصبح بيانو بنتلي من صنع شركة ستراود للبيانو المحدودة في 
إنكلترا يقبع ويلمع في أفضل بقعة من غرفة الجلوس. وبدأت ما الهيفاء 


Twitter: @ketab_n 1۸ 


تأخذ دروسها الأولى من أول معلَم للبيانو - موسيقار من روسيا البيضاء 
كان قد هرب من الثورة البلشفية واستقر بشكل دائم في إستانبول. وکانت 
ما - الهيفاء أفضل تلاميذه. فلم تكن موهوبة فقط» بل كانت مثابرة أيضاً 
كي تجعل البيانو رفيقاً لها طوال حياتها» لا أن يكون مجرد تساية عابرة. 

وکان راخمانينوف وبورودين وتشايكوفسكي الموسيقيين الأثيرين 
لديها. فعندما تكون في البيت وحدهاء كانت تعزف لنفسها والباشا الأول 
جاثم في حضنهاء وكان هذان الموسيقيان الوحيدان اللذان كانت تعزف 
ألحانهما. أما عندما كانت تعزف أمام آخرين» فکانت تختار معزوفات 
مختلفة تماماً: باخ» بيتهوفن» موزارت» شوبان» والأهم من كل ذلك» 
فاغنر» في المناسبات الخاصة التي كان يزورهم فيها مسؤولون حكوميون 
وزوجاتهم الأنيقات. إذ كان الرجال يتجمّعون بعد العشاء إلى جانب 
الموقد وكؤوسهم في أيديهم يتناقشون في أمور السياسة العالمية. فقد 
كانت سنوات أواخر العشرينيات تبجل السياسة الوطنية أو تعيد تأكيدهاء 
وكلما ازداد الصوت ارتفاعاًء كان أفضل لأن للجدران آذان. لذلك ما أن 
كانت تبرز الحاجة إلى مناقشة حقيقية» كانت النخبة السياسية والثقافية 
الجديدة في الجمهورية التركية تنتقل على الفور إلى مناقشة السياسة 
العالمية» التي كانت تشكل فوضى في حد ذاتهاء لذلك كانت تثير الاهتمام 
دائما للحديث عنها. 

أما السيدات فكن يتجمعن في الجانب الآخر من البيت» وتمسك كل 
منهن كأساً من الكريستال فيها مشروب كحولي من النعناع» وتتمعن وتعاين 
كل واحدة منهن فستان الأخرى. وكان في قسم السيدات نوعان من 
النساءء يختلف أحدهما عن الآخر اختلافاً كبيراً وهما: المهنيات 
والزوجات . 

فقد كانت المهنيات من الرفيقات» مثال المرأة التركية الجديدة: اللاتي 
كن يعتبرن مثالاً أعلى ومحترمات» تدافع عنهن النخبة الإصلاحية. وكانت 


Twitter: @ketab_n 114 


المهنيات الجدد محاميات» ومعلمات» وقاضيات» ومديرات» وكاتبات» 
وأكاديميات . . . وبعكس أمهاتهن» لم يبقين حبيسات في بيوتهن» وأتيحت 
لهن فرص تسل السلم الثقافي والاقتصادي والاجتماعي. ولكي يتمكن من 
الوصول إلى أعلى السلمء كان يتعين عليهن أن يلقين أنوثتهن على قارعة 
الطريق. وكن يرتدين غالباً بدلات تتألف من قطعتين بلون بني وأسود 
ورمادي - ألوان العفة والتواضع والحزبية. وكن يقصصن شعرهن قصيراًء 
ولا يضعن مكياجاأء أو أدوات زينة. وكنّ يتحركن فى أجساد تخلو من 
الأنوثة» وتخلو من الجنوسة. وعندما كانت ارجات شك بطريقتهن 
الأنثوية المزعجة» كانت المهنيات يضغطن بأصابعهن حول محافظهن 
الجلدية الصغيرة تحت أذرعهن» وكأنها تضم معلومات سريّة للغاية» وقد 
أعطين كلمة شرف لحمايتها مهما بلغ الأمر. أما الزوجات» فكن على, 
عكسهن تماماء إذ كن يأتين إلى هذه الحفلات وهن يرتدين فساتين سهرة 
حريرية بيضاء ووردية وزرقاء فاتحة - الألوان التي تليق بالسيدات» والتي 
توحي بالبراءة والضعف. ولم يكن يحببن النساء المهنيات» اللاتي يعتبرن 
أنفسهن «رفيقات» أكثر من كونهن نساء» ولم تكن المهنيات يحببنهن» 
لأنهن يعتبرنهن «محظيات؛ أكثر من كونهن نساء. وفي نهاية الأمر» لم 
يكن بوسع أحد أن يعثر على «المرأة» الملائمة. 

وكلما اشتد التوتر بين الرفيقات والمحظيات» كانت الجذة» التي لم 
تكن تنتمي إلى أي من الفئتين» تومئ سرَاً للجارية لتقدم مشروب النعناع 
الكحولي في أقداح الكريستال» وحلوى عجينة اللوز في أطباق فضية. 
وتبين لها أن هذا الثنائى» هو الشىء الوحيد الذي كان بإمكانه أن يهدئ من 
توتر أعصاب كل امرأة تركية عازبة في الغرفة» مهما كان المعسكر الذي 
تنتمي إليه . 

وفي وقت متأخر من الحفلة» كان رضا سليم قازانجي ينادي زوجته, 
ويطلب منها أن تعزف شيثاً على البيانو للضيوف الكرام. ولم تكن ما" 


Twitter: @ketab_n 


الهيفاء ترفض . وبالإضافة إلى الموسيقيين الغربيين» كانت تعزف أناشيد 
وطنية تتأجج بالمشاعر الوطنية . وكان الضيوف يهتفون ويصفقون لها. 
وخاصة في عام ۱۹۳۳ء عندما وضع نشيد الذكرى العاشرة» «(مسيرة 
الجمهورية. الذي كانت تعزفه مرات عديدة. وكان صدى النشيد يتردد فى 
كل مكان في آذانهم» حتى عندما كانوا يخلدون إلى النوم. ذلك الزمن 
الذي كان فيه حتى الأطفال الرضع ينامون في مهدهم على أنغام هذا اللحن 
العذب. 
لذلك» فى الوقت الذي كانت فيه النساء التركيات يجتزن مرحلة تحوّل 
جذرية فى الحا العامة بفضل ساس الإسلاحات الأجتاعية كانت ما 
الهيفاء تنعم باستقلالها الذاتي داخل عالمها الخاص في بيتها. ومع أن 
اهتمامها بالبيانو لم يخفت» فلم تمض فترة طويلة حتى استحضرت قائمة 
جديدة من الأمور المسلية . وهكذا بدأت تتعلّم الفرنسية» وتكتب قصصاً 
قصيرة لم تنشر أبدأًء وبرعت في الرسم الزيتي» ووجدت متعة في شراء 
الأحذية اللمّاعة وفساتين السهرة الحريرية» وكانت تجعل زوجها يراقصهاء 
وتقيم حفلات صاخبة» ولم تمارس العمل المنزلي على الإطلاق. وكان 
رضا سليم قازانجي يلبي جميع طلبات زوجته المرحة الجميلة دون تردد. 
وکان رضا رجلا هادئاً رزيناً يكن له الآخرون احتراماً كبيراً. لكنه» شأن 
الكثيرين من أمثاله» كان من الصعب إصلاحه بعد أن كسر. لذلك» كان 
هناك موضوع واحد فقط يخرج الجانب السيء فيه : زوجته الأولى . 
فعندما كانت ما - الهيفاء تسأله عن زوجته الأولى» كان رضا سليم 
قازانجي يلوذ بالصمت» وتظلل عيناه غمامة كئيبة غير معهودة» ويقول: 
ما نوع المرأة التي يمكنها أن تهجر ابنها؟؛ ويتغضن وجهه بالكراهية . 
«لكن ألا تريد أن تعرف ما حل بها؟ «اقتربت منه ما - الهيفاء وجلست 
في حضن زوجهاء وراحت تداعب ذقنه برقة» تتملقه ليجيبها على سؤالها. 
الست مهتمة بمعرفة أي شيء عن مصير هذه الفاسقة)» تصلّب وجه 


Twitter: @ketab_n 1۷1 


رضا سليم قازانجي» ولم یخفض صوته کي لا یسمعه ابنه لیفینت بأنه 
يشوّه سمعة أمَّه . 

«هل هربت مع شخص آخر؟» ألحفت ما - الهيفاء في سؤالهاء وهي 
تعرف أنها تجاوزت حدودهاء لكنها كانت واثقة من آنها لا تستطيع أن 
تعرف حدودها إلا عندما تتجاوزها. 

«لماذا تحشرين أنفك في أشياء لا تعنيك؟» رذ عليها رضا سليم 
قازانجي» «هل تريدين أن تفعلي مثلهاء أم ماذا؟» . 

وبذلك عرفت ما _ الهيفاء حدودها. 

وباستشناء اللحظات التي كان يثار فيها موضوع الزوجة الأولى» سارت 
حياتهما بهدوء في السنوات التالية . هانئة ومريحة. وكان ذلك شيئاً غير 
عادي إذا ما علمنا أن الأسر حولهما لم تكن كذلك. إذ كانت قناعتهما 
وسعادتهما مصدر حسد للأقرباء والأصدقاء والجيران» الذين كانوا 
یتدخلون في شؤونهما عندما كانوا يستطيعون ذلك. وکان أکثر موضوع 
يتحدثون عنه هو عدم إنجابهما أطفالاً. وقد حاول الكشيرون إقناع رضا 
سليم قازانجي بالزواج من امرأة أخرى قبل فوات الأوانء لأنه بعد صدور 
القانون المدني الجديد» لم يعد بوسع الرجل أن يتزوج أكثر من زوجة 
واحدة» وعليه أن يطلق زوجته هذه التي أصبح الجميع يشكون الآن بأنها 
إما عاقر أو أنها بلشفية. ولم يعر رضا سليم قازانجي أذناً لهذه الأقاويل 
والنصائح . 

وعندما مات رضا سليم قازانجي» ميتة مفاجئة تعرف بها أجيال رجال 
عائلة قازانجي» أصبحت ما - الهيفاء تؤمن لأول مرة في حياتها بالعين 
الشرّيرة. واقتنعت أن عيون الأشخاص الغيورين حولهما هى التى اخترقت 
خذران هنا الاق المد وارد اة ز وها ۰ 


Twitter: @ketab_n ¥۲ 


المتجعَّدة» النحيلةء الناتئة بالعظام» تداعب البيانو القديم» ومضت أيام ما 
الهيفاء مع رضا سليم قازانجي من مسافة بعيدة مثل منارة قديمة خافتة» 
أما الآن فقد ضللت طريقها مياه الزهايمر الهائجة . 


¥ #F ¥ 


على أريكة في شفَّة مجددة أمام برج غالاتاء الحيّ الذي لا يهدأ ولا 
تعرف شوارعه النوم» والذي تمتلئ أحجاره بالأسرار» وتحت أشعة شمس 
الغروب المنعكسة من نوافذ البنايات الآيلة للسقوط» ووسط صياح 
النوارس» جلست آسيا قازانجى عارية جامدة مثل تمثال صغير يتشرب 
موهبة الفنان الذي نحته من كتلة من الرخام. وفيما كانت سارحة في عوالم 
الخيال» رفع الدخان الكثيف الذي تنشقته إلى داخل جسمهاء » حارقاً 
رئتیهاء معنویاتها حتى زفرته أخيراً ببطء» على مضض . 

«بماذا تفكرين ن يا حبيېتي؟) . 

«إنى اعمل الآن على المادة الثامنة من بيانى الشخصى للعدمية»» 
أجابت آسيا بعد آن فتحت عينيها اللتين يغشاهما الضباب. ٠‏ 


المادة الثامنة: إن كان ا و 
يربطهما إلا جسر متحرّك› تستطيعين أن تحرقي ذلك الجسر وأن نة تقفي إلى 
جانب الذات» سالمة مسلمةء إلا إذ كان الوادي هدفك . 


أخذت آسيا نفساً آخرء وأبقت الدخان في جوفها. 

«هنا» دعيني أطعمك». قال رسام الكاريكاتير المدمن› بعد أن أخذ 
من يدها سيجارة المخذر. مال نحوها» وضغط صدره المكسو بالشعر 
على صدرها؛ فتحت فمها مثل طير صغير أعمى ينتظر أن تزقه أمه في 
فمه. ونفخ جدول.الدخان مباشرة في فمها. الشقط لهف كما لر انت 
عطشانة وأخذت تغب الماء. 


Twitter: @ketab_n 1۷ 


المادة التاسعة: إذا كان الوادي في داخلك يسعدك أكثر من العالم في 
الخارج» يمكنك أن تسقطي فيه» تسقطين إلى داخل نفسك. 


کرّرا العمليةء ووجه الدخان نحو فمهاء فابتعلته وابتلعته حتی اختفت 
آخر هبة من الدخان في حنجرتها ثم أطلقتها . 

«أراهن أنك أصبحت أفضل حالاً الآن»» هدل رسام الكاريكاتير 
المدمن› ووجهه يظهر رغبة في ممارسة مزيد من الجنس: «فلا يوجد 
علاج أفضل من مضاجعة جيدة» وسيجارة مخدّر جيدة) . 

قضمت آسيا اللحم داخل فمها لتقاوم الرغبة في الاعتراض . أمالت 
رأسها نحو النافذة المفتوحة ومدت ذراعيها وكأنها ستعانق المدينة» بكل 
فوضاها وعظمتها . 

أما هو فكان مشغولاً فى هذه الأثناء بإكمال بيانه: «لنرى. لا يوجد 
شيء مبالغ فيه أكثر من مضاجعة سيئة ولا يوجد شيء أبخس من مضاجعة 
جيدة) . 

«خراء»» ساعدته آسیا. 

أوماً بمودة» نهض رسام الكاريكاتير المدمن الذي لم يكن يرتدي إلا 
شورتاً حريرياً وكانت بطنه الناتئة مكشوفة. سار نحو جهاز تشغيل أقراص 
السي دي ليضع أغنية» صادف أن كانت إحدى أغانيها الأثيرة لجوني 
کاش : جر حت» وعاد وهو يتمايل مع أنغام موسيقى مطلع الأغنيةء وعيناه 
تشعان : «لقد جرحت نفسي اليوم/ لأتأكد إن كنت لا أزال أحسً. ..». 

جحَدت آسيا وجهها وكأن أحداً وخزها بإبرة غير مرئية» وقالت: «يا له 
من شىء يثير الشفقة. . .٠.‏ 

«ماذا يثير الشفقة يا حبيبتي؟) . 


حدّقت فيه بعينين مضطربتين مفتوحتين على وسعيهما بدتا وكأنهما 


Twitter: @ketab_n V€ 


تخصان شخصاً يكبرها بثلاثة أضعاف عمرها. «اللعنة» همهمت ساخرةء 
«هؤلاء المديرون والمنظمون»ء مهما كان الاسم الذي يطلق عليهم» 
نظمون رحلات إلى أوروبا أو رحلات إلى آسيا أو حتى إلى الاتحاد 
السوفيتي ‏ البريسترويكا. . . لكنك إن كنت من محبّي الموسيقى في 
إستانبول» فإنك لا تستطيع أن تضعها في أي تعريف جغرافي . إننا نتساقط 
عبر الشقوق. إن سبب عدم وجود حفلات موسيقية كثيرة كما نرغب يعود 
إلى الموقع الجيوستراتيجي لاستانبول». 


انعم» يجب أن نصطف جميعنا على امتداد طول جسر البوسفور 
وننفخ بكامل قدرتنا لندفع هذه المدينة باتجاه الغرب: وإذا لم نفلح في 
ذلك» يجب أن نجرب الطريق الآخر» لنرى إن كان بإمكاننا الاتجاه إلى 
الشرق»» ضحك وأضاف: «فليس من الجيد أن نكون فى الوسط . 
اة النرلة ل قتي التمر فة ۰ 

لكن آسياء التي كانت تحلق فوق السحب» لم تسمعه. وأشعلت 
سيجارة مخذر أخرى ووضيا بين شفتها الكشققتين. أخذت نفساً عميقاً 
بلامبالاةء وتجاهلت إحساس شعور أصابعه فوق بشرتهاء ولسانه على 
لسانها. 

يجب أن تكون هناك طريقة للوصول إلى جوني كاش قبل أن يموت . 
أعني أنه كان على الرجل أن يأتي إلى إستانبولء فقد مات وهو لا يعرف 
أن له تارا ومشجعين 00 

ابتسم رسام الكاريكاتير المدمن ابتسامة رقيقة . قَبّل الشامة الصغيرة 
على خدَّها الأيسر» وداعب عنقها برقة» حتى بدأت يداه تتحركان باتجاه 
نهديها الممتلئين» مالثاً راحة يده بكل منهما. كانت القبلة متأنية» نزقة 
حارة» فيها شيء من القوةء إن لم يكن شيء من الشراسة. وبعینین 
متلألئتين سألها: «متى سنلتقي ثانية؟». 


Twitter: @ketab_n 17o 


«عندما نلتقی فی مقھی کوندیراء کما أظن». هزت آسیا کتفیهاء 
E ETT‏ اقترب أكثر . 

الکن متى سنلتقي هنا في بيتي؟. 

«تقصد متى سنلتقي في بيت الدعارة هذا؟» قالت آسياء لم تعد تقاوم 
الرغبة فى الاغتياب : «لأن هذاء كما نعرف جيداء ليس بيتك! إن البيت 
هو المكان الذي تقيم فيه زوجتك منذ سنوات» أما هذا المكان فهو بيت 
yS‏ 

ء. هنا حيث تضاجع فتياتك اللاتي كلما كن أصغر» أكثر ضحالة» 

2 انتشاءٌء كان أفضل!» . 

ندت عن رسام الكاريكاتير المدمن تنهيدة وأخذ كأس العرق. ارتشف 
نصف جرعة» والتوى وجهه إلى حد أن آسيا خشيت لوهلة أنه إما سيصرخ 
في وجههاء e‏ إذلم تتخيّل أن هذا الألم سيظل 
حبيساً. بل تمتم بصوت أجش: «يمكنك أن تكوني فظة في بعض 
الأحيان». 

ساد صمت مخيف فى الغرفة» أخمدته صيحات الأطفال الذين كانرا 
يلعبون كرة القدم في الشارع. ومن الصراخ بدا وكأنه قد أصدرت لأحد 
الصبية بطاقة حمراء» وانهمك جميع اللاعبين في فريقه في مجادلة الحكم . 

«لديك هذا الجانب المظلم يا آسيا» جاء صوت رسام الكاريكاتير 
المدمن من بعيد: «ولأنه لا يظهر على وجهك الجميل» فإنه يصعب تبينه 
من الوهلة الأولى . لكنه موجود. لديك إمكانية عميقة في الهدم». 

«حسناًء آنا لا أهذم أحداً أليس كذلك؟» شعرت آسيا بالحاجة للدفاع 
عن نفسهاء «كل ما أريده» أن أكون حرَة وكل هذا الخراء. . . كم أتمنى. 
أن أترك في حالي. . .» 

«تتمنين أن تتركي في حالك كي تتحكمي في نفسك بشكل أسرع وفي 


Twitter: @ketab_n 34 


وقت أبكر. . . هل هذا ما تريدينه؟ إنك تنجذبين إلى تدمير الذات كما 
يجذب الضوء العث» . 

كبتت آسيا ضحكة متوترة. 

«عندما تشربين» فإنك تشربين حتى تشملي» وعندما تنتقدين» فإنك 
تكتسحين كل شيء» وعندما تغوصين» فإنك تصلين إلى القاع. صدقاً لا 
أعرف كيف أعاملك . إنك مليئة بالغضب» يا حبيبتي . . ٠.‏ . 

«ربما لأنني ولدت لقيطة». أشارت آسياء وهي تأخذ نفحة أخرى» 
«حتى إني لا أعرف من هو أبي. لم أسأل أبداًء ولم يخبرني أحد. في 
بعض الأحيان» عندما تنظر إليّ مي يخيّل إل آنها تراه في وجهي» لكنها 
لا تنبس بكلمة على الإطلاق. ونتظاهر جميعنا بأنه لا يوجد شيء اسمه 
أب. بل لا يوجد سوى أب واحد» فعندما يكون هناك الله في الأعلى 
ويرعاك» فمن يحتاج إلى أب؟ ألسنا جميعنا أطفاله؟ لكن أمَي لا تؤمن 
بكل هذه الترهات. وأقول لك إنها ساخرة أكثر من أي امرأة عرفتها فى 
خا وها تكن المفكلة تناما آنا راق تب إعدانا اى 
ولكننا في الوقت ذاته متباعدتان کثیراً» . ٠‏ 

نفشت نفحة أخرى من الدخان باتجاه طاولة المكتب الماهوغونى حيث 
بف رة الكاركاير الس مقن اقل اعمال خي أن فاا 
زوجته بعد أحد شجاراتهما المتكررة. وكان يحتفظ هنا أيضاً بالرسومات 
المبدئية للسياسي البرمائي والكركدن بوليتيكوس» وهي سلسلة جديدة 
يصور فيها أعضاء البرلمان التركي بأنهم نوع مختلف من الحيوانات. وكان 
يزمع أن يصدر هذه السلسلة قريباء وخاصة بعد أن وافقت المحكمة على 
تأجيل الحكم عليه بالشجن لمدة ثلاث سنوات إلى أجل غير مسمى لأنه 
رسم رئيس الوزراء ذئباً في هيئة خروف. واشترط القاضي كي يؤجل 


الحكم بأن لا يكر الخطأ الذي ارتكبه» وهو أمر كان عازماً على القيام 


Twitter: @ketab_n 1Y 


به. فقد كان يقول لنفسه ما الفائدة من الكفاح من أجل حرية التعبيرء إذا 
لم يكافح المرء من أجل حرية الفكاهة أولا؟ 

في زاوية طاولة المكتب» وتحت ضوء مصباح في شكل عنق إوزة» 
ربض تمثال خشبي ضخم محفور يدویاً لدون کیشوت محني فوق کتاب» 
غارق في تأملاته . كانت آسيا تحب هذا التمثال كثيراً. 

«إن أسرتى مجموعة من النساء الغريبات الأطوار النظيفات . فهن يزلن 
دانما الأوساخ والغبار عن الذكريات! ولا بتوققن عن التحدث غن 
الماضي» لكنه نسخة معقّمة من الماضي . هكذا يحل أفراد عائلة قازانجي 
مشاكلهم؛ فإذا كان ثمة شيء يزعجك» حسناًء أغمض عينيك» وعد إلى 
رقم عشرة» وتمنی تمت أن هذا الشى: ء لم يحدث» وسرعان ما ستعتقد أنه لم 
يحدث على الإطلاق» وافرحتاه! ومع ذلك فإننا نبتلع كل يوم كبسولة 
أخرى من الكذب . . .» 

ما الذي يقرأه دون كيشوت. تساءلت آسيا فى عقلها المخذر. ما 
المكثوب في تلك الصفحة المفتوحة هناك؟ هل حرص النحات على 
خربشة بضع كلمات؟ وبشيء من الفضول نهضت من على الأريكة 
واقتربت من التمثال المنحوت. واحسرتاه» لا توجد كلمات على الصفحة 
الخشبية . أخذت مجة طويلة من سيجارتها قبل أن تعود إلى مقعدها وبدأت 
تتذمر ثانية 

«اتزعجني رؤية كل تلك البيوت الجميلة. نسخ حزينة من عائلات 
سعيدة. إنى أحياناً أحسد جذتى» التى بلغت الماثة سنة من عمرها الآنء 
کھ ای اہ اکر مصابة ضا النسيان الحلو. الذاكرة تذوي وتذبل». 

«ليس هذا بالأمر الجيدء يا حلوتي». 

«قد لا يكون جيداً للناس من حولك» لكنه مفيد لك قالت آسيا 
يإاصرار . 


Twitter: @ketab_n 1۸ 


«جيّد» فالأمران مرتبطان ببعضهما عادة» . 

لکن آسيا تجاهلت ذلك» وقالت: «لقد فتحت ما الهيفاء البيانو اليوم 
بعد سنوات طويلة؛ سمعتها تعزف هذه الأصوات النشاز. إنه أمر يثير 
الكابة. كانت هذه المرأة تعزف راخمانينوف» والآن لا تستطيع حتى أن 
تعزف أغنية أطفال سخيفة٠.‏ صمتت برهة» تفكر بما قالته للتو. ففى بعض 
الأحيان» كانت تتكلم أولاًء ثم تفكر لاحقاً. 

«لكن ما أريد أن أقوله أنها لا تعرف ذلك» بينمانحن نعرف»» 
صاحت آسيا بحماس زائف: إن الزهايمر ليس فظيعاً إلى هذه الدرجة. 
فالماضي ليس سوى قيد يجب أن نتخلص منه. إنه عبء ثقيل مبرّح. كم 
أتمنى ألا يكون لدي ماض - كم أتمنى ألا أكون أحداًء وأن أبدأ من نقطة 
الصفر وأبقى هناك حتى الأبد. خفيفة كالريشة. لا أسرة» لا ذكريات وكل 
ذلك الخراء. .٠..‏ 

«كل إنسان يحتاج إلى ماض»» رشف رسَّام الكاريكاتير المدمن جرعة 
من كأسه» وتعابير وجهه تحوم في مكان ما بين التحسر والغضب . 

تحسبني منهن لأنني بالتأكيد لست واحدة منهن»»› وأمسکت آسیا 
قداحة «زيبو» الملقاة على المنضدة الصغيرة وأخذت تعبث بها. فتحت 
الغطاء ار ثم أغلقته فوزا رة صوت نقرة حادة. أعجبها الصوت 
الصادر عنها وكرّرت هذه الحركة عدَة مرات» دون أن تعرف أنها أوصلت 
رسام الكاريكاتير المدمن إلى حافة الجنون قليلاً. كليك! كليك! كليك! 

يجب علي أن أذهب»» أعطته القداحة وأخذت تبحث عن ثيابهاء 
«كلفتني عائلتي العزيزة بمهمة هامة . يجب أن أذهب إلى المطار مع أمي 
لاستقبال صديقتى الأمريكية بالمراسلة». 

«هل عندك صديقة أمريكية بالمراسلة؟» . 

«نوعاً ما. هذه الفتاة التي ظهرت لي فجأة. فقد استيقظت ذات يوم 


Twitter: @ketab_n 1۷۹4 


ووجدت هذه الرسالة في صندوق البريد» خمّن من أين؟ سان فرانسيسكو ! 
فتاة اسمها آمي . تقول إنها ابنة زوجة خالي مصطفى . حتی أننا لم نکن 
نعرف أن للرجل ابنة زوجة! لذلك نظن الآن أن هذا الزواج هو الزواج 
الثاني لزوجته. لم يخبرنا بذلك! كادت جدتي تصاب بسكتة قلبية عندما 
اكتشفت أن زوجة ابنها الغالي التي كانت في العشرين من عمرهاء لم تكن 
عذراء عندما تزوجهاء لا يا سيدي» لم تكن عذراءء بل امرأة مطلقة!» . 

سكتت آسيا إعراباً عن احترامها للأغنية التي انطلقت للتو: «إنها ليست 
اتا پا ا أخذت تفر اللسن م بذات ت الكلمات فل أن اف 
کلامها. 

«ومن حيث لا تحتسب» تكتب آمي تلك رسالة تقول فيها إنها طالبة 
فى جامعة أريزونا» وهى مهتمة جداً فى التعرف على ثقافات أخرى» وإنها 
تتطلّع للقائنا ذات يوم» وما إلى هنالك. وفي النهاية أفضت بالسر: 
بالمناسبة» إني قادمة إلى إستانبول بعد أسبوع . هل يمكنني أن أقيم معكم 
في البيت؟› . 

«واو!» صاح رسام الكاريكاتير المدمن وهي يلقي ثلاث قطع من الثلج 
فى كأس العرق الذي ملأه من جديد. «لكن هل قالت لماذا اختارت هذا 
المكان من بين جب الأناكن الأخرى؟ هل هي مجرد سائحة؟». 

«لا أعرف»» غمغمت آسيا وهي جاثية على ركبتيها على الأرض› 
تبحث عن إحدى فردتي جوربها تحت الأريكة» «لكن بما آنها طالبة 
جامعية» فإني أراهن بأنها تجري بحثاً عن الإسلام أو عن اضطهاد المرأة 
أو عن سوابق أبوية في الشرق الأوسط . وإلا لماذا تريد أن تمكث في بيتنا 
الذي يحفل بالمجانين - كما تعرف» فهو ممتلى بالنساء - في الوقت الذي 
توجد فيه فنادق كثيرة في هذه المدينةء رخيصة وحديثة؟ إني واثقة من أنها 
تريد أن تجري مع كل واحدة منالقاء عن وضع النساء في البلدان 
الإسلامية وكل ذلك». 


Twitter: @ketab_n 


«الخراء!» أكمل رسام الكاريكاتير المدمن الجملة التي كانت ستقولها. 

«اصحيح!» قالت آسيا بانتصار» بعد أن عثرت على فردة الجورب 
الضائعة . وبلمح البصر»ء ارتدت تنورتها وقميصها ومررت الفرشاة على 
شعرها. 

«حسناء أحضريها إلى مقهى كونديرا في وقت ما». 

«سأسألها ذلك» لكني واثقة من آنها تريد أن تزور متحفاً بدلا من 
ذلك» نخرت آسيا وهي ترتدي حذاءَ جلدياً طويلاً. تطلعت حولها لتتأكد 
من أنها لم تنس شيئاًء وأضافت: «حسناء من المؤكد أنني سأمضي بعض 
الوقت معهاء بما أن خالاتي لا يتوقفن عن مطالبتي بمرافقتها لأريها المدينة 
كي تبدي إعجابها بإستانبول. إنهن يردنها أن تتغنى بجمال هذه المدينة 
عندما تعود إلى أمريكا» . 


مع أن النوافذ كانت مفتوحة» كانت الغرفة لا تزال تعبق برائحة 
الماريوانا والعرق والجنس. وكان صوت جوني كاش يهدر في الخلفية . 

حملت آسيا حقيبتها واتجهت نحو الباب. لكن رسام الكاريكاتير 
المدمن سد طريقها. وأخذ ينظر إلى عينيها مباشرة» ثم أمسك كتفيها 
وشدها نحوه بلطف . كانت تحت عينيه البنيتين الغامقتين حلقات بشكل 
الأجاص وأكياس منتفخة تظهر عادة لدى مدمني الخمر أو الحزينين أو 
کلیهما. 

«عزيزتي آسيا؛» همس» وجهه مشرق بحنان لم تره من قبل : «بالرغم 
من كل ذلك السم الذي د تختزنيه في داخلك»› وزبما ية تماما فإنك 
غريبة الأطوار لكن روحك لطيفة . وأنا أحبّك. فقد وقعت في غرامك في 
أول يوم وضعت فيه قدميك في مقهى كونديرا» وتلك النظرة الحزينة على 
وجهك. لا أعرف إن كان هذا يعني لك شيئاًء لكنني سأعترف بذلك. 
فقبل أن تغادري هذه الشقّة يجب أن تفهمي أن هذا ليس بيت دعارة» وأنا 


Twitter: @ketab_n ۸۱ 


لا أجلب فتيات إلى هنا. فأنا آتي إلى هنا لأشرب وأرسم وأكتئب» أكتئب 
وأرسم وأشرب» وفي بعض الأحيانء أرسم وأكتئب وأشرب... هذا كل 
ما في الأمرء..٠.‏ 

باندهاش شديد» أمسكت آسيا مقبض الباب ووقفت جامدة لوهلة عند 
عتبة الباب. وضعت يديها في جيبي تنورتها وراحت تعبث بشيء فيهما 
يشبه الفتات . أخرجت يديهاء لترى أطراف أصابعها مغطاة بالبذور المائلة 
إلى البني التي وضعتها لها جدتها لحمايتها من العين الشريرة. 

«انظر إلى هذا! إنها حبات قمح. .. قمح. ..». ومطت آسيا الكلمة 
في کل اتجاه» وأضافت : «إن جدتي تحاول آن تحمينى من الحين 
الشريرة». فتحت يدها وناولته حبات القمح. لكنها ما أن فعلت ذلك»ء 
حتی احمرّ وجهها خجلا وكأنها أفضت بسر غرامي . 

کان خداها ما زالا متوردین› ولم يعد شعورها بالمرارة في داخلها 
مطعماً بالتهور. فتحت آسيا الباب» وعندما خرجت بأسرع ما يمكنهاء 
ترذدت لوهلة قبل أن تلتفت. بدا وكأنها تريد أن تقول شيئاًء» لكنها ضمته 
إليها وعانقته. ثم هرعت تهبط الدرج خمس درجات دفعة واحدة» وراحت 
تجري بأسرع ما یمکنها وکأنها تهرب من عذاب یطارد روحها. 


Twitter: @ketab_n 1A۲ 


۸ 
حبات الصوبر 


«كيف يمكنها أن تظل نائمة حتى الآن؟» سألت آسياء مشيرة بذقنها 
نحو غرفة نومها. فخلال عودتهن من المطارء اكتشفت آسيا أن خالاتها 
كن قد وضعن سريراً ثانياً إلى جانب سريرها» وحولن مجالها الخاص 
تحت سقف هذا البيت إلى «غرفة البنات». وقد فعلن ذلك إما لأنهنْ كن 
يبحثن عن أساليب جديدة لتعذيبهاء أو لأن لهذه الغرفة إطلالة أفضل 
وأردن أن يعطين ضيفتهن انطباعاً جيداأء أو أنهن رأين أن هذا سيتيح فرصة 
أخرى لدفع الفتاتين إلى مزيد من التقارب ضمن برنامجهن «لتعزيز الصداقة 
الدولية ومشروع التفاهم الثقافي». ومع أن آسيا لم تكن ترغب في أن 
تشاركها في فضائها فتاة غريبة» فإنها لم تكن تستطيع أن تبدي احتجاجها 
أمام الضيفة» لذلك» وافقت على مضض . أما الآن فقد بدأت قدرتها على 
التسامح تنفد. وكأنه لم يكن يكفي أنهن وضعن الفتاة الأمريكية في غرفة 
نومهاء كان يبدو أن نساء عائلة قازانجي عازمات على ألا يتناولن طعام 
العشاء قبل أن تنضم إليهن ضيفة الشرف. لذلك» لم تتناول ولا واحدة 
منهن الطعام» حتى السلطان الخامس نفسه» مع أن مائدة العشاء كانت قد 
أعدت منذ أكثر من ساعة» وكانت كل واحدة منهن قد اتخذت مكانها 
حول المائدة منذ فترة» بمن فيهن السلطان الخامس . وكانت إحداهن»› بين 
كل ربع ساعة» تنهض لتسخن حساء العدس» وتعيد تسخين طبق اللحم» 


۱A۳ 
Twitter: @ketab_n 


وكن يحمان القدور ذهابً وإياباً: بين المطبخ وغرفة الجلوس»› بینما کان 
السلطان الخامس يتت يتتبع الرائحة في كل مرة مع مواء بتوسل. كن يلتصقن 
بکراسیهن › يشاهدن التلفزيون بضوت منخفض جد ويتحدثن همساً. 
وع أنهن لم يتوقفن عن النقورة من هذا الصحن أو ذاكء كانت کل واحدة 
منهن» ما عدا سلطان الخامس» قد تناولت أكثر مما تتناوله عادة في جلسة 
واحدة. 

«اربما كانت مستيقظة ومستلقية في السرير لأنها خجولة أو شيء من 
هذا القبيل . لماذا لا أدخل وألقى نظرة؟» سألت آسيا. 

«امكثي في مكانك يا آنسة واتركي الفتاة تنام قالت الخالة زليخة 
مقطبة أحد حاجبيها. 

عين على الشاشةء والعين الأخرى على جهاز التحكم عن بعد 
وافقت الخالة فريدة وقالت: «إنها بحاجة إلى النوم. إنه إرهاق السفر. 
فهي لم تعبر تيارات المحيط فقطء بل اجتازت مناطق توقيت مختلفة 
أيضاً» . 

«حسناً» على الأقلء يُمنح شخص في هذا البيت الفرصة ليبقى في 
السرير طالما رغب فى ذلك»» قالت آسيا متذمرة. 

في هذه اللحظة بالذات» انطلقت موسيقى تصويرية رقراقة في 
الخلفية» وظهر على الشاشة البرنامج الذي كن جميعهن ينتظرنه بفارع 
الصبر: النسخة التركية من مسلسل «المبتدئ؟ . وفي صمت تملؤه النشوة» 
رحن يشاهدن دونالد ترمب التركي يخرج من وراء الستائر الحريرية البراقة 
في متب واسع ومن ورائه مشهد بانورامي رائع عن جسر البوسفور. وبعد 
أن ألقى نظرة سريعة متواضعة إلى الفريقين اللذين ينتظران تعليماته» 
أبلغهما رجل الأعمال عن مهمَتهما. وطلب من كل فريق أن يصمم قنينة 
ماء فوّار» وأن يجد طريقة لتصنيع تسع وتسعين قنينة» وبيعها جميعها 
بأسرع ما يمكن وبأغلى ثمن ممكن في أحد أكثر أحياء المدينة الفاخرة. 


Twitter: @ketab_n ۱۸€ 


«أنا لا أدعو ذلك تحديإ»» قالت آسيا بصوت مرتفع: «إذا كانوا 
يريدون تحدياً حقيقياً فيجب أن يرسلوا هؤلاء المتسابقين إلى أكثر الأحياء 
تديناً ومحافظة في إستانبول وأن يجعلوهم يبيعون نبيذاً أحمر معبأً في قناني 
هناك . 

«أوه» أسكتي»» قالت الخالة بانو» وأطلقت تنهيدة. فلم تكن تعجبها 
الطريقة التى تسخر فيها ابنة أختها من الدين والتدين» وكانت تعرف جيداً 
بن كانت تشه ن انلها ها أنها فا فان العجدف: يه رظان 
الثدي أو مرض السكرء فإنه ينتقل بشكل وراثي من الأمٌ إلى ابنتهاء فما 
الفائدة من محاولة إصلاح ذلك؟ لذلك» تنهدت للمرة الثانية. 

متجاهلة الألم الذي غرسته في نفس خالتهاء هرت آسيا كتفيها بدون 
مبالاة. «لكن لِم لا؟ فسيكون ذلك أكثر إبداعاً من أن تقوم تركيا بتقليد كل 
شىء أمريكى بدون عقلانية. فعليك أن تدمجى المادة التقنية التى 
تستعيرينها من الغرب بالخصائص المحددة للثقافة التي تتوجهين إليها. هذا 
ما أدعوه دونالد ترمب على الطريقة التركية. للك جب ان بطل 
المتسابقين مثلاً أن يبيعوا معلبات لحم خنزير في حي إسلامي. هذا هو 
التحدي الحقيقي . لكي تزدهر إستراتيجيات التسويق». 

قبل أن تتمكن إحداهن من التعليق على كلامهاء فح باب غرفة النوم 
مصدراً صريراً» وخرجت أرمانوش تشكمكجيان» خجولة بعض الشيء» 
دائخة قليلا. ترتدي بنطلون جينز باهت اللون»ء وبلوزة زرقاء غامقة طويلة 
وفضفاضة . فعندما كانت تحزم أمتعتها للسفر إلى تركياء فكرت طويلاً 
بنوع الثياب التي ستأخذها فاختارت أكثر ثيابها بساطة كي لا يبدو شكلها 
غريباً في بلد محافظ . لذلك صُدمت عندما وجدت في استقبالها في مطار 
إستانبول الخالة زليخة مرتدية تنورة قصيرة إلى درجة فظيعة» وحذاءَ بكعب 
عال أكثر فظاعة . لكن دهشتها كانت أكبرء عندما التقت الخالة بانو التي 
تغطي رأسها بمنديل وترتدي ثوباً طویلاًء ثم عرفت كم كانت تقية» عندما 


Twitter: @ketab_n 1۸٥ 


رأتها تصلي خمس مرات في اليوم. وما أدهشها أكثر أن المرأتين» رغم 
التباين الشديد في مظهريهماء ومن الواضح في شخصيتيهماء لقد كانتا 
أختين تعيشان تحت سقف واخد. كان هذا لغزاً محيَّراً تعين على أرمانوش 
أن تفسّره وتفك رموزه. 

«أهلاً بك أهلا بك!» صاحت الخالة بانو فرحة» لكنها استنفدت 
على الفور مفرداتها الإنكليزية . 

فيما أخذن يراقبنها وهي تسير نحوهن» تململت الخالات الأربع على 
المائدة بضيق غير مألوف» ومع ذلك كانت ابتسامتهن ترتسم على 
وجوههن من الأذن إلى الأذن. فقد كان الفضول يدفعهن لمعرفة نوع 
الرائحة التي تنبعث من هذه الغريبة» وعلى الفور قفز السلطان الخامس 
على أطرافه وراح يمشي حول آرمانوش في دائرة ضيقة» يشمشم نعليهاء 
إلى أن قرّر أنه لا يوجد ثمة شيء يثير الاهتمام . 

«أنا آسفة جدأً» لا أعرف كيف نمت طريلا)ء تلعثمت أرمانوش بلغة 
إنكليزية وكأنها في فيلم يعرض بحركة بطيئة . 

قالت الخالة زليخة: لاطبعاء فجسمك يحتاج إلى هذا النوم. كانت 
رحلة طويلة». ومع أن نبرتها كانت ناضجة» إلا أنها أصبحت صارخة 
الآن» وتنحو للتشديد على المقاطع الخاطئة» وبدا أنها تعبّر أيضاً عن 
نفسها بارتياح باللغة الإنكليزية . «ألستِ جائعة؟ أرجو أن تتمتعي بالطعام 
التركي» . 

وثبت الخالة بانو» التي كانت تستطيع أن تميّز كلمة طعام بجميع 
اللغات الممكنة» وانطلقت إلى المطبخ لتجلب حساء العدس. وعلى نحو 
يكاد يكون آلياء قفز السلطان الخامس من فوق وسادته ولحق بهاء وهو 
يموء ويتوسل طوال الطريق . 

عندما جلست على الكرسي المخصص لهاء بدأت أرمانوش تدقق في 


Twitter: @ketab_n 1۸٦ 


غرفة الجلوس. وبسرعة» وبحذر» راحت تتطلع حولها» وکانت تتوقف 
عند بعض الأماكن : خشب الورد المحفور» خزانة ذات باب زجاجي تضم 
فناجين قهوة مذهَبة» أطقم شاي زجاجية» وبداخلها تحف مختلفة ؛ البيانو 
القديم بجانب الجدار؛ البساط الرائعم على الأرضية؛ وقطع عديدة من 
الدانتيلا فوق المناضد الصغيرة؛ وكراسي مخملية ذات مسندين؛ بل وحتى 
جهاز التلفزيون؛ والكناري في القفص المزيْن الذي يتأرجح عند باب 
الشرفة؛ والصور المعلقة على الجدران ‏ لوحات زيتيه عن أرياف بألوان 
مختلفة إلى درجة تبدو أنها ليست حقيقية؛ وتقويم فيه صور مختلفة عن 
مواقع ثقافية وطبيعية في تركيا في صفحة كل شهر؛ تعويذة لدرء العين 
الشرّيرة؛ وصورة أتاتورك في بدلة رسمية» معتمرأً قبعته» ويلوّح باتجاه 
حشد غير مرئي في الصورة. كانت الغرفة كلها تنبض بالتذكارات والألوان 
الحيوية - أزرق» أحمر داكن » أخضر بحري » فيروزي - وتتلألاً إلى درجة 
أنه بدا لها أنه يوجد ضوء آخر في مكان ما بالإضافة إلى النور المنبعث من 
المصابيح . 

ثم حولت أرمانوش نظرها إلى الأطباق التي تملأ المائدة باهتمام 
متزايد» وقالت وقد زيت وجهها ابتسامة: «يا لها من مائدة رائعة. اني 
أحبَ جميع هذه الأطباق. فهذا حمْص» وبابا غنوج› ویالانجی› 
وصرما. . . وانظري إلى هذه لقد خبزتهن تشوريك!». 

«آآه» هل تتكلمين التركية؟» صاحت الخالة بانو» مندهشة» عندما 
عادت وهي تحمل بين يديها قدراً يتصاعد منه البخار» والسلطان الخامس 
يمشي وراء‌ها. 

هرّت أرمانوش رأسهاء نصف ضاحكة» نصف وقورة» وكأنها شعرت 
بالأسف لأنها خذلت توقعاً كبيراً فيهاء «لاء لا. أنا لا أتكلّم اللغة التركيةء 
لسوء الحظ» لكني أظن أني أتكلم لغة المطبخ التركي». 

التفتت الخالة بانو التي لم تفهم المقطع الأخير من كلامهاء ونظرت 


Twitter: @ketab_n 1۸¥ 


بياس إلى آسيا التي بدا آنها لم تكن ترغب في أداء دورها كمترجمة» بل 
كانت مستغرقة تماماً فى المهمّة التي حددها دونالد ترمب التركي» الذي 
طالب الآن إلى الابقين أن يخوصرا في أعماق صتاغة المسوجات لإعادة 
تصميم بدلة رياضية باللونين الأصفر والأزرق السماوي لإحدى أكبر فرق 
كرة القدم المتنافسة في بطولة الفرق الوطنية. والتصميم الذي سيعتبره 
لاعبو كرة القدم الأفضل سيفوز في المسابقة. في هذه الأثناء» كانت آسيا 
تتأمَل خطة بديلة لهذه المهمّة المحددة أيضأًء لكنها قرّرت أن تبقيها لنفسها 
(لم تعد تشعر بالرغبة في أن تتكلم. وفي الواقع وجدت أن الفتاة الأمريكية 
أجمل بکٹثیر مما کانت تتوقع . لا لأن آسیا کانت تتوقع شیئاًء لکنها كانت 
تتوقع» بل ربما كانت تتمنى في أعماقهاء أن تستقبل في المطار فتاة شقراء 
غبية . 

ولسبب لا تعلمهء أرادت آسيا أن تواجه الضيفةء لكنها كانت تفتقر 
إلى السبب» كما كانت تفتقر إلى الطاقة. لذلك فضصّلت أن تبقى الآن 
منعزلة ومتحفظة لتوضح أنها تتجنب هذا النوع من الضيافة والكرم 
اک 

«إذنء أخبرينا»» سألت الخالة فريدة بعد أن أنهت تفحص تصفيفة 
شعر الفتاة الأمريكية ووجدته في غاية البساطة» «كيف هي أمريكا؟» . 

كانت تفاهة السؤال كافية لأن تجعل آسيا تفقد هدوءها واتزانهاء رغم 
عزمها على التمسك بالقرار الذي اتخذته بأن تظل منعزلة. فرمت خالتها 
بنظرة ممضصّة. وإن كانت أرمانوش قد وجدت السؤال سخيفاً أيضاًء فلم 
تبد ذلك. فقد كانت لطيفة مع الخالات. لأن العمّات كنْ من اختصاصها. 
وفيما كانت كتلة الحمَّص تملا خدَها الأيمن التى كانت تلوكها فى فمهاء 
أجابت: اجيدة جيداً. اا د کر کا ر وذلك ست النکان 
الذي تعيشين فيه» ففي الحقيقة توجد أمريكات عديدة) . 


Twitter: @ketab_n 1A۸ 


«إسأليها كيف حال مصطفى»» سألت الجدّة كلثوم» متجاهلة 
المعلومات الأخيرة تماما التي لم تفهمها. 

«إنه في حالة جيدة» وهو يعمل كثيراً؛» قالت أرمانوش وهي تنصت 
في الوقت نفسه إلى صوت زليخة الرخيم وهي تترجم كلماتها: «لديهم 
بيت جميل وكلبان. إن المكان رائع هناك في الصحراء. والطقس في 
أريزونا لطيف دائما» كما تعرفين» لطيف ومشمس...٠.‏ 

عندما أنهين الحساء وبدأن تناول لقيمات من المقبلات» اتجهت الجدَة 
كلثوم والخالة فريدة إلى المطبخ وعادتا تحمل كل منهما صينية كبيرة. كانتا 
تسيران مشية عسكرية بتزامن تام» ووضعتا الطبقين على المائدة. 

«عندكم بيلاف أيضاً»» ابتسمت أرمانوش» ومالت إلى الأمام تتفحص 
الأطباق» «وطورشو و...». 

«واو! «صاحت الخالات بصوت واحد» مبديات إعجابهن بمعرفة 
ضيفتهن بالأطعمة التركية . 

وقعت عينا أرمانوش فجأة على آخر قدر وضع على المائدة» وقالت: 
«كم أتمتى أن ترى جدتي هذاء إنه رائم» كابورغا. . .٠.‏ 

«واو!» رذدت الجوقة. حتى آسيا رفعت رأسها بشيء من الاهتمام . 

«مطعم تركي كثير في أمريكا؟» سألت الخالة شكرية . 

«في الحقيقة» أنا أعرف هذه الأطعمة لأنها أيضاً جزء من المطبخ 
الأرمنى»ء أجابت أرمانوش ببطء. فبما أنها قدمت نفسها إلى العائلة بأنها 
آي اة زوج مصطفى» الفتاة الأمريكية من سان فرانسيسكو» فقد كانت 
قد خططت فى البداية أن تكشف شيا فشيئاً السرّ المتعلتق بالجزء المتبقى 
من هويتهاء بعد أن رن قد بنك رة من اة الخادلة تين إلا أتها 
وجدت نفسها تندفع بسرعة نحو جوهر الموضوع مباشرة. 

بعد أن اعتراها الآن مزاج متوتر قليلاًء ولكن بثقة بالنفس أيضاًء 


Twitter: @ketab_n ۸۹ 


اعتدلت أرمانوش في جلستهاء وأخذت تنظر من طرف المائدة إلى الطرف 
الآخر لترى رذة فعل كل منهن. وقد شجعتها التعابير العادية على وجوههن 
على توضيح ما يعتمل في نفسها بشكل أفضل . 

آرمةد ٠.‏ سا أرمتة اة 

تترجم الكلمات هذه المرة. فلم تكن هناك ثمة حاجة إلى ذلك. 

ابتسمت الخالات الأربع في وقت واحد» كل بطريقتها: إحداهن 
بتهذيب» والثانية بقلق» والثالثة بفضول» والأخيرة بلطف . لكن أكثر ردات 
الفعل وضوحاً جاءت من آسيا. فبعد أن توقفت عن مشاهدة مسلسل 
«المبتدئ»» أخذت ترمق ضيفتهن باهتمام شديد للمرة الأولى» بعد أن 
أدركت أن سبب زيارتها قد لا يكون لإجراء أبحاث عن «الإسلام 
والنساء» . 

«صحيح؟٠»‏ فتحت آسيا فمها أخيراً» ومالت إلى الأمام وأسندت 
مرفقيها على المائدة. «أخبريني» هل صحيح أن فرقَة 4 ؟ه آءاور؟ 
Down‏ تکرها؟) . 

رمشت أرمانوش بعينيهاء ولم تكن تعرف عما تتحذث. وبنظرة سريعة 
عرفت أنها لم تكن الوحيدة في حيرتهاء فقد بدا أن الخالات قد ارتبكن 
أيضاً . 

«إنها فرقة الروك التي أحبها كشيراً. وأعضاؤها أرمن وجميع تلك 
القصص الأسطورية بأنهم يكرهون الأتراك وأنهم لا يريدون أن يتمتع أي 
تركي بموسيقاهم» لذلك كنت أريد أن أعرف فقط»» قالت آسيا وهي تهز 
كتفيها. كان من الواضح أنها لم تكن سعيدة لأنها قدمت هذا التفسير إلى 
هذه المجموعة من الناس غير المطلعين. 


الأمريكين الأرمن» وقد عرفت بارائها الصريحة (المترجم). 


Twitter: @ketab_n 4۰ 


«لا أعرف شيئاً عنهم)»› زمّت أرمانوش شفتيها. وفجأة شعرت بأنها 
ضثيلة جداً هناء هزيلة وضعيفة ووحيدة وغريبة في أرض غريبة» 
وأضافت : «كانت عائلتي من إستانبول - أعني جذتي»» وأشارت بإصبعها 
إلى ما الهيفاءء وكأنها كانت بحاجة إلى امرأة عجوز لكي تشرح القَصَة 
بطريقة أفضل . 


«اسأليها ما اسم عائلتهم»» لكزت الجدة كلثوم آسيا بمرفقهاء وكأنها 
تملك مفتاح أرشيف سري في قبو توجد فيه جميع سجلات العائلات 
الإستانبولية» قديمها وحديثها. 

«اتشكمكجيان»» أجابت أرمانوش عندما ترجم لها السؤال: «ايمكنكن 
أن تنادينني آمي إذا أردتن» لكن اسمي الكامل أرمانوش تشكمكجيان» . 

شع وجه الخالة زليخة عندما قالت تقديراً لذلك: «كنت أجد ذلك 
دائماً مثيراً للاهتمام . فالأتراك يضيفون هذه اللاحقة «جي» لكل كلمة 
ممكنة للدلالة على المهنة. انظري إلى اسم عائلتناء إنه «قازان - جي . 
فقد كنا نصنع القدور. وأرى الآن أن الأرمن يفعلون الشيء ذاته. 
تشكماك . . . تشکمکجي» تشکمکجي - یان». 

«إذن هذا شيء مشترك آخراء قالت أرمانوش مبتسمة. فقد كان ثمة 
شيء في الخالة زليخة أحبته على الفور. هل كان أسلوبها المرح» وحلقة 
الأنف الملفتة للنظر تلك والتنانير القصيرة جدأء أو المكياج المفرط الذي 
تضعه؟ أم نظرتها؟ فقد كانت تجعل المرء يثق بها دون أن يطلق عليها 
أحكاماً. 

«انظري» لدي عنوان البيت)» قالت أرمانوش وأخرجت قصاصة من 
الورق من جيبها: «لقد ولدت جدتى شوشان فى هذا البيت. إذا كان 
بإمكانكن أن تساعدنني في الذهاب إليه» أريد أن أذحب وأزوره في وقت 
ما) , 


Twitter: @ketab_n 


فيما راحت الخالة زليخة تقراً قصاصة الورق» لاحظت آسيا أن ثمة 
شا يضاق الال دة ققد آخذت تلق تطرات مرن إلى بات 
خطر» ولا تعرف کیف تتخلص منه . 

مالت آسيا إلى جانب» وأحنت ظهرها فوق رر البيلاف» وتمتمت 
لخالتها المجنونةء «أنت» ما خطبك؟». 

انحنت الخالة فريدة أيضاً إلى جانب» واحدودبت فوق البيلاف الذي 
يتصاعد منه البخار» وهمست والشرر يتصاعد من عينيها الخضراوين 
الرماديتين: «لقد سمعت قصصا عن أرمن يعودون إلى بيوتهم القديمة 
ليستخرجوا الصناديق التي كان أجدادهم قد خبأوها هناك قبل أن يهربوا»» 
وألقت نظرة جانبية بعينيها ورفعت صوتها قليلاً وقالت لاهثة: «ذهب 
ومجوهرات»» ثم توفت لتفكر قليلاً بما قالته إلى أن توصلت إلى اتفاق 
مع نقسها: ذهب ومجوهرات!) . 

استغرقت آسيا بضع ثوان أخرى لتفهم عما تتحدث خالتها. 

«تفهمين ما أقوله» لقد جاءت هذه الفتاة إلى هنا لتتعقّب صندوقاً من 
الكنزا» أضافت الخالة فريدة مستثارة» وراحت تمعن الآن فى محتويات 
صندوق خيالي» وجهها يتوهج بروح المخامرة ووهج الياقوت . 

صحيح»» قالت لها آسياء «ألم أخبرك هذا؟ أنها عندما نزلت من 
الطائرة» كانت تحمل مجرفة وتدفع عربة يد بدلا من أمتعة. . .». 

«أوه» اصمتی !»»› ردت الخالة فريدة بسرعة» وقد شعرت بالإإهانة. 
ثنت ذراعيها ومالت إلى الوراء. 

فی هذه الأثناىء وبعد أن اقتا سیا ای نتر من ورا زيارة 
لكن لماذا غادرت؟) . 


Twitter: @ketab_n ۹1۴ 


كانت آرمانوش تنتظر بتوق أن يُطرح عليها هذا السؤال» لکنها لم تكن 
ترغب في الإجابة عنه. فأليس من المبكر جداً أن أخبرهن؟ إلى أي حد 
ينبغي لها أن تكشف عن قصتها؟ إن لم يكن الآن» فمتى؟ لماذا يتعين 
عليها أن تنتظر؟ أخذت رشفة من كأس الشاي . وبصوت فاتر» يكاد يكون 
راهنا قالت: «لقد أرغمرا على المقادرة. عندنا قالت ذلك» لدعي تعها 
على الفور. رفعت ذقنها وأضافت: «كان والد جدتي» هوفانيس 
ستامبوليان» شاعراً وكاتباً.. كان رجلا بارزاً» محترماً في المجتمع». 

«ماذا تقول؟» لكزت الخالة فريدة» التى فهمت النصف الأول من 
اا او 

«تقول إن عائلتها كانت عائلة بارزة في إستانبول»» همست لها آسيا. 

«ديديم سانا ألتون ليرالار إيشين غيلميش أولمالي. . . قلت لك إنها 
جاءت إلى هنا لتكتشف صندوقاً من العملة الذهبية» . 

أجالت آسيا بنظرهاء وقالت بدرجة أقل من السخرية كانت تتعمدهاء 
قبل أن ترکز على قصة آرمانوش . 

«قالوا لى إنه كان أديباً يحب القراءة والتأمل أكثر من أي شىء آخر فى 
هذا العالم . وتقول جدتي إنني أذكرها به. فنا أيضاً حب الكتب كثيراهء 
أضافت أرمانوش بابتسامة خجولة. 

بادلتها بعض المستمعات الابتسامة» وعندما انتهت الترجمة» بادلتها 
المستمعات جميعهن الابتسامة. 

«لكن لسوء الحظ كان اسمه في القائمة». قالت أرمانوش وهي تجس 

«أي قائمة؟» أرادت الخالة شكرية أن تعرف . 

«قائمة المثقفين الأرمن الذين تقرر التخلص منهم. القادة السياسيون» 
الشعراءء الكتّاب ٠‏ رجال الدين . . . كانوا مائتين وأربعة وثلائين شخصا» . 


Twitter: @ketab_n 4۹۳ 


«لكن لماذا ذلك؟» سألتها الخالة بانو» وهو سؤال تجاهلته أرمانوش . 


«في يوم السبت» ۲١‏ نيسان» وفي منتصف الليل» ألقي القبض على 
العشرات من رجالات الأرمن.البارزين الذين كانوا يعيشون فى إستانبول» 
ادوا بالفرة إلى مقر القرطة, كارا يعم يرون ثلا أنقة وكانم 
ذاهبون إلى حفلة رسمية. كانوا يرتدون بدلات أنيقة. وكانوا جميعهم 
أدباء. وظلوا في مقر الشرطة دون سبب إلى أن رُحُلوا أخيراً إما إلى أياش 
أو إلى تشانكيري . وكانت أحوال الذين كانوا فى المجموعة الأولى أسوأً 
من الذين كانوا في المجموعة الثانية . اک فی ا عا 
الحياة. أما الأشخاص الذين أخذوا إلى تشانكيري فقد فتلوا بالتدريج . كان 
جدي من بين هذه المجموعة. إذ استقلوا القطار من إستانبول إلى 
تشانكيري تحت حراسة الجنود الأنراك. وساروا على أقدامهم مسافة ثلاثة 
أميال من المحطة إلى البلدة. كانوا يعاملون حتى ذلك الحين بطريقة 
لائقة. وخلال سيرهم من المحطةء كانوا ينهالون عليهم بالضرب بالعصي 
ومقابض الفؤوس . وفقد الموسيقار الأسطوري كوميتاس عقله بسبب ما 
رآه. وعندما وصلوا إلى تشانكيري أطلق سراحهم بشرط واحد: ألا 
يغادروا البلدة. لذلك استأجروا غرفاً هناك وعاشوا مع أهالي البلدة. 
وكان الجنود يأخذون اثنين أو ثلاثة منهم إلى خارج البلدة كل يوم ثم 
يعود الجنود وحدهم. وفي أحد الأيام أخذ الجنود جڏي في نزهة أيضاً» . 

راحت الخالة بانوء التي كانت لا تزال تبتسم» تتلفت يميناً ويساراً. 
في البداية إلى أختها ثم إلى ابنة أختهاء لترى من سيترجم لها كل هذا 
لكن لمفاجأتها بدت علامات الحيرة على وجِهِيْ المترجمتين . 

«على أي حالء إنها قصة طويلة. ولن أضيّع وقتكن بجميع 
التفاصيل . عندما مات أبوهاء كان عمر جدّتى شوشان ثلاث سنوات. 
وكان لها أربعة أشقاء» كانت هي أصغرهم والفتاة الوحيدة. وأصبحت 
العائلة بدون أب. وترمّلت أمٌ جدتي . وبعد أن وجدت صعوبة في البقاء 


Twitter: @ketab_n 4٤ 


فى إستانبول مع الأطفال» لجأت إلى بيت أبيها في سيواس. لكن ما أن 
وصلواء حتى بدأت عملية الترحيل. وقد صدرت الأوامر لأفراد العائلة بأن 
يغادروا البيت وأن يتركوا ممتلكاتهم»› وساروا مع آلاف آخرين إلى مكان 
مجهول؟ . 

أمعنت أرمانوش النظر في المستمعات إليهاء وقرّرت أن تنهي القصة. 


ساروا وساروا. وماتت آم جدتي على الطريق» وبعد فترة وجيزة 
مات المسنون أيضاً. وعندما لم يتبق لهم آباء يعتنون بهم» فقد الأطفال 
الصغار أحدهم الآخر في وسط هذه البلبلة والفوضى. لكن بعد شهور 
عديدة» التأم شمل الأخوة بأعجوبة في لبنان بمساعدة مبشّر كاثوليكي . 
وكانت جدتي شوشان الأخت المفقودة الوحيدة التي نجت. ولم يسمع 
أحد عن مصير الطفلة» ولم يعرف أحد أنها قد أعيدت إلى إستانبول» 
وأودعت في ملجأ للأيتام؛ . 

ومن زاوية عينهاء عرفت آسيا أن أَمَها كانت تنظر إليها الآن باهتمام 
شديد. ففي البدء» توفعت أن تقول لها الخالة زليخة إنها تستهجن هذه 
القصَة وهي تترجمهاء لكنها أدركت آنذاك أن ما كان يومض في عينيّ أمَها 
المندهشتين لم يكن سوى اهتمام بقَصّة آرمانوش. وربما كانت تتساءل 
أيضاً إلى أي قدر ستقوم ابنتها المشاكسة بترجمته لنساء القازانجي . 

وأضافت أرمانوش بهدوء: «وأمضى أخ جدتي شوشان الأكبر عشر 
سنوات كاملة حتى تمكن من العثور عليها. وعثر عليها أخيراً عم والد 
يرفانت» وأخذها إلى أمريكا لتنضم إلى أقاربها» . 

أمالت الخالة بانو رأسها إلى أحد الجانبين وراحت تلف خرزات 
مسبحتها العنبرية حول أصابعها ذات العظام الناتثة التي لم تشهد طلاء 
أظافر على الإطلاق» وهي تبرطم طوال الوقت: كل من عليها فان ويبقى 
وجه ربك ذو الجلال والإكرام#. 


Twitter: @ketab_n 4 


لكت لا أفهم٠»‏ كانت الخالة فريدة أول من أثارت الشكوك. «ماذا 
حدث لهم؟ هل ماتوا لأنهم ساروا على أقدامهم؟» . 

قبل أن تترجم ذلك نظرت آسيا إلى أمَها لترى إن كان عليها أن 
تواصل الترجمة . فرفعت الخالة زليخة حاجبيها وهزت رأسها. 

عندما طرح عليها هذا السؤالء توقفت أرمانوش لوهلة» وقبل أن 
تجيب راحت تداعب قلادة القديس فرانسيس الأسيسي المدلاة على عنقها 
التي كانت قد منحتها لها جدتها. رأت ما- الهيفاء تجلس في الطرف 
الآاخر من المائدة» ببشرتها الشاحبة التي تحمل تجاعيد سنين كثيرة» تحدق 
فيها بتعبير ينم عن حنان شديد إلى درجة أن أرمانوش شكت بوجود 
احتمالين اثنين فقط : إما أنها لم تكن تولي اهتماماً بالقضّة على الإطلاق»› 
وأنها لم تكن معهن» أو أنها كانت تصغي باهتمام شديد إلى حد أنها 
عاشت أحداث القضة» وسرحت بعيداً ولم تعد معهن في هذا المكان. 

ار موا هن الما والطعام والراة. وأرقنرا على السير سبافة ظوياة 
على الأقدام. النساء كان بعضهن حوامل» والأطفالء والمسنون» 
والمرضى» والضعفاء. ثم انخفض صوت أرمانوش وقالت: «ومات 
الكثيرون جوعاً. Cu‏ 

في هذه المرة» ترجمت آسيا كل شيء دون أن تترك كلمة واحدة. 
«ومن قام بهذا العمل المتوحش؟» صاحت الخالة شكرية وكأنها تخاطب 
تلاميذ صفها المشاغبين . 

شاركت الخالة بانو أختها في ردَة فعلهاء مع أن ردة فعلها كانت تنحو 
نحو عدم التصديق أكثر منها للغضب. كانت عيناها مفتوحتين على 
وسعهماء وأخذت تعقد طرفي منديل رأسها كما تفعل دائماً عندما تكون 
متوترة» ثم تنهدت وهمهمت بدعاء كدأبها عندما لا يوصلها عقد طرفي 
منديلها إلى مكان. 


Twitter: @ketab_n ۹١ 


«خالتي تسأل من فعل ذلك؟» قالت آسيا. 

«الأتراك فعلوا ذلك»ء أجابت أرمانوش» دون أن تولي أي اهتمام 
لعواقب ذلك . 

«يا للعار» يا لها من خطيئةء ألم يكونوا إنسانيين؟»» قالت الخالة 
فريدة . 


«بالطبع لاء فبعض الناس وحوش»» أعلنت الخالة شكرية دون أن 
تفهم أنه قد تكون النتائج أكثر تعقيداً بكثير مما قد تقر به . فخلال عشرين 
سنة من عملها كمعلمة تاريخ القومية التركية» اعتادت أن ترسم حداً فاصلاً 
بين الماضي والحاضرء مميّزة بين الإمبراطورية العثمانية والجمهورية 
التركية الحديثة» وقد سمعت الآن هذه القصّة وكأنها أخبار كئيبة قادمة من 
بلاد بعيدة. فقد أشست الدولة الجديدة في تركيا في عام ۱۹۲۳» وهذا 
أكثر حد يمكن أن يصل إليه هذا النظام. ومهما حدث أو لم يحدث قبل 
هذا التاريخ» كان بالنسبة لها مسألة تتعلق بحقبة أخرى - وبشعب آخر. 

راحت أرمانوش تنقل عينيها من واحدة إلى أخرى» مرتبكة. وشعرت 
بالارتياح عندما تبين لها أن العائلة لم تتلق القَصَة بشكل سيء كما كانت 
تخشى» لكنها لم تكن متأكدة إن كن قد استوعبن القصة حقاً. فهن لم 
يرفضن تصديقهاء ولم يهاجمنها بجدال معاكس» بل أصغين إليها باهتمام» 
وبدا عليهن جميعهن الأسف. لكن هل هذا هو الحذ الذي يصل إليه 
رثاء‌هن؟ وماذا کانت تتوقع منهن؟ ارتبکت أرمانوش وتساءلت إن كان 
الأمر سيختلف لو كانت تحذّث مجموعة من المثقفات . 

ظنت أرمانوش أنها قد تسمع منهن اعترافاً بالذنب» إن لم يكن 
اعتذاراً. لكن ذلك الاعتذار لم يأت» لا لأنهن لم يتعاطفن معهاء فقد 
أحسسن بالتعاطف معهاء بل لأنهن رأين أنه لا توجد أي صلة تربط بينهن 
وبين مرتكبي هذه الجرائم . أما هي» بصفتها أرمنية» كانت تجسّد أرواح 


Twitter: @ketab_n 14۷ 


أجيال شعبها والأجيال السابقة» فيما لم تكن لدى التركي العادي فكرة 
التواصل مع أسلافه وأجداده. فالأرمن والأتراك يعيشون في إطار زمني 
مختلف . فالزمن بالنسبة للأرمن دورة تجسّد فيها الماضي في الحاضر» 
والحاضر يولد المستقبل . أما الأتراك» فالزمن بالنسبة لهم خط متقطع» فيه 
فواصل عديدة» انتهى فيه الماضي عند نقطة محددة وبدأً الحاضر مجدداً 
من نقطة الصفر» ولم يكن يوجد سوى خط فاصل في الوسط . 

«لكنكِ لم تأكلي شيئاً. هيا يا طفلتي» فقد قطعت مسافة طويلة» كلي 
الآن»» قالت الخالة بانو» لتحوّل الموضوع إلى الطعام» أحد العلاجين 
اللذين كانت تعرفهما لعلاج الحزن. 

«إنه طیب کثیراًء شکراً لکر٤»‏ وأمسکت أرمانوش شوكتها. ولاحظت 
أنهن يطهين الررًّ كما تفعل جدتهاء بالزبدة وتضع فوقه حبّات الصنوبر 
المقلية. 

«طيب» طيب! كلي» كلي»» راحت الخالة بانو تومئ بأقوى ما 

بقلب حزين» رأت آسيا أرمانوش تقبل العرض بتهذيب وتمسك 
شوكتها لتعود إلى الغابورغا التي راحت تتناولها. أما هي» فقد أطرقت 
برأسهاء وفقدت شهيتها. لا لأنها استمعت إلى قصَة ترحيل الأرمن لأول 
مرة» بل كانت قد سمعت أشياء عن ذلك من قبل»ء والبعض يقبلون»› 
والكثير يرفضون. لكنها كانت تجربة مختلفة تماما عندما سمعت القَصَة من 
شخص من لحم ودم. إذ لم يسبق لآسيا أن التقت بشاب يحمل ذاكرة 
قديمة جدا. 

لكن العدميّ في داخلها لم يستغرق وقتاً طويلاً كي تطرد الإحساس 
بالضيق من نفسها. هزت كتفيها باستهجان. مهما يكن! فالعالم سيء في 


Twitter: @ketab_n ۹۸ 


جميع الأحوال. الماضي والمستقبلء هنا وهناك. .. كل شيء هو ذاته. 
التعاسة ذاتها في كل مكان. فإما أن الله غير موجود أو أنه بكل بساطة 
مترفع عن رؤية الشقاء الذي ألقى بنا إليه. إن الحياة حقيرة وقاسية» وأشياء 
أخرى كثيرة سئمت من معرفتها منذ زمن بعيد. انزلقت نظرتها الضبابية 
نحو الشاشة حيث كان دونالد ترمب التركي يستجوب الأعضاء الثلاثة 
الذين يستحقون اللوم من المجموعة الخاسرة. فقد تبين أن اللباس الذي 
صمموه لفريق كرة القدم سيء للغاية إلى حد أن معظم الرياضيين 
المتساهلين رفضوا ارتداءه. وقد حان الآن طرد واحد منهم . وکأنه ضغط 
على زر فقد أخذ المتنافسون الثلاثة يكيلون الشتائم لأحدهم الآخر كي لا 
يكون هو الشخص الذي سيطرد. 

ابتسمت آسيا بترفع . هذا هو العالم الذي نعيش فيه. التاريخ»› 
السياسة» الدين» المجتمع» المنافسة» التسويق» السوق الحرَة» الصراع 
على السلطة» في حنجرة أحدهم الآخر للحصول على لقمة أخرى من 
الانتصار. . . وبالتأكيد أنها لم تكن بحاجة لأيي من هذا وكل ذلك. . 
الخراء. 

استعادت آسيا الآن شهيتها وهي لا تزال تنظر إلى الشاشة» فدفعت 
كرسيها إلى الأمام وبدأت تملأ صحنها. أخذت قطعة كبيرة من الكابورغا 
وراحت تلتهمها. وعندما رفعت رأسهاء التقت عيناها بنظرة أمّها الثاقبة . 


KE ¥ ¥ 


بعد العشاء» عادت أرمانوش إلى غرفة البنات لتجري مكالمتين 
هاتفيتين . ففي البداية» اتصلت بسان فرانسيسكو» ووقفت وجها لوجه أمام 
ملصق جوني كاش على الجدار فوق طاولة المكتب مباشرة. 

«جدتي» هذه أنا؛» صاحت مستثارة» لكنها توففت على الفور: «ما 
هذه الضوضاء في الخلفية؟». 


Twitter: @ketab_n 44 


«أوه» لا شيء يا حبيبتي»» جاء الرّد» «إنهم يصلحون الأنابيب في 
الحمَّام. تبين أن عمك ديكران عبث بها في ذلك اليوم. اضطررنا 
لاستدعاء سباك . أخبريني كيف حالك؟». 

أخذت أرمانوش التي كانت تتوقع هذا السؤالء تتحدث عن روتينها 
اليومى فى أريزونا. أحست بالضيق بسبب هذه الخدعة» فكيف يمكنها أن 
تقول لها: «أنا لست في أريزونا. بل في المدينة التي ولدت فيها؟ . 

بعد أن أغلقت الخط, انتظرت بضع دقائق. أخذت نفساً عميقاًء 
وتمالكت شجاعتهاء وأجرت اتصالها الثاني . وقد قرّرت هذه المرة أن 
تلتزم الهدوء وألا تبدو محبطة - وهو وعد وجدت من الصعب أن تلتزم به 
وهي تسمع صوت أمَها المتوتر. 

«آمي» حبيبتي» لماذا لم تتصلي من قبل؟ كيف حالك؟ كيف الطقس 
في سان فرانسيسكو؟ هل يعاملونك جیداً؟٤.‏ 

«نعم يا آمَي . أنا بخير. إن الطقس » أسفت أرمانوش لأنها لم تطلع 
على أحوال الطقس في سان فرانسيسكو على الإنترنت» «جيدا» توجد 
رياح قليلة » كالعادة 

«نعم»» قاطعتها روز: «لقد اتصلت بك عدة مرات لكن كان هاتفك 
الخلوي مغلقاً. أوه» كنت قلقة عليك كثيراً!». 

«ماماء أرجوك اسمعيني»ء قالت أرمانوش» مندهشة لنبرة التصميم في 
صوتها: «لا أشعر بالراحة عندما تواصلين الاتصال بي في بيت جدتي . 
لنتفق على شيء» حسناً؟ دعيني اتصل بك أنا ولا تتصلي بي. أرجوك». 

«هل طلبوا منك أن تقولي هذا؟» سألت روز على نحو مريب الاء 
ماماء طبعاً لا. بحق اللهء أنا من يطلب منك ذلك». 


بتردد» قبلت روز هذا الشنرط : وراحت تتذمر من عدم وجود وقت 


Twitter: @ketab_n 


كاف لديهاء فقد كانت أيامها منقسمة بين البيت والعمل. إلا أن معنوياتها 
ارتفعت عندما قالت إنه توجد حسومات في مخزن هوم ديبو» وإنها هي 
ومصطفى وافقتا على شراء خزائن جديدة للمطبخ . 

«قولي لي رأيك»» قالت روز بحماس: «ما رأيك بخشب الكرز؟ هل 
تظنین أنه سبدو جيداً في مطبخنا؟» . 

«نعم» أظن ذلك. .٠..‏ 

«أظن ذلك أيضاً. لكن ماذا عن خشب البوط الغامق؟ إنه أغلى بقليل 
لكن فيه فخامة . أي منهما تظنين أفضل؟» . 

«لا أعرف» ماماء البلوط الغامق يبدو جيداً أيضا» . 

«نعم» لكك لا تساعدينني كثيرأً؛ء أطلقت روز تنهيدة . 

عندما أغلقت الهاتف» تطلعت أرمانوش حولها وأحست بنفور عميق . 
بسط تركية» مصابيح قديمة بجانب السريرء أثاث غير مألوف» وكتب 
وصحف تتكلم لغة أخرى. .. وفجأة أحسّت برعب لم تشعر به منذ أن 
كانت طفلة صغيرة . 

فعندما كانت أرمانوش في السادسة من عمرهاء نفد البنزين من سيارة 
أمها عندما كانت هي وأمَها في مكان مجهول من أريزوناء وکان عليهما أن 
تنتظرا زهاء ساعة قبل أن تمر سيارة في الطريق. رفعت روز إبهامها 
وتوقفت شاحنة لتقلهما. وفى الشاحنة كان يجلس رجلان فظانء مفتولا 
ا ی ا ا ا و راا ی م لري 
التالية . وعندما نزلتا واختفت الشاحنة» ضمت روز أرمانوش إليها وعانقتها 
وهي ترتعش» وتبكي مذعورة: «يا إلهي» ماذا لو کانوا ناسا سيئين؟ کان 
من الممكن أن يختطفونناء يغتصبونناء ويقتلونناء ولن يجد أحد جسدينا. 
كيف كان بإمكاني أن أتحمل هذه المخاطرة؟) . 


Twitter: @ketab_n 


مع أن الأمر لم يكن مأساوياً إلى تلك الدرجة» اعترى أرمانوش شعور 
مماثل الآن. فها هي الآن في إستانبول تقيم في بيت يضم غرباء دون أن 
يعرف أحد في عائلتها ذلك. كيف يمكنها أن تتصرّف بهذا الاندفاع 
والطيش؟ 


ماذا لو کانوا أناساً سیئین؟ 


Twitter: @ketab_n 9 


۹٩ 
قشور البرتقال‎ 


في صباح اليوم التالي» غادرت آسيا قازانجي وآرمانوش تشکمکجیان 
القناق وذهبتا للبحث عن البيت الذي ولدت فيها الجذة شوشان. وجدتا 
الحيّ بسهولة - حي غني» ساحر»ء في الجانب الأوروبي من المدينة. لكن 
لم يعد ثمة وجود للبيت الذي انتصبت مكانه عمارة سكنية بخمسة طوابق. 
وقد احتل الطابق الأول كله مطعم سمك فاخر. وقبل أن تدخلا المطعم» 
نظرت آسيا إلى انعكاس صورتها في الزجاج» وسوّت شعرها وهي تنظر 
إلى نهديها باستياء. 

وبما أن الوقت كان لا يزال مبكراً جداً لتناول طعام العشاءء لم يكن 
في المطعم سوى حفنة من الندل الذين كانوا يكنسون آثار الليلة السابقة. 
وفي المطبخ» كان هناك طباخ بدين ذو خدين ورديين ممتلئين»› يعد 
المازاوات والوجبات الرئيسية تحت سحابة من الروائح المسيلة للعاب. 
راحت آسیا تتکلّم مع کل واحد منهم» وتسألهم عن ماضي البناية. لكن 
الندل قالوا إنهم هاجروا من قرية كردية في جنوب شرق البلدء وجاؤوا إلى 
المدينة مؤخراًء أما الطباخ»ء الذي عاش فترة أطول في إستانبول» فلم 
يتذكر شيئاً عن تاريخ الشارع . 

«من بين العائلات الإستانبولية العريقة» لم يبق منها إلا عدداً قليلاً في 


Twitter: @ketab_n °۳ 


مقط رأسها»» أوضح الطباخ بنبرة العارف» وهو يفرع أحشاء سمكة ` 
مكريل ضخمة كان ينظفها. 

«کانت هله المدينة عالمية ذات وم٤۰‏ تاب الطباخ» وهو يكسر العمود 
الفقري لسمكة مكريل فوق ذيلهاء ثم تحت رأسهاء «كان عندنا جيران 
یهود» عدد کبیر منهم. وکان عندنا جیران يونانیون أيضاأء وجيران 
أرمن. . . ندا كنت صغيرا كنت أشحرى السك من صبادى السك 
اليونانيين» وكانت خيّاطة أمَي أرمنية» وكان رئيس أبي في العمل يهودياً. 

«إسأليه لماذا تغيّرت الأمور»» التفتت آرمانوش إلى آسيا. 

«لأن إستانبول ليست مدينة)» قال الطباخ» وجهه مضيء بأهمية الكلام 
الذي كان على وشك أن يقوله: «إنها تشبه المدينة» لكنها ليست كذلك. 
إنها مدينة مراكب . إننا نعيش في سفينة!». 

أمسك السمكة من رأسها وراح يحرك العمود الفقري ذات اليمين 
الخزف» وخافت أن تتهشم إلى قطع في يدي الطباخ. وبعد بضع ثوان» 
استطاع الرجل أن يخرج الحسك كله من داخل السمكة. سعيداً بنفسه» 
اليهود يذهبون» والروس يأتون» فالحيّ الذي يسكن فيه أخي مكتظ 
بالمولدوفيين . . . وغداً سيذهبون» وسيأتي آخرون. هکذا هي . . ٠.‏ . 

شكرتا الطباخ وألقيتا نظرة أخيرة إلى سمكة الماكريل التي سُتحشى» 
والتي کان فمها لا یزال فاغراً. 

خرجتا من المطعم» آسيا خائبة» وآرمانوش حزينة» وشاهدتا مشهد 
البوسفور الرائع تحت الشمس الشتائية المتأخرة. ظللتا أعينهما بيديهما 


Twitter: @ketab_n 


لاتقاء الشمس. أخذتا كلاهما نَمَسَاً عميقاًء وعرفتا في الحال أن الهواء 
يحمل نسائم الربيع . 

لم تكن لديهما خطط أفضل» وراحتا تتمشيان في الحيّْء واشترتا شيئاً 
من كل بائع تقريباً في الشارع وقعت عينيهما عليه : ذرة مسلوقة حلوة» بلح 
بر مى اة بالسميدة وات ريغا ارا فرطاسا كرا هن يلر غاد 
الشمس. زف کل شو جدید کانتا تشتریانه» کانتا تدخلان في حدیث 
جديد» وتحدثتا عن أشياء عديدة» ما عدا المواضيع الثلاثة التي لا يمكن 
لفتاتين شابتين لا تزال إحداهما غريبة عن الأخرى أن تخوض فيها وهى : 
الجنن» والرجال» والاباء. 1 

«لقد أحببت عائلتك»» قالت آرمانوش» ثم أضافت : «إنهن مفعمات 
بالحياة) . 


«نعم» بالتأكيد» حدثيني عن ذلك»» قالت آسيا معترضة» وخشخشت 
أساورها العديدة. فقد كانت ترتدي تنورة طويلة خضراء هيبية مطبوع عليها 
زهرة كستنائية» وحقيبة مرفعة» وتضع عدداً كبيراً من القلائد ذات الخرز 
الزجاجي» وترتدي أساور وخواتم فضية في كل إصبع تقريباً. وأحست 
آرمانوش التي ترتدي بنطال جينز وجاكيت من التويد» بأنها أدنى منها 
قليلاً . 


«هناك جانب سلبي»ء قالت آسيا: «من الصعب أن تولدي في منزل 
ود اء رك دهن الل درت أن بك بهن ؛ الرل الذي 
تكونين فيه الطفلة الوحيدة» والذي يجب أن تكوني فيه بالغة أكثر من 
جميع البالغين من حولك. إني أشعر بالامتنان لأنهن أرسلنني إلى أفضل 
المدارس» وحصلت على أفضل تعليم» بل وربما حصلت على أفضل 
تعليم في هذا البلد. لكن المشكلة أنهن يردنني أن أصبح كل شيء لم 
يستطعن هن أنفسهن أن ينجزنه في الحياة. أتفهمين ما أعنيه؟» . 


Twitter: @ketab_n 0 


کانت تخشی ألا تفهم آرمانوش ما تقوله . 

«لذلك» كان على أن أحرّك مؤخرتي كي أحقق جميع أحلامهن في 
وقت واحد. فقد بدأت أتعلم اللغة الإنكليزية عندما كنت في السادسةء 
وكان الأمر سيكون جيداً لو أنهن توقفن عند هذا الحد. وفي السنة التاليةء 
أحضرن لي معلَّماً خصوصياً لأتعلم الفرنسية. وفي التاسعة» أرغمنني على 
دراسة الكمان سنة بكاملهاء مع أنه لم يكن لدي لا الاهتمام ولا الموهبة. 
ثم افتتحت ساحة جديدة للتزحلق على الجليد بالقرب من بيتناء فقررت 
خالاتي أنني يجب أن أتدرب على الجليد. فقد كن يحلمن بأني أرتدي 
فساتين براقة وأرقص برشاقة على أنغام نشيدنا الوطني . وأن أكون كاتارينا 
وايت التركية! وسرعان ما كنت هناك أف وأدور على الجليد» ووقعت 
كثيراً على مؤخرتي أثناء محاولتي الرقص! إن صوت خربشة الزلاجات 
على الجليد لا يزال يبعث الرعشات في أسفل عمودي الفقري». 

بدافع من المجاملة» حرصت آرمانوش على ألا تضحك» مع آنها 
وجدت أنه من الصعب مقاومة صورة آسيا وهى ترقص على الجليد فى 
مسابقة دولية. ۰ ٠‏ 

او و ی ا و فإذا تدربت 
جيدا» يمكنني أن أصبح عداءة مدهشة» وأمتل تركيا في مباريات الألعاب 
الأولمبية! هل تستطيعين أن تتخيّليني وأنا أشارك في ماراتون للنساء بهذين 
اللديين الكبيرين» بحق الله!». 

لم تتمالك آرمانوش نفسها عن الضحك هذه المرة. 

«لا أعرف كيف تفعل ذلك جميع تلك العداءات» فكما تعرفين فإن 
صدورهن جميعهن مسطحة كالرخام. لا بد أنهن يتناولن هرمونات ذكورية 
کي يفرغن أثدائهن. أما الان امطالي فن بلقن اجن عاتم إن 
هذا يخالف أساسيات قوانين الفيزياء. فالجسم يتقَدَم إلى الأمام» وتزداد 


Twitter: @ketab_n 


سرعته حسب قانون التسارع . ویتناسب مقدار التغيير في سرعتك مع مقدار 
القوة المضغوطة على الجسم وفي ذلك الاتجاه. ثم ماذا يحدث؟ يتسارع 
الثديان أيضاًء رغم أنهما يتحركان بإيقاع متنافر» إلى الأعلى وإلى الأسفلء 
وفي النهاية فهما يخففان من سرعتك . قانون العطالة بالإضافة إلى قانون 
الاذيةا لا توجد أي إمكانية للفوز. أوه» كان أمراً محرجاً للغاية!» 
صاحت آسيا بحماس : «الحمد لله فقد انتهت تلك المرحلة بسرعة. 
وبعد ذلك» بدأت دروساً في الرسم» وللأسف جعلنني آخذ دروساً في 
الباليه إلى أن اكتشفت أمي مؤخراً أنني أتغيّب عن الدروس» وتوقفت عن 
ذلك». 


أومأت آرمانوش بألفة شخص يماهي أجزاء من قصتها الشخصية في 
قصة أخرى. يمكنها أن تتعلّق بمثل هذا الحبَ الغامر من جانب عمّاتهاء 
لكنها لا تشعر بالارتياح عندما تتحدث عن ذلك. وعوضاً عن ذلك» 
سألت: «ثمة شيء لم أتمكن من فهمه. إن السيدة التي جئت معها إلى 
المطارء السيدة ذات الحلقة في أنفها»» أطلقت آرمانوش ضحكة لكنها 
تمالكت نفسها على الفور: «زليخة. . . إنها أمّك» أليس كذلك؟ لكنك لا 
تنادینها ماما. . . هل هذا صحیح»؟ 

«صحيح . إنه أمر مربك بعض الشيء. وكان ذلك يربكني أنا نفسي 
أحيانا»» قالت آسيا وهي تشعل أول سيجارة في هذا اليوم . وشعرت الآن 
بكراهية آرمانوش للسجائر» ومع آنها كانت لا تزال تدرس شخصية 
صديقتها الجديدة» صنَّفت آسيا آرمانوش بأنها «فتاة جيدة السلوك». فإذا 
تبين أن تدخين سيجارة يعتبر كفراً في أسلوب الحياة العقيم هذاء قالت 
ایا لی ھی لن کی امار من ر عات سے ای ها 
نفشت هبة من الدخان فيي الاتجاه المعاكس» بعيداً عن آرمانوش بقدر ما 
تستطيع » إلا أن الريح سرعان ما أعادتها إليها. 


Twitter: @ketab_n 


«حتى أننى لا أتذكر جيداً متى بدأت أنادي أمّى «خالتى». ربما منذ 
الات سد ال تاه جاب آسا: ا 

کان صوت آسيا أشبه بصوت همس لكن عينيها كانتا متقدتين» فقد 
قالت: «كما ترين»› فقد نشأت مع كل تلك الخالات وهن يؤدين دور 
الأمّ. إن مأساتي هي أنني كنت بطريقة ما الطفلة الوحيدة بين تلك النساء 
في أسرتنا. فالخالة فريدة» كما يمكن أن تكوني قد لاحظت» تشبه 
الطاووس قليلاًء وهي لم تتزوج مطلقاً. وقد تنقلت بين وظائف عديدة. 
وكانت بائعة ممتازة عندما كانت تمر في مرحلتها الهوسية. وكانت الخالة 
شكرية سعيدة في زواجهاء لكنها فقدت زوجها ومتعتها في الحياة» 
فكرّست نفسها لتعليم التاريخ القومي التركي . بيني وبينك» أظن أنها لا 
تحبً الجنس» وأنها تجد أن حاجات الجسم الإنساني مقززة! وهناك بانوء 
أكبر الخالات . إنها ملح الأرض» وهي ما زالت متزوّجة على الورق» 
لکنھا نادراً ما تری زوجها. كان زواجها مأساوياً للغاية. وكان عندها ابنان 
رائعان» لكنهما توفيا. وكما تعرفين» فقد حلت اللعنة على رجال هذه 
العائلة. إنهم لا يعيشون طويلا. 

أطلقت آرمانوش تنهيدة متعبة» لا تعرف كيف تفسر هذه الملاحظة. 

كما ترين» يمكنني أن أفهم حاجة الخالة بانو للجوء إلى الله»» 
أضافت آسيا» وهي تمسد خرزات قلادتها: «المهم أنني عندما ولدت» 
وجدت نفسي محاطة بأربع خالات - آمَّي» أو أمَي - خالتي . فإما كان علي 
أن آناديهن جميعهن «ماما» أو أن أنادي أمَي «الخالة زليخة» وتبين لي أن 
هذا أسهل بكثير على نحو ما. 

«الكن ألم تشعر بالإهانة؟». 

جعّدت آسيا وجهها عندما لاحظت سفينة شحن صدئة تبحر في 
البحر. كانت تحب مشاهدة السفن وهي تنزلق على امتداد البوسقور» 


Twitter: @ketab_n ۰۸ 


تحلم بأآنها بخارة على متن سفينة» وكأنها تحاول أن ترى المدينة من خلال 
عينيي بخار لا يتوقف عن الحركة» بخار لا يوجد لديه ميناء يتوقف عنده» 
ال ا لأن يفعل ذلك . 

«شعرت بالإهانة؟ لا! كما ترين» فقد كانت فى التاسعة عشرة عندما 
حملت بي. ومع أن الأمر يبدو غريباًء لا بد أن عدم مناداتي لها «ماما» 
کان مریحاً لھا . لقد كن جميعهن «خالاتي»» وبطريقة ما جعل هذا اللقب 
خطيئة أمَي أقل بروزاً في نظر نظر المجتمع . فلم تكن هناك آم خاطئة يشار 
إليها بإصبع الاتهام. في واقع الأمرء أظن أنني شجعت على مناداتها 
«خالتي» على الأقل لفترة من الزمن» ثم أصبح من العسير علي أن أكسر 
هذه العادة) . 

«لقد أحببتها قالت آرمانوش» لكنها توقفت» مضطربةء «عن أي إثم 
تتکلمین؟) . 

«أوه» ولادة طفلة غير شرعية. إن أمَّى .» وجعّدت آسيا أنفها وهى 
ت عن الكل الخ ها٠‏ عة الأسرة المارة الترة الى 
ولدت طفلة خارج إطار الزواج». ۰ 

مرت ناقلة روسية» مرسلة مويجات إلى الشاطئ . 

كانت سفينة كبيرة» تحمل نفطاً. 

«لاحظت عدم وجود أب في البيت» لكنني قلت إنه قد يكون قد مات 
أو شيئاً من هذا القبيل؛» تلعثمت آرمانوش: «أنا آسفة» . 

«إنك آسفة لأن أبي ليس ميتأً» ضحكت آسياء وألقت نظرة سريعة 
إلى آرمانوش التي احمرَ وجهها. 

«لكنك محقّة» كما تعرفين»» قالت آسيا» ووميض الغضب فى 
يها «بعتريتى الشغور ذاته. عن لو كان أب قد مات: فن هذا 
القنرض سای فنا وغد اما بزیدی عضا فاا اظن آنه ق کرت 


Twitter: @ketab_n ۹ 


أي شخص . عندما لا تكون لديك فكرة من هو أبوك» فإن خيالك يملا 
الفراغ. ربما كنت أراه على التلفزيون» أو أسمع صوته في الراديو كل 
يوم» دون أن أعرف أنه أبي. أو ربما قابلته وجهاً لوجه ذات مرة» في 
مكان ما. أتخيّل أننى ربما استقليت الحافلة نفسها معه؛ ربما كان الأستاذ 
الذي أتكلم معه انتهاء الدرس» أو المصور الذي أذهب لمشاهدة 
معرضه» أو البائع المتجول هنا. . . ما أدراك». كانت تشير إلى ذلك 
الرجل الذي يتراوح عمره بين الخامسة والأربعين والخمسين» ذي الشارب 
الرفيع » تقبع أمامه في الواجهة الزجاجية عشرات المرطبانات الضخمة التي 
تحوي مخللات من جميع الأنواع» والذي تحوّل بمساعدة عصارة آلية» 
إلى عصير مخلل طازج. عندما لاحظ الرجل الفتاتين تراقبانه» ارتسمت 
على وجهه ابتسامة عريضة . فأشاحت آرمانوش بوجهها على الفور» فيما 
قطبت آسيا في وجهه . 

«أتقصدين أن أمَّك لم تخبرك من هو أبوك؟» سألت آرمانوش» برقة. 

«إن أمَّي نوع فريد من النساء! فهي لا تخبرني بشيء إلا إذا أرادت هي 
ذلك. إنها أكثر النساء عناداًء وأكثر النساء اللاتي يملكن إرادة حديدية 
يمكنك أن تصادفينها في حياتك . ولا أظن أن الأخريات يعرفن شيئاً عن 
شخصية أبي أيضاً. لا أظن أن أمَي قد أخبرت أحداً. على كل حال» حتى 
لو كن يعرفن شيئاً» فلن يخبرنني . لا أحد يخبرني شيئاً. فأنا منبوذة في 
هذا البيت» منفية إلى الأبد من أسرار أسرة مخيفة . فباسم حمايتي» 
فصلنني عنهن؟» وفصفصت اسيا بذرة عاد شمس ورمت القشرة» «ثم 
أصبحت تلك لعبة متبادلة - يفصلن أنفسهن عني» وأنا أفصل نفسي 
عنهن؟ . 

فى تلك اللحظة بالذات» أخذت الفتاتان تسيران ببطء. وعلى مسافة 
ف مر که عا رجل تن ارب ور دی مرد ي الجر 
وفيه عدد من المسافرين. كان يمسك سيجارة بيد» ويحمل باليد الأخرى 


Twitter: @ketab_n e 


شجرة جميلة من المناطيد بألوان براقة من الأصفر والبرتقالي والأرجواني . 
لعله كان بائع مناطيد مرهقاًء أباً لأطفال كثيرين» يسلك طريقاً مختصرة من 
شاطئ إلى آخر عائداً إلى بيته» دون أن يعرف كم كانت وقفته رائعة» وهو 
يجر سحابة من الألوان» وعموداً من الدخان فوق الأمواج الزرقاء. 

مأخوذتين بروعة المشهد» وقفت آرمانوش وآسيا وراحتا تراقبان 
القارب بصمت إلى أن اختفت جميع المناطيد في الأفق . 

«هل ترغبين في أن نجلس في مکان ما؟» سألتها آسياء وکأنها تعبت 
مما رأته. 

كان هناك مقهى رت في الهواء الطلق في مكان قريب . 

«إذن أخبريني» ما الموسيقى التي تحبينها؟» سألتها آسياء عندما وجدتا 
قدا فارغاً وطايتا يعفن المشروبات » فطلبت آسيا شاي باتلوة» وظليت 
آرمانوش كوك دايت بالثلج. كان السؤال محاولة واضحة لتتعرف عليها 
على نحو أفضل» لأن الموسيقى صلة آسيا الرئيسية بالعالم كله. 

«موسيقى كلاسيكية» موسيقى شعوب مختلفة» موسيقى أرمنية 
والجاز»» أجابت آرمانوش» «وماذا عنك؟». 

«أنا مختلفة قليلاً عنك)» واحمرَ وجه آسيا خجلا مع أنها لم تعرف 
سبب ذلك «لفترة من الزمن كنت أستمع إلى موسيقى قاسية - تعرفين› 
الموسيقى البديلةء البانك» بوست بانك» الميتال الصناعية» ميتال الموت»› 
الموجة السوداء المخدرة» وكذلك شيء من موسيقى سكاء الموجة الثالثةء 
وقليل من الموسيقى القوطية» هذا النوع من الموسيقى» . 

«حقا؟»» سألتها آرمانوش التي ترى أن هذه الموسيقى تعبْر عن الضياع 
التي يستمع إليها المراهقون المنحلون أو البالغون الذين لا يوجد لديهم 
اتجاه محدد والذين يملؤهم الغضب . 

«نعم» لكنني تعلقت بعد فترة بجوني كاش. وهكذا كان. ومنذ ذلك 


Twitter: @ketab_n 11 


الحين» توقفت عن الاستماع إلى أي شيء آخر. إني أحبَ كاش . لقد 
أصابني بكابة شديدة» لكني لم أعد مكتبة الآن» . 

«لكن ألا تستمعين إلى آي شيء محليْ؟ كالموسيقى التركية. . . 
الموسيقى التركة الفولكلورية» ١.‏ 

«الموسيقى الفولكلورية التركية!!! لا يمكننى ذلك أبداً!» «اصفقت 
آسيا بيديها بذعر وكأنها تحاول أن تلوح لبائع متجول ملحاح أن يبتعد 
عنها. 

لم تلح آرمانوش التي كانت تعرف حدودهاء بالسؤال أكثر. وخلصت 
إلى أنه ربما كان الأتراك يعانون من كراهية الذات. 

وضعت آسيا كأس الشاي جانباًء وأضافت» «إن الخالة فريدة تحب 
هذه الموسيقى . مع أني» لكي أكون صادقة معك» لا أستطيع أن أعرف 
في بعض الأحيان» إن كانت الموسيقى أم تصفيفة شعر المغنيات هي التي 
تجذب اهتمامها» . 

وفي منتصف عابة الكوك الدايت التي كانت تشربهاء سألت آرمانوش 
آسيا عن الكتب التي تقرأهاء بما أن الرواية كانت صلتها الرئيسية بالعالم. 
ا 

«كتب. أوه نعم» لقد أنقذت حياتي . فأنا أحب القراءةء لكني لا 
أحب الرواية. . .». 

دخلت مجموعة صاخبة من الصبيان والبنات إلى المقهى» وجلسوا 
إلى الطاولة المواجهة لطاولة آسيا وآرمانوش . وما أن جلسواء حتى بدأوا 
يسخرون من کل شخص ومن كل شيء. فأخذوا يسخرون من الكراسي 
البلاستيكية الحمراء الغامقة» ومن الواجهات الزجاجية التي تعرض 
سيرع من الفرطبات ومن الأخطاء في الرجية الإنكابة لمرد 
المدرجة في القائمة» ومن القمصان التي يرتديها الندل المكتوب عليها «أنا 
حب إ[تانبولة. مسبت آسيا وآرماتوش كرستهما إلى الأمام. 


Twitter: @ketab_n 1۲ 


«إني أقراً الفلسفة» وخاصة الفلسفة السياسية مثل بينجامين» أدورنوء 
غراميشي › وقليل من زيزيك . . . وخاصة ديليوز. هذا النوع من القراءات . 
إنى أحبّها. أحبَ الأشياء التجريدية. أحبً الفلسفة» وخاصة الفلسفة 
ا ا ا آچے ا و و ا و 
«وماذا عنك؟». 

عددت آرمانوش قائمة طويلة من كناب الرواية» معظمهم من الروس 
ومن أوروبا الشرقية . 

«أترين؟٤»‏ رفعت آسيا راحتي يديها» وكأنها تشير إلى ٠‏ الذي 
صنعتاه» u‏ تفضلينه في الحياة» فإنك أيضاً أفل إقليمية 
في اختياراتك . . . فقائمة قراءتك لا تبدو لي أنها أرمنية كثيرا» . 

ارتفع حاجب آرمانوش قليلاًء وقالت وهي تهر رأسها: «إن الأدب 
يحتاج إلى الحرية لينمو ويزدهر»ء ثم أضافت: لا يوجد لدينا الكثير من 
هذا كي نوسّع من أفق الأدب الأرمني» أليس كذلك؟». 

لم تضغط آسياء التي كانت تعرف حدودهاء بطرح سؤال آخر. 
وخلصت إلى أن الأرمن ربما يمرون في مرحلة رثاء الذات. 

بدأ المراهقون وراءهما يلعبون لعبة التمثيلية التحزيرية. إذ يحدد 
الفريق المنافس لكل لاعب يتم اختياره اسم فيلم سينمائي» وعليه أن ينقله 
إلى أعضاء فريقه بالإشارات. وبدأت فتاة ذات وجه يكسوه النمش»› 
بلون الزنجبيل» ترسم إشارات اسم الفيلم المخصّص لهاء وكانت كلما 
أتت بإيماءة» كان الآخرون يضجون بالضحك . كان من الغريب أن ترى 
كيف يمكن أن تحدث لعبة تقوم على مبدأ الصمت كل هذا الصخب. 

ربما بسبب الضوضاء في الخلفيةء فإن الروح التي وجهت آرمانوش 
لعدم تجاوز حدودها غادرتها الآن. قالت لآسيا: «إن الموسيقى التي 
تيح اليهاغرهة جدا: الا لا من إلى سدور الشرقى 
الأوسطية؟» . 


Twitter: @ketab_n 11۳ 


«ماذا تقصدين؟» بدت الحيرة فى صوت آسيا: «إننا ننتمى إلى 
الغرب». 

«لاء إنكم لا تنتمون إلى الغرب. فالأتراك شرق أوسطيون لكنهم 
أيضاً شرق أوسطيين»› ولما أصبحنا شعباً يعيش في الشتات»» ردت 
آرمانوش› وأحسّت على الفور بعدم الارتياح لأنها لم تكن تقصد أن تېدو 
قاسية جداً. 

قضمت آسيا اللحم داخل فمهاء وعندما انتهت» كان كل ما قالته» 
«ماذا تقصدين؟» . 

«ماذا أقصد؟ أقصد نير القومية التركية التى نادى بها السلطان 
عبدالحميد» ونير القومية الإسلامية . أقصده مذابح أضنة في عام ۹٠۹٠ء‏ 
أو عمليات الترحيل في عام ...٠١١١‏ هل يعني لك كل هذا شيئا؟ ألم 

«أنا في التاسعة عشرة من عمري فقطا» هزت آسيا كتفيها . 

بدأ المراهقون في الخلف يصيحون ويهتفون عندما لم تتمكن الفتاة 
التي يكسو وجهها النمش من تحقيق مهمتهاء وأستبدلت بلاعب جديد» 
إلى أن اسم الفيلم يتألف من ثلاث كلمات. وانتقل إلى الكلمة الثالثة 
والأخيرة مباشرة. ورفع كلتا يديه في الهواءء وأمسك بشیء مستدیر خیالی 
بین راحتيه› شمه وعصره. وعندما لم يفهم أعضاء فريقه معنى ذلك»› بدا 
الفريق المنافس بالضحك . 

هل هذا عذر؟» وحدجت آرمانوش فی عينیَ آسیا: «کيف تستطيعين 
أن تكونى منيعة إلى هذه الدرجة؟». 


عندما لم تعرف معنى كلمة منيعة» لم تر آسيا مانعاً من أن تجسد 


Twitter: @ketab_n 


الكلمة إلى أن تجد قاموساً بالإنكليزية والتركية لتبحث عنها. ظلت هادئة 
لفترة بدت طويلة» وهي تستمتع بظهور الشمس فترة قصيرة من وراء الغيوم 
الكثيفة » ثم برطمت قائلة : «إنك مفتونة بالتاريخ . 

«أما أنت فلا؟» تشدَقت آرمانوش»› صوتها يشي بعدم التصديق 
والازدراء. 

«وما الفائدة منه؟» جاء جواب آسيا باختصار: «لماذا يجب علي أن 
أعرف شيئا عن الماضي؟ فالذكريات عبء كبير . 

أدارت آرمانوش رأسهاء واستقرت نظرتها تلقائياً على المراهقين . 
ضيّقت عينيهاء ورگزت على حركات وإيماءات الفتى . ثم التفتت آسيا 
أيضاً» وراحت تراقب اللعبة» ثم قالت الجواب: «برتقالة». 

انطلق المراهقون بالضحك. وكانوا جميعهم ينظرون إلى الفتاتين 
الجالستين إلى الطاولة بالقرب منهم . احمرَّ وجه آسيا بشدة» وابتسمت 
آرمانوش . دفعتا مبلغ الفاتورة بسرعة» وخرجتا إلى الشارع . 

«أيي فيلم اسمه «برتقالة٠؟‏ «سألت آرمانوش عندما وصلتا إلى الدرب 
الممتد على طول شاطى البحر. 

«البرتقالة المنتظمة. . . على ما أظن». «أوه نعم!» اعترفت آرمانوش 
بإيماءة. «اسمعي» فيما يتعالق بأنني مفتونة بالتاريخ؟» قالت وهي تجمع 
أفكارها: يجب أن تفهمي» رغم كل الحزن الذي يجسّده فإن التاريخ 
هو الذي يبقينا أحياء ومتحدین) . 

«حسناًء أقول إن هذا امتياز» . 

«ماذا تقصدين؟٠‏ . 

«إن هذا الشعور بالاستمرارية يعد امتيازاً. إنه يجعلك جزءا من فثة 
يوجد فيها شعور عميق بالتضامن»» أجابت آسيا: «لا تسيئي فهمي› 
يمكنني أن أرى كم كان الماضي مأساوياً بالنسبة لعائلتكء وأنا ارخ 


Twitter: @ketab_n 10 


رغبتك في الاحتفاظ بالذكريات حيَّة مهما حدث لكي لا تنسى الحزن الذي 
أصاب أسلافك . لكن طريقينا يفترقان هنا. إذ إن طريقك حملة للتذكرء 
أما أناء فإني أفضل أن أكون مثل جدتي» غير قادرة على تذكر الماضي 
على الإطلاق) . 

«لماذا يخيفك الماضى كثيراً؟» . 

اعترضت آسيا وقالت: «إنه لا يخيفني!» عندما جعلت الريح المتقلبة 
والنزواتية في إستانبول تنورتها الطويلة تتطاير» وتناثر دخان السيجارة في 
جميع الاتجاهات» توقفت قليلاًء ثم أضافت : «لأني لا أريد أن تكون لي 
علاقة به. هذا كل ما فى الأمر». 

«لا يوجد مبرر في كلامك»» أصرّت آرمانوش . 

«ربما. لکن بكل صدق»› لايمكن أنيهتم شخص مثلي 
بالماضی . . . آتعرفین لماذا؟» سألت آسیا بعد توقف : «لا لأنى أجد ماضىَ 
ممضاً أو لأنني لا أهتمْ بذلك. بل لأنني لا أعرف شيئاً عنه. أظن أنه من 
الأفضل أن تعرفي أحداث الماضي على ألا تعرفي شيئاً على الإطلاق». 

ارتسم على وجه آرمانوش تعبير يشي بالحيرة» وقالت: «لكنك قلت 
أيضاً إنك لا تريدين أن تعرفي ماضيك . الآن تقولين شيئاً مختلفاً» . 

«هل قلت ذلك؟» سألت آسياء ثم أضافت: «حسناً» لنصغها بهذه 
الطريقة» توجد فى داخلى أصوات متناقضة حول هذه المسألة»» ونظرت 
إلى رفيقتها نظرة تشي بالخبث. إلا آن صوتها أصبح أكثر جديّة: «كل ما 
على هذه المعلومات. بالنسبة لي فإن التاريخ يبدأ اليوم. لا توجد 
استمرارية في الزمن. إذ لا يمكنك أن تشعري بالارتباط مع أجدادك إذا لم 
وإذا ظللت أفكر بهذا الأمر سأفقد عقلي . لذلك أقول لنفسي» لماذا تريدين 


Twitter: @ketab_n 117 


أن تنبشي الأسرار؟ ألا ترين آن الماضي حلقة مفرغة؟ إنه أنشوطة . إنه 
يمتضنا ويجعلنا نجري مثل جرذ فوق عجلة. ثم نبدأ نكرر أنفسناء مرات 
ومرات) . 

فيما أخذتا تصعدان وتهبطان في الشوارع المتماوجة» بدا لآرمانوش 
أن كل حي يختلف عن الحيّ الآخر إلى درجة أنها بدأت تظن أن إستانبول 
متاهة حضرية» مدن عديدة في مدينة واحدة. وتساءلت إن كان جيمس 
بالدوين قد انتابه الشعور نفسه عندما كان هنا. 

في الساعة الثالثة بعد الظهرء منهكتين وجائعتين دخلتا أحد 
المطاعم› الذي قالت آسیا إنه یجب أن تتناولا اللات لأنه يقذم 
دجاج دونر في المدينة. وطلبت كل منهما دجاج دور وکاسا رامن 
شراب اللبن ذي الرغوة. 

يجب أن أعترف»» دمدمت آرمانوش بعد فترة من الهدوءء إن 
إستانبول تختلف قليلاً عما كنت أتوقعه. فهي حديثة أكثر» ومحافظة أقل 
مما کنت أخشی». 

«حسناًء يجب أن تقولي هذا إلى خالتي شكرية في وقت ما. فهي 
ستشعر بالسرور. وستمنحني ال لي ملت بلدي بصورة جيدة) . 

ضحكتا معا للمرة الأولى منذ أن التقيتما. «هناك مكان أريد أن آخذك 
إليه ذات يوم»» قالت آسيا: «إنه هذا المقهى الصغير التي نلتقي فيه 
بانتظام . إنه مقهی کوندیرا». 

«حقا؟ إنه أحد الكتّاب الذين أحبهم كثيراً؛ قالت آرمانوش مبتهجة» 
«لماذا يسمى بهذا الاسم؟» 

«حسنأء إنه نقاش لا ينتهي . في الحقيقة» إننا نخرج كل يوم بنظرية 
جديدة) . 

في طریق عودتهما إلى القناق» أمسکت آرمانوش بيد آسيا وضغطت 
عليها وقالت: «إنك تذكرينني بصديق لي». 


Twitter: @ketab_n 


ونظرت إلى آسيا لحظةء وكأنها عرفت شيئاً لكنها لا تستطيع أن 
تتحدث عنه. لكنها قالت: «لم أر في حياتي شخصاً حاد الفهم و... 
وشديد التعاطف وشديد الصرامة و. .. شديد المجابهة فى الوقت نفسه. 
باستثناء شخص واحد! إنك تذكريننى بأكثر الأصدقاء ا إنه البارون 
باغداساريان. إذ إن أحدكما يشبه الآخر بأشكال عديدة» يمكنكما أن تكونا 

«صحيح؟» سألت آسياء وقد لفت الاسم انتباهها: «ما هو؟ قولي لي 
لماذا تضحکین) . 

«أنا آسفة» لم أتمالك نفسي من الضحك على تغيّر القدر»ء قالت 
آرمانوش: «إن البارون باغداساريان» صادف أنه أكثر أصدقائى معاداة 
للأتراك!». 


F##F #¥ 


في تلك الليلةء عندما أوت جميع نساء عائلة قازانجيان إلى فراشهن»› 
انسلت آرمانوش من سشريرها مرتدية بيجامتهاء وأضاءت مصباح طاولة 
المكتب الباهت» باذلة ما بوسعها كى لا تحدث أي ضوضاءء وفتحت 
عورا الغا ل كن ندرك أن النر ف إلى مط الإ رت اة ير 
الجلبة إلى هذه الدرجة. وضعت رقم الهاتف» ووجدت عقدة الشبكة» 
وطبعت كلمة سرها للاتصال بمقهی کونستانتينوبوليس . 

أين كنت؟ كتا قلقين كثيراً! كيف حالك؟ 

بدأت الأسئلة تأتي من الجميع . 


آنا بخير» كتبت «السيدة روحي المنفية». لكنني لم أعثر على بيت 
جدتي . توجد مكانه حالياً بناية حديثة قبيحة. لقد وى . لم يعد يوجد أثر 


له. .. لم يتبق له أي أثرء لا سجلات. لا ذكريات عن العائلة الأرمنية 
التى عاشت فى تلك البناية فى بداية القرن. 


Twitter: @ketab_n ۲1۸ 


نحن آسفون جداً يا عزيزتي» كتبت «السيدة طاووس / سيرامارك). 
متی ستعودین؟ 

سأبقى حتى نهاية الأسبوع» أجابت «السيدة روحي المنفية؛. إنها 
مخامرة حقيقية هنا. المدينة جميلة. إنها تشبه سان فرانسيسكو بطريقة ماء 
الشوارع المرتفعة» الضباب الدائم» ونسيم البحر»ء والوجوه البوهيمية في 
أقل الأماكن توقعاً. إنها متاهة حضرية. إنها أكثر من مدينة واحدة إنها 
أشبه بمدن عديدة داخل مدينة. بالمناسبة» الطعام رائع. كل أرمني سيشعر 
أنه في الجنة هنا . 

توقفت آرمانوش» مدركة بذعر ما كتبته . 

أقصد» من ناحية الطعام» أضافت بسرعة. 

هيه يا سيدة روحي المنفيةء لقد كنت مراسلتنا الحربية والآن تبدين 
وكأنك تركية! نرجو الا تکوني قد تتڙکت. قال المعادي لخافورما. 

أخذت آرمانوش نفساً عميقاً. 

بالعكس. لم أشعر أني أرمنية في حياتي أكثر من الآن. كما ترى» 
لأني أختبر أرمنيتي كلهاء كان علي أن آتي إلى تركيا وألتقي بالأتراك. 

العائلة التي أعيش معها مثيرة للاهتمام» فيها شيء من الجنون لکن 
ربما كان لدى جميع العائلات ذلك. لكن ثمة شيئاً سرياليا هنا. 
اللاعقلانية جزء من العقلانية اليومية. أشعر وكأني في إحدى روايات 
غابرييل غارسيا ماركيز. إحدى الأخوات فنانة رسم وشم؛ والأخت 
الأخرى تقرأً الطالع؛ وأخرى معلمة التاريخ القومي التركي؛ والرابعة زهرة 
منثور غريبة الأطوار» أو طاووس متفرغ» كما تقول آسيا. 

ومن هي آسيا؟ سألت السيدة طاووس/ سيرامارك على الفور. 

إنها ابنة العائلة. شابّة لديها أربع أمهات ولها شخصية مفعمة 


Twitter: @ketab_n ف‎ 


بالغفضب» والهجاءء والذكاء. يمكن أن تكون شخصية جيدة من 
شخصیات دوستویفسکي . 

تساءلت آرمانوش أين هو البارؤن باغداساريان؟ 

مدام روحي المنفية» هل تحدّثت عن الإبادة الجماعية مع أي أحد؟ 
أرادت أن تعرف «التعايش البائس». 

نعم» عدَة مرات» لكنه أمر في غاية الصعوبة. استمعت النساء في 
البيت إلى تاريخ عائلتي باهتمام وحزن صادقين» لكن كان ذلك كل شيء. 
إن الماضى بلد آخر بالنسبة للأتراك. 

حتى لو توقفت النساء هناك فأنا لا يمكننى أن أكون متفائلة 
برجالهن.... تدخلت ابنة سافو. 

في الواقع» لم تتح لي حتى الآن فرصة التحدث مع أي رجل تركي» 
ردت «السيدة الروح المنفية٠»‏ فقد أدركت ذلك للتو. لكن آسيا ستأخذني 
في أحد الأيام إلى هذا المقهى حيث يلتقون بانتظام . فهناك سأتعرّف على 
الأقل على بعض الرجال» كما أظن . 
كما تعرفين . كان ذلك أليكس القوطي . 

لا أظن أن آسيا تشرب. فهم مسلمون! لكنها من المؤكد تدخن مثل 
مدخنة . 

فكتبت «السيدة طاووس/ سيرامارك» في أرمينيا يدخن الناس كثيراً 
أيضاً. فقد زرت يريان للمرة الثانية مؤخراً. إن السجائر تقتل الأمة . 

تململت آرمانوش في کرسیها. ین کان؟ لماذا لم يکتب؟ هل هو 
غاضب منها؟ هل كان يفكر بها؟ استمرت تعذب نفسها بالأسثلةء لو لم 
يكن للسطر التالى الذي ومض على الشاشة. 


Twitter: @ketab_n ۲۰ 


أخبريناء يا «سيدة روحي المنفية٠»‏ بما أنك في تركيا» هل فكرت 
بظاهرة الإنكشارية؟ 

کان هو! هو! هو! قرأت آرمانوش السطرين مرة أخرى» ثم كتبت: 
نعم. لكنها لم تعرف ماذا ستكتب بعد ذلك. وكما لو أنه أحس بترددهاء 
تابع البارون باغداساريان . 

إنه لطف منك أن تنسجمي مع تلك العائلة. وأنا أصدقك عندما 
تقولين إنهم أناس طيبون. لكن ألا تري؟ أنك صديقتهم فقط ما دمت 
تتنكرين لهويتك . هكذا كان الأمر مع الأتراك طوال التاريخ . 

زمّت آرمانوش شفتيهاء حزينة . في الجانب الآخر من الغرفةء أخذت 
آسيا تتقلّب في سريرهاء في وسط ما بدا کابوساً» وتبرطم بشيءَ غير 
مفهوم. ومهما كانت تقول» فقد كررته مرات عديدة. 

إن كل ما نطلبه نحن الأرمن هو الاعتراف بخسارتنا وألمناء الذي 
يعتبر المطلب الأساسي كي تزدهر العلاقات الإنسانية الأصيلة. هذا ما 
نقوله للأتراك : انظري» إننا حزينون إننا حزينون منذ قرابة قرن» لأننا فقدنا 
اخاقا تقد ف امن بوا و اا عن ارفا كا ا ل 
الحيوانات وذْبحنا كالخراف. حتی أننا حرمنا من موت لائق . حتى الألم 
الذي أنزل بأجدادنا ليس مؤلماً مثل النكران المنهجي الذي أعقبه. 

إذا كنت تقول هذاء فماذا سيكون رذ الأتراك؟ لا شىء! لا توجد 
سوى طريقة واحدة لكي نصبح أصدقاء مع الأتراك: ألا نلع على ماضينا 


وأن ننساه. 
بما أنهم لن يعترفوا بالماضي» فهم يتوقعون أن نشاركهم جهلهم 
بالماضى . 


فجأة» كانت هناك نقرة خفيفة على الباب» ثم تلاها عدة نقرات . 


Twitter: @ketab_n ۲1 


تهاوت آرمانوش في كرسيهاء وقفز قلبها إلى حنجرتها. وعلى الفور 
أطفأت شاشة الكمبيوتر. انعم» همست . 

فتح الباب بلطف وامتد رأس' الخالة بانو. كانت تضع على رأسها 
منديلاً وردي اللون» لم يكن معقوداً بإحكام» وترتدي ثوب نوم أصفر. 
لقد استيقظت فى تلك الساعة لتصلى» وقد لاحظت الضوء منبعثا من غرفة 
البنات. 4 

وبضيق جميع الكلمات الإنكليزية التي كانت تفتقر إليها والتي كانت 
محفورة في وجههاء أومأت الخالة بانو عدة مرات» وكأنها كانت تلعب 
أيضاً تمثيلية الحزورات. هرت رأسهاء قطبت حاجبيهاء ثم هرت إصبعها 
وهي تبتسم - الذي فسرته آرمانوش بأنك: «تدرسين كثيراً. لا تتعبي نفسك 
کثیراً» . 

بعد ذلك» دفعت الخالة بانو الصحن الذي تحمله بيدها وأومأت 
بحركة تناول الطعام. من الواضح أن ذلك لم يكن بحاجة إلى أي تفسير. 
ابتسمت» ربتت على كتف آرمانوش» ووضعت الصحن بجانب الكمبيوتر 
النقال» وغادرت . أغلقت الباب وراءها بهدوء. كان في الصحن برتقالتان» 
مقشرتان ومقطعتان . 

فتحت الشاشة ثانية» قطعت آرمانوش شريحة من البرتقال» وراحت 
تفکر برها على البارون باغداساريان. 


Twitter: @ketab_n 


1۰ 


بعد مضي خمسة أيام على إقامتهاء اكتشفت آرمانوش الروتين 


الساعة السادسة صباحاً ويبقين جالسات إلى المائدة حتى الساعة التاسعة 
والنصف. وخلال هذه الفترة» لا يتوقف السماور عن الغليانء» وكان يعد 
إبريق جديد من الشاي في كل ساعة. ولم يكن يجلسن جميعهن إلى 
المائدة فى وقت واحد» بل كن يأتين فى فترات مختلفة» وذلك حسب 
أرقات عملهن أو مزاجهن أو برنامجهن . لذلك» وبخلاف العشاء الذي 
كان حدثاً متزامناً تماماًء كان طعام الفطور خلال أيام الأسبوع يشبه قطار 
مسافرون جدد» ویترجل منه مسافرون آخرون . 


وكانت الخالة بانو هي التي ترتب المائدة باستمرار» لأنها تكون أول 
من يستيقَظ عادة» کي تهيء نفسها لصلاة الصبح. فقد كانت تنسل من 
سريرها» وهي تدمدم: «حقا إنه هو» فيما المؤدن ينادي من المسجد 
القريب للمرّة الثانية : «الصلاة خير من النوم». ثم تتوجه إلى الحمام لتهيء 
نفسها للصلاة» فتغخسل وجههاء وتغسل ذراعيها حتى المرفقين والقدمين 
حتى الكاحلين. وفي بعض الأحيان» يكون الماء بارداًء لكنها لم تكن تأبه 
لذلك . إذ كانت تقول لنفسها إن الروح بحاجة لأن ترتعش كي تستيقظ . 


Twitter: @ketab_n 


ولم تكن تكترث كذلك إن كانت أسرتها لا تزال تغط في النوم. وكانت 
تصلي مرتين کي يغفر الله لهن أيضاً. 

لذلك» عندما بدأ المؤذن يرذد هذا الصباح: «الله أكبرء الله أكبرا» 
فتحت الخالة بانو عينيهاء وهي لا تزال في السرير» ومدّت يدها إلى رداء 
نومها وغطاء رأسها. لكنها أحست اليوم أن جسدها ثقيل» ثقيل جداً. ومعم 
أن المؤذڏن صاح: «أشهد أن لا إله إلا الله»» لم تتمكن من النهوض. 
وحتى عندما سمعت: «حي على الصلاة)» ثم: «حي على القلاح»» لم 
عن ر جر ت جييعا جارح الرر رن وكأن الدم قد نضب 
من ذلك الجزء من جسدهاء وأصبح كيسا بطيئا ثقيلا . 

الصلاة خير من النوم. الصلاة خير من النوم. 

«ما خطبكماء لماذا لا تتركاني أتحرّك؟». 

سألت الخالة بانو بنبرة تشي بالاستياء. 


نظر الجنيان» اللذان كان كل واحد منهما يجلس على إحدى كتفيهاء 
في وجه الآخر. ثم قالت السيدة حلو الرابضة على كتفها اليمنى: ١لا‏ 
تسأليني» إسأليه هو. فهو الذي يحدث الأذى». 

وكما يوحي اسمهاء كانت السيدة حلو الجنية الطيبة - والتقية. كان 
وجهها مضيئاً رحيمأء وتتحلق حول رأسها هالة ذات ألوان أرجوانيةء 
ووردية» وبنفسجية . وذات عنق نحيفةء أنيقة» وفي النقطة التي ينتهي فيها 
ا را جاع وچا ھا ر ب الا وا ا ل کا 
تملك جسداًء كانت تبدو مثل رأس فوق قاعدة تمثال. وبعكس النساء 
البشر» لم يكن يفترض أن تكون لدى الجنيات سمات متناسبة . 

وكانت الخالة بانو تشق بالسيدة حلو ثقة كبيرة» لأنها لم تكن جنية 
مرتدةء بل كانت ملاكاً طيبة القلب» تقية» اعتنقت الإسلام بعد أن كانت 
ملحدة - وهو داء منتشر بين الكثير من الجان. وكانت السيدة حلو تؤم 


Twitter: @ketab_n ٤ 


المساجد والأضرحة كثيراً» وعلى اطلاع جيد بالقرآن الكريم . وعلى مدى 
السنين» توطدت العلاقة بينها وبين الخالة بانو. لكن لم يكن هذا هو 
الحال مع السيد مرَء الذي خلق من قالب مختلف تماماً وجاء من مناطق 
تهِبٌ فيها الرياح التي لا تتوقف عن العويل. وكان السيد مر عجوزاً» حتى 
وفق معايير سنوات الجن. لذلك» كان أقوى بكثير مما كان يعلنه غالباًء 
لأنه كماهو معروف» كلماتقدم الجان في السن» ازدادت قوتهم 
وقدرتهم . 

والسبب الوحيد الذي جعل السيد مر يمكث في بيت قازانجي هو أن 
الخالة بانو ربطته منذ عدة سنوات› وذلك في صباح آخر ەر أيام 
توبتها الأربعين. ومنذ ذلك الحين» وضعته تحت سيطرتهاء ولم تنزع 
الطلسم الذي تحتجزه به. إن ربط جني ليس بالأمر السهل. إذ يتطلب 
ذلك أولاً وقبل كل شيء معرفة اسمه» ويجب دراسته جيداً - فهي لعبة 
قاتلة حقاً» لأن الجني إذا عرف اسمك قبل أن تكتشف اسمه» سيصبح 
السيد وسيستعبدك. وحتى إذا عرفت اسمه وأصبح تحت سيطرتك» فإنك 
لا تستطيع أن تضمن هيمنتك عليك» لأن ذلك سيكون وهماً وحماقة 
مطلقين. فعبر التاريخ الإنساني» لم يتمكن أحد من إلحاق هزيمة بجيوش 
الجان إلا النبي سليمان» ومع ذلك فقد كان يحتاج إلى مساعدة إضافية 
باستخدام حلقة حديدية سحرية. وبما أنه لا يمكن لأحد أن يجاري 
سليمان العظيم» فلا يمكن إلا لنرجسي أحمق أن يتباهى بأنه يحتجز جنيأًء 
وقد تكون الخالة بانو أي شيء إلا هذا. ومع ذلك مضت أكثر من ست 
سنوات على خدمة السيد مر لها» وكانت تعتبر وئامهما بمثابة عقد مقت 
يجب أن يجدد بين الحين والآخر. ولم تكن تعامله بقسوة أو بشكل 
مهين» لأنها كانت تعرف أن الجان» بخلاف البشر»ء يتذكرون الأساليب 
السيئة التي عوملوا بها. فهم لا ينسون أي ظلم. ومثل كاتب مخلص يدون 
جميع الحوادث بأدق التفاصيل» يسجل الجان كل شيء» كي يستدعونها 


Twitter: @ketab_n ° 


ويستشهدون بها عند الحاجةء لذلك كانت الخالة بانو تحترم حقوق 
أسيرها» ولم تستغل سيطرتها عليه مطلقاً. 

ومع ذلك» كان بوسعها أن تشتخدم سلطتها بطريقة مغايرة تماما 
فتطلب منه مكاسب مادية كالمال والجواهر أو الشهرة. لكنها لم تفعل 
ذلك . وکانت تعرف آن جميع هذه الأشياء لم تكن سوى أوهام» وكانت 
تعرف أن الجان يجيدون خلق الأوهام. كما أن كل ثروة مفاجئة يحصل 
عليها المرءء لا بد أن تكون ثروة سلبت من شخص آخر» لأنه لا يوجد 
في الطبيعة خواء خالص» وإن البشر يرتبط مصير أحدهم بالآخر. لذلك 
لم تطلب الخالة بانو لنفسها أية مكاسب مادية طوال هذه السنوات. بل 
كانت المعرفة هي كل ما تطلبه من السيد مر . 

معرفة الأحداث المنسية» أفراد مجهولين» منازعات على الملكية» 
نزاعات عائلية » أسرار غير مدفونة» ألغاز لم تحل -الأمور الأساسية التي 
كانت تحتاج إليها لمساعدة زبوناتها الكثيرات . فإذا فقدت إحدى العائلات 
وثيقة ثمينة منذ زمن بعيد» كانت تأتي إلى الخالة بانو لمعرفة مكانها. أو تأتيها 
امرأة تشك بأنها واقعة تحت تأثير سحر خبيث» لتستفسر عن مرتكب هذا 
العمل الشنيع . وجاءتها ذات مرة امرأة حامل مرضت فجأة» وأخذت حالتها 
تسوء يوماً بعد يوم على نحو مخيف . وبعد استشارة الجني» طلبت الخالة 
بانو من المرأة الحامل أن تتوجه إلى شجرة الليمون غير المثمرة في حديقتهاء 
حيث ستجد لوح صابون من زيت الزيتون وقلامة أظافرها محشورة في 
محفظة مخملية سوداء - رقية ألقتها في ذلك المكان إحدى جاراتها الغيورات . 
ولم تخبرها الخالة بانو اسم الجارة كي لا تثار ضغينة أخرى. وبعد بضعة 
أيام» تناهى إليها أن المرأة الحامل شفيت بسرعة» وأصبحت تتمتع بصحة 
جيدة. كانت الخالة بانو تستخدم خدمات السيد مر بهذه الشكل حتى يومنا 
هذا. وفى مرة واحدة فقط طلبت منه أن يسدي لها معروفاً شخصياًء لها 
رها فق وسال رال ا لا ن هو روالد اا 


Twitter: @ketab_n ۲1 


أعطاها السيد مر جواباً» جواباً رفضت أن تصدقه بغضب شديد» مع 
أنها كانت تعرف حق المعرفة أنه لا يمكن للجني العبد أن يكذب على 
سيدته. ومع ذلك رفضت آن تصدقه» حتى أن قلبها توف ذات يوم عن 
تحذي ما أقره عقلها منذ زمن بعيد. ومنذ ذلك الحين» لم تعد الخالة بانو 
نفسها على الإطلاق . وتساءلت عدة مرات إن كان من الأفضل لها ألا 
تعرف» لأن المعرفة في هذه الحالة لن تجلب لها إلا المعاناة والحزن» إنها 
لعنة الحكيم . وبعد سنوات من تلك الحادثة» فكرت الخالة بانو اليوم بأن 
نطاب رقا خا اخر من السد هر ولهذا المت اخست الضف 
والوهن هذا الصباح؛ إذ إن الأفكار المتضاربة التي كانت تتصارع في رأسها 
أضعفتها تجاه عبدها الذي كان يزداد ثقلاً على كتفها اليسرى مع كل 
معضلة تسأله إياها. 

هل عليها أن تسأل السيد مر سؤالاً شخصياً آخر الآن» مع أنها كانت 
قد ندمت كثيراً عندما فعلت ذلك آخر مرّة؟ أو ربما حان الوقت لإنهاء هذه 
اللعبة ونزع السحر وإطلاق الجني إلى الأبد؟ إذ يمكنها أن تتابع عملها في 
قراءة الطالع بمساعدة السيدة حلو» لكن قوتها ستضعف بعض الشيء› 
وليكن ذلك . ألا يكفي كل هذا؟ فقد حذرها جانب منها من لعنة الحكيم» 
ومن أنها ستتألم كثيراً بسبب المعاناة الفظيعة التي تنجم عن معرفة أشياء 
كثيرة. أما ذاتها الأخرى» التى كانت فضولية وواعية» فقد كانت تتوق إلى 
معرفة المزيد. وكان ال را معضلتهاء وكان يبدو أنه يجد متعة 
كبيرة في ذلك» فيزيد ضغطه على كتفها اليسرى مع كل حالة شك تنتابهاء 
مضاعفاً من وزن تأملاتها . 

«انزل من على كتفي»» أمرته الخالة بانو ورددت دعاء ينصح القرآن 
الاين بتردیده عندما يواجهون جنياً مراوغاً. أطاعها السيد مر على 
الفور» وقفز وتركها تستوي واقفة . 


Twitter: @ketab_n YY 


«هل ستطلقين سراحي؟» سألها السيد مر بعد أن قرأ أفكارهاء ام 
ستستخدمين قواي لمعرفة معلومات معينة؟) . 

انسلت الكلمة همساً من شفتىَ الخالة بانو المنفرجتين قليلاًء لكنها 
بدلاً من أن تقول «نعم؟ أو «لا» ندت غا دة فقد بدت ضئيلة جداً 
في وسط رحابة الأرض والسماء والنجوم والمشكلة التي طحنت روحها. 

«يمكنك أن تسأليني السؤال الذي تكادين تموتين لمعرفته منذ أن روت 
لكنَّ الفتاة الأمربكة هذه الأشياء الحزينة عن أسرتها. ألا تريدين أن تعرفى 
إن کان هذا صحيحا أم 0 ا ريدن ان تساغدب نها قي البخشاعن 
الحقيقة؟ أم أنك ستحتفظين بقواك لزبوناتك فقط؟» قال لها السيد مر 
متحدیاًء وبدا في عينيه الفاحمتين الجاحظتين» انتصار محموم. وبعد أن 
هدأ» أضاف فجآة: «يمكننى أن أحكى لك» فأنا فى سن يجعلنى أعرف. 
فقد كنت هناك . ٤‏ ۰ 

«كفى!» قالت الخالة بانو» تكاد تصرخ. أحسّت بحركة في معدتها 
وحموضة صفراء تشتعل فى حنجرتها عندما قالت: لا أريد أن أعرف.. 
إني لست فضولية . إني نادمة على اليوم الذي سألتك فيه عن والد آسيا. يا 
إلهي» كم كنت آتمتى ألا أسألك. فما فائدة المعرفة إذا لم يكن بإمكانك 
أن تغْيّر شيئاً؟ إنها سم تجعلك عاجزاً طوال حياتك . فلا تستطيع أن تلفظها 
خارجاأء ولا تستطيع أن تموت. إني لا أريد أن يحدث ذلك مرة 
آخرى . . . بالإضافة إلى ذلك ماذا تعرف؟). 

لم تفهم السبب الذي جعلها تنطق هذا السؤال الأخير. لأنها تعرف 
جيداً أنها إذا أرادت أن تعرف شيئاً عن ماضى آرمانوش»› فإن السيد مر هو 
الوحيد الذي يمكن سؤاله» بما أنه «غولياباني»» أكثر أنواع الجان غدراً 
ولؤماً» ولكنه أكثرهم معرفة أيضاً عندما يتعلق الأمر بالنهايات الحزينة . 

جنود تعساء وقعوا في كمين وذبحوا على بعد أميال من بيوتهم؛؟ 
أشخاص هائمون على وجوههم» ماتوا من شدة البرد في الجبال؛ ضحايا 


Twitter: @ketab_n ۲۲۸ 


الطاعون الذين تم نفيهم إلى أعماق الصحراء؛ مسافرون تُهبوا وذُبحوا على 
يد قطاع طرق؛ رخالة ضاعوا في أماكن مجهولة؛ مجرمون مدانون تقلوا 
ليلقوا حتفهم في جزيرة نائية . . . كان الغلياباني قد رأوهم جميعهم. لقد 
كانوا هناك عندما آبيدت جحافل جيوش عن بكرة أبيها في ساحات الوغى 
الدامية؛ قرى كتب عليها أن تتضور جوعاً؛ أو قوافل تحوّلت إلى رماد 
تحت وابل نيران العدو. وكانوا هناك عندما هزم المسلمون جيش 
الإمبراطور البيزنطي هرقل العظيم في معركة اليرموك؛ أو عندما قال طارق 
ابن زياد البربري بصوت کالرعد لجنوده: «البحر من ورائكم» والعدو من 
أمامكم» فأين المفر؟» وبهذا فتح إسبانيا؛ أو عندما ذبح تشارلزء الذي 
سمي مارتيل بعد ذلك ۳٠٠,٠٠١‏ مسلم في معركة تورز؛ أو عندما قتل 
الحشاشون» بعد شعورهم بالنشوةء الوزير المشهور نظام الملك وأشاعوا 
الرعب في نفوس الناس حتى جاء هولاكو المغولي وحطم حصنهم وجميع 
الحصون الأخرى. لقد شاهد الخلياباني بأمٌ أعينهم جميع هذه الكوارث . 
وكانوا يشتهرون بملاحقة الأشخاص التائهين في الصحراء الذين لم يكن 
لديهم طعام وماء. وعندما كانوا يلقون حتفهم دون أن يخْلفوا وراءهم 
شاهدة قبر» كأنوا يظهرون إلى جانب الجَّة. وإذا استدعى الأمر» كانوا 
يتخفون في شكل نباتات» أو صخور» أو حيوانات» وخاصة العقبان. 
كانوا يتجسّسون على الكوارث» يرون المشهد من الجانب» أو من 
الأعلى» مع أنهم كانوا أيضاً يطاردون القوافل أحياناًء يسرقون الطعام الذي 
كان المعدمون في أمس الحاجة إليه للبقاء على قيد الحياة» يبثون الرعب 
في نفوس الحجيج في طريقهم إلى الأرض المقدَّسة» ويهاجمون القوافل»› 
أو يهمسون لحن الموت في آذان الذين حُكم عليهم بالإعدام بالمقصلة» 
أوالذين أرغموا على السير حتى الموت. كانوا شهود تلك اللحظات في 
الوقت الذي لم يكن يوجد لدى البشر شهودء ولم تكن هناك سجلات 
مكتوبة . 


Twitter: @ketab_n 4 


كان الغلياباني شهوداً على البشاعة التي كان البشر يمارسونها على 
بعضهم البعض . لذلك قالت الخالة بانو في نفسهاء لو كانت عائلة 
آرمانوش قد أخرجت بالقوة حقاً في مسيرة الموت في عام ١۱۹۱ء‏ كما 
ادعت» فلا بد أن السيد مر يعرف ذلك. 

«الن تساليتي فا قال اليد م عنتغا جلين على حافة السرير 
ما كا الال بانو» «لقد كنت نسراً٤»‏ تابع كلامه بمرارة» وهي 
النبرة الوحيدة التي يعرف التحدث بهاء «لقد رأيتها كلها. رأيتهم وهم 
یسیرون ویسیرون ویسیرون» نساءٌ وأطفالاً. كنت أحلق فوق رؤوسهم» 
أرسم دوائر في السماء الزرقاءء أنتظرهم حتى يجثوا على ركبهم. 

«اخرس!» صاحت الخالة بانو» «اخرس! لا أريد أن أعرف. لا تنس 
من هو السيد هنا . 

«نعم» يا سيدتي٤»‏ وانكمش السيد مر على نفسه» وقال: «إن رغباتك 
أوامر لي» وسيبقى الأمر كذلك ما دمت تحتفظين بالطلسم . لكن إذا أردت 
أن تعرفي ما حدث لعائلة تلك الفتاة في سنة ١٠۱۹ء‏ أخبريني . فذاكرتي 
قد تصبح ملكا لك يا سيدتي». 

انتصبت الخالة بانو في جلستها على سريرها» وهي تعض شفتيها 
بشدة كي تبدو متماسكة وصلبة» ولم تكن ترغب في أن تكشف عن 
ضعفها للسيد مر . وعندما حاولت أن تتحلى بالمرونة» بدأت تفوح في 
الهواء رائحة غبار وعفن» وكأن الغرفة أصبحت في حالة تعمَّن شديد. فإما 
أن اللحظة الراهنة بدأت تتحلل بسرعة إلى رواسب الزمن» أو أن تفسخ 
الماضي بدأ يتسرّب إلى الحاضر. انتظرت بوابات الزمن الداخلية كي 
تفتح . ولاإبقائها موصدة» ولإبقاء كل شيء في مكانه» تناولت الخالة بانو 
القرآن الكريم» الذي كانت تحتفظ به داخل علبة من اللؤلؤ في درج في 
منضدة بجانب سريرها. فتحت صفحة لا على التعيين وقرأت: ونحن 
أقرب إليه من حبل الوريد .)٥٠:٠١(‏ 


Twitter: @ketab_n TT 


«الله». تنهدت» «إنك أقرب إلى من حبل وريدي. ساعدني على 
الخروج من هذه المحنة. أن تمنحني نعمة الجهل» اا ا 
لأتحمل المعرفة . أي شيء تختاره سيرضيني» لكن أرجوك لا تجعلني 
ضعيفة وعارفة في الوقت نفسه». 

بهذا الدعاء انسلت الخالة بانو من السرير» وارتدت عباءة فضفاضة› 
وبخطوات خفيفة وسريعة توجهت إلى الحمّام على أطراف أصابعها 
استعداداً لصلاة الصبح. تطلعت في الساعة داخل البوفيةء السابعة إلا 
ربعاً. هل أمضت وقتاً طويلاً في السرير وهي تتجادل مع السيد مرء آم 
كانت تتجادل مع ضميرها؟ وبسرعة غسلت وجهها ويديها وقدميهاء 
وعادت إلى غرفتها وغطت رأسها بوشاح الصلاة الشاش» ومدت سجادتها 
الصغيرة» ووقفت تصلي . 

إذا كانت الخالة بانو قد تأخرت في إعداد مائدة الفطور هذا الصباح»› 
فإن آرمانوش كانت آخر من أدرك ذلك . فبعد أن ظلت على الإنترنت حتى 
وقت متأخر من الليلء فقد نامت مدة أطول» وكانت تود أن تنام فترة 
أطول. راحت تتقلب» تستدير يمنة ويسرة» تسحب البطانية إلى أعلى 
Sa aA‏ فتحت عيناً ذابلة 


ورأت آسيا جالسة إلى منضدتها ت تقرأ كتاباً» وتستمع إلى الخوضاقين 
والسماعات في أذنيها . 
«إلی ماذا تستمعین؟» سألتها آرمانوش بصوت مرتفع . «ماذا؟» صاحت 


آسیاء «جوني کاش !» 

«أوه» بالتأكيد! ماذا تقرئين؟» . 

«الإنسان اللا عقلاني : دراسة في الفلسفة الوجودية)ء أجابت بنفس 
الصوت الثابت العالي . 

«أليس هذا شيئاً. لا عقلانياً نوعاً ما أيضاً؟ كيف تستمعين إلى الموسيقى 
وتركزين على الفلسفة الوجودية في الوقت نفسه؟٠.‏ 


Twitter: @ketab_n ۳١ 


«إنهما يتلاءمان معاً تماماً»» قالت آسيا «جونى كاش والفلسفة 
الوجودية» كلاهما يسبران الروح البشرية لرؤية ما بداخلهاء وهما غير 
سعیدین بما تجدانه» کلاهما یترکانها مفتوحة ٩!‏ . 

قبل أن تفكر آرمانوش بذلك» قرعت إحداهن الباب وطلبت الفتاتين 
بأن تسرعا كي لا يفوتهما القطار الأخير إلى الفطور. 


# HF ¥ 


كانت المائدة معدَة لهما فقطء لأن الأخريات كن قد أنهين فطورهن. 
وكانت الجدّة والجدة ما- الهيفاء قد ذهبتا لزيارة إحدى القريبات» وذهبت 
الخالة شكرية إلى المدرسةء وذهبت الخالة زليخة إلى صالون الوشم» 
وکانت الخالة فريدة في الحمام تصبغ شعرها بلون الزنجبيل . وبدت الخالة 
الوحيدة المتبقية في غرفة الجلوس متجهمة الآن على نحو غريب . 

«ما المشكلة» هل أزعجك جنياك؟» سألتها آسيا. 


بدلاً من أن تجيب» توجهت الخالة بانو إلى المطبخ. وفي الساعتين 
التاليتين» أعادت تنظيم مرطبانات الحبوب المصفوفة على الرفوف» 
ومسحت الأرض» وخبزت كعكاً من الجوز والزبيب» وغسلت الفاكهة 
البلاستيكية على الطاولة» ومسحت بقعة الخردل التي يبست في زاوية 
القرة, نضا عاذت اشيا ئى غرة الجارني» ودب الاح ما زاك 
جالستين إلى مائدة الفطور» تسخران من كل مشهد من مشاهد مسلسل 
«لعنة لبلاب الهيام» أطول مسلسل تلفزيوني في تاريخ التلفزيون التركي. 
لکنها بدلاً من أن تستاء من رؤيتهما وهما تسخران من شيء تحبّه کثيراً 
فوجشت الخالة بانو فقط - فوجئثت بأنها أدركت أنها نسيت موعد المسلسل 
الأثير لديهاء وفاتتها مشاهدته لأول مرة منذ سنوات عديدة. فقد كانت 
المرة الوحيدة التي لم تشاهد فيه المسلسل» خلال فترة التوبة والتكفير عن 
ذنوبها منذ سنوات . حتى آنذاك. فليغفر لها الله ذتبهاء فكرت بمسلسل 


Twitter: @ketab_n ۲ 


«لعنة لبلاب الهيام»» وتساءلت عما حدث في المسلسل خلال فترة توبتها. 
أما الآن فلم يكن ثمة سبب يجعلها تنساه» كيف أمكنها ذلك؟ هل كان 
عقلها مشغولا؟ ألم تكن تعرف إنها كانت مضطربة ومشوشة جداً؟ 

لاحظت الخالة بانو الفتاتين ترمقانها من كرسييهما» فشعرت 
بالارتباك» ريما لأنها أدركت أيضاً أن المسلسل انتهى الآن» وربما كانتا 
تبحثان عن أشياء جديدة ليسخرن منها. 

لکن يبدو أن ثمة شیئاً آخر کان يدور فى عقل آسياء فقالت : اتتساءل 
آرمانوش إن كان بإمكانك أن تقرئي لها ورق التارو؟» . 

«لماذا تريد أن تفعل ذلك؟ «سألت الخالة بانو بهدوء: «قولى لها إنها 
شابة جميلة وذكية ولها مستقبل رائع . إن الذين ليس لديهم مستقبل هم 
الذين يحتاجون لمعرفة مستقبلهم» . 

«إذن إقرئي لها بعضاً من البندق المحمَّص»»ء قالت آسيا بإلحاح» وقد 
نسیت أن تترجم . 

لالم أعد أفعل ذلك»» قالت الخالة بانو بطريقة تشي بالندم» «وتبين 
أنها ليست طريقة جيدة على الإطلاق» . 

«كما ترين فإن خالتي قارئة طالع تؤمن بالعلم. إنها تقيس هامش 
الخطأ بطريقة علمية في كل قراءة طالع»» قالت آسيا لآرمانوش بالإنكليزية 
لكنها تحولت إلى نبرة جذية باللغة التركية: «إذن» إقرئي لنا فناجين 
القهوة» . 

«الآن هذا شيء آخر» قالت الخالة بانو موافقة» ولم تكن تستطيع أن 
ترفض قراءة فناجين القهوة» «فهذا يمكنني قراءته في أي وقت» . 

أعدت القهوةء قهرة آرمانوش بدون سكر» وقهوة آسيا فيها كثير من 
السكرء ولم تكن آسيا ترغب في قراءة فنجانها. فقد كانت تريد الكافايين › 
لا أن تعرف قدرها. عندما أنهت آرمانوش احتساء قهوتهاء وضع الطبق 


Twitter: @ketab_n YY 


فوق الفنجان» وأمسك بإحكام» وحُرّك بشكل دائري ثلاث دورات أفقية» 
ثم فلب الفنجان رأساً على عقب فوق الطبق» كي تهبط رواسب القهوة 
ببطء لتتشكل منها أشكالاً. وعندما برد قعر الفنجان» فلب الفنجان وبدأت 
الخالة بانو تقرأً الأشكال والأنماط المتشكلة فى الفنجان» وحركت نظرتها 
اا عار تالا ۰ 

«يمكنني أن أرى امرأة قلقة جداً هنا . 

«۷ بد أنها أمّي»» تنهدت آرمانوش . 

«إنها قلقة جداً. تفكر بك طوال الوقت» إنها تحبك كثيراً» لكن 
روحها مرهقة. ثم هناك مدينة فيها جسور حمراء. هناك مياه» وبحر» 
وریح»› و... سحب . وأرى هناك عائلة» رؤوس كثيرة - انظري إلى هذاء 
أناس كثيرون» الكثير من الحبَّ والرعاية» والكثير من الطعام أيضاً. . .٠.‏ 

أومأت آرمانوش»› محرجة بعض الشيء لكشفها بهذه الطريقة . 

«ثم . . ٠.‏ قالت الخالة بانو» متجاوزة الأخبار السيئة التي استقرت في 
قعر الفنجان - ستلقى أزهار قريباً فوق قبر» بعيداً بعيداً جداً. أدارت فنجان 
القهوة بين أصابعها المكتنزة. وخرجت كلماتها التالية بصوت أعلى مما 
كانت تنوي» فأجفلتهماء «أوه» هناك شاب يهم بك كثيراً. لكنه لماذا 
يقف وراء ستار؟ . . . شيء یشبه حجاب». 

أفلت قلب آرمانوش ضربة . 

«هل یمکن أن تکون هذه شاشة کمبیوتر؟» سألت آسیا بخبث» فيما 
قفز السلطان الخامس إلى حضنها. 

إني لا أرى كمبيوترات في قعر الفنجان»» قالت الخالة بانو معترضة. 
فلم تشأً أن تدخل التكنولوجيا في عالمها الروحي . 

توفت الخالة بانو بجدية» أدارت الفنجان قليلاًء ثم توقفت ثانية . بدا 
وجهها قلقاً الآن: «أرى فتاة فى عمرك. شعرها مجعّد» أسود» أسود 
تماماً. . . وذات ر ل 6 


Twitter: @ketab_n ۳٤ 


«شكراً» يا خالتي» لقد وصلت الرسالة٠»‏ ضحکت آسياء «لكن ليس 
من الضروري أن تضعي أقرباءك في كل فنجان تقرئينه» هذا يدعى محاباة 
الأقارب». 

رمشت الخالة بانو بعينيهاء دون أن تظهر على وجهها أية تعابير. 

ايوجد حبل هناء حبل قوي غليظ في طرفه أنشوطة» مشل أنشوطة 
صيد الحيوانات . أيتها الفتاتان سترتبط إحداكما بالأخرى برباط قوى. . . 
أرى رابطة روحية. . .. 


وعندما لم تقل الخالة بانو المزيد» شعرتا بالإحباط. توفت عن 
القراءة» ووضعت الفنجان على الطبق» وملأته بالماء البارد كى تختاط 
الاشکال وتختفی قبل آن تتا لآ شخصس آخرة طیبا کان آم شريراء 
الفرصة كي ينظر إلى الفنجان. كان هذا الشيء الجيد الوحيد المتعلق بقراءة 
فنجان القهوة: وبعكس القدر الذي كتبه الله لناء يمكن دائماً إزالة ومحو 
الأشياء التي كتبتها خطوط القهوة. 


# ¥ ¥ 


في الطريق إلى مقهى كونديراء استقلتا العبّارة كي تتمكن آرمانوش من 
مشاهدة المدينة برحابتها وعظمتها. ومثل العبّارة نفسهاء کان يبدو على 
وجوه المسافرين سيماء التعب والكسل أيضاًء التي أخذت الريح المفاجثة 
تجرفها فيما أخذت السفينة الضخمة تمخر عباب البحر اللازوردي . 
وتضخمت دندنة وهمهمة الحشد في داخل العبارة طوال دقيقة كاملة» ثم 
تضاءلت لتصبح طنيناً رتيباً يرافق الأصوات الأخرى: قعقعة وصخب 
المحرك» طرطشة الأمواج» صراخ النوارس. ولاحظت آرمانوش مبتهجة 
أن النوارس الكسولة على الشاطىئ ترافقهم. وكان الناس على متن العبّارة 
هذه الطيور الآكلة اللحم متعة لا تقاوم. 


Twitter: @ketab_n Yo 


جلست امرأة بدينة ترتدي ثياباً كلاسيكية وابنها المراهق على المقعد 
أمامهماء جنباً إلى جنب. لكنهما كانا عالمين مختلفين. ومن وجهها 
استطاعت آرمانوش أن تعرف أن المرأة لم تكن من محبي النقل العام 
وآنها تنظر باحتقار إلى الركاب» ولو كان بوسعها لألقت إلى البحر جميع 
المسافرين الذين لا يرتدون ثياباً أنيقة. أما الابن الذي بداء مختبأً وراء 
نظارة ذات إطار سميك» شبه محرج من طريقة آمّه المتعالية. كانا أشبه 
بشخصیتين من شخصيات فلانيري أوکونور» قالت آرمانوش في نفسها: 

«خبريني المزيد عن هذا البارون»» قالت آسیا فجأة» «کیف شکله؟ 
کم عمره؟) . 

احمرَ وجه آرمانوش. ومن داخل نور شمس الشتاء المتوهجة المتسربة 
من خلال الغيوم الكثيفة» بدا وجهها وجه شابة مفتونة «لا أعرف . لم ألتق 
به شخصياً . إننا أصدقاء على الإنترنت» إني أعجب بأفكاره وعواطفه» كما 
أظن» . 

لا تریدین أن تقابليه ذات يوم؟». 

«نعم ولا»» اعترفت آرمانوش بعد أن اشترت كعكة «صميت» من 
المقصف الصغير» المزدحم في الداخل. قطعت قطعة بيدها وانحنت فوق 
الدرابزين المحيط بسطح السفينةء وراحت تنتظر نورساً کي يقترب منها. 

١‏ داعي لانتظار النورس حتى يظهر»» قالت آسيا مبتسمة : «فقط إلقي 
إليه القطعة في الهواء وسيلتقطها على الفور. 

فعلت آرمانوش كما طلبت منها آسيا. فظهر نورس من السماء الواسعة 
والتقط القطعة في الهواء. 

#إني أتشوق لمعرفة المزيد عنه» ومع ذلك فإني أشعر الآن في أعماقي 
بأننى لا أريد أن ألتقى به على الإطلاق . فما إن تواعدي أحداً حتى يموت 
ال ولا أستطيع تحمل أن يحدث هذا معه. إنه مهم للغاية بالنسبة 
لى . إن التواعد للقاء والجنس قصة أخرى» معقّدة للغاية. . .». 


Twitter: @ketab_n 


لقد بدأتا تدخلان الآن إلى المنطقة المظلمة التي تحرسها المحرمات 
الغلاثة. إنها إشارة جيدة حقأًء لأن هذا يدل على أن إحداهما بدأت 
تنجذب إلى الأخرى . 

«السحر!» قالت آسياء «ومن يحتاج إلى السحر؟ حكايات ليلى 
والمجنون» ويوسف وزليخةء العتٌ والشمعة»› أو العندليب 
أساليب الحبٌ من مسافات بعيدة» التزاوج حتى بدون لمس ا 
العذري! سلّم الحبَ الذي بتوقع آن يصعد عليه المرء إلى 
والأعلى» ويسمو بالنفس وبالآخر. ومن الواضح أن أفلاطون يعتبر أن أي 
اتصال جسدي حقيقى هو أمر فاسد ومنحط ا هدف إله الحبّء 
اروس الحتى هر الخال آلا جد جال قى الج ل يرجديراى 
أفلاطون. إله يمعي إلى أشياء أسمي وأكتر رفعة . لكنك إن سالي» فإني 
أظن أن مشكلة أفلاطون» مثل مشكلة آخرين كثيرين» أنه لم يضاجع 

نظرت آرمانوش إلى صديقتهاء مندهشة وقالت: «ظننت أنك تحبين 
الفلسفة . . ٠.‏ تلعثمت لأنها قالت ذلك . 

«إني أحبَ الفلسفة»» اعترفت آسيا: «لكن هذا لا يعني بالضرورة أني 
فس جع الفلاسفة». 

«إذن هل أفترض أنك لست من أنصار الحبٌ العذري؟» . 

كانت آسيا تفضل أن تحتفظ لنفسها بهذه المعلومة» لا لأنها لا تستطيع 
أن تجيب عن هذا السؤالء بل لأنها كانت تخشى من عواقب جوابها. 
وبما أن آرمانوش كانت مهذبة» فلم تشأً آسيا أن تخيفها. فكيف يمكنها أن 
تخبر آرمانوش بأنهاء مع أنها لم تبلغ التاسعة عشرة من عمرهاء تعرف 
أيدي رجال عديدين ولا تشعر بذرّة من الذنب؟ وكيف يمكنها أن تكشف 
الحقيقة» دون أن تعطى فتاة غريبة انطباعاً خاطئاً عنها وعن «عفة الفتيات 
التركيات؟» . ٤‏ 


Twitter: @ketab_n Y۷ 


كان هذا النوع من «المسؤولية القومية» غرياً تماماً على آسیا قازانجي . 
فلم تشعر مطلقاً من قبل أنها جزء من المجموعة» ولا توجد لديها النية في 
أن تكون كذلك سواء الآن أم في المستقبل. ومع ذلك كانت تحقق 
تجسيداً جيداً لشخص آخر» شخص أصبح وطنياً بين ليلة وضحاها. كيف 
يمكنها الآن أن تخرج من هويتها الوطنية» وأن تكون هي نفسها النقيةء 
الآثمة؟ هل يمكنها أن تخبر آرمانوش بأنها تعتقد في أعماق قلبها بأنك 
عندما تمارسين الجنس مع رجل واحد فقط»ء هل يمكنك حقاً أن تتأكدي 
من أنه الشخص المناسب لك حقاً؛ وأن عقد الناس الفطرية غير المرئية لا 
تظهر إلا على السرير؛ وأنه لا يهم ما يظنه الناس دائماًء فإن الجنس هو 
في حقيقة الأمر شيء حسيّ أكثر من كونه شيئاً جسدياً. كيف يمكنها أن 
تبوح لها أنه كانت لديها علاقات عديدة في الماضي» كثيرة جداًء وكأنها 
تريد أن تنتقم من الرجال» لكن تنتقم منهم لأي سبب» كانت لا تزال لا 
تعرف . فقد كان لديها أصدقاء عديدونء أحياناً فى وقت واحده وأقامت 
علاقات متعدّدة انتهت دائماً بحسرة وبقلوب کسیر تجمَع كومة من 
الأسرار التي أبقتها بعيدة بحرص شديد وبمهارة عن حدود بيت قازانجي . 
هل يمكن أن تبح لها بهذه الأسرار؟ هل ستفهمها آرمانوش دون أن تطلق 
عليها أحكاماً. هل يمكنها حقاً أن تنظر بصدق إلى روح آسيا من طبقات 
برجها المعقَّم ذاك؟ 


هل يمكن لآسيا أن تعترف لها بأنها حاولت أن تنتحر ذات مرة» وأنها 
كانت تجربة مريرة استمدت منها درسين أساسين: أن ابتلاع حبوب خالتك 
المجنونة ليست الوسيلة الصحيحة للقيام بهذا أو ذاك. وأنك إذا أردت أن 
تقتلي نفسك. فمن الأفضل أن يكون لديك سبب عقلاني في حال بقيت 
على قيد الحياةء بما أن «لماذا؟» سيكون السؤال الذي ستسمعه من كل 
جانب. هل يمكنها أيضاً أن تعترف بأنها لم تتمكن حتى الآن من فهم 
الإجابة عن هذا السؤال» سوى أنها تتذكر أنها كانت صغيرة جدأًء حمقاء 


Twitter: @ketab_n Y۸ 


جداً» غاضبة جداأًء متوترة جداً من الكون الذي تعيش فيه؟ هل سيكون 
لأي من هذه الأشياء أي معنى بالنسبة لآرمانوش؟ 

هل يمكنها إذن أن تفضي لها بأنها حققت مؤخراً شيئاً من التقدم نحو 
الاستقرار والطمأنينةء لأنه أصبح لديها علاقة أحادية الآنء إلا أنها علاقة 
مخ رجل متزوح یرید عمره على عمرها مرتین» والذي تقابله بين الحين 
والاخر لتشاركه ممارسة الجنس» ولفافة حشيش» وملاذا من الوحدة؟ 
كيف يمكنها أن تخبر آرمانوش بأن الحقيقة إذا عغرفت» فإنها ستحدث 
كارثة؟ 

لذلك» بدلا من أن تجيب» أخرجت آسيا من حقيبتها جهاز تسجيل 
«ووكمان» واستأذنتها أن تستمع إلى أغنية» أغنية واحدة فقط. جرعة من 
كاش شعرت بالحاجة إليها الآن. وأعطت إحدى السماعات لآرمانوش . 
قبلت آرمانوش السماعة بحذر وسألت: «ما الأغنية التي سنستمع إليها؟». 

«كلب عجوز قذر يمتص البيضة) . 

«هل هذا اسم الأغنية؟ لم أسمع بمثل هذه الأغنية» . 

«انعم»» قالت آسيا بجدية : «لقد بدأت. هيا اسمعي . . .». 

وبدأت الأغنية» في البداية مقدمة فاترة» ثم أنغام ريفية تصاحبها 
صرخات النورس وغناء بالتركية في الخلفية . 

عندما بدأت آرمانوش تستمع» صعقت أيضاً من هذا التنافر بين كلمات 
الأغنية والمكان المحيط للاستمتاع بالأغنية. وخطر لها أن أغنيتها هذه 
تشبه آسيا تماما - مليئة بالتناقضات. والمزاج الغاضب» لا تنسجم تماما مع 
البيئة المحيطة بها؛ حساسةء انفعالية ومستعدة للانفجار فى أي لحظة. 
عندما مالت إلى الوراءء تضاءلت الدندنة فى ال ,اس ا 
مضجراً» وتطايرت قطع الكعكة في الهواء» وهبت لمسة من السحر مع 
النسيم» وانزلقت العبّارة بسهولة ويسر» وسبحت أشباح السمك الذي 
عاش معهما ذات يوم في مياه بحر لازوردي كثيفة» لزجة . 


Twitter: @ketab_n ۳۹4 


عندما انتهت الأغنية كانتا قد وصاتا إلى الشاطىئ. قفز بعض المسافرين 
قبل أن تصل العبّارة إلى رصيف الميناء تماماً. وراحت آرمانوش تراقب 
هذا الأداء البهلواني باندهاش» معجبة بالمواهب العديدة التي يتمتع بها 
أهالى إستانبول لمجاراة وتيرة المدينة السريعة. 

وبعد خمسة عشر دقيقة» فتح باب مقهى كونديرا الخشبي المتقلقلء 
مصدراً صریراً حادا ودخلت آسيا قازانجي» مرتدية لباساً هيبياً بنفسجي 
اللون» برفقة ضيفتها التي كانت ترتدي بنطلون جينز وبلوزة عادية. 
ووجدت آسیا المجموعة المعتادة جالسة في مكانها المعتاد وبمواقفها 
المعتادة. 

«مرحباً بكم جميعاً!؛ قالت آسيا مزقزقة: «هذه آمي» صديقة من 
آمریکا» . 

«مرحباء آمي٤»‏ حيّوها في صوت واحد: «أهلا بك في إستانبول» . 

«هل هذه أول مرة تأتين إلى هنا؟» سأل أحدهم. ثم بدأ الآخرون 
يسألون: «هل أعجبتك المدينة؟ هل أعجبك الطعام؟ إلى متى ستبقين؟ هل 


تزمعین أن تعودي . Si‏ 


مع أنهم رخبوا بها بحرارة» عادوا بسرعة أيضاً إلى موقفهم المعتاد من 
الإعياء الذي لا ينتهي» وذلك لأنه لا يمكن لأي شيء أن يفسد الإيقاع 
البطيء الذي يسود مقهى كونديرا. فبوسع الذين يرغبون في السرعة 
والاختلاف أن يغادروا هذا المكان بكل بساطة» لأنه يوجد الكثير منهم في 
الشوارع. أما هناء فيسود الكسل الإلزامي والتكرار الأبدي. إن هذا 
المكان يرتبط بالأفكار الثابتة» والأشياء المتكررة» والوساوس» لأشخاص 
لا يريدون أن تكون لهم علاقة بالصورة الأكبر» إن كان هناك حقاً شيء من 
هذا القبيل . 

خلال فترات التوقف القصيرة بين الأسئلة» تفحصت آرمانوش المكان؛ 


Twitter: @ketab_n 4 


والناس بإمعان» وراحت تحدس من أين أتى اسم المقهى؟ التوتّر الدائم 
بين الواقع السوقي والمبتذل والخيال الذي لا يوثق به» رأي الناس في 
الخارج بالناس في الداخل»ء نوعية المكان الذي يشبه الحلم» وأخيراًء 
التعبير المتجهم البادي على وجوه الرجالء وکأنهم يجترّون بيأس ما کانوا 
يرغبون في اختياره - إِمَّا أن يحملوا عبء علاقات الحبٍ الفاشلةء أو أن 
يصبحوا أنصاف رجال حقيقيين بخفًة - كل شيء يستدعي مشهداً من رواية 
كونديرا. إلا أنهم لم يكونواء ولم يستطيعوا أن يعرفوا ذلك لأنهم كانوا 
مغلفين فيها أيضاًء كانوا جزءاً منها إلى حد كبير» كالسمك الذي ريبما لا 
يفقه ضخامة المحيط الذي يسبح فيه من خلال عدسة المياه المغبشة 
المحيطة به . 


إن تشبيه المقهى بمشهد من مشاهد رواية كونديرا ضاعف من اهتمام 
آرمانوش . كما أنها لاحظت أشياء عديدة أخرى» منها أن جميع الجالسين 
إلى الطاولة يتحدثون اللغة الإنكليزية» رغم عدم خلوها من اللهجة 
والأخطاء النحوية. وكان يبدو أنه لا توجد لديهم مشكلة في الانتقال من 
اللغة التركية إلى اللغة الإنكليزية. ففي البداية» عزت آرمانوش هذه 
السهولة إلى تقتهم بأنفسهم» اي الأمرء بدأت تفكر بأن العامل 
الذي يسهل ذلك قد لا تکون ثقَت تقتهم بلغتهم الإنكليزية بقدر انعدام تقتهم 
بأيّ لغة مهما كانت. فقد كانوا يتصرفون ويتناقشون وكأن ما يقولونه أو 
کیف يقولونه غير مهم؛ إذ يكون باستطاعة أحدهم أن يعبر عما يجيش في 
أعماق نفسه تماما وفى النهاية» فما اللغة إلا مجرد جثة من الكلمات 
ا کیج اده ت هارا دة 


ولاحظت آرمانوش أيضاً آن الأغلبية الساحقة من صور الطرقات 
المعلقة على الجدران تصور بلداناً غربية أو أماكن غريبة ؛ والقليل منها فقط 
يقع في منزلة وسط . عندما تکونت لديها هذه الفكرة» لم تعرف كيف 


Twitter: @ketab_n ۲٤١1 


تفسرها تماماً . فربما كان انطلاق المخيلة هنا موجه نحو الغرب» أو يسعى 
للهروب إلى أرض غريبة بعيدة. 

انسل بائع متجول نحيف خلسة إلى المقهى» كي لا يراه الندلء الذين 
سيطردونه إلى الخارج لو رأوه. كان الرجل يحمل صينية كبيرة من اللوز 
الأصفر غير المقشر فوق مكعّبات من الثلج . 

«لوز!»» صاح» وكأنه ينادي اسم شخص يبحث عنه يائساً. 

«تعال إلى هنا!؛ صاح رسام الكاريكاتير المدمن» وكأنه يرد على 
اسمه. فقد كان اللوز يتلاءم تماما مع ما يشربه الان: البيرة. فقد تخلى 
الآن علناً عن اسم «المدمن المجهول»ء لأنه لم ير سبباً يجعله يدعو نفسه 
مدمناً على الخمر بينما هو ليس كذلك في حقيقة الأمر. فلم يبد أن هذا 
الاسم ينطبق عليه. لذلك قرّر أن يصبح المسؤول عن نفسه. فلم يشرب 
اليوم مثلاًء إلا ثلاث زجاجات من البيرة. فبعد أن جرع زجاجة من البيرةء 
بقيت أمامه زجاجتان أخريان» وبعدها سيتوفف. نعم» أكد للجميع؛ 
فباستطاعته أن يطبّق هذا النظام بدقة دون توجيهات تافهة من شخص 
محترف . وبهذا النوع من الحسم» اشترى أربع مغارف من اللوز وكوّمها 
وسط الطاولة ليتمكن الجميع من تناولها بسهولة . 

أما أرمانوش فكانت منهمكة فى المراقبة والتفكير. فأخذت تراقب 
النادل النحيف ذا النظرة الحائرة وهو يأخذ الطلبات» وفوجثت قليلاً برؤية 
عدد من الناس يشربون الكحول. وتذكرت تعليقها المشوش في الليلة 
الماضية عن المسلمين والكحول. هل يجب أن تذكر لزملائها في مقهى 
كونستانتينوبوليس ولع الأتراك بالكحول؟ وما مقدار ما يجب أن تكشفه لهم 
عما يجري هنا؟ 

بعد عدة دقائق» عاد النادل يحمل كأساً كبيرة من البيرة تطفو على 
سطحها رغوة كثيفة وضعها أمام رسام الكاريكاتير المدمن» ودورقاً من 


Twitter: @ketab_n 4۲ 


النبيذ الأحمر للآخرين. وعندما صب السائل القرمزي الداكن في كؤوس 
النبيذ الرائعة» انتهزت آرمانوش الفرصة لتراقب الأشخاص العاذة حول 
الطاولة. فقد خمّنت أن المرأة الحادة الطباع النزقة الجالسة إلى جانبها 
والتي تبعد آميالاً عن الرجل البدين ذي الأنف المنتفخ الذي يشبه البصلة لا 
بد أن تكون زوجته. وراحت تتفحص الواحد تلو الآخر: زوجة رسام 
الكاريكاتير المدمن» ورسَام الكاريكاتير المدمن نفسه» ثم الصحفي الشاذء 
والشاعر غير الموهوب بامتياز» وكاتب السيناريو غير الوطني الذي يكتب 
أفلاماً مغرقة في الوطنية» و. .. لم تتمالك نفسها من عدم التحديق لفترة 
أطول في الشابة السمراء المثيرة التي تجلس أمامهاء التي بدا لها آنها لم 
تكن واحدة من أفراد المجموعة» بل حتى أنها لم تكن ترتبط بها جيداً. 
ومن المؤكد أن المرأة كانت مولعة بالهاتف الخلوي . فقد ظلت تعبث 
بهاتفها الوردي اللماع› تفتح غطاءه لسبب غير ظاهر» وتضغط على هذا 
الزرّ أو ذاك» ثم ترسل رسالة اس ام اس أو تتلقى رسالة. كانت منهمكة 
في العبث بهذا الجهاز الصغير. وكانت بين الحين والآخر تقترب من 
الرجل الملتحي الجالس إلى جانبهاء وتحشر أنفها في أذنه. من الواضح 
نها صديقة كاتب السيناريو الجديدة. 

الق رست وغعا اة 

كانت الكلمات خارجة عن السياق إلى درجة أن آرمانوش لم تدرك 
فوراً إن كانت موجهة إلى أي شخص» ناهيك عنها. ومع ذلك إما بدافع 
الملل التام» أو محاولة منها لمصادقة شخص آخر في المجموعة» كانت 
صديقة كاتب السيناريو الجديدة توجّه حديثها إليها: «هل تريدين أن 


تریه؟» . 


کانت زهرة سحلبية برَية» حمراء کالجحیم› تتلوی حول سرتها. 


«إنها جميلة»» قالت آرمانوش . 


Twitter: @ketab_n € 


ابتسمت الشابة ابتسامة عريضة» سعيدة» وقالت: «شكرا»» وهي 
ترت على شفتیھا بمندیل مع أنها لم تأكل شيئاً. 

فى هذه الأثناءء كانت آسيا تراقب الفتاة أيضاًء بنظرة استهجان 
شديدة . وكعادتهاء فقد كانت تفعل أحد أمرين عندما تلتقي بأنشى جديدة: 
إا أن تنتظر لترى متى ستبدأ تكرههاء أو أنها تختصر الطريق وتكرهها على 
الفور. أما الآن فقد اختارت السبيل الثاني . مالت آسيا إلى الوراءء 
وأمسكت كأسها بين الإبهام والسبَابة» وأخذت تنظر إلى السائل الأحمر. 
وحتى عندما بدأت تتكلم» لم ترفع عينيها عن الكأس . 

«في الواقع» عندما نتذكر منذ متى عرفت ممارسة الوشم. . ٠.‏ قالت 
آسيا» ومع أنها لم تنه جملتهاء حتى بدأت جملة جديدة: «في بداية 
التسعينيات من القرن الماضي» وجد المستكشفون جسداً محفوظاً بشكل 
جيد في جبال الألب الإيطالية. كان عمره يتجاوز خمسة آلاف سنة» 
ومرسوماً عليه سبعة وخمسون وشماً. أقدم وشم في العالم». 

«حقاً؟» سألت آرمانوش» «إني أتساءل ما نوع الوشم الذي كانوا 
يرسمونه آنذاك؟). 

«في أغلب الأحيان كانوا يرسمون حيوانات» الأشياء التي كانت 
طواطم بالنسبة لهم» ربما حمير وأيائل وبوم وأكباش جبلية - وأفاع» 
بالطہع › أنا متأكدة أنه يوجد طلب شديد على الأفاعي في جميع الأزمان». 

«واو» عمرها أكثر من خمسة آلاف سنة!» عقّبت صديقة كاتب 
السيناريو بحماس . 

«لكنني لا أظن أنه كان يوجد وشم في أعلى سرته!» رد عليها كاتب 
السيناريو وهو يهدل كالحمامة. وضحكا معاء وتبع ذلك قبلة وعناق. 

كانت هناك بضع طاولات مبعثرة على الرصيف خارج المقهى . جلس 
رجل وامرأة عابسين إلى إحدى الطاولات» ثم جاء رجل وامرأة آخران» 


Twitter: @ketab_n 


بوجهين مرهقين» جذيين متوترين من وجوه المدينة المألوفة. راحت 
آرمانوش تراقب تعابير وجوههم بقضول» تشبّههم بشخصيات من رواية 

«إننا ننحو إلى ربط الوشم بالأصالةء بالإبداع» بل وحتى بالعصرية. 
في الواقع» إن الوشم المرسوم حول سرتك هو أحد أقدم العادات في 
تاريخ العالم . ودعوني أذكركم أنه في نهاية القرن التاسع عشرء اكتشفت 
مجموعة من علماء الآثار جسماً محتطاً. جسد أميرة مصرية . اسمها 
أمونت. واحزروا ماذا وجدوا عليها؟ كان على جسدها وشم. احزروا 
أبن ؟ا التفتت الان اسيا إلى كات السياريو: ونظرت فى غيت عباشرة 
وقالت : عند سرتها) . 

رمن كاتب السيتاريو» مركا من وفرة المعلومات لذيهاء وبذا أن 
صديقته الجديدة قد أعجبت أيضاً بمعلوماتها وسألتها: «كيف عرفت كل 
هذا؟», 

«إن مها تدیر صالواً للوشم؟» قاطع رسّام الكاريكاتير المدمن دون أن 
يرفع عينيه عن آسيا. غاص في كرسيه» مقاوماً رغبة جامحة في أن يقبّل 
شفتيها الغاضبتين» مقاوماً الرغبة الشديدة في طلب قنينة بيرة أخرى دون 
جلبة» مقاوماً الرغبة في أن يكف عن تمثيل شخصية الرجل الذي لم يكنه. 

لم يلحظ مزاجه أحد سوی شخص واحد. فقد اکتشفت آرمانوش 

أما آسيا فقد بدت فى هذه الأثناء وكأنها انتقلت إلى حالة عقلية مختلفة 
تماماء تتهيأً لشن هجوم آخر على صديقة كاتب السيناريو الجديدة. مالت 
إلى الأمام وعلى وجهها نظرة حادة» وقالت : ومع ذلك قد یکون الوشم 
خطيراً للغاية» . 

انتظرت آسيا بضع ثوان كي يستوعب الجميع كلمة خطيرة» ثم 


Twitter: @ketab_n Yt 


أضافت» «إذ يجب تعقيم الأدوات التي تستخدم في هذه العملية جيداًء 
e a e‏ 
المائة» وهو بالطبع أمر خطير» وخاصة أن الطريقة يقة الشائعة في الوشم 
تكمن في حقن الحبر داخل الجلد بواسطة الإبر. . .» 

لفظت آسيا كلمة الإبر بطريقة مخيفة إلى حد أن رعشة سرت في جسد 
جميع الجالسين إلى الطاولة. وكان رسام الکاریکاتیر المدمن براقبها وبريق 
شيطاني يشع من عينيه» متلذذاً تماماً بهذا العرض الذي يشاهده أمامه. 

«تدخل الإبرة في الجلد وتخرج منه مرات كثيرة بإيقاع يقارب ثلاثة 
ألف مرة في الدقيقة)» تابعت آسيا كلامها. أخرجت سيجارة من علبة 
سجائرهاء» وراحت تدفعها إلى الوراء والأمام وكأنها تصور طريقة إدخال 
الإبرة وإخراجهاء ثم أشعلتها أخيراً. حاولت صديقة كاتب السيناريو 
الجديدة eT‏ الإيماءة الجنسية الصريحة» لكن شيئاً في عينيْ آسيا 
أوقفها في منتصف الطريق . 

«إن تسمّم الدم والتهاب الكبد ما هما إلا مرضان من بين أمراض قاتلة 
كثيرة يمكن أن تنتقل إلى المرء في صالون الوشم . إذ يتعين على الفنان أن 
يستخدم مجموعة معقّمة جديدة في كل مرة» ويغسل يديه بالماء والصابون 
الحار» والأهم من كل هذاء يجب أن يستعمل سوائل معقمة» وأن يرتدي 
قفازات مطاطية. . . نظرياً بالطبع. أقصد» هياء من يهمه كل هذا 
الهراء؟». 

«لقد فعل كل هذا. كانت الإبر جديدة وكانت يداه نظيفتين»» قالت 
الفتاة بلخة تركية تشي بالذعر. 

لكن آسيا لم تستسلم» بل تابعت باللغة الإنكليزية : «نعم» جيد. لكن 
لسوء الحظ هذا لا يكفى. وماذا عن الحبر؟ هل تعرفين أنه يجب أن 
تستخد إبر جديدة في کل مرة» بل يجب تغيير الحبر أيضاً؟ يجب أن 


Twitter: @ketab_n 3 


«الحبر . . ٠.‏ اعترى الآن الصديقة الجديدة قلق شديد. 

انعم» الحبر!؟» قالت آسيا بثقة ويقين: «هناك إصابات عديدة يمكن 
أن تظهر بعد عملية الوشم بسبب استخدام الحبر فقط . وأكثر هذه الأشياء 
شيوعاً المكورات العقدية التي للأسف» - عبست - «تسبب ضرراً شديداً 
للقلب» . 

مع أن صديقة كاتب السيناريو الجديدة حاولت ألا تفقد هدوءهاء 
لكنها ما إن سمعت هذه المعلومات» حتى شحب لونهاء وكأن الدم سحب 
من وجهها. وفي تلك اللحظة رن هاتفها الخلوي» لكنها لم تنظر إليه. 

«هل استشرت طبيباً قبل أن تفعلي ذلك؟» سألتها آسيا بتعبير يشي 
بالقلق» كانت تأمل أن تبدو مقنعة. 

«لاء لم أفعل ذلك»» قالت صديقة كاتب السيناريو الجديدة. وقد 
شحب وجهها الأن» وظهرت خطوط جديدة حول شفتيها وعينيها. 

«أوه» حقاً؟ حسناًء لا تقلقي»» رمت آسيا يديها: «من شبه المؤكد أنه 
لن يصيبك مکروه» . 

عندما قالت ذلك» انحنت إلى الوراء. ابتسم رسام الكاريكاتير المدمن 
وارمانوش› لكن لم يبد أحد من الجالسين أي ردة فعل . 

بعد أن قرر رسام الكاريكاتير المدمن المشاركة في اللعبة» التفت إلى 
سيا لاهياً بمكر وسألها: «لكنها تستطيع أن تزيله إذا أرادت. أليس كذلك؟ 
من الممكن إزالتهء أليس كذلك؟». 

«من الممكن ذلك»» أجابت آسيا على الفور: «وفي جميع الأحوال» 
فالعملية كلها مؤلمة ورهيبة فى أحسن الأحوال. ويمكنك أن تختاري 
وة من الطرق الفلاف: الجراحة العالجة باليزي أر قشر الات 

عندما قالت ذلك تناولت آسيا حبة لوز من الكومة أمامها وقشرتها. 
ولم يتمالك جميع الجالسين حول الطاولةء» بمن فيهم آرمانوش» من عدم 


Twitter: @ketab_n ¥ 


التحديق فى حبة اللوز مذعورين. سعيدة برد فعل المستمعين إليهاء ألقت 
ا ج الل ال ئ ناوات وا اند اسع ا 
صديقة كاتب السيناريو الجديدة وهي تراقب آسيا تمضغ حبة اللوز. 

«أنا شخصياً لا أنصح بإجراء العملية الثالثة. وهذا لا يعني أن 
العمليتين الأخريين أفضل . فيجب أن تر تبحثي عن اختصاصي جيد بالأمراض 
الجلدية ‏ بكرن جيداً جداً أو جراح تجمیل. وھذا یکلّف کٹیراًء لکن ماذا 
يمكنك أن تفعلي؟ تدفعين لقاء كل زيارة طناً من النقودء ويجب أن تدفعي 
ثمن زيارات كثيرة. وحتى عندما يزال الوشم» ستبقى هناك ندبة ظاهرة» 
هذا بالإضافة إلى أن لون الجلد سيتغير. وإن أردت إزالة ذلك فإنك 
بحاجة إلى جراحة تجميلية أخرى. وحتى في تلك الحالة لا يوجد ضمان 
بالمائة مثة» . 

أمسكت آرمانوش نفسها عن الضحك . 

«حسناًء لماذا لا نشرب؟» قالت زوجة رسام الكاريكاتير المدمن 
بابتسامة متعبة : «وهل هناك سبب أفضل للشرب أكثر من السيد تيبتوي؟ 
ماذا کان اسمه؟ . . . سیش؟). 

«سيشيتي ٠)‏ قالت آسيا مصححة» وهي تلعن اليوم الذي حدثتهم فيه 
عن تاريخ الباليه» عندما كانت ثملة. 

انعم» نعم» سيشيتي٤»‏ قال الشاعر غير الموهوب ضاحكاً وراح 
یشرح لآرمانوش : ارا لا ت غ رانس الان اد تو اف 
ويسيروا على أطراف أصابع أقدامهم» كما تعرفين . 

«ماذا كان يفكر آنذاك؟» أضاف أحدهم» ثم ضحك الجميع . 

«هيا حدثينا يا آمي» من أين أنت؟» سأل الشاعر غير الموهوب 
آرمانوش في وسط همهمة المقهى المعتادة. 

«في الحقيقة» آمي اختصار لآرمانوش»» قاطعت آسيا» وهي لا تزال 
في مزاج استفزازي : «إنها أمريكية أرمنية!» . 


Twitter: @ketab_n ۲٤۸ 


لم تفاجى كلمة أرمنية أحداً في مقهى كونديراء لكن أمريكية أرمنية 
كانت قصّة أخرى. فلم تكن هناك مشكلة فيما يتعلق بأرمنية أرمنية - ثقافة 
متشابهة» مشاكل متماثلة ‏ أما أمريكية أرمنية فهي تعني شخصاً يحتقر 
الأتراك. استدارت جميع الرؤوس نحو آرمانوش الآن» وكشفت نظراتهم 
عن اهتمام يشوبه الذعرء وكأنها كانت صندوقاً مبهرجاً لا يعرف أحد ماذا 
في داخله. فمن الممكن أن تكون في داخله هدية رائعة كما يبدو من 
الخارج» أو ربما توجد فيه قنبلة. عذّلت آرمانوش كتفيها وكأنها تعد نفسها 
لتلقي لكمة» لكنهم بما آنهم كانوا زبائن منتظمين في مقهى كونديرا منذ 
سنوات عديدة» فقد تشرّبوا خاصية هذا المكان التي تتسم بالخمول 
والبطء» وكانوا بحاجة لفترة من الوقت كي يستثار حماسهم . 

لكن آسيا لم تدع حماسهم يفترء فقالت: «هل تعرفون أن عائلة 
أرمانوش أصلاً عائلة إستانبولية؟» قالت بين فاصل مضغ حبتيّ لوز. 

«لقد تعرضوا لجميع أنواع المعاناة في عام ۱۹١١‏ . ومات الكثيرون 
منهم أثناء الترحيل ‏ ماتوا من الجوع» والإعياءء والوحشية. . .٠.‏ 

ساد صمت مطبق. لم يعلق أحد شيئاً. لکن آسيا دفعت الأمر أكثر 
تحت نظرة رسام الكاريكاتير المدمن القلقة : «لكن والد جذها قتل قبل كل 
ذلك لأنه» - والتفتت آسيا لتواجه آرمانوش» مع أن كلامها التالي كان 
موجهاً إليها أكثر مما كان موجهاً إلى المجموعة - «كان مثقفاً»» ورشفت 
كأس النبيذ ببطء: «فقد كانت طبقة المثقفين الأرمن أول من تعرض للقتل 
كي لا تبقى للجالية أدمغتها القيادية» . 

لم يسد الصمت طويلاً. 


«هذا لم يحدث»» هر كاتب السيناريو رأسه بقوة: «لم نسمع في 
حياتنا عن حدوث شىء کهذا»» وأخذ نفساً طویلاً من غلیونه. ومن خلال 
الدخان المتشكل في دوائر راح ينظر في عيني آرمانوش» وخفت صوته 


Twitter: @ketab_n 14۹ 


الآن ليتحول إلى همسة حنونة: «انظري» أنا آسف كثيراً لما حدث 
لعائلتك» أقذم لك تعازي. لكنك يجب أن تفهمي أن ذلك كان في فترة 
حرب. وكان الناس يموتون على كلا الطرفين. هل لديك فكرة عن عدد 
الأتراك الذين قتلوا على يد المتمردين الأرمن؟ هل خطر لك أن تفكري 
بالجانب الآخر من القصة؟ أراهن أنك لم تفعلي ذلك! وماذا عن معاناة 
الأسر التركية؟ كان الأمر كله مأساوياًء لكنك يجب أن تفهمي أن عام 
٥‏ لیس عام .۲٠٠۵‏ فقد كان الزمن مختلفاً آنذاك. بل حتی لم تکن 
توجد دولة تركية رسمية آنذاك» بل كانت هناك الإمبراطورية العثمانيةء 
بح الله. ما قبل الحقبة الحديثة ومآسي ما قبل العصر الحديث» . 

زمّت آرمانوش شفتيها بحدّة إلى درجة أنهما أصبحتا شاحبتين. فقد 
كانت لديها حجج معاكسة كثيرة» ولم تكن تعرف من أين تبدأ. وتمنت أن 
یکون البارون باغداساریان هنا لیسمع کل هذا. 

توقفت آرمانوش» وتدخلت آسيا على الفور: «أوه نعم؟ ظننت أنك 
لست من الوطنيين!). 

«أنا لست كذلك»» قال كاتب السيناريوء رافعاً صوته قليلاً. وكى 
يحافظ على هدوء مزاجه» بدأ يمسد لحيته» وأضاف: «لكنني أحترم 
الوقائع التاريخية! . 

«لقد غسلت أدمغة الناس»ء تدخلت صديقته الجديدة في محاولة منها 
لتأبيد عشيقها ولتنتقم من حديث الوشم . 

«إنكم تعرفون جيداً أنني لا أصدق تلك الترهات. وتعرفون أن هذه 
العروض هي لمجرد الترفيه والتسلية». 

بذلت آرمانوش ما بوسعها كي تغيّر الأجواء. مع أنها كانت تعرف أن 
البارون باغداساريان لا يوافق على هذا تماماًء ورأت أن زيادة التوثّر لن 
يساعد في اعترافهم بالمجازرء فقالت : «تلك الصورة هناك»ء وأشارت إلى 


Twitter: @ketab_n 0۰ 


الحائط : «هل تعرفون أن صورة هذا الطريق في الإطار الذي يشبه الجزرة 
هو طريق فى أريزونا. وقد سلكنا أنا وأمّى هذا الطريق مرات كثيرة عندما 

«أريزونا؟» همهم الشاعر غير الموهوب» وأطلق تنهيدة وكأن الاسم 
يدل على الأرض الطوباوية بالنسبة له» نوع من الشانغري - لا. 

لكن آسيا لم تكن لتدع الأمر يمر هكذا. فقالت: «لكن هذا هو 
الأمر» بل إن ما تفعله أسوأً بكثير. فإذا كنت تؤمن بما كنت تفعلهء إذا 
كان لديك إيمان ضبابي بتلك الأفلامء فنا لا أزال أشك بموقفك» لكن 
على الأقل ليس بإخلا. . .صك. إنك تكتب تلك النصوص السينمائية 
للجماهير. تكتب وتبيع وتكسب مبالغ ضخمة من المال. ثم تأتي إلى 
هناء وتختبئ في هذا المقهى الثقافي» وتنضم إلينا لتهزأً بنا بتلك الأفلام . 
إنه نفاق!» . 

شحب وجه كاتب السيناريو» وأصبحت قسماته حادة» وتجمدت 
عيناه: «من تظنين نفسك لكي تكلميني عن النفاق» يا آنسة لقيطة؟ لماذا لا 
تذهبين وتفتشين عن أبيك بدلاً من أن تزعجينا هنا؟». 

ومد يده إلى كأس نبيذه. لكن لم تكن هناك حاجة للقيام بذلك لأن 
كأساً أخرى امتدت إليه في تلك اللحظة : فقد قفز رسام الكاريكاتير المدمن 
واستوى على قدميه» وأمسك كأس النبيذء وألقاها على كاتب السيناريوء 
لكنه أخطأ الهدف . إذ أصاب الكأس إحدى الصور على الحائط واندلى 
النبيذ في جميع الجهات» لکنها لم تنکسر على نحو مدهش . وعندما لم 
تصب الكأس هدفهاء شمر رسّام الكاريكاتير المدمن عن كمه . 

ومع أن حجم کاتب السیناریو یکاد يكون نصف حجم رسام 
الكاريكاتير المدمن» وكان ثملاً مثله» فقد تمكن من تفادي اللكمة الأولى . 
ثم تراجع بسرعة إلى إحدى الزواياء وعينه مثبتة على منفذ الخروج. لم 


Twitter: @ketab_n ۱ 


يرها قادمة نحوه. فقد اندفع الصحفي المثلي من فوق كرسيه إلى الزاويةء 
ودورق النبيذ في يده. وبلمح البصر كان كاتب السيناريو ملقى على 
الأرض› والدم يسل من جبهته. وفيما راح يضغط بمنديل مليء بالدم 
على رأسه وكأنه جريح أصيب في معركة راح يحدّق أولاً في الصحفي» 
ثم في رسام الكاريكاتيرء» ثم أخذ ينظر إلى زاوية منحرفة. 

ومع ذلك یظل مقھی کوندیرا مقهی مریحاً کثیباً للمثقفین» لم یصبه 
إيقاع الحياة بأي خللء في السراء أو الضراء. فهذا مكان ليس لشجار 
السكارى. وحتى قبل أن يتوقف النزيف في جبهة كاتب السيناريو» عاد 
رواد المقهى إلى ما كانوا يفعلونه قبل هذا الفاصل المؤقت ‏ فراح بعضهم 
يبتسم ابتسامة عريضة» وبعضهم يدردش على كأس نبيذ أو فنجان قهوة» 
وانجرفت عيون الاخرين إلى الصور المؤطرة على الجدران. 


Twitter: @ketab_n 


1 


كان الفجر على وشك أن يبزغ» ولم يكن يفصله عن تلك العتبة 
الغريبة بين الليل وضوء النهار سوى خطوة قصيرة واحدة. وهي الفترة 
الوحيدة التي لا يزال من الممكن أن يجد المرء فيها عزاء في الأحلام» مع 
أنه قد يكون قد فات الأوان لإعادتها مرة أخرى . 

لو كانت هناك عين في السماء السابعة» عين سماوية تراقب كل 
شخص من الأسفل إلى الأعلى» لأبقت إستانبول تحت مراقبتها فترة من 
الزمن لتكوّن فكرة عما يفعله المرء وراء الأبواب الموصدة» وإن كان هناك 
أحد يتلفظ بكلمات بذيئة . أما بالنسبة للقابع في السماء» فلا بد أن هذه 
المدينة تبدو شيئاً متألقاً تتكون من نقاط تتلألاأ في جميع الاتجاهات» مثل 
ألعاب نارية تنطلق وسط ظلام كثيف . أما الآن فقد كان النمط الحضري 
يتلألأ هنا بألوان متدرجة من البرتقالي» ولون الزنجبيل والفلر. إنها 
مجموعة ومضات» تضيء كل نقطة نور فيها شخصاً يصحو في هذه 
الساعة. ومن موقع العين السماوية» من ذلك الارتفاع الشاهقء لا بد أن 
جميع هذه المصابيح التي تضيء بانسجام تام» لا تتوقف عن الوميض› 
وكأنها ترسل رسالة مشمُرة غامضة إلى الله. 

وباستثناء الومضات المتناثرة» لا يزال الظلام الدامس يخيم على مدينة 
إستانبول. وسواء على امتداد الشوارع الضيّقة الوسخة التي تتلؤى في 


Yor 
Twitter: @ketab_n 


الأحياء القديمةء أو فى العمارات السكنية الحديثة التى أصبحت تكتظ بها 
الأحياء الجديدةء أو في جميع الضواحي الفاخرة» کان الناس يغطون في 
سبات عميق . جميعهم ما عدا بعضهم . 

وكالعادة» فإن عدداً من أهالي إستانبول يستيقظون في وقت مبكر أكثر. 
من غيرهم . فالأئمَة مثلاء صغيرهم وكبيرهم» ذوو الأصوات الرخيمة» 
وذوو الأصوات غير الرخيمة» أئمة المساجد التي تزخر بها المدينة» 
يكونون أول المستيقظين» استعداداً لدعوة المؤمنين إلى صلاة الصبح ؛ 
وهناك باعة الكعك الذين يكونون من أوائل المستيقظين أيضاء الذين 
يتوجهون إلى المخابز لشراء الكعك بالسمسم الهش الذي سيبيعونه طوال 
النهار. ولذلك فإن الخبازين هم من أوائل المستيقظين أيضاً. ولا ينعم 
معظمهم إلا بساعات قليلة من النوم قبل أن يباشروا عملهم» بينما يوجد 
أناس آخرون لا يغمض لهم جفن أبداً في الليل. ففي كل يوم بدون 
استثناء» يشعل الخبازون أفرانهم عند منتصف الليلء لذلك تصبح المخابز 
في المدينة مثقلة بروائح الخبز اللذيذة قبل بزوغ الفجر. 

وتستيقظ عاملات التنظيف باكرا أيضاً. إذ تنهض تلك النساء» من 
جميع الأعمار» في وقت مبكر من الصباح ليستقللن ما لا يقل عن حافلتين 
أو ثلاث حافلات مختلفة كي يصلن إلى مكان عملهن في بيوت الأثرياءء 
حيث سيقمن بفرك. وتنظيف» وصقل أرضيات البيوت طوال النهار. إنه 
عالم مختلف هنا. فالنساء الثريات يتبرجن دائماً ولا تبدو عليهن أعمارهن 
الحقيقية أبداً. وبخلاف أزواج عاملات التنظيف» يكون الأزواج في 
الضواحي مشغولين دائماًء وهم مؤدبون على نحو يثير الدهشة» ومخنثون 
بعض الشىء. ولا يعتبر الزمن سلعة نادرة فى الضواحى» إذ يستخدمه 
الاس خا ادوب اا ۰ ۰ 

بزغ الفجر الآن. كانت المدينة دبقة ولزجة» تكاد تكون كياناً هلاميً 
في هذه اللحظة» شكلا غير منتظم» نصف سائل» ونصف صلب . 


Twitter: @ketab_n ot 


أما بالنسبة للعين السماوية فى أعالى السماءء فإن مسكن عائلة 
قازانجي يبدو مثل فلك يومض من ماسات مغبشة في وسط ظلال الليل . 
إذ إن معظم غرفه مظلمة وهادئة الآن» ما عدا عدد قليل منها. 

کانت آرمانوش واحدة من المقيمات في منزل عائلة قازانجي اللاتي 
استيقظن في هذه الساعة. فقد استيقظت مبكراً ودخلت إلى الإنترنت على 
الفور» متلهفة كي تخبر رواد مقهى كونستانتينوبوليس عن الحادثة المريعة 
التي وقعت البارحة. فقد حدتتهم عن الدوائر البوهيمية في إستانبول» ثم 
عن الشجار»› ولخصت لهم كل صفة وتفصيل دونته في مخيلتها في مقهى 
كونديرا. وبدأت الآن تقدم لهم وصفاً كاملا عن رسام الكاريكاتير المدمن› 
مضيفة كيف أنه وجد استخداماً جديداً للنبيذ على الطاولة. 

يبدوأن رسام الكاريكاتير رجل مسل» كتب المناهض للخافورما. إذن 
تقولين إنه ربما دخل السجن لأنه رسم رئيس الوزراء في هيئة ذئب؟ إن 
الدعابة عمل جڏي في تركيا! 

نعم» يبدو أن الرجل لطيف» قالت السيدة طاووس / سيرامارك 
موافقة . حدثينا أكثر عنه. 

لكن يبدو آنه كان لشخص آخر تفسير مختلف تماماً للحادثة . 

هيا» لا يوجد شيء لطيف› أو مثير للاهتمام فيه» أو في أي شخصية 
أخرى في ذلك المقهى القذر. ألا ترون» جميعهم وجوه وأسماء من 
البوهيميين» الطلائعيين» الجانب الزائف والمدعى من إستانبول. النخبة 
النموذجية من بلدان العالم الثالث الذين يكرهون أنفسهم أكثر من أي شيء 
آخر في العالم . 

أجفلت آرمانوش عندما قرأت هذه الرسالة الحاذَة من البارون 
باغداساریان وراحت تتطلع حواليها. 

كانت آسيا نائمة في الجانب الآخر من الغرفة» والسلطان الخامس قابع 


Twitter: @ketab_n 


على صدرهاء والسماعات على أذنيهاء وكتاب مفتوح في يدها: 
«المجموع واللا نهاية: مقالة حول الجوانب الخارجية»» بقلم إيمانويل 
ليفيناس . وكانت هناك كذلك علبة آقراص سي دي بجانب سرير آسيا ۔ 
جوني كاش يتشح بالسواد من رأسه وحتى أخمص قدميه» منتصباً إزاء 
سماء كثيبة رمادية وإلى جانبه كلب وإلى جانبه الآخر قطة» يحدَق عابساً 
في شيء يتجاوز الإطار. وقد نامت آسيا وجهاز الووكمان يعيد وي 
الشريط دون توقف. إنها ابنة أمّها في هذا الأمر أيضاًء تستطيع أن تقاوم 
جميع أنواع الأصوات» لكنها لا تستطيع أن تتحمّل الصمت. 

من مکانهاء لم تکن آرمانوش تتبین کلمات الأغانيء لکنها كانت 
تستطيع أن تسمع الإيقاع وهو يجري بسرعة. إنها تستمتع بسماع صوت 
كاش وهو يتدفق إلى الغرفة من السماعتين» كما تستمتع بالاستماع إلى 
مختلف الأصوات التي تتوزع في الداخل والخارج: آذان صلاة الصبح 
يترذد صداه من المساجد البعيدة؛ صوت صلصلة بائ الحليب» وهو يترك 
قناني الحليب أمام مخزن البقالة في الشارع المقابل؛ وصوت تنمس 
السلطان الخامس وآسيا المتناغم» صفير يشبه اندماجاً بين الشخير 
والقرقرة» مع أنه ليس من السهل أن تعرف من الذي يصدر الصوت؛ 
وصوت أطراف أصابع آرمانوش وهي تنتقل فوق لوحة المفاتيح تبحث عن 
أفضل رد تقدمه للبارون باغداساريان. كاد يبزغ الصباح» ومع أن آرمانوش 
لم تأخذ ما يكفيها من النوم» بدت مبتهجة» يعتريها إحساس بالنصر الذي 
يأتي بعد هزيمة النوم. 

في الطابق السفلي توجد غرفة الجدة كلثوم التي ربما كانت إيفان 
الرهيب في حياة أخرى» لكن حدَة شخصيتها وقسوتها لم تأتيا من دون 
سبب . شأن الكثيرين ممن يشعرون بالمرارة إزاء الحياةء فإن للجدّة قصّتها 
أيضاً . فقد نشأت فى بلدة صغيرة على ساحل بحر إيجة حيث كانت الحياة 
شاطرنةء الكتها معدمة .وترو جت من عائلة قازانجي » وهي غائلة أكثر ثراء 


Twitter: @ketab_n 


وأكثر تحضراً من عائلتهاء لكنها كانت بالتأكيد عائلة منحوسة وسيئة 
الطالع. شعور عروس ريفية شابة بعدم الارتياح تجاه ابن عائلة بشوشة 
مهذبة» لكن نسبها منحوس. العبء الذي ألقي على كاهل صبيَّة يتعين 
عليها أن تنجب أكبر عدد من الرجالء لأن لا أحد يعرف إلى متى 
سيعيشون» لكنها كانت تنجب الفتاة تلو الأخرى» وتتحمل بألم وهي ترى 
زوجها وهو يبتعد عنها مع ولادة كل فتاة. 

کان ليفينت قازانجي رجلا قلقاًء لم یکن يتورع عن استخدام حزامه 
لمعاقبة زوجته وأطفاله؛ صبي» فقط لو منحنا الله صبياًء لسار كل شيء 
على ما يرام . ثلاث بنات بالتسلسل» ثم الحلم» وأخيراً كان الطفل الرابع 
صبياً. وبأمل أن يطرأ تغيير على قدرهماء حاولا مرة أخرى» طفل 
خامس» لكنه كان فتاة مرة أخرى. ومع ذلك كان مصطفى يكفي» فقد کان 
كل ما يحتاجان إليه لاستمرار نسب العائلة. وأصبح مصطفى الصبي 
المدلّل» الذي يحظى بكلَ شيء» والمفضل دائماً على البنات» الذي تلبي 
دائماً جمیع نزواته. . . ثم توقفت هذه النغمة» وحل الظلام واليأس محل 
الحلم: فقد غادر مصطفى إلى أمريكا كي لا يعود أبداً. 

ولم يبادل أحد الجذة كلثوم الحبّ» المرأة التي لم تبلغ الشيخوخة 
رويداً رويداً كالأخريات» بل بلغتها بسرعة . فقد انتقلت فوراً من العذرية 
إلى التجاعيد» رلم تح لها رة النكرث في النترة الي فصل بين اين 
المرحلتين . لذلك كرست نفسها تماما لابنها الوحيد الذي كانت تؤثره على 
بناتهاء محاولة أن تجد فيه عزاء لكل شيء سلبته منها الحياة. لكنه ما إن 
وصل إلى أريزوناء حتى تحوّل وجود الصبي إلى مجرد بطاقات بريدية 
ورسائل. ولم يرجع إلى إستانبول لزيارة أفراد عائلته على الإطلاق . 
ودفنت الجدّة كلثوم في صدرها ألماً عميقاًء لأنها بذت ورفضت. ومع 
مرور الزمن» ازداد قلبها قساوة» وأصبحت تحمل اليوم نظرة شخص حقق 
التقشنف في الحياة بإرادته ويريد البقاء هكذا. 


Twitter: @ketab_n Yo¥ 


وفي الزاوية اليمنى من الطابق الأول» تغط ما-الهيفاء في سبات 
عمیق» خداها متوردان» فمها فاغر» وتشخر بسلام. وإلی جانب سریرها 
توجد خزانة بلون الكرز فيها نسخة من القرآن الكريم» ونسخة من كتاب 
الأولياء الصالحين» ومصباح جميل يبث لوناً أخضر لطيفاً. وإلى جانب 
الكتاب تقبع سبحة يمتزج فيها اللون الأحمر والأصفر وفيها حَجَرة عنبرية 
تتدلى من طرفها» وكأس نصفها ممتلئ فيها أسنانها الصناعية . 

لقد فقد الزمن سيطرته عليها منذ أمد بعيد. فلم تعد توجد لديها 
إشارات تنظيميةء ولا أضواء تحذيرية» ولا علامات على طول طريق 
تاريخها السريع . فهي حرة في أن تتحرك في أي اتجاه» أو في أن تغْيّر 
المجازات كما تشاء. وكان بإمكانها أن تقف في وسط الطريق تماماًء 
ترفض أن تتزحزح» ترفض أن تمضي إلى الأمام» بعد أن لم يعد ثمة شيء 
يدعى اتقدم» في حياتهاء بل أصبحت حياتها مجرد تكرار دائم للحظات 
معزولة. 

وفي هذه الأيام» بدأت تعود إليها ذكريات محددة من أيام الطفولةء 
واضحة وحيوية وكأنها تحدث هنا والآن. ها هي فتاة شقراء ذات عينين 
زرقاوين في الثامنة من عمرها في سالونيكي مع آمَهاء تبکیان بصمت بعد 
موت أبيها في حروب البلقان؛ ثم ترى نفسها في إستانبول» في أواخر 
تشرين الأول» يوم إعلان الجمهورية التركية الحديثة. رايات . ترى رايات 
كثيرة» حمراء وبيضاء» وهلال ونجمة» تخفق وتصفق في الريح مثل ثياب 
فلك ديا . ووراء الأعلام يقبع وجه رضا سليم» لحيته الكثة وعيناه 
الواسعتان الجديتان. ثم ترى نفسها شابة تجلس أمام البيانو من نوع بنتلي» 
تعزف ألحاناً بهيجة أمام ضيوف متأنقين . 

وفي الخرفة الصغيرة فوق غرفة ما - الهيفاء» تنام الخالة شكرية التي 
ترى الكابوس الذي ما فتئت تراه طوال السنوات الماضية. بأنها تلميذة في 
قاعة الدرس» ترتدي زياً مدرسياً قبيحاً رمادي اللون. يطلب منها المدير أن 


Twitter: @ketab_n 


تأتي إلى مقدمة الغرفة لاختبار شفوي . تتفصد عرقاً وهي تتلعثم وترتعش 
بقلق» قدماها ثقيلتان. ولم يكن لأي سؤال من الأسئلة التي تطرح عليها 
أي معنى . وتكتشف الخالة شكرية أنها لم تتخرج من المدرسة الثانوية . 
فقد تبين وجود خطأ في السجلات» وتعين عليها الآن أن تجتاز امتحان 
هذا الفصل كي تتخرّج وتصبح معلمة. وكانت في كل مرَّة» تستيقظ على 
اليد به اا تت الحدن مشه الفرجات سك قلا اح 
وردي» ويكتب صفراً ضخما في المكان المكتوب عليه اسم شكرية . 


هذا هو الكابوس الذي ما فتئت تراه طوال السنوات العشر الماضية»› 
منذ أن فقدت زوجهاء الذي سجن بتهمة الرشوة - تهمة كانت الخالة 
شكرية ترفض تصديقها باستمرار. وقبل شهر واحد فقط من إطلاق 
سراحه» مات وهو يتفرج على مشاجرة» بعد أن سلبه حياته سلك کهربائي 
غبي مفعم بالحياة. وكان يتكرر هذا المشهد في أحلام الخالة شكرية وكان 
يتراءى لها المجرم (كان لا بد أن يكون هناك مجرم) الذي وضع السلك 
هناك وقتل زوجها. كانت تحلم بأنها تنتظر عند باب السجن» ثم يتَغْيّر 
باقى السيناريو فى كل مرة. ففى بعض الأحيان» كانت توجد هناك لتبصق 
کے واا ا بان سات ن السجي وتراه أحياناً أخرى من 
شا وفي مرات أخرى» كانت تطلق عليه النار عندما يرى نور الشمس. 

بعد أن فقدت زوجهاء باعت الخالة شكرية بيتها وانضمت إلى الفتيات 
الأخريات اللاتى جئن ليعشن تحت سقف واحد. وفى الأشهر الأولى من 
مکوثها هفاك کان كل ما تفل ان تذرف الا وات ا بوتا 
بالتفرج على صور زوجها المرحوم» تكلمهاء تنشج فوق كل واحدة منهاء 
حتى تنهي يومها منهكة من شدة الحزن. وتتورم عيناهاء وتصبحان مثل 
حقيبتين منتفختين من الحزن» ويتقشّر أنفها من شدة البكاء ‏ كان هذا هو 
حالها حتى عادت إلى البيت في صباح أحد الأيام من المقبرة» لتكتشف أن 
الصور القديمة قد اختفت جميعها. 


Twitter: @ketab_n 104 


«ماذا فعلتِ بصوره؟» صاحت الخالة شكرية» وهى تعرف جيداً إلى 
وج ال اعا إا ۰ 

«ل أجابت الجدة كلثوم» عابسة وجافة» «الصور موجودة. فلن 
أسمح لك أن تمضي أيامك وأنت تبكين عليها. فلكي يشفى القلب» يجب 
ألا تراها العين لفترة من الزمن». 

لكنها لم تبر من ذلك. فقد اعتادت على تخيّل زوجها دون أن تنظر 
إلى صوره. وكانت بين الحين والآخر تجد نفسها تعيد تصميم وجهه» 
تضع له شارباً يكسوه الشيب» أو عدداً أكبر من خصلات الشعر هنا 
وهناك. وقد تزامن اختفاء الصور مع انتقال الخالة شكرية لتصبح مدرسة 
التاريخ القومي التركي . 

أما الخالة فريدة فكانت تنام في الخرفة أمام غرفتها. إنها امرأة ذكية 
وخلاقة» امرأة تتكون من مجموعة من القطع المختلفة. لكنهالو 
استطاعت أن تجمع القطع معأ لكان شيئاً رائعاً» فليس أمراً عادياً أن 
تكون مرهف الحساسيةء بل من الرائع أن تكون مرهفاً للغايةء إلا أنه من 
المخيف أن تكون ذا حسياسية مرهفة . وبما أنه من المحتمل أن يحدث أي 
شيء في أي وقت» فهي لا تستطيع أن تثى بالأرض التي تسير عليها. إذ 
لا يوجد [خساس بالأمان أو بالاستمرارية: فكل شيء يأتي متفرقاً في قطع 
یجب جمعها معا ومع ذلك فهي تتحدى أي فكرة عن الاكتمال. وكانت 
الخالة فريدة تحلم بين الحين والآخر بأن لها حبيباً. كانت تريد حبًاً 
يستغرق كيانهاء إلى حد أن يعتنق مخاوفها الكثيرة» أطوارها الغريبة» 
وانحرافاتها. حبيب يعشق كل شيء فيها. ولم تكن الخالة فريدة تريد حباً 
لجانبها الطيب ويتجتّب جانبها المظلم. بل كانت بحاجة إلى شخص 
يستطيع أن يقف إلى جانبها في السراء والضراءء في رشدها وجنونها. 
وربما لهذا السبب يجد المجانين صعوبة في الالتقاء بشخص تقول لنفسها 


Twitter: @ketab_n 1 


_ لا لأنهم مختلفونء بل لأنه يصعب العثور على شخص يريد أن يلتقي 
بعدة أشخاص مجتمعين في شخص واحد. 

إلا أن هذه لم تكن سوى أحلام يقظة. لأن الخالة فريدة لم تكن في 
واقع الحال ترى أحبّة» بل كانت ترى قطعاً مجردة. وفي الليل» كانت 
تخلق مزيجاً بألوان مذهلة وبأشكال هندسية متعددة. الريح تهب بشدَة» 
وتيارات المحيط تنزلق بعنف» ويصبح العالم جرماً سماوياً مليئاً 
باحتمالات لا نهاية لها. فكل ما يمكن بناؤه يمكن هدمه أيضاً فى الوقت 
و ا ا ا و ر ورو ا 
وأن تتناول دواءها بانتظام. لكنهم لم يكونوا يعرفون كثيراً عن هذه 
الجدلية. اصنع وحطم» اصنع وحطم»› اصنع وحطم. إن عقل الخالة 
فريدة عقل فنانة تلصيقية ممتازة. 

وإلى جانب غرفة الخالة فريدة» يوجد الحمّام وإلى جانبه غرفة الخالة 
زليخة. كانت مستيقظة . كانت جالسة باستقامة في سريرهاء تنظر إلى 
غرفتها وكأنها غرفة شخص آخر»ء وكأنها تحفظ تفاصيلها عن ظهر قلب كي 
تتقرب من الشخص الغريب صاحب الغرفة . 

تنظر إلى ثيابهاء عشرات التنانير» جميعها قصيرة» كلها صارخة 
ومبهرجة» أسلوبها في الاحتجاج على القوانين الأخلاقية التي نشأات فيها . 
وعلّقت على الجدران صوراً وملصقات عن الأوشام. ومع أن الخالة زليخة 
كانت في أواخر الثلاثينيات من عمرهاء كانت غرفتها تشبه في أمور شتى 
غرفة فتاة مراهقة. لعلها لن تكبر أبداً ولن تفقد الغضب في داخلهاء 
الغضب الذي نقلته دون قصد منها إلى ابنتها. وفي رأيهاء فإن أي شخص 
لا يستطيع أن ينهض ويتمرد» أي شخص لا يتمتع بالقدرة على أن 
يعارض. لا يمكنه أن يقول إنه يعيش حقاً. ففي المقاومة يقبع سر الحياة. 
وينقسم الناس في رأيها إلى معسكرين : الخضراوات» الذين يرون أن كل 
شيء على ما يرام» وكؤوس الشاي» وهم الأشخاص الذين مع أنهم لا 


Twitter: @ketab_n 


يجدون أن أموراً كثيرة تسير على ما يرام» فإنهم يفتقدون القَوَّة على 
المواجهة . وهذا المعسكر الأخير هو الأسوأً بين المعسكرين . وقد وضعت 
الخالة زليخة قاعدة عنهم› عندما كانت تضع قواعد. 


القاعدة الحديدية لحصافة المرأة الاستانبولية : إذا كنت هشة مثل كأس 
الشاي» فاما أن تجدي طريقة کي لا تواجهي ماءَ يغلي وتتمنين آن تتزوجي 
زوجاً مثالياً أو أن تنكسري بأسرع ما يمكن . لذلك» توقفي عن كونك امرأة 
شبيهة بكأس الشاي! 


أما هى فقد اختارت الخيار الثالث. إذ كانت الخالة زليخة تمقت 
الخافة. رى الأف» كات المراة الوخد يبن اء غائ قازاتجي الي 
تغضب عندما يتصدع كأس شاي تحت الضغط . 

تمد الخالة زليخة يدها إلى علبة سجائر مارلبورو لايتس ملقاة على 
المنضدة الصغيرة إلى جانب السرير وتشعل سيجارة. إذ لم يغيّر تقدم 
العمر عاداتها في التدخين على الإطلاق. وكانت تعرف أن ابنتها تدخن 
أيضاً. وكأن كل شيء يشبه مقطعاً تافهاً من كتيب صادر عن وزارة الصحة: 
ثمة احتمال بأن يصبح أطفال الآباء المدمنين على التدخين مدخنين بنسبة 
ثلاثة أضعاف . وتشعر الخالة زليخة بالقلق على صحة آسياء مع أنها كانت 
تعرف أنها إذا تدخلت في شؤونها كثيرأًء وإذا أبدت إشارات بعدم الثقة 
وسوء الظن» فقد يولد ذلك ردة فعل عكسية. وفى الوقت نفسه يصعب 
عليك أن تتظاهري بأنك لا تبدين اهتماماًء فين صعوبة أن تناديك انك 
«خالة». كان ذلك يقتلها. ومع ذلك كانت لا تزال تعتقد أن هذا الأمر قد 
يكون أفضل لكلتيهماء وهو الشىء الذي حرر الابنة وأمها بطريقة ما؛ 
وعليهما أن تنفصلا اسمياً كي تتمكنا من الارتباط جسدياً وروحياً. وال 
هو الشاهد الوحيد عليهاء لكن المشكلة الوحيدة هي أنها لم تكن تؤمن 
بوجوده. 


Twitter: @ketab_n ۹۲ 


تأخذ نفساً عميقاء تحتفظ به في داخلها برهة» ثم تطلق الدخان 
بخضب . . فإذا كان الله موجوداً ويعرف الكثير› فلماذا لم يفعل شيئاً بمعرفته 
هذه؟ لماذا يدع الأشياء تجري بالطريقة التي تجري بها؟ لاء فالخالة زليخة 
ثابتة العزم» ولا يمكن أن تستسلم للدين. فقد عاشت وهي تؤمن بأنها لن 
نستطيع أن تعرف شيا عن الله» وستموت كذلك. مخلصة ووفيه في 
كفرها. ولو كان الله موجوداً حقاًء لقدّر إنكارها الصادق» الذي يخص 
عدداً قليلاً من الناس» بدلاً من أن يُسمعها المتعصبون الدينيون المنتشرون 
في کل مکان» ذلك الكلام المعسول. 

في الغرفة في الطرف الآخر من الطابق الثاني توجد غرفة الخالة بانو. 

وهي أيضاً مستيقظة في هذه الساعة. الشخص الثالث الذي يستيقظ في 
بيت عائلة قازانجي. كان ثمة شيء غير مألوف فيها هذا الصباح. فقد کان 
وجهها شاحباً» وعيناها الكبيرتان اللتان تشبهان عيون المها ترتعشان قلقاً. 
وأمامها توجد مرآة. تنظر إلى نفسها وترى امرأة شاخت قبل أوانها. وللمرة 
الأولى منذ سنوات» تشعر بالاشتياق إلى زوجها - الزوج الذي غادرته» 
لکنها لم تتخل عنه تماماً. 

فهو رجل طيب يستحقّ زوجة أفضل . إذ لم يعاملها قط معاملة سيثة 
N E N‏ لم تعد الخالة بانو 
تتحمَّل أن تعيش معه. وكانت تذهب بين الحين والآخر إلى بيتها القديم» 
EE E‏ وکانت 
تشتري دائماً كمية من المشمش المجفّف وهي في طريقها إلى البيت» 
الذي كانت ته كرا : وعندما تذفب إلى هاك» كانت نظف البيث: 
وترتق بضعة أزرار» وتطهو بضعة أطباق» طعامه المفصل دائماًء وترئب 
البيت. ولم يكن هناك الكثير لكي ترتبه لأنه رجل يحافظ على تر 
البيت ونظافته . وفيما تقوم الخالة بانو بذلك كان يراقبها عن كثب . 

وكان يسألها دائماً في نهاية اليوم: «هل ستمكشين؟» ولا يتغير رذها 
على ذلك مطلقاًء فتقول: «ليس اليوم). 


Twitter: @ketab_n 1Y 


وقبل أن تغادر البيت كانت تضيف: «يوجد طعام في الثلاجة» لا تنس 
أن تسخن الحساء» والبلاكي يفسد بعد يومين. لا تنس أن تسقي نبتة 
اشح له فرت كان ورا يجاب إلافة: 

يومئ ويهمس بنعومة» وكأنه يحدّث نفسه «لا تقلقي . أعرف كيف 
أعتتي بنفسي . وشكراً على المشمش. ٠٠.‏ 

ثم تعود الخالة بانو إلى بيت عائلة قازانجي. وهكذا تسير الأمورء 
یوما بعد يوم» سنة بعد سنة . 

تبدو المرأة فى المرآة مسنَّة هذه الليلة. وكانت الخالة بانو تقول إن 
القخرخة السريعة هي القن الذي تدفجة لق متها قحف ابعر 
يشيخون سنة بعد سنةء إلا قارئات الطالع : فهن يشخن بعد كل قَصّة. ولو 
أرادت» لطلبت الخالة بانو التعويض عن ذلك . وكما أنها لم تطلب من 
الجني أي مكاسب مادية» لم تطلب أن تتمتع بجمال جسدي أيضاً. لعلها 
ستفعل ذلك ذات يوم . فقد منحها الله حتى الان القَوّة على الاستمرار دون 
أن تطلب المزيد. أما اليوم فإن الخالة بانو ستطلب شيئاً إضافياً. 

يا الله» امنحني المعرفةء لأنني لا أستطيع أن أقاوم الرغبة في 
المعرفة» لكن امنحني القَوَّة أيضاً لأتحمل هذه المعرفة . أمين . 

وتُخرج من أحد الأدراج سبحة من حجر الفيروز وتمسد خرزاتها. 

«حسناً إذن» أنا مستعدة» هيا لنبدأ. وكان الله في عوني!» . 

ابتسمت السيدة حلوء المدلاة من رف الكتب حيث يقبع مصباح 
الغازء ابتسامة عريضة. ولم تكن تشعر بالارتياح لدور المراقب الذي 
وجدت نفسها فيه فجأة» غير سعيدة بالأشياء التي ستشهدها بعد قليل في 
هذه الغرفة. وفي هذه الأثناءء او با الابتسامة الوحيكة 
التي يعرفها. إنه راض. وأخيرأًء اقتنعت الخالة بانو. لم تكن هيمنة السيد 
مر هي التي أقنعتهاء بل فضولها القاتل. لم تستطع مقاومة الرغبة في 


Twitter: @ketab_n 1€ 


المعرفة. هذه الرغبة القديمة التي تعود إلى ما قبل عهد الطوفان في 
الحصول على مزيد من المعرفة. . . من يستطيع أن يقاومهاء بالرغم من 
کل شيء؟ 

الآن» ستعود الخالة بانو والسيد مر بالزمن إلى الوراء. من عام ٠٠٠٠۵‏ 
إلى عام .٥‏ تبدو وكأنها رحلة طويلة» لكنها مجرد مسألة خطوات 
بالنسبة لسنوات غلياباني . 

أمام المرآة» بين الجني وسيدته» توجد طاسة فضية من ماء زمزم من 
مكة المكرمة. وداخل الطاسة الفضية توجد ماء مفضضة» وتوجد داخل 


الماء قصَة» مفضضة آيضاً . 


0 
Twitter: @ketab_n 8 


۲ 
حب الرمان 


أخذ آوغائيس ستامبرليان ية طارلة المكتب المخفورة يدوا 
والمصنوعة من خشب الجوز التي كان يجلس إليها منذ فترة مبكرة من بعد 
الظهر» وأحس بالسطح الناعم البرّاق تحت أصابعه. فقد قال له تاجر 
الأثريات اليهودي الذي باعها له إن هذه القطع نادرة جداً لأنه يصعب 
صنعها. فقد فُطعت من أشجار الجوز التي أحضرت من جزر بحر إيجة» 
ثم رينت بدروج صغيرة» ودروج سرية تشبه قطعاً مطرزة ج ورغم 
رهافة زخرفتهاء كانت الطاولة متينة إلى حد أنها قد تدوم أجيالا كثيرة. 

«ستعيش هذه الطاولة أكثر منك» بل وحتى أكثر من أطفالك»» قال 
التاجر مقهقهاًء وكأن بضاعته تعيش أطول من حياة زبائنه دعابة تلازمه 
«أليس من الرائع أن تعيش قطعة من الخشب حياة أطول من حياتنا؟». 

ومع أنه كان يعرف أنه يقصد بهذه الملاحظة أن يُظهر جودة بضاعته» 
أحس أوهانيس ستامبوليان بوخزة ألم حزينة . 

ومع ذلك فقد اشترى الطاولة» واشترى معها أيضاً دبوس زينة جميلاً 
فى شكل رمانة» تكسوها بطريقة مرهفة خيوط من الذهب» وقد تصدعت 
فليلا فى الوسط» فبرزت فى داغاها تبات من الباقرت الأخمر لاا 
كانت قطعة مقنة الصتع» صنخها حرقي آرمتي في سیواني» كما قيل له 
وكان أوهانيس ستامبوليان قد اشترى هذه القطعة هدية لزوجته» وكان يزمع 


٦ 
Twitter: @ketab_n 


أن يقدمها لها هذه الليلة» بعد العشاء» أو ربما كان من الأفضل أن يقدمها 
لها قبل ذلك» عندما ينهي كتابة هذا الفصل . 

ومن بين جميع الفصول التي كتبهاء كان هذا الفصل أكثرها صعوبة. 
وكان يعرف أن كتابته ستكون أصعب من جميع الفصول الأخرى» وربما 
جعله ذلك یتخلی عن کتابة کتابه برمته. لکنه کان غارقاً حتی أذنیه فی 
الكتابة ركان المغرج الوبغيد اله أن يواض العابة ققد كان ارغايى 
ستامبولیان شاعراً وکاتباً صحفیاً مشهوراً» وکان یتب سرَاً کتاباً بعيداً عن 
اختصاصه الرئيسي» ربما لقى رفضاًء أو سخريةء بل حى احتقاراً. فعندما 
رة الإ راشررية اتعائية إنجازات عطيمة ورات وة 
وانقسامات قومية» كانت الجالية الأرمنية حبلى بالإيدولوجيات الإبداعية 
والمناقشات الحماسية . لذلك مكث في بيته وأخذ يكتب كتاباً للأطفال. 

لم يكتب أحد من قبل كتاباً للأطفال باللغة الأرمنيةء وهو شيءَ يکاد 
لا يصدّق. لماذا لا يوجد ولا حتى عمل أدبى واحد فى هذا المجال؟ ألأن 
الأقلية الأرمنية أصبحت مجتمعاً غير قادر على اعتبار أطفالهم أطفالاً؟ هل 
الطفولة عبث» إن لم تكن ترفاً» تحظر على أقلية يجب أن تكبر بأسرع ما 
يمكنها؟ أم لأن الأدباء في إستانبول انقطعوا عن التقاليد الشفهية التي كانت 
الجدّات الأرمنيات ينقلنها بإخلاص إلى أحفادهن؟ 

كان عنوان القصة الحمامة الصغيرة الضائعة والبلد السعيد» وهي 
تحكي قصة حمامة ضلت طريقها في السماء الزرقاء» عندما كانت تطير مع 
أسرتها وصديقاتها إلى بلد سعيد. وكانت الحمامة تتوقّف في قرى وبلدات 
ومدن كثيرة» تبحث عن أحبائهاء تتوقف عند كل محطة» وتستمع إلى 
فصة جديدة . 

وهكذا» جمع أوهانيس ستامبوليان في كتابه هذا القصص الفولكلورية 
الأرمنية القديمة» التي انتقل معظمها شفوياً من جيل إلى جيل» والتي نسيها 
الآخرون منذ فترة طويلة. وخلال صفحات الكتاب» ظل وفيا لأصالة كل 


Twitter: @ketab_n ۷ 


حكاية وصحتهاء ولم يكد يغْيّر فيها ولا كلمة واحدة. لكنه قرر أن يختتم 
الكتاب بقَصّة يكتبها هو. وكان يفكر بنشر الكتاب عند انتهائه في إستانبول 
وتوزيعه في المدن الرئيسية مثل أضنة وهاربوت ووان وترابزون وسيواس» 
حيث يعيش الأرمن بأعداد كبيرة. ومع أن المسلمين كانوا قد بدأوا 
يستخدمون آلة الطباعة منذ قرابة قرنين» كانت الأقلية الأرمنية تطبع كتبها 
ونصوصها قبل ذلك بكثير . 

كان أوهانيس ستامبوليان يريد أن يقرأ الآباء الأرمن هذه القصص 
لأطفالهم قبل أن يخلدوا إلى النوم كل ليلة. وكان يكتب كتابه هذا منذ 
ثمانية عشر شهراً» ولم يكن يتاح له وقتاً كافياً يقضيه مع أطفاله . ففي عصر 
كل يوم» كان يدخل إلى غرفة مكتبه» يجلس إلى طاولته» ويستغرق في 
الكتابة وقتاً طويلاً. وعندما كان يخرج من الخرفة في الليل» يكون أطفاله 
قد أووا إلى فراشهم» ويغطون في النوم. وكان حافزه للكتابة قد سحر كل 
شيء» وکل شخص في حیاته. ومن حسن الحظ, أنه کان على وشك أن 
ينهي عمله. وكان الفصل الذي شرع في كتابته هذا المساء هو الفصل 
الأخيرء أصعب فصل في الكتاب كله وأكثره جهداً. وعندما ينهي كتابه» 
كان ينوي أن يجمع الأوراق ويربطها في شريط› ويضع الدبوس الذهبي 
داخل العقدة» ويقدّمها هدية إلى زوجته. فقد كان يزمع أن يهديها كتاب 
«الحمامة الصغيرة الضائعة والبلد السعيد». 

«إقرئيه» أرجوك)» كان ينوي أن يقول لها: «إذا لم يعجبك احرقيه. 
كله. وأعدك بأنى لن أسألك عن السبب. لکن إذا رأيت أنه كتاب جيدء 
أقصد» أنه يصلح للنشر والترزيم› فخذيه إلى غرابيت أفندي في دار الفجر 
للنشر. 

کان أوهانیس ستامبولیان يحترم رأي زوجته کثیراً. فقد كانت تتمتم 
بذائقة رفيعة في الأدب والفنون الجميلة. وبفضل استضافتهاء أصبح هذا 
القناق الطباشيري اللون القابع على شاطئ البوسقور مركزاً للمثقفين 


Twitter: @ketab_n 1۸ 


والفنانين منذ سنوات عديدة» وكان قد زاره عدد لا ييحصى من الأدباءء 
وعدد من الكتّاب البارزين» وعدد من الطامحين لأن يصبحوا كتاباً 
مرموقين. كانوا يأتون لتناول الطعام» والشراب» وللقراءة» والتأملء 
ويناقشون أعمال أحدهم الآخر بحماس شديد» ويناقشون بحماس أكبر 

بعد أن حلَقت الحمامة الصغيرة الضائعة طريلاًء أحست بالتعب 
والعطش» وجثمت فوق غصن شجرة يكسوه الثلج» غصن شجرة رمان 
بدأت تتفتح أزهارها. وعندما ملأت منقارها الصغير بقليل من الثلج› 
وروت عطشهاء بدأت تذرف الدمع على أبويها. 

«ل تبكى» أيتها الحمامة الصغيرة٠»‏ قالت شجرة الرمان. «دعينى 
أحكي لك قصة . قصّة الحمامة الصغيرة الضائعة». ٠‏ 

توقف آوهانیس ستامبولیان دون أن يفهم تماماً ما الذي شوش ترکیزه. 
أطلق تنهيدة تشي بالحنق» وقد فاجأه ذلك كثيراً. ففي الساعة الأخيرة من 
العمل كان عقله خاوياً من أية أفكار كثيبة. ولم يفهم السبب الذي جعله 
يشعر بقلق شديد في أعماقه» وكان عقله يعمل من تلقاء نفسه» يتأمّل في 
هواجس لا يعرف كنهها. ومهما كان سبب هذا الشعور بالانزعاج والقلق»› 
كان لا بد له أن يتخلّص من هذا السبات . فهذا هو الفصل الأخيرء القَصَة 
الأخيرة التي يجب أن تكون جيدة. زم شفتيه وعاد إلى الكتابة . 

«لكن من تتحدثين عنهاء هى أنا. أنا هى تلك الحمامة!» هدلت 
السام ال الفا بانتجا ۰ 

«أوه حقا؟» سألت شجرة الرمان» لكن لم يبد أنها فوجئثت على 
الإطلاق . «إذن استمعي إلى قصتك. . . آلا تريدين أن تعرفي شيا عن 

تقبلك؟) . 

«إذا كان مستقبلاً سعيداً فقط»» قالت الحمامة الصغيرة الضائعةء «فأنا 
لا أريد آن أعرف عنه شيئاً إذا كان حزيناً» . 


Twitter: @ketab_n 


فجأة اخترق الهواء الساكن صوت تهشم زجاج. أجفل أوهانيس 
ستامبوليان في كرسيه» توقف عن الكتابة» والتفت غريزيأً نحو النافذة» 
شقا آذيه؛ مجمذا. ولبرهة طويلة لم يسمع شيئاً سوى صرير الرياح . 
ومن الغرابة أنه وجد أن الصمت أكثر شؤماً من ذلك الصوت المخيف . 
كانت الليلة مثقلة بصمت شبحي» فيما كانت الريح تعوي في الخارج 
وكأنها تنقل غضب الله» في نوبة شديدة من الخضب لسبب لا يعلمه 
البشر. وبعكس الريح التي تلسع بقوة الجدران في الخارج» كان صمت 
مطبق يسود أركان البيت. وشعر أوهانيس ستامبوليان بوهن شديد بسبب 
هذا الهدوء غير المألوف إلى حد أنه شعر بشيء من الراحة عندما سمع 
أصواتاً قادمة من الطابق الأرضي . فقد كان أحدهم يعدو بسرعة من طرف 
البيت إلى آخره» ثم يعود» مذعوراً بخطوات تشحط على الأرض» وكأنه 
يهرب من شخص آخر» أو من شيء ما. 

لا بد أن هذا يرفانت» قال في نفسه» عندما زحف قلق جديد إلى 
عينيه» وبدت فيهما نظرة تفكير عميقة وخوف. فقد كان أكبر أبنائه» 
يرفانت» شقياً دائماً وصاخباًء لكن عناده وتمرده في الأونة الأخيرة كانا قد 
تجاوزا كل الحدود. وفي الحقيقة» شعر أوهانيس ستامبوليان بالذنب» لأنه 
لم يكن يمضي معه وقتاً طويلاً كما يجب. ومن الواضح أن الفتى كان 
مشتاقاً لأبيه. وبالمقارنة معه» كان أطفاله الآخرون الثلاثة» صبيّان وبنت› 
مطواعين وسلسين وكأنه كانت لطاقة أخيهم الأكبر المسعورة تأثير مخذّر 
عليهم . وكانت تفصل بين الصبيين الأصغرين ثلاث سنوات» لكنهما كانا 
طفلين طيعين. ثم جاءت الشقيقة الصغرى» الفتاة الوحيدة في الأسرةء 
شوشان الصغيرة. 

« تقلقى» أيتها الحمامة الصغيرة»» قالت شجرة الرمان مبتسمة 
ونفضت الثلج عن أغصانها. «فالقضًة التي سأحكيها لك» قصة سعيدة». 


تزايد عدد الخطوات فى الممر فى الطابق الأرضى على نحو مرعب. 


Twitter: @ketab_n ۷۰ 


وأصبح يبدو له الآن أنه يوجد عشرات من يرفانت المشاكسين الذين 
يجرون من جانب إلى آخر» يطأون بقوة على الأرض. لكنه خَيّل إليه في 
غمرة هذه الجلبة» فجأة» أنه سمع صوتأً» صوتاً غير متوفع» وفظاً جداأًى 
ملعلعاً وأجشاً لجزء من الثانية . وكان هذا كل شيء. ثم ساد صمت مرة 
أخرى» وكأن ذلك کله کان شيئاً من نسج خياله . 

في الأحوال العادية» كان سيخرج راكضاً من غرفته ليتأكد من أن كل 
شيء يسير على ما يرام . أما الليلة فلم تكن ليلة عادية. ولم يشا أن يزعجه 
أحد» ليس الآن» ليس وهو على وشك أن ينهى العمل الذي أمضى فيه 
لمائية عشر شهرا. انتاب أوهائيس خوف فب س غر اس الذي بعد أن 
غطس إلى الأعماق» لم يعد يستطيع أن يطفو ثانية إلى السطح. كانت 
E‏ یحیط به من جمیع جوانبه» لکنه کان مغريا 
أيضاً. وراحت الكلمات تقفز ذهاباً وإياباً على الورقة الجافة» تستجديه أن 
يختتم القَصّة الأخيرة» وأن يتركها لمصيرها الذي طال انتظاره . 

«حسناً إذن»» هدلت الحمامة الصغيرة الضائعة «احكي لي قَصَة 
الحمامة الصغيرة الضائعة. لكني أحذرك. إذا سمعت أي شيء حزين› 
فإني سأرفرف بجنحي وأطيرا. 

کان أوهانیس ستامبوليان يعرف ما كانت سترد عليها شجرة الرمان 
وكيف بدأت القَصّة الأخيرة» لكنه قبل أن يتمكن من كتابتها على الورق»› 
وقع شيء على الأرض في مكان ماء وتهشم إلى قطع صغيرة. وفي وسط 
هذا الانفجار سمع صوتاً يرافقه صوت شخير. ومع أن الصوت كان 
مکتوماً وقصیراًء فقد مير على الفور نشيج زوجته. قفز واقفاًء وخرج من 
هاوية كتابته» وبرز إلى السطح مثل سمكة ميتة . 


¥ ¥ # 


Twitter: @ketab_n ۲۷1 


عندما اندفع أوهانيس ستامبوليان نحو الدرج» تذكر لقاءه في ذلك 
الصباح مع كريكور هاغوبيان» المحامي البارز والعضو في البرلمان 
العثماني . 

«الأوقات سيئة» سيئة للغاية . استعد للأسوأ»» كان أول شيء تمتم به 
كريكور عندما التقيا في دكان الحلاقء «ففي البداية» جنّدوا الرجال 
الارن افلا جا ارين الفا جما معا ول 
امسلمون وغير مسلمين» سنحارب العدو معأً! لكنهم جردوا الجنود 
الأرمن من سلاحهم وكأنهم كانوا هم الأعداء. ثم جمعوا الرجال الأرمن 
فى كتائب للعمل. والآنء يا صديقى» تقول الإشاعات . . . يقول البعض 
إن الأسواأً قادم؟ . 

رغم قلقه» لم تؤثر هذه الأخبار على أوهانيس ستامبوليان كثيراً. فقد 
کان مسناً» ولا یستطیعون تجنیده» وأولاده صغار جداً. وکان ليفون» أخ 
زوجته الأصغر» الشاب الوحيد في العائلة في سن التجنيد. لكنه تمكن من 
تفادي الخدمة العسكرية خلال حروب البلقان لأنه حصل على شارة «غير 
محروس) أثناء عملية الاختيار. فقد كان يتم إعفاء الرجال المعيلين 
الوحيدين لأسرهم من أداء الخدمة العسكرية. لكن ربما تغيرت هذه 
القاعدة العثمانية القديمة. 

في هذه الأيام» لا يمكن للمرء أن يكون واثقاً من شيء تمام الثقة› 
فقد أعلنوا في بداية الحرب العالمية الأولىء أنهم سيجندون الشباب في 
أوائل العشرينيات من عمرهم فقط. إلا أنه مع ازدياد وتيرة الحرب» تم 
تجنيد الرجال في الثلاثينيات بل وفي الأربعينيات من أعمارهم أيضاً. 

لم تكن الحرب تصلح لأوهانيس ستامبوليانء ولا العمل اليدوي 
الشاق . فقد كان يحب الشعر. كان يحب الكلمات» يشعر بكل حرف من 
حروف الأبجدية الأرمنية على لسانه وشفتيه. وبعد تمعن طويل توصل إلى 
أن ما تحتاجه الأقلية الأرمنية ليس السلاح» كما قال بعض الثوريين» بل 


Twitter: @ketab_n ¥۲ 


الكتب. المزيد من الكتب. ومع آن مدارس جديدة کائت قد أشست به 
التنظطيمات» فقد كانوا بحاجة ماسّة إلى معلمين مثقفين ذوي عقول متفتحة 
أكثر وكتب أفضل . فقد أحرز شيء من التقدَم الإضافي بعد الثورة في عام 
۸. إذ دعم السكان الأرمن «حزب تركيا الفتاة» بأمل معاملتهم بعدل 
واحترام باعتبارهم غير مسلمين . فقد ذكر حزب «تركيا الفتاة» في إعلانه : 


يتمتع كل مواطن بالحريّة والمساواة الكاملتين» مهما كانت جنسيته أو 
دينه» وأن يكون متساوياً في الالتزامات . فجميع العثمانيين متساوون أمام 
القانون فيما يتعلق بالحقوق والواجبات الخاصة بالدولة» ويكونون مؤهلين 
لشغل المناصب الحكومية» حسب قدراتهم الفردية وتعليمهم . 

صحيح أنهم لم يفوا بوعدهم» وتخلوا عن مبداً العثمانيّة المتعددة 
القوميات لحساب مبدأ التتريك. إلا أن القوى الأوروبية الكبرى كانت 
تراقب الإمبراطورية عن كشب . ومن المؤكد أنها ستتدخل في حال حدوث 
شيء خطير . واعتقد أوهانیس ستامبوليان أله ب اروف الحالية فإن 
«العثمانية) هي أفضل خيار للأرمن»› لا الأفكار المتطرفة. فقد عاش 
الأتراك واليونانيون والأرمن واليهود معا منذ قرون» ولا يزال بوسعهم أن 
يجدوا طريقة للتعايش تحت مظلة واحدة. 

«إنك لا تفهم شيئاًء أليس كذلك؟» قال كريكور هاغوبيان بغضب : 
«إنك تعيش في قصصك الخيالية!» . 

لم يره أوهانيس ستامبوليان غاضباً وعدائياً إلى هذه الدرجة من قبل . 
ومع ذلك لم يسايره: «لا أظن أن الحماسة مفيدة لنا٤»‏ وقد رفع صوته 
فوق مستوى الهمس بقليل. فقد كان يرى أن الحماس القومي لن يؤدي إلا 
إلى أن یجعل بؤساً يحل محل بؤس آخر» وآن هذا لا بد أن يكون ضد 
المحرومين والمعدمين . وفى النهاية انفصلت الأقليات عن الكيان الأكبر 
بتكلفة باهظة» 'إذ لم تكن القومية سوى بديل عن ظالمين جدد. فبدلاً من 


Twitter: @ketab_n Y۳ 


أن يضطهدك شخص ينتمي إلى عرق مختلف» أصبح شخص من ملتك هو 
الذي يضطهدك . 

«الحماسة!» اكتسى وجه كريكور هاغوبيان قناع من الكدر» «هناك 
أخبار تأتي من بلدات كثيرة في الأناضول. ألم تسمع عن الأحداث التي 
جرت في أضنة؟ إنهم يدخلون إلى بيوت الأرمن بذريعة البحث عن 
أسلحة» ثم ينهبونها. ألا تفهم؟ سيُنفى جميع الأرمن. جميعنا! وهنا أنت 
تخون شعبك». 

ظل أوهانيس ستامبوليان هادئاً لبرهة» وهو يقضم طرفي شاربه. ثم 
تمتم بہطء» لكن بثقة : يجب أن نعمل معاًء يهوداً ومسیحیین ومسلمین . 
قرون وقرون تست سقف الإمبراطورية تفسها. إنتا نعيش معا طرال هذا 
الوقت» حتى لو لم نكن متساوين. إذ يمكننا الآن أن ننشر العدل بين 
الجميع› ونحوّل هذه اللإمبراطورية معا». 

عندها اختتم كريكور هاغوبيان كلامه بهذه الكلمات الكئيبة : «اصح يا 
صديقي» فلم يعد هناك شيء اسمه معاً. عندما تنكسر الرمانة فإن جميع 
حباتها تنفرط وتتبعشر في جميع الاتجاهات» ولا يمكنك أن تعيدها 
وتجمعها ثانية . 
حركة» منصتاً إلى الصمت المخيف فى البيت» تصرر رمانة مكسورة» 
حمراء وحزينة. وبذعر ظاهر راح ينادي زوجته: «آرمانوش! آرمانوش› 
أين أنت؟» . 

لا بد أنهم جميعهم في المطبخ» قال لنفسه» وبدأ يهبط الدرج بسرعة 
إلى الطابق الأرضي . 

بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى» أعلن عن التعبئة العامة . ورغم أن 
جميع أهالي إستانبول كانوا يتحدثون عن ذلك» كانت تأثيراتها ظاهرة في 


Twitter: @ketab_n V٤ 


البلدات الصغيرة. فقد كانوا يقرعون الطبول في الشوارع» ويصيحون: 
سفربرلك! سفربرلك! كان ذلك عندما جُنّد عدد كبير من الشباب الأرمنء 
أكثر من ثلاثمائة ألف شاب . في البدايةء تاچ جم مرا الجنود 
أسلحة» > مشل أقرانهم المسلمين. لكن بعد فترة وجيزة» طلب منهم إعادة 
تلك الأسلحة . وبخلاف الجنود المسلمين› ا 
عمل خاصة. وانتشرت الشائعات بأن أنور باشا كان وراء هذا القرار. فقد 
أعلن : «إننا بحاجة إلى أيدي عاملة لشق الطرق كي يعبر الجنود منها) . 

وبعد ذلك وردت أنباء سيثة» هذه المرة عن كتائب العمل نفسها. 
وراح الناس يقولون إن جميع الشباب الأرمن يُستخدمون في أعمال شاقة 
لش الطرقء مع أن بعضهم كان قد دفع «البدل» وأعفوا من الخدمة. 
وقالوا إن الكتائب آخذت لش الطرق» إلا أن ذلك كان مجرد ذريعة. ففي 
واقع الحال» كانوا يحفرون حفراً عميقة وعريضة تكفي ل. .. وقالوا إن 
الأرمن دفنوا في نفس الحفر التي أرغموا على حفرها. 

«أعلنت السلطات التركية أن الأرمن سيصبغون بيض عيد الفصح 
بدمهم)٤»‏ هذا ما قاله کریکور هاغوبیان قبل أن يغادر دكان الحلاق. 

لم يصدق أوهانيس ستامبوليان هذه الشائعات كثيراً. 

ومع ذلك فقد أقرَّ بأن الأوقات سيئة . 

في الطابتق الأرضي» نادى اسم زوجته مرة أخرى» وأطلق تنهيدة 
عندما لم يسمع رداً. عندما خرج إلى صحن البيت» وتجاوز المنضدة 
المصنوعة من خشب الكرز الطويلة التي يتناولون عليها طعام الفطورعندما 
يكون الطقس معتدلاء خطر بباله مشهد جديد من قصة الحمامة الصغيرة 
الضائعة . 

«إذن اسمعى قصتك). قالت شجرة الرمان وهى تهز بضعة من 
أغصانهاء نافضة بضع نقاط من الثلج: «كان يا ماکان ف قديم الزمان. 


Twitter: @ketab_n ¥0 


كانت مخلوقات الله كثيرة بكثرة الحبوب والكلام» وكان الكلام الكثير 


إثماً» . 
«لكن لماذا؟» هدلت الحمامة الصغيرة الضائعة: «لماذا كان الكلام 
الكثير إثما؟» . 


كان باب المطبخ مغلقاً. كان ذلك غريباً في هذه الساعة من اليوم. لا 
بد أن آرمانوش تعمل هناك مع ماري» خادمتهم منذ خمس سنوات» فیما 
تحلق الأطفال حولهما. ولم تغلقا الباب أبداً. 

مد أوهانيس ستامبوليان يده إلى مقبض الباب» لكنه قبل أن بحركهاء 
فتح الباب الخشبي القديم من الداخلء وأصبح وجهاً لوجه أمام جندي 
تركي» رقيب . أصيب الرجلان بالصدمة عندما اصطدما ببعضهما ووقفا 
بخان حدما ف لخر دة عامل أفاق الرقب من بات رلا فد 
خطا خطوة إلى الوراء وأخذ يرمق الآخر من رأسه حتى أخمص قدميه. 
کان رجلا أسمر وله وجه شاب رقیق» لولا قساوة نظرته . 

«ماذا یحدث هنا؟» سأل آوهانیس ستامبولیان» ورأی زوجته وأطفاله 
وماري مصطفين أمام حائط المطبخ في الخلف» يقف أحدهم إلى جانب 
الآخر مثل أطفال معاقبين . 

«لدينا أوامر بتفتيش البيت»» قال الرقيب. ولم يكن هناك ما يشي 
بعداوة في صوته» لكنه لم يكن يشي بأي تعاطف أيضاً. بدا وکأنه کان 
متعباً» ومهما کان سبب وجوده هناء كان يريد أن ينفذ الأوامر الصادرة له 
بأسرع ما يمكنه ويذهب: «هل تتفضل وترينا الطريق إلى غرفة مكتبك؟). 

توجهوا إلى مؤخرة البيت» وراحوا يصعدون بتشاقل الدرج الملتف 
الضخم . أوهانيس ستامبوليان في الأمام» والرقيب والجنود وراءه. عندما 
دخلوا غرفة المكتب في الطابق العلوي» بدأ الجنود يتحركون بسهولة» 
وراح كل منهم يتفحص قطعة من الأثاث مثل النحل الطتان الذي يمتض 


Twitter: @ketab_n ۷7٦ 


رحيق الأزهار البرية في الحقول . فتّشوا الخزائن» والدروج» وجميع 
رفوف المكتبة الممتدة من الحائط إلى الحائط . قلّبوا صفحات مثات 
الكتب بحثاً عن وثائق مخفية بين الصفحات؛ راحوا يتفحصون الكتب 
الأدبية الأثيرة لديه» «زهور الشر» لبودليرء و«الأوهام» لجیرار دي نیرفال» 
و«الليالي» لألفرد دي موسيه و«البؤساء» و«أحدب نوتردام» لهوغو. وبينما 
جالت عينا جندي أسمرء الذي كانت عيناه صغيرتين تشبهان خرزتين 
صغيرتين على نحو مريب في «العقد الاجتماعي» لروسو»ء تذكر أوهانيس 
ستامبوليان على الفور المقاطع التي كان الجندي يحدق فيها دون أن يراها 
حقاً: 

يولد الإنسان حرَاً لكنه مقيد بالسلاسل في كل مكان. ولكن الفرق 
يتمشل في أن المتوحش يعيش داخل نفسه»ء فيما يعيش الرجل الاجتماعي 
خارج نفسه» ولا يستطيع أن يعيش في آراء الآاخرين› لذلك يبدو أنه 
يحصل على الإحساس بوجوده من حكم الاخرين عليه فقط . 

عندما انتهوا من تفتيش الكتب» بدأوا يفتشون الدروج العديدة في 
طاولة المكتب المصنوعة من خشب الجوز. عندها رأى أحد الجنود 
الدبوس الذهبى على الطاولة. سلمه إلى الرقيب الذي أمسك الرمانة 
الصغيرة» وراح يزنها في راحة يده» ويفتلها في الهواء ليرى الياقوت في 
داخلها على نحو أفضل» ثم أعطاها إلى أوهانيس ستامبوليان بابتسامة. 

يجب ألا تترك مثل هذا الحجر الكريم الثمين آمام عيون الجميع . 
هياء خذها»» قال الرقيب بنبرة من التهذيب الهادئ . 

«نعم» شكراً لك. إنها هدية لزوجتي»» قال أوهانيس ستامبوليان 
بهدوء. 

ابتسم له الرقيب ابتسامة تنم عن الثقة بين رجل وآخر. إلا أن تعابير 
وجهه تحوّلت بسرعة من المودة إلى التجهم والعبوس› وعندما تكلم 
ثانية» لم يعد صوته يشي بالنبرة المعتدلة ذاتها. 


Twitter: @ketab_n YY 


«أخبرني ما المكتوب هنا قال الرقيب وهو يشير إلى حزمة من 
أوراق وجدها فى أحد الدروج› مكتوب عليها بأحرف أرمنية . 

تذكر أوهانيس ستامبوليان على الفور القصيدة التى كان قد كتبها عندما 
مرض واعترته حمُى شديدة. كان ذلك في خريف العام الماضي . إذ بقي 
طريح الفراش مدة ثلاثة أيام متتالية ولم يستطع أن يتحرك» بل كان يرتعش 
ويتفصد عرقاً وكأن جسمه أصبح مثل برميل ماء مليئاً بالثقوب يتسرب منها 
الماء بلا توقف . وكانت آرمانوش تقف بجوار سريره طوال ذلك الوقت»› 
تضع مناشف باردة منقوعة بالخل على جبهته وتفرك صدره بقطع الثلج . 
وفي نهاية اليوم الثالث» عندما حَفَّت الحمَى أخيراً» خطرت لأوهانيس 
ستامبوليان قصيدة» ورخب بها كتعويض عن معاناته وألمه. ومع آنه لم 
یکن رجلا متدیناء کان يؤمن بشدة بالتعويضات اللإلهية» التى كان يعتقد 
أنها تأتى من خلال إشارات صغيرة وهدايا كهذه. 

«إقرآها» دفع الرقيب الورقة . 

وضع آوهانيس ستامبوليان نظارته وراح يقرأ بصوت مرتعش الأسطر 
الأولى بصوت عال: 

الطفل يبكي في نومه دون أن يعرف لماذاء نشيج من الاشتياق لا 
یتوقف لکنه خافت 

یستحیل مواساته 

هكذا أشتاق إليك. . . 

«هذا شعرا» قال الرقيب مشدداً على الكلمة الأخيرة بترنيمة بدت 
كإحباط . 

لكن البريق الذي راه في عينيّ الرقيب لم يكن يشي بالعداء. لعل 
القصيدة أعجبته . ربما كان سيغادر الآن ويأخذ جنوده معه. 


Twitter: @ketab_n ۷۸ 


«أو - ها - نيس ستا- مبو - ليان»» همهم الرقيب» داغماً الكلمات» 
«إنك رجل واسع الإطلاع» رجل معرفة. إنك رجل مشهور ومحترم كثيراً. 
لماذا رجل محنك ومتطور مثلك يتآمر مع مجموعة من المتمرّدين 
الدنيئين؟. 


رفع أوهانيس ستامبوليان عينيه الداكنتين ورمش بعينيه وهو سارح 
الذهن. لم يعرف ماذا سيقول دفاعاً عن نفسه لأنه لم تكن لديه فكرة عن 
التهمة الموجه إليه. 

«المتمردون الأرمن. . . لقد قرأوا قصائدك ثم تمردوا على السلطنة 
العثمانية)ء قال الرقيب» مقطبا جبينه وهو يفكر: «كنت تحثهم على 
التمرّد». 

أدرك أوهانيس ستامبوليان فجأة التهمة الموجهة إليه» وخطورة هذه 
التهمة. فقال: «أيها الضابط»ء وأخذ يحدق بثبات في الرقيب الذي راح 
يحذق فيه أيضاًء وقد خشي أنه إذا انقطع تواصلهما بالعيون» فربما انقطع 
إلى الأبد جسر التبادل الوحيد القائم بينهما: إنك رجل متعم وتتفهم 
صعوبة وضعي . إن قصائدي هي صدى مخيلتي . إني أكتبها وأنشرهاء 
لكنني لا أستطيع أن أتحكم بمن يقرأها وما هي نواياه». 

بدا ممعناً في التفكير» أخذ الرقيب يطقطق مفاصل أصابعه الواحدة تلو 
الأخرى. ثم تنحنح وكأنه يريد أن يؤكد على أهمية ما يوشك أن يقوله: 
«إنني أفهم تلك المعضلة تماماً. لكنك تستطيع أن تتحكم بكلماتك . فأنت 
الذي يكتبها. أنت الشاعر...٠.‏ 


في جهد مستميت للتقليل مما بدأ يصبح رعباً حقيقياً بسرعة» أجال 
أوهانيس ستامبوليان الغرفة بعينيه حتى وقعت عيناه على عينيّ ابنه الأكبر 
الذي كان واقفاً بجوار الباب» يسترق النظر إلى الداخل. متى انسل خارج 
المطبخ؟ منذ متى يراقبهم؟ كانت وجنتا الفتى ورديتين من شدة غضبه من 


Twitter: @ketab_n ۲⁄۹ 


الجنود. إلا أن شيئاً فى قسماته كان يشى بأشياء تتجاوز ذلك بكثير. ومن 
الريب آل يكن مدر كان وجد ينات الع ر أن اتراي ران 
حكيماً بعض الشيء. ابتسم آوهانیس ستامبولیان لابنه» محاولاً أن يقنعه 
بأن الأمور تسير على ما يرام» ثم أومأ له بان يعود إلى أمّه. لكن يرفانت 
لم يتحرّك. 

«أخشى أنك يجب أن ترافقنا»» قال الرقيب . 

«ل أستطيع؟» قال أوهانيس ستامبوليان تلقائياًء لكنه أدرك كم كان 
العذر الذي سيقدمه واهياًء «الليلة يجب أن أنهي كتابي. .. إنه الفصل 
الأخير... وبدلاً من ذلك طلب إذناً ليلم زوجته». 

قبل أن يأخذوه» كان الشيء الأخير الذي رسخ في ذاكرته قسمات 
زوجته» حدقتاها الواسعتان» وشفتاها الشاحبتان. لکن آرمانوش لم تبك» 
ولم يبد عليها أنها صدمت. بل بدت مرهقة للغاية» وكأن الوقوف عند 
مدخل الباب قد استنفد کل طاقتها. کم کان یتمنّی أن يمسك يدیها الآن› 
أن يضمها إليه بقوة» وأن يهمس في أذنيها بأن تظل قوية» قوية دائماً» من 
أجل أطفالهماء ومن أجل الطفل القادم على الطريق . فقد كانت آرمانوش 
حامل بأربعة أشهر . 

عندما دفع خارج الباب إلى الشارع المظلم حيث كان الجنود مصطفين 
على كلا الجانبين» تذكر أوهانيس ستامبوليان أنه نسي أن يقدم الهدية إلى 
زوجته. دس يديه في جیوبه وأحس بالارتیاح عندما تحسس جیبه ولم یجد 
الرمانة الذهبية. لقد تركها في البيت» في أحد دروج الطاولة. وابتسم 
ابتسامة خفيفة عندما خطر له كم ستكون آرمانوش سعيدة عندما تجدها 
هناك . 


Twitter: @ketab_n 1۸۰ 


ما إن غادر الجنود» حتى سمع صدى خطوات سريعة على عتبة 
الباب. كانت جارتهم التركية في البيت المجاور. امرأة بدينة لطيفة» مرحة 
دائماء لكنها الآن لم تكن كذلك. إن رؤية تعابير الفزع على وجه جارتهاء 
أخرج آرمانوش من غيبوبتهاء وتركت الفزع يتملكها. شدت يرفانت 
وهمست وشفتاها ترتعشان وقالت له: «اذهب يا بني» اذهب إلى بيت 
خالك ليفون. . . اطلب منه أن يأتي إلى هنا مباشرة. ê‏ 

گان بيت الخال تقون قريياء عند زاوية ساكة السوق» كان يعيش 
وحيداً في بيت متواضع ذي طابقين» حيث اتخذ من الطابق الأول ورشة 
له. فبعد أن رُفض طلبه عندما تقدم لخطبة فتاة أرمنية جميلة كان قد وقع 
في غرامها في صباه» وربما کان لا یزال یحبها حتی الآن» قرر ألا يتزوّج 
آي فتاة أخرى» وأمضى سنواته يعمل بجد في ورشته» التي كانت تشتهر 
بجودة منتجاتها. فقد كان الخال ليفون صانع قدور» وكان يصنع أفضل 
القدور في السلطنة كلها. 

عندما خرچ یرفانت إلى الشارع سار بضع خطوات نحو بيت الخال 
ليفون» لكنه توفّف فجأة والتفت إلى الاتجاه المعاكس» الاتجاه الذي أخذ 
أبوه منه» وراح يجري . ومع أنه جرى من جانب الشارع إلى الجانب 
الآخر» لم ير أي دليل على أبيه. لا شيء. لا أحد» 8 الجنود الأتراك 
وأبوه قد اختفوا معاً . 

بعد قليل وصل إلى بيت الخال ليفون» ومع ذلك لم يكن هناك أحد 
في الطابق العلوي. راح يقرع باب الورشة» راجيا أن يكون هناك. فلم 
يكن من غير المعتاد ألا يعمل الخال ليفون حتى ساعات متأخرة في 
مخزنه. لكن أحد صانعيه فتح الباب» رضا سليم» شاب تركي مراهق 
نشيط في عمله» هادئ» ذو بشرة بيضاء كالخزف» وذو شعر أسود لماع 
مجعد . 


«أين خالي؟» سأل یرفانت . 


Twitter: @ketab_n ۲۸۱ 


«لقد ذهب المعلم ليفون»» قال رضا سليم بصوت مخنوق يكاد يخرج 
بصعوبة من حنجرته» «لقد جاء الجنود واقتادوه عصر هذا اليوم؟. 

ما أن لفظ هذه الكلمات المشؤومة» حتى انهمرت الدموع من عينيّ 
رضا سليم التي كان يحاول إمساكها. كان الصبي يتيماً وكان ليفون بمثابة 
أب له خلال السنوات الست الماضية. قال: «لا أعرف ماذا أفعل . إنى 
أنتظر. . .». ٠‏ 

في طريق عودته إلى بيته» أخذ يرفانت بجري في الشوارع الملتوية 
شرقاً وغرباً» يبحث عن شيء» عن آي شيء يمکن أن يکون دليلاً مبشراً. 
اجار متاھی اریت عبادین رسخ یوت داع یت متها رواخ 
«تورلو» وبكاء الأطفال الرضع . وكان الدليل الوحيد على الحياة مواء هرَّة 
تتألم تقف بجوار بالوعة قذرةء تلعق بطنها الصغيرة حيث انشق اللحم 
وتجمع الدم حول جرح عميق. 

وبعد سنوات» عندما کان يرفانت يفكر بأبيه» كان يتذكر الهرّة الوحيدة 
في الشارع المظلم الخاوي. حتى في سيواس» في قرية بيركينيك الأرمنية 
الكاثوليكية الصغيرة التي ذهبوا إليها لاحقاً بحثاً عن ملجأ مع الجد 
والجدَة» والتى طردوا منها ذات ليلة على يد جنود اقتحموا البيت. حتى 
ا رة اا و ا ع الت اال 
يحرسهم الجنود الممتطين أحصنة» حتى عندما كان يتعثر عبر سجادة 
سميكة من الطين والقيء والدم والغائط؛ حتى عندما لم يكن يعرف كيف 
يسكت صياح أخته الصغيرة» شوشان» وفي أحد الأيام» وفي غمرة 
الاضطراب الذي أعقب ذلك ترك يدها للحظة ولم يعد يراها» حتى 
عندما رأى قدميْ أمَّه تنتفخان لتصبحا مثل وسادتين زرقاوين من الألم 
تغطيهما العروق الزرقاء والدم؛ وحتى عندما ماتت» هادئة وخفيفة مثل 
ورقة شجرة صفصاف جافة ملتفة في الرياح الهوجاء؛ وحتى عندما رأى 
جثثا منتفخة تفوح منها روائح نتنة على طول الطريق» إسطبلات مليئة 


Twitter: @ketab_n AY 


بالدخان والنار؛ حتى عندما لم يتبق شيء يأكله هو وأخوته إلا الأعشاب 
مثل خراف في البادية السورية؛ حتى عندما أنقذتهم مجموعة من المبشرين 
الأمريكيين الذين كانوا يجمعون الأيتام الأرمن الذين ضاعوا هنا وهناك 
وهم في طريقهم إلى المنفى؛ حتى عندما أحضروا إلى الكلية الأمريكية في 
سيواس التي أصبحت تستخدم كملجاًء» ومن هناك أرسلوا إلى أمريكا؛ 
حتى عندما وجد أخته الصغيرة شوشان بعد سنوات» في إستانبول 
وأحضرها إلى سان فرانسيسكو؛ وحتى بعد أن كان يحاط على العشاء 
بأطفاله وأحفاده بسعادةء ظلت تلك الهرّة محفورة في ذاكرته . 


¥ ¥ ¥ 


«هذا يكفي»»› صاحت الخالة بانو» مجفلة. أرخت منديل رأسهاء 
وغطت به الطاسة الفضية: «لا أريد أن أرى المزيد. لقد عرفت ما كنت 
أريد أن أعرفه. . ٠.‏ . 

«لكنك لم تري كل شيء٤»‏ قال السيد مر معارضاً إياها بصوت 
ممطوط› «لم أخبرك عن القمل بعد). 

«القمل؟» تأتات الخالة بانو. فالروح التي دفعتها لإيقاف هذه الجلسة 
بدا أنها ولت الآن. أمسكت منديل رأسها ونظرت إلى الطاسة ثانية . 

«أوه نعم» القمل» يا سيدتي» إنه تفصيل مهم»» قال السيد مر 
«أتذكرين الجزء الذي تركت فيها شوشان الصغيرة يد أخيها الكبير» وتاهت 
فجأة بين الناس؟ فقد التقطت القمل من أسرة كانت قد اقتربت منها بأمل 
الحصول على شيء من الطعام. ولم يكن يوجد لدى الأسرة طعاماً 
يكفيهاء فأبعدتها عنها. وما هي إلا أيام قليلة حتى أصيبت شوشان الصغيرة 
بحمى ملتهبة : التيفوس . 

ندت عن الخالة بانو تنهيدة طويلة عالية . 

«كنت هناك. رأیت کل شيء. جثت شوشان على رکبتیها. لم یکن 


Twitter: @ketab_n YAY 


بوسع أحد في تلك القافلة أن يقدم لها المساعدة. تركوها هناك على 
الأرض» جبهتها مغطاة بالعرق» وشعرها مليء بالقمل!» . 

«كفى٤!‏ نهضت الخالة بانو على قدميها. 

«لكن ألا تريدين أن تستمعي إلى أهم جزء؟ آلا تريدين أن تعرفي ما 
حدث لشوشان الصغيرة؟» سألها السيد مرَّ» وقد بدا أنه أهين: «لقد أردت 
أن تعرفي عن عائلة ضيفتك» أليس كذلك؟ حسناًء إن شوشان الصغيرة في 

«نعم»» أجابت الخالة بانو: «لقد خمّنت ذلك. استمر). 

اا٤‏ مى السيد ر حماس لدا بتر بعد أن ركت شه 
ميتة فى الطريق وبعد أن اختفت القافلة فى الأفق» عثرت امرأتان من قرية 
رة قرسة على شوفان الصخرة .كاتا أما وانتتها. اعاتا الفتاة المريضة 
إلى البيت وغسالتاها بصابون الغار وأزالتا القمل من شعرها بمحلول معد 
من أعشاب الوادي. قدمتا لها الطعام وعالجتاها. وبعد ثلاثة أسابيع› 
عندما توف مسؤول كبير في القرية مع رجاله واستجوب القرويّين إن كانوا 
قد صادفوا أياً من الأيتام الأرمن في المنطقةء أخفت الأ التركية شوشان 
في داخل صندوق مهر ابنتهاء لتنقذها من أي أذى. وبعد شهر استردت 
الفتاة الصغيرة عافيتهاء لكنها لم تكن تتكلم كثيراً» وكانت تبكي في نومها 
في الليل» . 

«ظننت أنك قلت إنها جُلبت إلى إستانبول. . .». «في نهاية المطاف» 
نعم؟. فخلال الشهور الستة التالية اعتنت الام وابنتها بهاء وكأنها فرد من 
أسرتهما» وربما واصلتا رعايتها. إلا أن مجموعة من قطاع الطرق كانت 
تغير على البيوت وتنهبها. وكان قطاع الطرق هؤلاء يتوقفون عند كل قرية 
تركية وكردية في المنطقة ويسلبونها. ولم يستغرقوا وقتاً طويلاً حتى 
اكتشفوا فتاة أرمنية صغيرة هناك. ورغم عويل الام وابنتهاء أخذوا 


Twitter: @ketab_n A4 


شوشان. فقد سمعوا الأوامر بتسليم جميع الأيتام الأرمن الذين تقل 
أعمارهم عن اثتني عشرة سنة إلى دور الأيتام في أنحاء البلاد. لذلك لم 
يمض وقت طويل حتى أصبحت شوشان نزيلة ملجأً للأيتام في حلب» 
لكن بسبب عدم وجود مكان لهاء أعيدت إلى مدرسة في إستانبول يقوم 
برعايتها عدد من "1«ة1ةءهط» وكان هناك عدد من المحسنين ومحبى 
الان و اا اک وا اد دون 
أزرار. وكان في المدرسة صبية وفتيات. وقد ختن الصبيان جميعهم» 
وبُدّلت أسماؤهم. وكذلك شوشان. فأصبح الجميع ينادونها الآن شيرمين . 
وأعطيت أيضاأً الرقم .٠٠۲١‏ 

«كفى». قالت الخالة بانو وأعادت منديل رأسها إلى الطاسة الفضية› 
وألقت نظرة طويلة وثاقبة إلى الجني . 

«نعم» يا سيدتي» كما ترغبين»» برطم السيد مرَ» «على أية حال» لقد 
اجتزت أهم جزء في القصّة. فإذا رغبت في الاستماع إلى ذلك الجزء 
أيضاًء أخبريني لأننا نحن الغلياباني نعرف كل شيء. لقد كنا هناك. لقد 
حدثتك عن ماضي شوشان» عندما كانت فتاة صغيرة» التي هي الآن جدة 
آرمانوش . أخبرتك بالأشياء التي لا تعرفها ضيفتك. هل ستخبرينها بذلك؟ 
ألا تظنين أن لها الحق في أن تعرف؟» . 

لبشت الخالة بانو صامتة. هل ستحكي لآرمانوش القَصّة التي عرفتها 
الليلة؟ وحتى لو أرادت أن تحكي لهاء فكيف ستقول لها إنها رأت قصّة 
عائلتها في طاسة فضية من الماء ااا إياها أحد الغلياباني» واحداً من أسوأً 
أنواع الجنْ؟ هل ستصدقها آرمانوش؟ وحتى لو صدقتهاء أفليس من 
الأفضل ألا تعرف الفتاة ما عرفته هي عن هذه التفاصيل الحزينة؟ 

التفخت الخالة بانو تكو السيدة حلوة لمواساتها. لكن بدلا من أن 
تجيبهاء كان كل ما حصلت عليه من الجنية المحسنة ابتسامة خجولة 
ووميض مفاجئ من الهالة المحيطة برأسهاء تومض في ظلال من لون 


Twitter: @ketab_n ۸9٥ 


الإجاص» واللون الوردي» والأرجواني. ومع هالة الجنيّة» خطر لها 
سؤال شائك: هل من الأفضل حقاً أن يعرف البشر المزيد عن ماضيهم؟ 
ثم المزيد والمزيد. . .؟ أم من الأفضل أن يعرفوا القليل عن الماضي» بل 
وحتى أن ينسوا ذلك القدر القليل الذي يتذكرونه؟ 


¥¥¥ # 


بزغ الفجر الآن. خطوة قصيرة تفصل الليل عن ضوء النهار. الفترة 
الوحيدة من اليوم التي يكون فيها الوقت مبكراً لإيواء الآمال بتحقيق أحلام 
المرءء إلا أن الآوان يكون قد فات للحلم» فقد ابتعدت أرض مورفيوس 
الان. 

إن عين الله كلية القدرة والمعرفة؛ إنها عين لا تغمض أبدأء بل إنها 
تومض . لكن لا يمكن لأحد أن يعرف ما إذا كانت الأرض كلها تحت 
المراقبة أيضاً. فإذا كانت هذه مرحلة يعرض فيها مشهد إثر مشهد من أجل 
العين السماوية» فقد تكون هناك أوقات في الوسط تسدل فيه الستائرء 
ويغطي منديل رأس من الشاش طاسة فضية . 

إن إستانبول مكان خليط تعيش فيه عشرة ملايين نفس . إنها كتاب 
مفتوح مؤلف من عشرة ملايين قصَة مختلطة ومشوشة . إستانبول تستيقظ 
من نومها المرتبك والمبلبل» مستعدة لفوضى ساعة الازدحام. ومن الاأن 
وصاعداً» ستُستجاب دعوات كثيرة» وستدون تجديفات كثيرة» وسيراقب 
الكثير من الآثمين» والكثير من الأبرياء . 

لقد حل الصباح في إستانبول الآن. 


Twitter: @ketab_n A7 


۳ 


تیر جفه 


على مدى شهور السنة» يعرف كل شهر الفصل الذي ينتمي إليه» 


فشهر آذار أكثر شهر يتسم بعدم التوازن في إستانبول» من الناحيتين 
النفسية والجسدية . فقد يقرّر آذار أنه ينتمي إلى فصل الربيع» ويصبح دافثاً 
مفعماً بالشذى العطرء لكنه يغيّر رأيه بغتة بين عشية وضحاها» ويصبح 
شهراً ينتمي إلى فصل الشتاء» فيرسل رياحاً باردة» وثلجاً ممزوجاً بالمطر. 
أما اليوم» فهو يوم سبت في التاسع عشر من شهر آذار» يوم مشمس على 
نحو غير معهود» تزيد حرارته على المعدل في مثل هذه الفترة من السنة. 
لذلك خلعت آسيا وآرمانوش كنزتيهما وهما تسيران في الطريق العريض 
الواقع في مهب الريح الممتد من أورتاكوي إلى ميدان تاكسيم . كانت آسيا 
ترتدي ثوباً طويلاً من الباتيك» موشى برسوم يدوية بألوان البيج والبني 
الكاراميل . وفي كل خطوة تخطوهاء كانت طبقات من القلائد والأساور 
تار صلا وتعقفة أا ا ماترق تكانتا رة لا ويها فن ازتذاه 
الثياب: بنطلون جينز أزرق» وقميص فضفاض كتب عليه بأحرف كبيرة 
جامعة أريزونا»» وصندل وردي اللون يشبه نعال الباليه . كانتا في طريقهما 
لزيارة صالون الوشم . 


YAY 
Twitter: @ketab_n 


«إني سعيدة بأنك ستقابلين آرام أخيرآً؛» قالت آسيا بابتسامة مشرقة» 
فيما راحت تنقل حقيبتها المصنوعة من الخيش من كتف إلى آخر» 
وأضافت : «إنه شخص في غاية اللطف». 

«سمعت أنك تذكرين اسمه من قبل» لكنني لا أعرف من هو . 

«أوة» إنه. . .» توقفت آسياء تبحث عن الكلمة الملائمة بالإنكليزية. 
فقد بدت كلمة «بوي فريند» خفيفة جداً لمثل هذه الحالةء ولم تبدٌ عبارة 
الزوج المقبل معقولة. وبدا أن كلمة خطيب مناسبة أكثرء لكنهما في الوافع 
لم يُخطبا رسمياً: «إنه الشخص الآخر بالنسبة للخالة الأخرى» الخالة 
زليخة». 

في الجانب الآخر من الطريق» وتحت قوس عثماني منحوت 
ومزخرف بشكل رائع» لمحتا صبيين غجريين» أحدهما يُخرج علباً فارغة 
من صناديق القمامة ثم يكومها في عربة متداعية . فيما جلس الصبي الاخر 
على حافة العربة وأخذ يفرز العلب» باذلاً ما بوسعه كي يبدو أنه مستغرق 
فى عمله مستمتعاً بدفء الشمس. ربما كانت هذه هى الحياة الرعويةء 
الت اسا اھا کات معت لاق م ای کے کی اح کا 
ذلك الي ع العربة. ففي البدايةء ستذهب وتشتري أكثر الأحصنة 
خمولاً ووهناًء ثم تركب العربة» وتصعد بها وتهبط في شوارع إستانبول 
الشديدة الانحدار» وتجمع أشياء. وستجمع بشوق المصنوعات اليدرية 
الأقل جاذبية فى الحياة الإنسانية» تعانق الأنقاض المتعفنة تحت سطحها 
المصقول. وانتاب آسبا شعرر باه ريما كات الزبال في إستائيرل يعيش نيا 
أقل توتراً بكثير من حياتها ومن حياة أصدقائها في مقهى كونديرا. 

فإذا أصبحت زبالة» فإنها سحجول في أرجاء المدينة وهي تصفر ألحان 
جوني كاش» ونسيم عليل يداعب شعرهاء وأشعة الشمس تدفئ عظامها. 
وإذا تجرأً أحد على أن يعكر صفو هذا التناغم الرائع» فإنها ستبث الرعب 
في نفسه» وستهدده بعشيرتها الغجرية الكبيرة التي ربما كان كل فرد من 


Twitter: @ketab_n YAA 


أفرادها متهم بجريمة من نوع ما. وخلصت آسيا إلى أنه رغم مشكلة 
الفقر» وما دام الفصل لم يكن فصل شتاءء فإنه من الممتع أن تجمع 
القمامة. ودوّنت ملاحظة عقلية لنفسها كي تتذكر ذلك إن لم تتمكن من 
الحصول على وظيفة أفضل بعد تخرجها من الجامعة. وعلى وقع هذه 
الملاحظة راحت تصفر» وعندما وصلت إلى نهاية الأغنية لاحظت آسيا أن 
آرمانوش لا تزال تنتظر ردا مفصلاً عن السؤال الذي سألتها إياه قبل بضع 
دقائق . 

«إن الخالة زليخة وآرام يلتقيان منذ مدة لا يعلمها إلا الله. إنه مثل 
زوج أمي على ما أظن: أو ربما توجب علي أن أدعوه عمَّي... مهما 
کان». 

«لماذا لا يتزوجان؟) . 

«يتزوجان؟» بصقت آسيا الكلمة من فمها وكأنها تلفظ طعاماً علق بين 
أسنانها. كانتا تتجاوزان الآن جامعى العلب الفارغة» ولدى معاينتها عن 
كشب مثاليها في الحياةء آنرکت آسیا اهما لم یکرتا بین بل فتاتین. 
وهذا ما زاد إعجابها. فقد كان تشويش الحدود بين الجنسين سبباً آخر 
جعلها ترغب في أن تصبح جامعة قمامة. وضعت سيجارة بين شفتيهاء 
لكنها بدلاً من أن تشعلهاء راحت تمتص طرفها لبرهة» وكأنها لوح 
شوكولاتة ملفوفاً بورق السيلوفان. ثم كشفت عن فكرة تعتمل في داخلها: 
«في الحقيقةء آنا واثقة من أن آرام لا يمانع من أن يتزوجهاء لكن الخالة 
زليخة لن تقبل أبدأ» . 


«لکن لماذا؟» أرادت آرمانوش أن تعرف . 

هبت نسمة باتجاههما» وأحست آرمانوش بهبة هواء لاذعة من البحر. 
إن هذه المدينة مزيج من الروائح› بعضها قوية وزنخة» وبعضها حلوة 
ومنعشة . وكانت كل رائحة تقريباً تذكر آرمانوش بنوع من الطعام» إلى حد 


Twitter: @ketab_n ۸۹ 


أنها بدأت تظن أن إستانبول شيئاً يمكن تناوله. فقد مضت ثمانية أيام على 
إقامتها هناء وكلما مكثت أكثرء بدت لها إستانبول أكثر تشعباً وذات وجوه 
متعددة. لعلها بدأت تعتاد على أنها أجنبية في هذه المدينةء إن لم تكن 
أخذت تعتاد على المدينة نفسها. 

«أظن أن هذا بسبب تجربة الخالة زليخة مع أبي الذي لا أعرفهاء 
تابعت آسيا كلامهاء «وهذا ما يجعلها تعارض الزواج بشدة. أظن أنه توجد 
لديها مشكلة ثقة مع الرجال». 

«حسناًء یمکننی أن أتفهم هذا»» قالت آرمانوش . 

«لكن ألا تظنين أنه يوجد فرق كبير بين الجنسين عندما يتعلق الأمر 
بالشفاء من علاقة حبَ؟ أقصد عندما تخرج المرأة من زواج أو من علاقة 
حب فاشلة» وکل هذا الخراءء فهي تتجنب عادة أن تقيم علاقة أخرى 
لفترة من الزمن. أما الرجلء فهو على عكس ذلك تماماً. فما إن يخرج 
أحدهم من كارثة حتى يبدأ مسيرة البحث عن أخرى. إن الرجل لا يستطيم 
أن يعيش وحيداً» . 

هزت آرمانوش رأسها قليلاً معربة عن موافقتهاء مع أن هذا النمط لم 
يكن ينطبق على حالة والديها تماماً. فقد كانت أمَها هي التي تزوّجت ثانية 
بعد طلاقها مباشرة» فيما ظل أبوها وحيداً حتى الآن. ثم سألت آرمانوش: 

«آرام هذا... من أين هو؟). 

«إنه من هذه المناطق» مثلنا تماماً»» قالت آسياء لكنها فهمت مغزى 
سؤالها بسرعة . مندهشة لجهلهاء أشعلت السيجارة التى كانت تمتصها 
وأخذت منها نفساً. كيف لم تفهم المغزى الحقيقي؟ فآرام ينتمي إلى أسرة 
أرمنية فى إستانبول . ومن الناحية النظرية» فهو أرمنى . 
من أي جنسية أخرى. بل إن آرام هو آرام فقط»› إنسان فريد من نوعه. 


Twitter: @ketab_n 4۰ 


شخص لا نظير له. إنه رجل فاتن» رومانسي جداًء أستاذ العلوم السياسية 
الذي يقول غالباً إنه ينحو لأن يعيش حياة صيّاد سمك في قرية بائسة على 
شاطىئ البحر الأبيض المتوسط . إنه قلب هش» روح ا وشريحة 
متنقلة من الفوضى؛ متفائل طوباوي» كثير الوعودء لا مبال؛ رجل 
فوضوي وذكي وصادق إلى درجة كبيرة. إنه رجل فريد من نوعه» ولم 
تكن آسيا تربط بينه وبين أي هوية جماعية . اعترتها رغبة في أن تقول شيعا 
قريباً من هذاء لكنها أجابت ببساطة : «في الحقيقة» إنه أرمني». 

«لقد خمّنت ذلكا» ابتسمت آرمانوش ابتسامة خفيفة . 

بعد خمس دقائق وصلتا إلى صالون الوشم. 

«أهلاً وسهلاً!»» صاحت الخالة زليخة بصوت متكلف أجشل قليلاً 
وعانقتهما بمودة. ومهما كان نوع العطر الذي تضعه»ء فقد كان قوياً - 
مزيجاً من التوابل والخشب والياسمين. وكان شعرها الأسود منسدلاً على 
كتفيها في خصلات جميلة» صبغت بعضها بمادة براقة جداً إلى حد أنها 
كلما تحرّكت تحت أضواء الهلوجين» كان شعرها يومض ويلمع . نظرت 
إليها آرمانوش مشدوهة» وأحست لأول مرة شعوراً بالتعاطف يمتزج فيه 
الخوف بالإعجاب» تخيّلت أن آسيا تشعر به نحو أمَها منذ طفولتها . 

كان الصالون أشبه بمتحف صغير. فقبالة المدخل توجد صورة مؤطرة 
ضخمة لامرأة لا تعرف جنسيتهاء وقد أدارت ظهرها نحو الناظر لتعرض 
الوشم المفصّل بدقة كبيرة على جسمها. كانت صورة عثمانية مصعْرة. 
وبدت مثل مشهد من مأدبة» فيها بهلوان يمشي فوق الجالسين إلى 
المائدة» على حبل مشدود من كتف إلى ال الارن انت ما 
الصورة التقليدية المصغرة التي توشم على ظهر امرأة معاصرة شيا مثيراً. 
وکتبت تحتها بالإنكليزية عبارة: الوشم رسالة مرسلة من وراء الزمن! 


وکانت توجد في الصالون أيضاً واجهات عرض زجاجية عرضت فيها 


Twitter: @ketab_n 4۱ 


مئات تصاميم الوشم ومجوهرات توضع على الأنف. وقد جمعت تصاميم 
الوشم تحت عناوين عديدة: «ورد وأشواك)ء «قلوب دامية)٤»‏ «قلوب 
مطعونة٠»‏ «طريق الشامان»» «مخلوقات مخيفة مكسوة بالشعر» «تنانين 
ملساء مخيفة»» «شعارات وطنية)» «أسماء وأعداد»» «سيمورغ وعائلة 
الطيوراء وأخيراً ارموز صوفية) . 

لا تذكر آرمانوش أنها رأت من قبل هذا العدد القليل من الناس 
المتواجدين فى غرفة واحدة الذين يصدرون كل هذه الجابة . فبالإضافة إلى 
الغا زه كان سلاا رخل عربت ال رر در شي برا بك 
إبرة» ومراهق وأمّه (يبدو أنه كان متردداً في أن يبقى أم ف ورجلان 
بشعر طويل» نبتت شعيرات على ذقنيهماء وكانا يبدوان آنهما خارج 
المكان والزمان تماماً. وكانا يشبهان عضوين من أعضاء فرقة روك مخذرين 
من سبعينيات القرن العشرين» وقد بدا يستردان عافيتهما بعد رحلة مضنية. 
كان أحدهما يجلس في كرسي كبير مريح» يمضغ علكة بصوت مسموع 
ويدردش مع صديقه» ورسم على كاحله وشماً بشكل بعوضة أرجوانية. 
واكتشفت آرمانوش أن الرجل الذي يمسك الإبرة هو مساعد الخالة زليخة 
وفنان موهوب . وراحت آرمانوش تنظر إليه بإمعان وهو منهمك في عمله» 
تنصت بدهشة إلى الصوت المنبعث عن إبرة الوشم. 

« تقلقي . فالصوت أكثر دراماتيكية من الألم نفسه»» قالت الخالة 
زليخة» بعد أن قرأت ما يدور في خلدهاء ثم أضافت بغمزة: «كما أن 
الزبون قد اعتاد على هذا. ولا بد أن هذا وشمه العشرون. وفي بعض 
الأحيانء يصبح الوشم كالإدمان» ولا يعد وشم واحد يكفي . فمع کل 
وشم جديد» تكتشفين أنك ترغبين في رسم وشم آخر. أتساءل لماذا لم 
تدرج مراكز الشفاء من الإدمان في برامجها هذا الشيء حتى الآن». 

لاذت آرمانوش بالصمت برهة طويلةء وركزت بصرها بطرف عينها 
على عازف الروك الغريب. فإذا كان الرجل يشعر بأيّ ألم فإنه لم يكن 


Twitter: @ketab_n ۹۲ 


يبدي ذلك وتساءلت في نفسهاء «لماذا يريد أحد أن يرسم بعوضة 
أرجوانية اللون على كاحله؟». 

ضحكت الخالة زليخة ضحكة خافتة . «لماذا؟ إننا لا نسأل هذا السؤال 
هنا. وکما ترین › فإننا في هذا الصالون نرفض استبداد القرار. فمهما کان 
التصميم الذي يطلبه الزبونء فأنا واثقة من أن هناك سبباًء سبباً قد لا يعرفه 
هو نفسه» وأنا لا أسأل لماذا على الإطلاق». 

«وماذا عن عمليات الثقب؟) . 

«ذات الشىء»ء قالت الخالة زليخةء مشيرة إلى الحلق فى أنفها وهى 
تبتسم . وأضافت. إن عمره تسع عشرة سنة. لقد فعلت ذلك بنفسي 
عندما کنت فی عمر آسیا». 

حقاً؟) . 

«انعم» دخلت إلى الحمّام» واستخدمت جزرة صغيرة وإبرة معقَّمة 
وقطعاً من الثلج للتخدير» والكثير من الغضب أيضاً. كان يعتريني غضب 
شديد ضدَ كل شيء. لكن غالباً ضد عائلتي . قلت لنفسي إني سأفعل هذا 
وسأثقب أنفي . كانت يداي ترتعشان من شدة توتري» لذلك ثقبته بطريقة 
خاطئة في المرة الأولىء وآذيت الغشاء. نزفت كثيراً. لكنني تعلمت بعد 
ذلك وتقبته فى المنخر. 

«حقا»؟ قالت آرمانوش مرة أخرىء لكنها بدت حائرة هذه المرة لما 
آلا اله اكيت 

«نعم!» ربتت الخالة زليخة على أنفها بفخرء «لقد وضعت فيه حلقة› 
وخرجت من الحمّام هكذا. آنذاك» كنت أستمتع في أن أزعج أمّي 
وأجعلها تفقد عقلها» . 

عندما سمعت آسيا الكلمات الأخيرة من مكانهاء رمت أمَها بنظرة 
ضاحكة. 


Twitter: @ketab_n 4۳ 


«لكن ما أحاول أن أقوله هوء أني ثقبت أنفي لأنه كان شيا محرّماً. 
تفهمين ما أقصد؟ إذ لم يكن يسمح لفتاة تركية تنتمي إلى عائلة تقليدية أن 
تضع حلقة في أنفهاء لذلك مضيت وفعلت ذلك وحدي. لكن الزمن تغيْر 
اللآان. ولهذا السبب نحن هنا. ففي هذا الصالون ننصح زبائننا» ونرفض 
أحياناً بعض الأشخاص» لكننا لا نقدم لهم أحكاماً. لا نسأل عن السبب 
على الإطلاق . لقد تعلّمت ذلك فى وقت مبكر من الحياة. فإن أنت 
اقلت اعد على الاس تام مارد ورتا تى جب 
الأحوال». 

حول المراهى نظرته من واجهة العرض الزجاجية إلى الخالة زليخة 
وسألها: «هل يمكنك أن تطيلي ذيل هذا التنين بحيث يغطي ذراعي كلها؟ 
أريد أن أجعله يمتد من مرفقي حتى رسغي» وکأنه يزحف على ذراعي». 

قبل أن تجيبه الخالة زليخة» تدخلت الأمٌ قائلة: «هل أنت مجنون؟ لا 
يمكن! لقد اتفقنا أن ترسم شيئاً صغيراً وبسيطاًء مثل طير أو خنفساء 
صغيرة. لن أسمح لك أبداً أن ترسم ذيل تنين. . .٠.‏ 

لساعتين اثنتين» راحت آسيا وآرمانوش تراقبان سير العمل في الصالون 
فيما كان الزبائن يأتون ويذهبون. ودخل خمسة طلاب مدرسة ثانوية» 
وقال كل منهم إنه يريد أن يضع حلقة في حاجبه» لكن ما أن ثقبت الإبرة 
المعقّمة حاجب الطالب الأول» حتى غيّر الآخرون رأيهم. ثم دخل مشجم 
للإحدى فرق كرة القدم وطلب رسم شعار فريقه على صدره. ثم دخل أحد 
القوميين المتطرفين» وطلب أن يرسم العلم التركي على طرف إصبعه كي 
يلوح بالعلم كلما هر إصبعه في وجه الآخرين. وأخيراً» دخلت مطربة 
مختفة شقراء أرادت أن تكتب اسم حبيبها على مفاصل أصابعها. 


ثم دخل رجل متوسط العمر بدا شکله طبيعياً بشكل غير عادي بین 
الزبائن غير العاديين في صالون الوشم. إنه آرام مارتيروسيان. 


Twitter: @ketab_n 


کان آرام رجلا طویلاًء وسیماً وممتلئاً قلیلاًء له وجه لطیف لکنه 
مرهق» ولحية سوداء» وشعر وخطه الشيب» وغمازتان عميقتان تظهران 
كلما ابتسم. وكانت عيناه تشعان ذكاءٌ من وراء نظارته ذات الإطار 
السميك. ومن الطريقة التي كان ينظر فيها إلى الخالة زليخة» يستطيع المرء 
أن يتبين الحبً الموجود بينهما على الفور. الحبٍ والاحترام والتكامل . 
فعندما كان يتكلم» كانت الخالة زليخة تكمّل قسماته» وعندما كانت 
تومئ» کان آرام یکمّل کلماتها. کانا شخصین معقدین» يبدو أنھما توصلا 


. 


عندما بدأت آرمانوش تحدثه» بدت لغتها الإنكليزية وكأنها لغة ثانيةء 
كما كانت تفعل عندما تلتقي بشخص جديد في إستانبول. لذلك قذمت 
نفسها بتمهل وبإيقاع بطيء جدأء لغة إنكليزية تكاد تكون لغة أطفال. 
وفوجئت بسماع إنكليزية آرام التي أخذت تتدفق بطلاقة» بلهجة بريطانية 
حاذقة . 

«لغتك الإنكليزية جيدة جدا»» قالت له آرمانوش: «هل لى أن أسألك 
كيف أتقنت اللكنة البريطانية؟» . 

«شكرا؛» قال آرام» «لقد أنهيت دراستي الجامعية والعليا في الجامعة 
في لندن. لكن يمكننا أن نتكلم باللغة الأرمنية إن أردت». 

«لا أستطيع أن أتكلم الأرمنية)» هزت آرمانوش رأسها: «فعندما كنت 
أمكث فى مكان واحد لمدة طويلةء وكانت هناك عراقيل دائماً. وبين 
العاشرة والثالثة عشرة» كنت أرتاد في الصيف معسكراً للشبان الأرمن. كان 
ذلك مسا وتيت ل الاأرسة هناك لكنها تدهورت بعد ذلك». 

«لقد تعلّمت الأرمنية من جدتي أيضاً»» قال آرام مبتسماً: «في الواقع 
قالت لي أمّي وجدتي يجب علي أن أتعلم لغتين» لكنهما اختلفتا ما هي 


Twitter: @ketab_n 40 


اللغة الثانية . فقد قالت أمَي من الأفضل أن أتكلم اللغة التركية في المدرسة 
والإنكليزية في البيت» بما أني كنت سأغادر البلد عندما أكبر . لكن جدتي 
کانت چا هذا ا شه أرادت أن أتعلم التركية في الخذرسة 
والأرمنية في البيت». 

فتنت آرمانوش بهالة آرام» لكنها فتنت بتواضعه أكثر. وراحا يتحدثان 
قليلاً عن الجدّات الأرمنيات في الشتات وفي تركيا وفي أرمينيا. 

فى الساعة السادسة والنصف مساءء سلّمت الخالة زليخة المخزن 
اف وتوجهوا هم الأربعة إلى حانة قريبة . 

قالت آسيا لآرمانوش: «قبل أن تغادري إستانبول» يريد آرام والخالة 
زليخة أن يصطحبانا إلى حانة كي ترى أمسية نموذجية من الشراب». 

بينما كانوا يعبرون شارعاً خفيف الإضاءة» شاهدوا عمارة سكنية تطل 
من نوافذها مومسات مخنثات يراقبن المارة. وكانت المومستان في الطابق 
الأول قريبتين جداً من الشارع إلى حد أن آرمانوش رأت تفاصيل وجهيهما 
المطليين بطبقة كثيفة من المكياج . كانت إحداهما امرأة مكتنزة ذات شفتين 
غليظتين» وشعر سميك أحمر يتوهج مثل ألعاب نارية في الظلام. قالت 
شيا بالتركية وضحکت . 

«ماذا قالت؟» سألت آرمانوش آسیا. 

«قالت إن أساوري رائعة وكثيرة جداً عليّ . 

ولدهشة آرمانوش» نزعت آسيا إحدى أساورها ذات الخرز وقدمتها 
إلى الخنثى ذات الشعر الأحمر»ء التي قبلت الهدية بسعادة» ووضعتها في 
يدها في الحال» وبأصابع مشذبة ومطلية بلون قرمزي» رفعت علبة 
کوکاکولا دایت» وکأنها ترفع نخباً لآسیا. 

تساءلت آرمانوش التي راحت تراقب المشهد بعينين معجبتين» ماذا 
ستقول جين جينيت عن هذا المشهد. تلك الكولا بطعم فانيلا الكرز 


Twitter: @ketab_n 


الدايت» وأساور الخرز» ورائحة المني اللاذعةء والبهجة الطفولية التي 
يمكنها أن تتعايش جميعها في شارع قبيح في إستانبول؟ 


¥ ¥ ¥ 


كانت الحانة نظيفة وأنيقة يسودها جو من المرح والمؤانسة بالقرب من 
زقاق الزهرة. وما أن جلسواء حتى ظهر نادلان يدفعان عربة عليها أطباق 
من المازاوات. 

«آرمانوش» لماذا لا تفاجئينا مرة أخرى بمفردات المأكولات التى 
تعرفينها؟» قالت لها الخالة زليخة. ٠‏ 

«حسناًء» لنرى ماذا هناك يالانجي صرماء طرشي» باتليجان» توبيك» 
إنجينار. . ٠.‏ بدأت آرمانوش تسمَي الأطباق التي كان النادلان يضعانها على 
المائدة. ۰ 

استمر الرّواد يأتون أزواجاً أو جماعات» ولم تمض عشرون دقيقة 
حتى اكتظت الحانة. وفي وسط هذه الوجوه والأصوات والروائح غير 
المألوفة» فقدت آرمانوش إحساسها بالمكان. فقد أحست أنها ريما كانت 
في أوروبا أو في الشرق الأوسط أو في روسيا. وشربت الخالة زليخة 
وآرام العرق. واحتست آسيا وآرمانوش نبيذاً أبيض. ودخنت الخالة زليخة 
سجائر» وراح آرام يدخن سیجاراً» بينما راحت آسياء التي لا تدخن أمام 
أمهاء تمضغ اللحم داخل فمها للتعويض عن ذلك . 

«إنك لا تدخنين هذا المساء»» قالت آرمانوش لآسياء الجالسة إلى 
جانبها . 

«أيوه» 'حدثيني عنهاا» تنهدت آسياء ثم خفضت صوتها ليصبح 
همساً» «هس! الخالة زليخة لا تعرف أني أدخن». 


فوجئت آرمانوش أن آسيا كانت تستمتع بإغضاب أمَهاء بتمرد وبسادية 


Twitter: @ketab_n ۹۷ 


تقريباء كلما أتيح لها ذلك» لكن عندما وصل الأمر إلى تدخين سيجارة 
أمامها» أصبحت فتاة طيعة . 

وخلال الساعة التاليةء أخذوا يدردشون بتكاسل فيما كان الندل 
يجلبون صحناً تلو الآخر. ففي البداية جلبوا المازاوات - الأطباق الباردة - 
ثم تلتها الأطباق الدافئةء ثم الأطباق الحارة» والحلويات ثم القهوة. لا بد 
أن هذا هو الأسلوب المتبع هناء قالت آرمانوش لنفسهاء فبدلاً من أن 
تختار من قائمة الطعام» تأتي القائمة كلها إليك. 

وعندما اشتدت الضوضاء وازدادت سحب الدخان في الحانة» اقتربت 
آرمانوش من آرام» واستجمعت شجاعتها لتطرح عليه السؤال الذي كان 
يلخ عليها كشيراً: «آرام» فهمت أنك تحب إستانبول» لكن ألم تفكر أبداً 
بالمجيء إلى أمريكا؟ أقصد» يمكنك أن تأتي إلى كاليفورنياء مثلاً. فهناك 
ا کی کا رک 

حدق آرام فيها دقيقة كاملة» وكأنه يدقق في تفاصيل وجهها» حتى 
غاص في كرسيه» وضحك ضحكة محيّرة. انزعجت آرمانوش قليلا من 
هذه الضحكة» التي شعرت أنها أسكتتها. لم تكن متأكدة إن كانت قد 
فهمت جيدأء انحنت إلى الأمام وحاولت أن توضح ما قالته أكثر: «إن 
كانوا يضطهدونك هناء فيمكنك أن تأتى إلى أمريكا دائماً. فهناك جاليات 
أرمنية عديدة» فة اترم سه لأن تقدم لك ولأسرتك يد 
المساعدة) . 

لم يضحك آرام هذه المرة. بل ابتسم ابتسامة دافثة» دافئة لكنها متعبة 

«لماذا أريد أن آفعل ذلك یا عزیزتی آرمانوش؟ فهذه المدينة مدينتي . 
فقد ولدت ونشأت في إستانبول. إن تاريخ عائلتي في هذه المدينة يعود 
إلى ما لا يقل عن خمسمائة سنة. إن أرمن إستانبول ينتمون إلى إستانبول؛, 


Twitter: @ketab_n ۹۸ 


شأن الأكراد والأتراك واليونانيين واليهود. كنا نعيش في الماضي معا 
لكننا أخفقنا بعد ذلك . ولا يمكننا أن نخفق مرة أخرى». 


ظهر النادل وجلب هذه المرة كالاماري وبلح البحر ومعجنات مقلية . 


«إني أعرف كل شارع من شوارع هذه المدينة»» واصل آرام» وجرع 
رشفة أخرى من العرق: «أحبَ أن أتمشى في هذه الشوارع في الصباح 
وفي المساء وفي الليل عندما أكون مرحاً ومنتشياً؛ أحبَ أن أتناول طعام 
فطوري مع أصدقائي على شاطئ البوسفور أيام الأحد؛ أحبٌ أن أتمشى 
وحدي وسط الناس. إنى أعشق جمال المدينة الفوضوي هذاء العبّارات» 
الموسيقى» الحكايات› الف الألوانء والفكاهة السوداء. .٠..‏ 

لاذا بالصمت» وألقى كل منهما نظرة بعيدة ونادرة إلى الآخرء وأدركا 
أنه ربما كانت هناك أكثر من مسافة جغرافية تفصل بينهما - فقد ظنَ أنها 
متأمركة كثيراًء وقالت في نفسها إنه متأترك كثيراً. الفجوة الجارحة بين 
الأطفال الذين مكثواء والأطفال الذين اضطروا للمغادرة. 

«انظري» لا يوجد لدی الأرمن في الشتات أصدقاء أتراك. ومعرفتهم 
الوحيدة بالأتراك هي من خلال القصص التي سمعوها من أجدادهم أو من 
آخرين. وجميع هذه القصص فظيعة ومفجعة للغاية. لكن صدقيني» كما 
هو الحال فى أي أمةء يوجد في تركيا أيضاً أناس طيبون وأناس سيئون. 
إن الأمر ا البساطة . فلديّ اصدقاء تراك هم أقرب إلى من أخي الذي 
هو من لحمي ودمي. وهناك بالطبع - رفع كأسه وأشار بها إلى الخالة 
زليخة - حبي المجنون هذا». 

أدركت الخالة زليخة أن اسمها قد ذكر فغمزتهماء ورفعت كأس 
العرفق» وقالت «ء؟ءإ٥؟)»‏ وتبعها الجميع وراح أحدهم يقرع کأسه بالآخر 
ويقول «ء؟ءإء5» هذه الكلمةء التي سرعان ما تبين أنها لازمة تتكرر كل 
عشر أو خمس عشرة دقيقة. وساعة أخرى Serefe zg‏ أخرى› کانت 


Twitter: @ketab_n 4۹ 


عينا آرمانوش متوهجتين بالكحول. وراحت تتسلى بمراقبة نادل أبرص 
يجلب الأطباق الساخنة - السمك البحري المشوي المخطط فوق طبقة 
مفروشة بالفلفل الأخضر» وسمك السلور المنقوع بالريحان مع السبانخ› 
وسمك السلمون المشوي على الفحم»ء والروبيان المقلي في صلصة الثوم 
الكثيرة التوابل . 

ضحكت آرمانوش وهي ثملة قبل أن تلتفت إلى آرام وتسأله: 
«أخبرناء لا بد أن يكون لديك بعض الأوشام أيضاً. لا بد أن الخالة زليخة 
قد رسمت لك وشما» . 

«مستحيل»» قال آرام من وراء ستارة من الدخان الرقيق التي تشكلت 
في دوائر من سیجاره : «إنها لا تسمح لي أن أفعل ذلك». 

«نعم» أضافت آسيا: «إنها لا تسمح له بأن يضع وشماًا. 

«حقاً؟» قالت آرمانوش مندهشة عندما التفتت إلى الخالة زليخة»› 
«ظننت أنك مولعة بالأوشام». 

«نعم» أنا كذلك»» أجابت الخالة زليخة: «فأنا لا أعارض أن يضع 
وشماًء بل أعارض التصميم الذي يطلبه». 

ابتسم آرام. «إن الوشم الذي أريده هو شجرة تين رائعة. لكن»› 
بخلاف الأشجار الأخرى» تكون شجرة التين هذه مقلوبة رأساً على عقب» 
جذورها معلقة فى الهواء. فبدلاً من أن تكون جذورها ممتدة فى الأرض› 
يجب آنا رة محف في الجا ها في غر مكانة لكهاالسبت بون 
مکان» . ۰ 

لاذوا جميعهم بالصمت بضع ثوان» وراحوا يراقبون ضوء الشمعة 
المرتعش على الطاولة. 

«إن شجرة التين تلك. . ٠.‏ أشعلت الخالة زليخة آخر سيجارة فى 
ملا ر معت خاها درن تمد بجا اا ٠ه‏ جر العين غالع 


Twitter: @ketab_n 


مشؤوم. إنها لا تجلب الحظ السعيد. أنا لا أمانع في تنفيذ رغبة آرام في 
أن تكون جذوره في الهواء» لكني أعترض على شجرة التين . فإذا اختار 
أن تکون شجرة کرز» مثلا أو شجرة بلوط» وجذورها في الهواءء فإني 
سأفعل ذلك فى الحال». 

في تلك اللحظة دخل إلى الحانة أربعة موسيقيين غجرء يرتدون 
جميعهم قمصاناً بيضاء حريرية وبناطيل سود» ويحملون آلاتهم الموسيقية - 
بعد أن أكلوا وشربوا حتى الثمالة أصبحوا مستعدين للغناء . 

عندما وقف الموسيقيون بالقرب منهم» شعرت آرمانوش بالخجل . 
وكي لا يحرجونهاء لم يطلبوا منها أن تغني. وتبين أن آسيا لا تجيد 
الغناء. وأخذوا ينصتون للخالة زليخة وهي ترافق الموسيقيين بصوت 
رخيم» غير الصوت الأجش الذي كان يصدر عنها عندما تدخن سيجارتها. 
ولاحظت آرمانوش أن آسيا كانت تنظر إلى أمَها بنظرة تشي بالفضول. 

عندما طلب رئيس الفرقة إن كانوا يريدون سماع أغنية معيَّنة يحبون 
سماعهاء لكزت الخالة زليخة آرام وقالت: «هياء اطلب أغنية. غَنُء يا 
عندلیبی !) . 

بخجل انحنى آرام إلى الأمام» ثم همست شيئاً في أذن الموسيقي . 
وما أن بدأت الفرقة تعزف اللحن المطلوب» لمفاجأة آرمانوش» حتى بدأ 
آرام يغني - لا بالتركية » ولا بالإنكليزية » بل بالأرمنية . 

ا أقول لحبيبتي» 

إلى ين تذهبين؟ ِ 

تدقق صوته بطيئاً وحزيناًء فيما ازدادت سرعة الإيقاع مع ارتفاع صوت 


Twitter: @ketab_n ۳۰۱ 


الكلارينت والدربكة التي يصعب التحكم بها في الخلفية. وارتفع صوت 
آرام ثم هبط في موجات رخيمة. في البداية» كان صوته خجولاء لكنه 
سرعان ما أصبح ثابتاً في لحنه . 

إنها السلسال الذهبي 

من ذکرياتي»› 

إنها الدرب إلى 

قصة حياتي . 

حبست آرمانوش أنفاسهاء لم تفهم جميع الكلمات» لكنها شعرت 
بحزن عميق فى قلبها. عندما رفعت رأسها» شدتها قسمات الخالة زليخة. 
كانت النظرة الي دت الخرف من السادة والي لا نهر إلا على الذين 
يقعون في الحبَ فجأة. 

عندما انتهت الأغنية وانتقل الموسيقيون إلى الطاولة المجاورة» ظنت 
آرمانوش أن الخالة زليخة ستقبّل آرام. لكنها بدلا من ذلك» ضغطت على 
يد آسيا برقة» وكأنها تعترف لها بأن حبَّها لرجل أتاح لها الفرصة بأن تفهم 
حبّها لابنتها بشكل أفضل. «حبيبتي»» همهمت» وزحفت رجفة ألم إلى 
نبرتها. لكن إذا كانت الخالة زليخة تخطط لقول شىء لابنتهاء فقد كتمت 
هذه الرغبة بسرعة. فاخا عة ج فن السجات وقدمت لها 
سيجارة . 

عندما رأت مشاعر آمَها بدأت تطفو إلى السطح» فوجئت آسيا بأنها 
قدمت لها سيجارة. أشعلت السيجارة لنفسها ثم لأمَها. وعندما تصاعد 
الدخان بطيئاً في دوائر بينهماء ابتسمت الابنة والأمّ في وجه إحداهما 
الأخرى. وبدا أنهما متشابهتان على نحو مذهل من هذه الزاوية والضوء» 
وجهان صبّهما ماض لا يعرف أحد عنه شيئاًء وقد اختارت الأخرى ألا 
تتذکر . 


Twitter: @ketab_n 


عد ذلك شعرت ارغانوش ببق المدينة لأول مرة مذ آن ولت إلى 
إستانبول. فقد عرفت فجأة لماذا وكيف يقع الناس في حب إستانبول» 
رغم كل الحزن الذي قد تسببه لهم . فليس من السهل ألا تقع في حب 
مدينة بهذا الجمال المفجع . 

بهذا الاعتراف رفعت كأسها وقالت : (8۴». 


Twitter: @ketab_n 


1٤ 
ماءِ‎ 


هل أدخل وأطلب منهما أن تخفضا صوتيهما؟» سألت الخالة فريدة 
الواقفة آمام غرفة البنات» مثبّتة نظرتها على مقبض الباب. 

«أوه» اتركيهما وشأنهما!» قالت الخالة زليخة من فوق الأريكة التى 
ارتمت عليها. «إنهن منتشيات قليلاً» وعندما تكوني في حالة انتشاء فإنك 
تستمعين إلى الموسيقى بصوت مرتفع؟» ثم كررت كلمة» «مرتفع؟ بصوت 
عال . 

«منتشيات»» جأرت الجذة كلثوم» «انتبهي» لماذا هما منتشیات؟ ألا 
يكفي أنك تجلبين العار إلى هذه العائلة دائما؟ انظري إلى التنورة التي 
ترتدينها . إن مناشف تجفيف الصحون في المطبخ أطول من تنوراتك! إنك 
م بدون زوج» مطلقة . اسمعيني جیداً! لم أر في حياتي امرأة مطلقة تضع 
حلقة في أنفها. يجب أن تخجلي من نفسك يا زليخة!». 

رفعت الخالة زليخة راسا غو الوضادة التي كانت تحتضنها وقالت: 
«ماماء لكي أكون مطلقةء گان بجت أن أكون فوج آولا: لآ تفي 
الحقائق . لا يمكن أن ا أرملة أو أي اتن تلك الأشسعا 
الدبقة التي تحتفظين بها في قاموسك للنساء ء المنكودات الحظ . فابنتك هذه 
خاطئة ترتدي تنورات قصيرة» وتحبَّ أن تضع حلقة في منخرهاء وتحبّ 
الطفلة التي أنجبتها خارج إطار الزواج . أأعجبك ذلك أم لم يعجبك!». 


0 
Twitter: @ketab_n ٤ 


«ألا يكفي أنك أفسدت ابنتك وأرغمتها على الشراب؟ لماذا جعلت 
الضيفة المسكينة تشرب؟ إنها مسؤولية مصطفى؛ إنها ضيفة أخوك في هذا 
البيت. كيف تجرئين على إفساد البنت!». 

«مسؤولية أخي! نعم» صحيح!» ضحكت الخالة زليخة بكابة» 
وأغمضت عينيها. 

في هذه الأثناء» كان جوني كاش يغني بأعلى صوته في غرفة البنات . 
وكانت الفتاتان تجلسان بجانب بعضهما أمام طاولة المكتب تحدَقان في 
شاشة الكمبيوتر» وسلطان الخامس متكوّر بينهما» عيناه نصف مغمضتين . 
كانت الفتاتان مستغرقتين في الإنترنت إلى حد أنهما لم تسمعا النقاش 
الدائر خارج باب غرفتهما. فقد كانت آرمانوش قد دخلت إلى مقهى 
کونستانتينوبوليس» وعزمت على أن تصطحب آسيا معها هذه المرة. 

کتبت: مرحبا بالجمیع ! ألم تفتقدوا السيدة روحي المنفية؟ 

عادت مراسلتنا من إستانبول. أين كنت؟ هل إلتهمك الأتراك؟ كتب 
المناهض للخافورما. 

حسناًء إحدى الملتهمات معي الآن. أريد أن أقدم لكم جميعاً إحدى 
صديقاتي التركيات . 

أعقب ذلك فترة صمت . 

واسمها المستعار بالطبع : فتاة اسمها تركية . 

ماهذا؟ لم يتمالك أليكس الرواقي نفسه من الامتناع عن السؤال. 

إنه تفسير آخر لعنوان أغنية جوني كاش هذه. على أي حال» يمكنك 
أن تسألها بنفسك . ها هي . أعزائي في مقهى كونستانتينوبوليس» أعرّفكم 
على «فتاة اسمها تركية». «فتاة اسمها تركية» أعرّفك على رواد مقهى 
کونستانتینوبولیس . 

مرحبا! تحیات من إستانبول» كتبت اسيا . 


Twitter: @ketab_n 


أرجو أن تأتوا ف في المرة القادمة انتم أيضاً إلى إستانبول مع آرمان. . 

لم تدرك آسیا آنها e‏ 
مع السيدة روحي المنفية . 

EET‏ لكي بضراحة ات في مزاج لأن اقوم بجرلة سباي 
إلى بلاد سبّبت الكثير من المعاناة لجميع أفراد ارتي . قال المناهض 
للخافورما مرة أخرى . 

الآن توقفت آسيا عن الرّد. 

انظري» لا تفهمينا خطأء لا يوجد لدينا شيء ضدك. قال التعايش 
البائس. إني واثق من أن المدينة لطيفة وجميلة» لكننا في الحقيقة لا نثق 
بالأتراك. سیتقلب ميسروب في قبره لو» لا سمح آرامازت» نسیت ماضيٰ 
بهذا الشکل . 

من هو میسروب؟ «سألت آسیا آرمانوش بصوت یکاد یتجاوز 
الهمس› وکانهم سيسمعونها. 

حسناً. لنبداً بالأساسيات. الحقائق. إذا تمكنا من عرض الحقائق 
يمكننا عندئذ أن نتحدّث عن الأمور الأخرى» قالت السيدة طاووس/ 
سيرامارك . لنبدأً بهذه الرحلة السياحية إلى إستانبول. هذه المساجد الرائعة 
التي تعرضونها على السيّاح اليوم» من صممها؟ سنان! فقد صمَم القصور› 
والمستشفيات› والخانات› والقنوات. . . إنكم تستغلون ذکاء سنان ثم 
ترون آنه کان آرسا. 

لم أكن أعرف أنه أرمني» كتبت آسيا مشوشة. لكن سان اسم تركي . 

خسنا إنكم تحسنون تتريك أسماء الأقليات» أجاب منامهض 
الخافورما. 

حسناء أرى أن ما تقوله صحيح. صحيح أن التاريخ القومي التركي 


Twitter: @ketab_n 


تحكمه الرقابةء لكن هذا هو حال التاريخ القومي في جميع البلاد. فالدول 
القومية تخلق أساطيرها الخاصة بها ثم تؤمن بها. رفعت آسيا رأسها 
وكؤّرت كتفيها وتابعت الطباعة. في تركيا يوجد أتراك» وأكرادء 
وقوقازیون» وجورجیون» وبونتیانس»› ویهود» وآبازاس»› ویونانیون. . . 
وأنا أجد أنه من الإغراق في التبسيط والخطورة بمكان التعميم على هذا 
النحو. إننا لسنا برابرة متوحشون. بالإضافة إلى ذلك فإن الكثير من 
دارسى الثقافة العثمانية سيقولون لك إنها كانت ثقافة عظيمة فى أشكال 
اک وكانت أعوام ۱۹١١‏ فترة عصيبة للغاية. لكن الأشياء E‏ 
كانت قبل ٠٠١‏ سنة. 

تدخلت السيدة طاووس/ سيرامارك على الفور وكتبت» لا أعتقد أن 
الأتراك تغيّروا على الإطلاق . فلو تغيّرواء لاعترفوا بالمجازر. 

المجزرة كلمة مشحونة بقوة» ردت فتاة اسمها تركية . إنها تعنى أنها 
إبادة منظمة» جيدة التخطيط› ومفلسفة. صدقاًء لست متأكدة ن انت 
الدولة العثمانية كانت هكذا في ذلك الوقت. لكني أعترف بالظلم الذي 
لی بالارمن: أنا لست مؤرخة. ومعرفتي محدودة وغير دقيقة» وكذلك 

كما ترين» هنا يكمن الفرق. ليس للمظلوم سوى الماضي» علقت 
اة ساق : 

إذا لم تكوني تعرفين قصة أبيك» فكيف تتوقعين أن تخلقي قصتك 
الخاصة بك؟ انضمت السيدة طاووس/ سيرامارك. 

ابتسمت آرمانوش لنفسها. حتى الآن» كان كل شىء يسير على النحو 
الذي تصورته باستاء آلبارون ياغداساریان» الذي لم برد بعد على آق 
شيء. 

خلال ذلك» كانت عينا اسيا لا تزالان مثبتتين على الشاشة» وكتبت» 


Twitter: @ketab_n 


إني أدرك خسارتكم وحزنكم. وآنا لا أنكر الأعمال الوحشية التي 
ارتكبت . إنه ماضيّ الذي أنكفئ عنه. آنا لا أعرف من هو أبي أو ما هي 
قصته . لو أتيحت لي الفرصة لأعرف المزيد عن ماضيّ» حتى لو كان 
حزيناًء فهل أختار أن أعرفه أم لا؟ إنها معضلة حياتي. ٠‏ 

إنك مليئة بالتناقضات. أجاب مناهض الخافورما. 

جوني كاش لا يهمه ذلك! تدخلت السيدة روحي المنفية . 

قولوا لى» ماذا يمكننى أنا كتركية عادية أن أفعل الآن لأخفف من 
آلامکم؟ ٠ ٠‏ 

لم يكن تركي آخر قد طرح مثل هذا السؤال على الأرمن في مقهى 
کونستانتینوبولیس من قبل . فقد کان قد دخل زائران تركيان إلى المقهى 
مرّتين منذ فترة» وكانا كليهما من الشبان القوميين المتعصبين» وحاولا 
إثبات أن الأتراك لم يرتكبوا أي خطأ بحت الأرمن» وإذا كان ثمة من 
سبب» فالأرمن هم من ثار على النظام العثماني وقتلوا الأتراك. ومضى 
أحدهم يقول إنه إذا كان النظام العثماني مجرماً حقاً كما يعون وقتل 
الأرمن» فكيف يوجد أرمن الآن يتحدثون عن ذلك. وإن وجود الكثير من 
الأرمن الذين يسوطون الأتراك بسياطهم دليل واضح على أن العثمانيين لم 
يضطهدونهم . 

حتى اليوم كان لقاء المقهى كونستانتينوبوليس مع الأتراك عبارة عن 
تبادل عاصف من التشهير ومناجاة النفس. أما هذه المرَّة فكانت النبرة 
مختلفة تماماً . 

يمكن لدولتك أن تعتذرء أجاب التعايش البائس . 

دولتي؟ آنا لا علاقة لي بالدولة» کتبت آسيا وهي تفکر برسام 
الكاريكاتير المدمن الذي فُذْم إلى القضاء لأنه رسم رئيس الوزراء في هيثة 
ذئب . انظرواء أنا عدمية! ولم تذكر بيانها الشخصي عن العدمية . 


Twitter: @ketab_n ۳۰۸ 


إذن تستطيعين أنت نفسك أن تعتذري» تدخل المناهض للخافورما. 

أتريدني أن أعتذر عن شيء لا علاقة لي به شخصيا؟ 

آنت تقولين ذلك كتبت السيدة طاووس / سيرامارك. إننانولد 
جميعنا في الاستمرارية مع مرور الزمن ويظل الماضي يعيش في الحاضر . 
إننا نأتي من سلالة عائلية » ثقافة » أمة. هل ستقولين عفا الله عما سلف . 

فيما راحت عينا آسيا تحدقان في الشاشة» شعرت بالارتباك» وكأنها 
فى وسط محاضرة تقدمها ونسيت ماذا ستقول بعد ذلك. راحت تمسد 
راس السلطان الخامس عدة مرات وهى شاردة الذهن› قبل أن تعود 
أصابعها إلى لوحة المفاتيح . 

هل أنا مسؤولة عن جريمة أبي؟ سألت فتاة اسمها تركية . 

إنك مسؤولة عن الإقرار بجريمة أبيك» أجاب المناهض للخافورما. 

اضطربت آسيا من فظاظة هذا القول» الذي أغضبها قليلاًء لكنه 
أعجبها أيضاً. وفي داخل الوهج المشَ من جهاز الكمبيوتر» أصبح وجهها 
شاحباً وساکتاً. کانت تحاول دائماً أن تبعد ماضیھا بقدر ما پوسعها عن 
المستقبل الذي كانت ترجو أن تحققه. بأمل ألا يستغرق الماضى كل 
ااا ما کتک کرات نے سرا کان ن او کیا 
والحقيقة آنها: كانت برف أن الماغني يميش في الحاضن رغم أنها 
كانت تكره أن تقر بذلك . 

طوال عمري كنت أريد أن أكون بدون ماضي . فكوني لقيطة لا يعني 
أنه لا يوجد لدي أب أكثر من أن لا يكون لدي ماضي . . . وها نت الآن 
تطلب مني أن أمتلك الماضي وأن أعتذر من أجل أب أسطوري! 

لم یات آي رد لکن کان بدو ان آسیا لم تكن تنظ ر راء بل 
استمرت في الطباعة وكأن أصابعها تتصرَّف من تلقاء ذاتهاء وكأنها كانت 


Twitter: @ketab_n 4 


ومع ذلك» ربما سيساعدني وجودي بلا ماضي في نهاية الأمر في 
e O‏ 
الذاكرة الإنسانية . يمكنني أن أفعل ذلك. .. وإنني أعتذر عن جميع الالام 
التي ألحقها أسلافي بأسلافكم . 

لم يقتنع مناهض الخافورما فقاطعها قائلاً: إن اعتذارك لنا لا يعني 
الكثير . اعتذري لنا بصوت مرتفع أمام الدولة التركية . 

هيا! سحبت آرمانوش فجأة لوحة المفاتيح نحوها وكتبت» غير قادرة 
على مقاومة الإغراء في التدخل . هذه السيدة روحي المنفية» ما الذي 
ستحصل عليه سوى أن تتورط في مشكلة؟) . 

يجب أن تعانى من هذه المشكلة إن كانت صادقة! انفجر المناهض 
الخاتاي ` 

لكن قبل أن يجيب أحد على ذلك جاء تعليق غير متوفع على 
الإطلاق . 

حسناًء الحقيقة يا عزيزتي السيدة روحي المنفية ويا عزيزتي الفتاة 
اسمها تركية . . . إن بعض الأرمن فى الشتات لا يريدون أن يعترف الأتراك 
بالمجازر. فإذا فعلوا ذلك NET‏ البساط من تحت أقدامنا 
ويسلبون أقوى رابطة توخدنا. فمشل الأتراك الذين اعتادوا على إنكار 
خطئهم» اعتاد الأرمن على التلذذ بوضع أنفسهم في شرنقة أن يكونوا 
الضحيَة . يبدو أنه توجد بعض العادات القديمة التي يجب أن تتغير من كلا 
الطرفين . 

هذا ما قاله البارون باغداساريان. 


¥ ¥ #¥ 


«ما زالتا مستیقظتین!› راحت الخالة فريدة تذرع خارج غرفة البنات 
يمنا وشازاء هل هناك شي ء؟٠‏ 


Twitter: @ketab_n ا‎ 


الخالة شكرية› a‏ وغفت الخالة زليخة على 
الأريكة. 

«لماذا لا تأوين إلى فراشك» يا أختي» ودعيني أحرس بابهما لأتأكد 
من أنهما على ما يرام“ قالت الخالة بانو وضغطت على كتف أختها. ففي 
بعض الأحيان» عندما يشتد مرضهاء كان يعتري الخالة فريدة خوف شديد 
من الضرر الذي قد يأتي من أي شخص أو من أي شيء في العالم 
الخارجي . 

«دعيني آخذ النوبة الليلية» قالت الخالة بانو مبتسمة : «اذهبي ونامي . 
ولا تنسي أن عقلك يصبح غريباً في الليل. لا تتحدثي إلى غرباء». 

«انعم»» أومأت الخالة فريدة» وبدت للحظة مثل فتاة صغيرة أعجبتها 
حكاية . وبدا واضحاً أنها أحست بالارتياح واتجهت إلى غرفتها. 

عندما أغلقتا الانترنت» نظرت آرمانوش فى ساعتها. لقد حان وقت 
مخابرة أمّها. فخلال هذا الأسبوع» اعتادت على أن تخابرها يومياً في 
الوقت ذاته» وكانت روز تلومها في كل مرة لأنها لم تكن تخابرها أكثر . 
حاولت ألا تبدو متضايقة من هذا النمط الثابت» اتصلت بالرقم وانتظرت 


مها لترفع السماعة. 
«آمي!!!» ارتفع صوت روز ليصبح صراخاء «(حبيبتي ٠‏ هل هذا 
أنت؟» . 


انعم» ماما. كيف حالك؟». 

كيف NE‏ وقد وصوتها 
مكتوماً» «يجب أن أغلق السماعة الآنء لکن عديني» عديني› أن تتصلي 
بي بعد عشر. . . لاء لاء عشر دقائق لا تكفي» بعد خمس عشرة دقيقة 
تماماً. يجب أن أغالق الآن وأستجمع أفكاري وسأنتظر مخابرتك . عديني» 
عدیني»» رذدت روز بشکل هستيري . 


Twitter: @ketab_n 11 


«أوكى» ماماء أعدك)» تلعثمت آرمانوش› «ماماء هل أنت على ما 
يرام؟ ماذا يجري؟۲ لکن روز كانت قد أغلقت الخط . 

نظرت آرمانوش إلى آسيا مذهولةء وشاحبة» وحزينة وهي تمسك 
الهاتف بيدهاء وقالت : «لقد طلبت مني أمي أن أتصل بها بعد قليل ولم 
تسالني لماذا لم أتصل من قبل هذا ليس من عادتهاء إتها ليست على 
طبيعتها) . 

«أرجوك استرخي»» تقلبت آسيا في سريرهاء ورفعت رأسها من تحت 
اللحاف» وقالت: «ربما كانت تقود سيارتها أو شيئاً من هذا القبيل» 
تستطيع أن تتكلم على الهاتف». 

لكن آرمانوش هرت رأسهاء ظل القلق يكسو وجهها: «يا إلهي» هناك 
شيء على غير ما يرام. ثمة مكروه. 


¥ ¥ ¥ 


بعد أن تورمت عيناها من شدة البكاء» واحمرَ أنفها إلى درجة تثير 
الشفقة» مدت روز يدها إلى مناديل ورقية عندما انفجرت في البكاء. کانت 
تشتري دائماً المناديل الورقية ذاتها من المخزن نقسه: متينة» ذات قدرة 
جيدة على الامتصاص» ماركة «الشرارة». وكانت الشركة ت تنتج أنواعاً 
مختلفة من هذه المناديل»ء وكانت المناديل التى تفضلها روز تسمى 
امقصدي؟» رُسمت عليها قواقع بحرية» وأسماك» ومراكب» جميعها 
باللون الأزرقء وكانت تعوم بينها الكلمات التالية : لا أستطيع أن آغيّر 
اتجاه الريحء لكنني أستطيع أن أعدل أشرعتي كي أصل إلى غايتي دائماً. 

کان ك روز تحت خا الشهار. كبا كان لرن الضور الفط رة 
اللازوردي يطابق لون البلاطات في مطبخهاء الجزء الذي تفتخر به أكثر 
من أي جزء آخر من البيت كله. فعندما اشتروا البيت» لم تضع روز وقتاً 
فأعادت ديكور المطبخ» وأضافت رفوفاً تسحب إلى الخارج» ووضعت 


Twitter: @ketab_n 1۲ 


فوقها رفاً مصقولاً من الأعلى يتسع لثلائين قنينة نبيذ في الزاوية - مع آنها 
لم تكن تشرب الخمر» لا هي ولا مصطفى - وزينت الغرفة كلها بمقاعد 
دؤارة من خشب البلوط . وعندما شعرت بالخوف» لم تتهالك على أحد 
تلك المقاعد. 

«يا إلهى» بقى أمامنا خمس عشرة دقيقة. ماذا سنقول لها؟ أمامنا 
میں عة ذیت فط کے تخس آمرت: صاحت في وجه مصطفی . 

لاروز» عزيزتي› أرجوك ن تهدئي»» قال مصطفی وقد نهض عن 
كرسيه. فلم يكن يحب المقاعد» لذلك احتفظ بكرسيين من خشب 
الصنوبر في المطبخ» واحد لهء والآخر له أيضا. اقترب من زوجته 
وأمسك بیدهاء آملاً آن يخفف من قلقها. «ستهدئين» ستهدئين جداًء 
أتفهمين؟ وستأسلينها بهدوء أين هي الآن بالتحديد. هذا أول شيء يجب 
أن تسأليهاء اتفقنا؟» . 

«ماذا لو لم تخبرني؟؛ قالت روز. 

«ستخبرك . إسأليها بلطف» وستخبرك بلطف». كان مصطفى يتحدث 
بهدوء: «لكن بدون توبيخ . يجب أن تحافظي على هدوئك. هياء» اشربي 
قليلا من الماء». 

أمسكت روز الكأس بیدین مرتعشتين . «هل هذا ممکن؟ لقد كذبت 
علي ابنتي الصغيرة! كم كنت غبية عندما وثقت بها. طوال هذا الرقت 
كنت أظن أنها في سان فرانسيسكو مع جدتها ثم تبين لي نها كذبت على 
الجميع. . . والآن جدتها. . . أوه» يا إلهي» كيف سأخبرها؟». 

البارحة» عندما كانا في المطبخ» هي تصنع الفطائر» وهو يقرأ صحيفة 
الديلى ستار أريزوناء رن الهاتف. رفعت روز سماعة الهاتف والملعقة 
الکو ل رال بدا كانت المخابن من مان قرائ كي زوجها 
السابق» بارصام تشكمكجيان . 


Twitter: @ketab_n 1۳ 


كم سنة مضت لم يتبادلا فيها أي كلمة؟ فبعد طلاقهما كان يضطر 
أحدهما للاتصال بالآخر من أجل ابنتهما الصغيرة. لكن عندما كبرت 
آرمانوش» قلت محادثاتهما وأصبحت نادرة ثم توفت كلياً. فمنذ فترة 
زواجهما القصيرة» لم يبق سوى شيئان: النفور المتبادل وابنة. 

ايۇؤسفني أن أزعجك يا روزء قال بارصام برقة لكن بصوت جاف: 
«لكنه أمر طارئ. يجب أن أتكلم مع ابنتي». 

«ابنتنا» صخحت روز بمرارة» وما إن خرجت الكلمة من فمها حتى 
تأسفت على مرارتها على الفور. 

«روزء أرجوك» يجب أن أنقل لآرمانوش خبراً سيغاً. أرجوك هل 
تستطيعين أن تناديها لتتكلم على الهاتف؟ إنها لا تجيب على هاتفها 
الخلوي . كان علي أن أتصل بها هنا» . 

«انتظر . . . انتظر ليست عندكم؟». 

«ماذا تعنين؟). 

«ألیست عندكم في سان فرانسیسکو» وارتعشت شفتا روز رعباً. 

تساءل بارصام إن كانت زوجته السابقة تلعب عليه. حاول ألا يبدو 
صوته غاضباً: «لاء يا روز» لقد قرّرت أن تعود إلى أريزونا. إنها تمضى 
العطلة الريعة هناكة. 

«يا إلهي!! لكنها ليست هنا! آین ابنتي؟ أين هي؟» بدأت روز تنشج› 
وانتابتها نوبة من نوبات القلق التي كانت تهاجمهاء والتي خيّل إليها أنها 
تخلت عنها منذ زمن بعد . 

«روز» أرجوك أن تهدئي؟ لا أعرف ماذا يحدث» لكني واثق من آنه 
يوجد تفسير واحد. فأنا أثق بآرمانوش من كل قلبي. فهي لن تفعل أي 
خطأً. متی تکلّمت معها آخر مرة؟» . 

«البارحةء إنها تتصل بي يومياً - من سان فرانسيسكو!». 


Twitter: @ketab_n 1٤ 


توقف بارصام. لم یخبرها أن آرمانوش كانت تتصل به أيضاً من 
أريزوناء «هذا جيد» هذا يعني أنها بخير. يجب أن نشق بها. إنها فتاة ذكية 
يوثق بهاء إنك تعرفين ذلك. عندما تخابرك فى المرة القادمة اطلبى منها أن 
تتصل بي . قولي لها إن الأمر عاجل. هل فهمت يا روز؟ هل ستفعلين 
ذلك؟». 

«يا إلهي!٠»‏ اشتد بكاء روز. لكن خطر لها فجأة أن تسأله: «بارصام» 
قلت إن هناك خبر سىء ما هو؟». 

«أوه. . ٠.‏ مرت لحظات صمت ثقيلة: «أمَي. . .» ولم يستطع أن 

«فقط قولي لآرمانوش إن جدتها شوشان ماتت وهي نائمة. لم تستيقظ 

¥¥¥ 

مضت الدقائق الخمس عشرة ببطء شديد. راحت آرمانوش تذرع 
الغرفة تحت نظرات آسيا القلقة. وأخيراًء حان وقت الاتصال بأمَها ثانية . 
هذه المرّة» رفعت روز سماعة الهاتف فى الحال. 

«آمى» سأسألك سؤالاً واحداً وستقولين لى الحقيقة؛ أتعديننى بأنك 
ستقولين لى الحقيقة». 

أحسّت آرمانوش بموجة قلق تعتمل في بطنها. 

«أين أنت؟» قالت روز» بصوت متهدج : «لقد كذبت علينا! إنك لست 
فی اسان فراتسیسکو» ولیت فی آریزوناء آین انت ؟٣:‏ 

ابتلعت أرمانوش ريقها بصعوبة» وقالت: «ماماء أنا في إستانبول) . 

«ماذا؟» . 

«ماما» سأخبرك بکل شيء» لكن أرجوك اهدئي . شعت عينا روز 
بالاستياء. كم كانت تكره أن تسمع الجميع يطلبون منها أن تهداً. 


Twitter: @ketab_n 10 


«ماماء أنا آسفة جداً لأني جعلتك قلقة. كان يجب ألا أفعل ذلك. أا 
آسفة» لكن لا يوجد شيء يمكنك أن تقلقي عليه» صدقيني» . 

وضعت روز يدها على الهاتف. وقالت لزوجها بنبرة توبيخ وكأن ذلك 
حدث بسببه: «ابنتي الصغيرة في إستانبول)» ثم صرخت في السماعة: 
بحق الجحيم ماذا تفعلين هناك؟» . 

«في الواقع» إني أمكث في بيت حماتك. إنها عائلة راثعة». 

مندهشة ٠‏ التفتت روز ثانية إلى مصطفى» موبخة إياه بحدّة أكثر: "إنها 
تمكث مع عائلتك». 

وقبل أن يتمكن مصطفى قازانجي الذي شحب لونه من أن يفه بكلمة 
واحدة» قالت: «إننا آتيان إلى هناك. لا تختفي في أي مکان. نحن آتيان. 
ولا تغلقي هاتفك الخلوي ثانية أبد»» وأغلقت الهاتف . 

«بحق الجحيم عما تتحدثين؟» ضغط مصطفى ذراع زوجته» بشکل 
أقوى مما كان ينوي «لن أذهب إلى أي مكان». 

لانعم» ستذهب»» قالت روز: «سنذهب . ابنتي الوحيدة في 
إستانبول!!!» صرخت. وكأن آرمانوش قد أخذت رهينة . 

«لا أستطيع أن أترك عملي الآن». 

«يمكنك أن تأخذ إجازة بضعة أيام. وإذا لم تذهب» فسأذهب 
وحدي؟ . 

قالت روز» أو شخص يشبه روز: «سنذهب إلى هناك» لنتأكد أنها 
آمنة» ونعيدها معنا) . 


HFH ¥ 


في وقت متأخر من تلك الليلةء فيما كن يتأهبن ليأوين إلى الفراش رن 


Twitter: @ketab_n 17 


«إن شاء الله خيرا» همست ما - الهيفاء من سريرهاء والسبحة فى 
يدها» والقلق يرتسم على وجهها. مدت يدها إلى كأس الماء الذي يوجد 
فيها طقم أسنانهاء وأخذت رشفة وهي لا تزال تبتهل إلى الله. فالماء هو 
الشىء الوحيد الذي يمكن أن يطفئ حدة الخوف . 

رفعت الخالة فريدة» الت کانت لا تزال صاحية» سماعة الهاتف› 
والتي كانت أكثر واحدة في العائلة» تحب الثرثرة والتكلم على الهاتف . 

«ألو؟» . 

«مرحباً» فريدة» هل هذا أنت؟» جاء صوت ذكوري عبر السماعة. 
ودون أن ينتظر راء أضاف : «أنا. . . من أمريكا. . . مصطفى. . .٠.‏ 

مبتهجة بسماع صوت أخيهاء ابتسمت الخالة فريدة ابتسامة عريضة» 
وقالت: «لماذا لا تتصل أكثر؟ كيف حالك؟ متی ستأتى لزيارتنا؟» . 

«اسمعي» يا عزيزتي» أرجوك. هل آمي - آرمانوش عندکم؟) . 

انحم» نعم» طا لقد ارسلتھها لکی تمکٹ معنا . لقد أحببناها 
كثيرأً؛» قالت الخالة فريدة مبتسمة: «لماذا لم تأت معهاء أنت 
وزوجتك؟). 

لبث مصطفى دون أن يأتى بحركة» وقطب جبينه قلقاً. كانت تمتد 
وراءه من النافذة أرض أريزوناء الموثوقة دائماًء السرية دائماً. فمع مرور 
الزمن» تعلم أن يدر الصحراء اللا متناهية. فعندما كان ينظر إلى الوراءء 
کانت تهدئ من مخاوفه» وكانت طمأنينتها تخفْف من حدة خوفه من 
الموت. ففى أوقات كهذه» كان يتذكر» وكأن جسمه هو الذي يتذكر 
وحده» المصير الذي ينتظر جميع الرجال في عائلته. في أوقات كهذه كان 
يشعر بأنه على وشك أن ينتحر. أن يجد الموت قبل أن يجده الموت. لقد 
عاش حياتين مختلفتين تماماً. مصطفى ومصطفى . وفي بعض الأحيان» 
كان يبدو أن الطريقة الوحيدة لرأب الفجوة بين اسمين يكمن في إسكاتهما 


Twitter: @ketab_n 1¥ 


في وقت واحد - كي ينهي حياته بطريقة غير متوقعة. أبعد الفكرة عن 
رأسه. صوت يشبه التنهيدة. ربما كان هو . ريما كانت الصحراء فقط . 
«أظن أننا. سنأتي لزيارتكن لبضعة أيام ونعيد آمي معنا. . . إننا 
تیان» . 
بدا أن هذه الكلمات قد خرجت بسهولة وطلاقة» وكأن الزمن ليس 
سلسلة من التقطعات» بل استمرارية بدون انقطاع › تنحني بسهولة حتى 
عندما تنکسر. سيأتي مصطفی لزیارتهن» وکأنه لم يمض على غيابه أكثر 


من عشرين سنه . 


Twitter: @ketab_n 1۸ 


۵ 
الزبيب الأصفر 


على الفورء أثار النبأً العظيم بقدوم مصطفى وزوجته الأمريكية 
لزيارتهن سلسلة من ردود الفعل في بيت قازانجي . وكانت أول ردة فعل 
وأهمها إحضارهن جميع أنواع المنظفات» ومساحيق الغسيل» ورقائق 
الصابون. وخلال يومین أصبح البيت برمته» من أعلاه إلى اُسفله» يشع 
بالنظافة » وعُسلت النوافذ ولْمّعت» ونفض الغبار عن الرفوف» وعُسلت 
الستائر وكويت» وحكت وئُظفت كل بلاطة في أرضية الطوابق الثلاثة 
يها ومست الخال كر أرراق الخاتات ف رة الجلوس ورف 
ورقة» نبات المسك وزهرة الجرس» وإكليل الجبل والجويسئة العطرية. 
حتى أنها مسحت أوراق نبتة أم غيلان. وفي هذه الأثناءء فاجأت الخالة 
فريدة الجميع بأن أخرجت مفرش الطاولة العزيز على قلبهاء الذي كان 
جزءاً من مهرها. لكن لم يكن ثمة أدنى شك بأن الجدَّة كلثوم كانت 
أكثرهن تأثراً وحماساً لدى سماع هذا النبأً. ففي البداية لم تصدق أن ابنها 
الوحيد سيأتى لزيارتهن بعد كل هذه السنوات» وعندما اقتنعت أخيراً 
ظلت حبيسة المطبخ في وسط الصحون والملاعق والشوك والسكاكين» 
ومكوّنات الطعام» تطهو الأطباق التي يفضلها ابنها الأثير لديها. وأصبح 
الهواء داخل المطبخ الآن مثقلاً بروائح المعخنات المخبوزة الطازجة. فقد 
خبزت نوعين مختلفين من فطائر البرك بالفرن بالسبانخ وبجبنة الفيتا - 


۳۱14 
Twitter: @ketab_n 


وأعدّت حساء العدس» وسلقت قطعاً من لحم الضأنء وهيّأت مزيجاً من 
الكفتة كي تقليها حال وصول الضيفين . ومع أنها صمَّمت على أن تعد ستَة 
أطباق مختلفة قبل انتهاء النهار» فمما لا شك فيه أن أهم طبق في قائمة 
الجذة كلثوم كان طبق حلوى : العاشورة. 

فخلال سنوات طفولته ومراهقته» کان مصطفى قازانجي يحب 
العاشورة أكثر من أي حلوى أخرى» وإذا لم تكن تلك الأطعمة الجاهزة 
الأمريكية الفظيعة قد أفسدت عاداته في الطعام» كما كانت الجدة كلثوم 
تتمنى» فإنه سيسعد كثيراً لرؤية أطباق الحلوى التي يحبها تنتظره في 
الثلاجة» وكأن الحياة هنا لا تزال كما كانت في الماضي»› يستطيع أن يختار 
منها ما يحلو له. 

فقد كانت العاشورة رمزاً للاستمرار والاستقرار» صورة مصعّْرة عن 
الأيام الجيدة التي تأتي بعد كل عاصفة» مهما بلغت شدة هذه العاصفة. 

نقعت الجدَّة المكونات في اليوم السابق وبدأت تتهيأً الآن للشروع في 
الطهى. فتحت الخزانة وأخرجت قدراً كبيراً. القّدر الذي تطهر فيه 
العاشورة عادة. 


المكؤنات 


۸ا کرب عا 

١‏ كوب حنطة مقشّرة 

۱ کوب رر أبیض 

کوب ونصف سکر 
e‏ 
کب فاي 


Twitter: @ketab_n TY 


۲ کوب صنوبر 

١‏ ملعقة صغيرة فانيلا 

۳ کوب زبیب أصفر 
۳ کوب تین مجفف 

۳ کوب مشمش مجفف 
کوب فور ارعان 
ملعقتان كران هن اء الورد 


التزيين 


ملعقتان كبيرتان من القرفة 
۲ کوب لوز أبیض ومقطع 
آ١‏ کت عت امان 


التحضير 

تنقع معظم المكونات في صحون منفصلة في اليوم السابق على النحو 
التالى : 

يُغمر الحمَص في الماء البارد وينقع طوال الليل . يجب غسل الحنطة 
والمشمش وقشور البرتقال في الماء الحار لمدة نصف ساعة» ثم تصفی 
وتوضع جانباً. 


Twitter: @ketab_n ۲۱ 


طريقة الطهي 


يُغمر الحمَص بغالون من الماء البارد. يُغلى ويطهى على حرارة 
متوسطة حتى تصبح حبات الحمص طرية» لمدة ساعة تقريباً. وفيما يطهى 
الحمَص» يُغلى ۲ - ۲/١‏ كوارت من الماء» تحرّك في الحنطة والرز 
ويُغلى ببطء على حرارة منخفضة لمدة تقارب الساعة» ويُحرّك كثيرآ» حتى 
يصبح الررّ والحنطة طريين . 

يضاف الماء المنقوع المحتفظ به» والسكرء والبندق المقطم» 
والفستق الحلبي» وحبّات الصنوبر إلى القدر حتى يغلى على حرارة 
متوسّطة» ويُحرّك باستمرار. يُغلى ببطء ويُحرّك لمدة٠"‏ دقيقة أو أكثر. 
تضاف الفانيلا والزبيب والتين والمشمش وقشور البرتقالء ويّطهى لمدة٠٠‏ 
دقيقة أخرى» ويُحرّك باستمرار. تُطفاً النار ويمزج بماء الورد. تترك 
العاشورة حتى تصبح درجة حرارتها بدرجة حرارة الغرفة لمدة ساعة أو 
أكثر . ترش عليها القرفة وتّزيّن باللوز المقطع وحبَ الرمان. 

في غرفة البنات كانت آرمانوش هادئة تفكر منذ الصباح الباكر. ولم 
تكن تشعر بالرغبة في أن تخرج أو أن تفعل آي شيء. 

ومكشت آسيا معها في الغرفة تلعب معها «الطاولة» وتستمع إلى جوني 
گان 

«ستّة ستَّة! أيتها المحظوظة!» . 

لكن آرمانوش لم تظهر سعادة للنرد الذي ألقت به. بل راحت تحدق 
عابسة في قطع أحجار اللعب» وكأنها تريد أن تحركها بقوة نظرتها. 

«ينتابني إحساس بأن مكروهاً قد وقع ولم تخبرني به أمّي». 

«أرجوك لا تقلقي»» قالت آسيا وهي تمضغ طرف قلمها الرصاص› 


Twitter: @ketab_n TT 


مشتهية جرعة من النيكوتين. «لقد تكلمت مع أمَك وهي في صحة جيدة. 
وبفضلك سيزوران إستانبول الآن. سيأتيان ويقابلانك وسرعان ما تعودين 
إلى بيتك. . .٠.‏ ومع أن آسیا کانت ترید أن تهدئ من روعها» خرجت 
منها الكلمات وكأنها اعتراض . ففي الواقع كانت حزينة لأن آرمانوش 
ستغادرها بهذه السرعة . 

۸ أعرف. لا أستطيع أن أتخلص من هذا الشعور)» تنهدت 
آرمانوش» «فأمَي لا تسافر إلى أي مكان» ولا حتى إلى كنتاكي» مسقط 
رأسها. إن مجيئها إلى إستانبول يحيّرني . ولكن من الناحية الثانية» فهكذا 
هي . لا يمكنها أن تتحمُّل للحظة واحدة ألا تسيطر على حياتي وتتحكم 
بها. إنها مستعدة لتطير حول العالم كي تبقيني تحت عينيها» . 

بينما راحت تنتظر آرمانوش أن تحزم أمرها وتقرر إلى أي مربع ستنقل 
أحجارها» دست آسيا ساقيها تحتهاء وهي تفكر بمادة أخرى من بيانها 
الشخصي في العدمية. 


المادة العاشرة: إذا وجدت صديقة عزيزة» احرصي على ألا تتعودي 
عليهاء ولا تنسي أن كل واحدة منا وحيدة في الوجود» وأن العزلة الأبدية 
ستتجاوز أي صداقة عرضية إن آجلاً أم عاجلاً. 

رغم شعور آرمانوش بالاكتئاب إلا أن ذلك لم يؤثر على مهارتها في 
اللعب كثيراً. وعندما جاء النرد «ستّة ستّة)» اقتحمت عرين آسياء وهزمت 
منافستها هزيمة شنعاء» وهزمتها بثلاثة أحجار دفعة واحدة. لقد انتصرت! 

كرت آسيا بأستانها على القلم بقوة. 

المادة الحادية عشرة: حتى إذا وجدت صديقة عزيزة كنت قد اعتدت 
على صحبتها كثيراً إلى درجة تجعلك تنسين المادة العاشرةء لا تتجاهلي 
الحقيقة بأنها لا تزال تستطيع أن تلحق بك هزيمة في مجالات أخرى من 


Twitter: @ketab_n TY 


لحياة. فعلی لوحة لعبة الطاولةء كما في الولادة والموت› فإن کل منا 
وحيد. 


بوجود ثلاث قطع »› وبوجود بوابتین فقط کانتا لا تزالان مفتوحتین 
على الجهة الأخرى» كان على آسيا الآن إما أن تأتي ب «خمسة خمسة» أو 
«ثلاثة ثلاثة». ولا يوجد شيء آخر يمكن أن ينقذها من الهزيمة. بصقت 
على راحة يديها ليأتيها الحظ السعيد» وتضرعت إلى جني الطاولة الذي 
كانت تتخيّله دائماً بأنه غول نصفه أبيض ونصفه أسود» وبأن پۇيۋا عپنبه 
هما النرد الذي يفتل ويدور بجنون. ألقت النرد: «ثلاثة اثنان»» «اللعنة» 
اللعنة!» لم يعد بوسعها أن تلعب» فشبكت يديهاء وأخذت تبرطم متذمرة. 

«مسكينة!» قالت لها آرمانوش . 

وضعت آسيا قطعتَيّ الحجر الأسودين على الخط وهي تنصت إلى 
البائع المتجول في الخارج يجأر بأعلى صوته: «زبيب! عندي زبيب 
أصفر . للصغار وللجدات بدون أسنان» زبيب أصفر لكل إنسان!» وعندما 
تكلْمت ثانية» رفعت صوتها ليطغى على صوت البائ . 

«أنا واثقة من أن آمك لطيفة. فكري في الأمرء لو لم تكن لطيفة لما 
تجشمت عناء هذه الرحلة الطويلة من أريزونا إلى إستانبول؟». 

«أظن أنك محقة». هزت آرمانوش رأسها وألقت بالنرد. 

«ستّة ستّة» مرة أخرى! 

«هل ستستمرين في أن تأتي بستّة ستّة إلى ما لانهاية؟ هل هذا النرد 
مسحور أم ماذا؟» صاحت آسيا بارتياب» «هل تغشين يا آنسة». 

ضحکت آرمانوش وقالت : «أوه نعم » لو كنت أعرف كيف أغش!». 

TS 
البيض إلى المكان الفارغ» حتى توففت آرمانوش فجأة. كانت شاحبة‎ 
. وساهمة‎ 


Twitter: @ketab_n 8 


«يا إلهي» كيف لم أر هذا؟» صاحت آرمانوش بحزن: «إنها ليست 
أمّي» كما ترين» إنه أبي. هكذا تكون ردة فعل أمَي عندما يحدث مكروه 
لأبي. . . أو لعائلة أبي. .. يا إلهي» لقد حدث مكروه لأبي!». 

«الكنك تخمنين ذلك٤»‏ حاولت آسيا أن تهدئ من روعها لکنها لم 
تفلح : «متى تحدثت إلى أبيك آخر مرة؟» 

«منذ يومین؟» قالت آرمانوش: «لقد اتصلت به من أريزونا وكان في 
صحة جيدة» کان کل شيء يبدو طبیعیا' . 


«انتظري» انتظري» انتظري! ماذا تقصدين أنك اتصلت به من 
أريزونا؟» . 

احمر وجه آرمانوش خجلاًء وقالت: «لقد کذبت»» ثم هزت کتفيهاء 
وكأنها استمرأت عملا قامت به من أجل التغيير. «لقد كذبت على جميع 
أفراد أسرتي لأتمكن من المجيء إلى هنا. فلو قلت لهم إنني ذاهبة إلى 
إستانبول وحدي» لقلق الجميع» ولما تركوني أسافر إلى أي مكان. لذلك 
فكرت بأن أذهب إلى إستانبول أولاًء ثم أخبرهم بكل شيء عندما أعود. 
فابي يظن آنني مع آي في اريزوناء واي تظن آنني مع آبي في سان 
فرانسيسكو . أقصد» كانت تظن» على الأقل حتى البارحة». 

نظرت آسيا إلى آرمانوش غير مصدقة أذنيهاء لكن سرعان ما تلاشت 
نظرتهاء وحلّت محلها نظرة أقرب إلى الاحترام. ربما لم تكن آرمانوش 
تلك الفتاة النقية الجيدة السلوك كما كان يخيّل لاسيا. فربما يوجد في 
مكان ما من عالمها المضيء مكان للعتمة والوسخ والانحراف. لم يزعج 
الاعتراف آسياء بل زادها احتراماً لآرمانوش. أغلقت الطاولة» ووضعتها 
تحت إبطهاء وهو رمز يعني أنها قبلت الهزيمة» رغم عدم معرفة آرمانوش 
بهذه الطريقة الثقافية في التعبير عن هزيمتها. سألتها آسيا: «لا أظن أن ثمة 
شيئاً على غير ما يرام. . . لكن قولي لي» لماذا لا تخابري أباك؟». 


Twitter: @ketab_n Yo 


وكآنها كانت تنتظر هذه الكلمات» تناولت آرمانوش الهاتف. ومع 
الفارق في التوقيت» كان الوقت في ساعات الصباح الأولى الآن في سان 
فرانسیسکو . 

بعد رنة واحدة رفع أحدهم السماعة. لم تكن الجذة شوشان كالعادة» 
بل کان أبوها. 

«حبيبتي)» انطلقت من بارصام تشكمكجيان تنهيدة حب عميقة عندما 
تناهى إليه صوت ابنته. كانت هناك خشخشة غريبة فى الاتصال» مما 
جعلهما يدركان البعد الجغرافى الفاصل بينهما. كنت سأخابرك فی 
الصباح . أعرف أنك في إستانبول؛ لقد اتصلت بي أمّك وأخبرتني بذلك». 

أعقب ذلك لحظة صمت مشوبة بالتوتر» لكن بارصام تشكمكجيان لم 
يعلق على ما فعلته» ولم يؤنبهاء بل مضى يقول: «كنت أنا وأمّك قلقين 
عليك. ستسافر روز إلى إستانبول مع زوج أمَّك. . . سيأتيان ليحضرانك . 
شيصلان إلى إستانبول غداً عند الظهر» . 

تجمدت آرمانوش الآن في مكانها. ثمة شيء ليس على ما يرام. أن 
يتحدث أبوها وأمَهاء والأكثر من ذلك» أن يعلم أحدهما الآخر بما 
يجري »› دليل على وجود شيء ما. 

«بابا»ء هل حدث شيء؟٠‏ . 

توقف بارصام تشکمکجیان قلیلاً» وقد اعتراه شعور مفاجۍ بالحزن 
من ثقل ذاكرة طفولة انبثقت فجأة. 

فعندما كان صبياً صغيراًء كان يأتي إلى حيّهم كل سنة رجل يعتمر 
قلنسوة غامقة مدببة من الأمام» ويرتدي رداءٌ أسود» ويتنقل من بيت إلى 
بيت برفقة شمَّاس الكنيسة المحلية. كان قساً مهاجراً يبحث عن أطفال 
أذكياء كي يعيدهم إلى أرمينيا ليصبحوا قساوسة. 

«باباء هلل جمیعکم بخیر؟ ماذا يجري؟» . 


Twitter: @ketab_n ۲۲٢ 


«أنا بخير يا حبيبتي . لقد اشتقت إليك»» كان كل ما بوسعه أن يقوله. 

كان بارصام منجذباً إلى الدين في صغره» وكان أفضل تلميذ في 
مدرسة يوم الأحد. لذلك كان الرجل ذو القلنسوة السوداء يزورهم في 
بیتهم مراراء ويتحدث مع شوشان عن مستقبل الصبي . وذات يوم» عندما 
كان بارصام وأمّه والقسيس جالسين في المطبخ يرشفون شاياً حاراً» قال 
القس إنه إذا كان سيقرر شيئاً» فهذا هو الوقت لاتخاذ القرار. 

لم ينس بارصام تشكمكجيان بريق الخوف المنبعث من عينيّ أمّه . 
فبقدر ما كانت تحترم القس» وبقدر ما كانت ستبدو سعيدة لأن ترى ابنها 
يرتدي الرداء الكهنوتي عندما يكبر» وبقدر ما كانت تريد ابنها الوحيد أن 
يكون في خدمة الله» لم يكن بإمكان شوشان إلا أن تنكفئ خوفاًء» وكأنها 
كانت أمام رجل يريد أن يختطف ابنها. إذ أجفلت بقوة وخوف جعل 
الكوب في يدها يرتعش» واندلق قليل من الشاي على فستانها. فهز 
القسيس رأسه بهدوء. واكتشف ظلَ قصَة مظلمة تتوارى فى ماضيها. رت 
على يدها وباركهاء ثم غادر البيت» ولم يعد ثانية ولم يفتح معها هذا 
الأمر ثانية . 

في ذلك اليوم انتاب بارصام تشكمكجيان شيا لم يشعر به من قبل» 
ولم يشعر به ثانية في حیاته. کان هاجسا مخيفا . لم تكن ردة الفعل هذه» 
إلا ردة فعل أمٌ فقدت طفلاً بمثل هذا الخوف العميق في مواجهة خطر أن 
تفقد طفلاً آخر. فربما کان لدی شوشان ابن آخر في فترة ماء وانفصل 
عنها. 

الآن وفيما كان حزيناً على وفاة أمَه» لم يكن يجرؤ على إخبار ابنته 
بنباً وفاتها. 

«ہاباء كلمني»» قالت آرمانوش بسرعة . 


وشأن أمّه» كانت أسرة أبیه قد رُحلت عن ترکیا في عام ۱۹۱٩‏ . فقد 


Twitter: @ketab_n ۲Y 


کان یجمع سرکیس تشکمکجیان وشوشان ستامبولیان شیئاً مشترکاًء شیا 
كان يشعر به أطفالهما فقط» لكن لم يفهموا ما هو تماماً. كان الصمت 
يتناثر بين كلماتهما. فعندما جاؤوا إلى أمريكا تركوا وراءهما حياة أخرى 
في بلاد أخرى» وكانا يعرفان أنك مهما استدعيت الماضي» فثمة أشياء لا 
ا 

تذکر بارصام باه وهو يرقص حول آَمّه» یرسم دوائر داخل دوائر 
بذراعيه المرفوعتين مثل طير محلق؛ وكانت الموسيقى تبدأ بطيئة » ثم تزداد 
سرعة. وكان الأطفال يرون هذه الدوامة الشرق أوسطية بإعجاب من 
الجانب فقط» لا من العمق. وقد تركت الموسيقى أثراً واضحاً عليه منذ 
نشأته. ولسنوات عديدة» كان بارصام يعزف على الكلارينت في فرفة 
أرفتيةء ويرقض مرقذيا الات الحخبة القكدية» سروالا فضفاضا أسرذ 
وقميصاً أصفر. يتذكر أنه كان يغادر بيته مرتدياً ذلك اللباس» فيما كان 
ينظر إليه جميع الأطفال الآخرين في حيّهم غير الأرمني بعيون ساخرة. 
وفي کل مرة» کان یتمتی إما أن ينسى الأطفال ما رأوه» أو أن لا يكترث 
بسخریتهم به. لکنه کان مخطاً في كل مرة. 

وبينما كان يشارك في نشاط أرمني تلو الآخر» کان کل ما یریدہ حفا 
أن يصبح مثلهم» لا أكثرء ولا أقلء أن يصبح أمريكياًء وأن يتخلَّص من 
هذه البشرة السمراء الأرمنية. وحتى بعد مضیى سنوات»› كانت أمّه توخ 
بين الحين والآخرء رذ کف آنه غندما کان شرا سأل أحد الجيران 
الأمريكان من أصل هولندي يسكن في الطابق العلوي عن نوع الصابون 
الذي يستخدمه» لأنه يريد أن يصبح أبيض مثله. الآن وبعد أن تدفقت إل 
ذکریات طفولته مع فقدان أمَّه» أحس بارصام تشکمکجیان بالذنب لأنه بدا 
ينسى بسرعة اللغة الأرمنية التى تعلمها عندما كان طفلاً. وأسف الآن لأنه 
لم يتعلم المزيد من أمه» ولم يعم ابنته المزيد. 


«باباء لماذا سکت؟» سألته آرمانوش» بصوت يشي بالخوف . 


Twitter: @ketab_n ۳۲۸ 


انعم › طبعاًا» أجابت آرمانوش . 

«هل زعلت مني لأني لم أعد أرسلك إلى هناك؟) . 

«باباء أنا التي لم أكن أرغب في الذهاب إلى المعسكرء هل نسيت؟ 
كان ممتعاً في البداية» لكني بعد ذلك وجدت أني كبرت على مثل هذا 
المعسكر. وكنت أنا التي طلبت منك ألا ترسلني إلى هناك في السنة 
التالية. . .٠.‏ 

اصحيح؟» قال بارصام متردداً: «لكن کان بوسعي أن أبحث عن 

«باباء لماذا تثير هذا الموضوع الآن؟» أحست آرمانوش أنها على 
وشك البكاء. 

لم تكن لديه الشجاعة لأن يخبرها. ليس بهذه الطريقة» ليس على 
الهاتف . فلم يكن يرغب أن تعلم بوفاة جدتها وهي وحيدة على بعد آلاف 
الأميال. وعندما حاول أن يقول بضع كلمات ليصرف انتباههاء ارتفع 
صوته قليلاً على همهمة اندلعت في الخلفية. همهمة تدل على وجود جمع 
من الناس. بدا وكأن العائلة كلها كانت هناك أقرباء وأصدقاء وجيران 
تحت سقف واحد» وكان هذا بالنسبة لآرمانوش دليلاً على أمرين اثنين لا 
ثالث لهما: إما أن يكون أحدهم قد تزوج» أو أن أحداً قد مات . 

«ما الخطب؟ أين جدتى شوشان؟» قالت آرمانوش بهدوءء «أريد أن 
ألم جدتي». 

هنا اضطر بارصام تشكمكجیان أن يخبرها. 


¥# ¥ ¥ 


Twitter: @ketab_n ۲4 


منذ فترة متأخرة في المساءء كانت الخالة زليخة تذرع الغرفة بحيوية 
لم تكن تعرف كيف تحتويها. ولم يكن بوسعها أن تفضي لأحد في البيت 
عن سبب اضطرابها. وكانت كلما دفنت مشاعرها في أعماقهاء ازداد حالها 
سوءآً. في البداية» فكرت أن تغلي لنفسها قليلاً من «الزهورات» في 
المطبخ لتهدى من أعصابهاء إلا أن رائحة الطهي الكثيفة التي كانت تغمر 
المطبخ كادت تجعلها تتقياً. ثم دخلت إلى غرفة الجلوس لتتفرج على 
التلفزيون» لكنها عندما وجدت ائنتين من أخواتها منهمكتين بشكل مسعور 
في تنظيف الغرفة وتتحدثان بحماس عن اليوم التالي» غيّرت رأيها على 
الفور. 

عندما عادت إلى غرفتهاء أغلقت الخالة زليخة باب غرفتهاء أشعلت 
سيجارة» وأخرجت رفيقها الذي کانت تحتقظ به تحت فراشها لمثل هذه 
الأيام العصيبة : قنينة فودكا. وبسرعة راحت تجرع منهاء لكنها سرعان ما 
بدأت تشرب بخمول» حتى جرعت ثلث القنينة . وبعد أربع سجائر وستّة 
كؤوس صغيرة» زال شعورها بالقلق. بل إنها لم تعد تشعر بشليء إلا 
بالجوع. وكان كل ما أمكنها أن تتناوله من طعام خفيف في غرفتها حفنة 
من الزبيب الأصفر الذي اشترته من البائع المتجول النحيف الذي كان 
ينادي أمام البيت هذا المساء. 


وعندما جرعت نصف القنينة »› وعندما لم تبق سوى حفنة من الزبيب»› 
رن هاتفها الخلوي . كان آرام . 

«لا أريد أن تظلي في البيت هذه الليلة٠ء‏ كان أول شيء قاله لها: «أو 
غد أو بعد غد. في واقع الأمر لا أريدك أن تمضي يوماً واحداً بعيدة 
عنى في الأيام المتبقية من حياتي. 

كان رد الخالة زليخة أن أطلقت ضحكة. 


«أرجوك يا حبيبتى» تعالى وأقيمى معى. اتركى هذا البيت على 


Twitter: @ketab_n ۰ 


الفور. لقد أحضرت لك فرشاة أسنان. حتى توجد لدي منشفة نظيفة!» 
حاول آرام أن يمازحهاء لكنه توقف في منتصف الجملة: «أقيمي معي 
حتی يذهب» . 

«إذن كيف سنفسر غيابي المفاجى لعائلتي العزيزة؟» قالت الخالة زليخة 
متذمرة. 

اإنك لست بحاجة لأن تفسري لهن شيئاً»» قال آرام متوسلاً: 
«انظري› لا بد أن هذه هي فائدة أن يغرد المرء خارج السرب في عائلة 
تقليدية . مهما فعلت» فأنا واثق من أن أحدأً لن يصدم بذلك. هيا تعالي . 
أرجوك تعالي وأقيمي معي . 

«وماذا سأقول لآسيا؟». 

لا شيء» لست مضطرة لآن تقولي لها شيا,: : إنك تعرفين ذلك». 
تكؤرت الخالة زليخة في وضع جنيني وهي لا تزال تمسك الهاتف بيدها 
بإحکام. أغمضت عينيها» وکانت مستعدة لتغط فى النوم» لکنها حشدت 
طاقتها لتسأله: «آرام» متى سينتهي؟ فقدان الذاكرة القسري هذا. هذا 
اسان لدا ل قوي ياء ا دى اء ۷ تفي فا ليس 
لهم» ليس لنفسك. . . هل سينتهي هذا الأمر؟». 

« تفكري بذلك الآن»» حاول آرام أن يهدئ من روعها: «أريحي 
نفسك . إنك تقسين على نفسك كثيراً. تعالى إلى هنا غداً صباحاً». 

«أوه يا حبيبي . . . كم أتمنّى أن أستطيع . . ٠.‏ وأشاحت الخالة زليخة 
بوجهها الحزين» وكأنه يمكنه أن يراقبها بواسطة سماعة الهاتف» ثم 
أضافت : «إنهن يردن أن أذهب إلى المطار لاستقباله. فأنا الوحيدة التى 
أستطيع أن أقود السيارة في هذه العائلة» ألا تذكر؟» . 

لبث آرام صامتاًء معترفاً بذلك . 

«لا تقلق٤»‏ همست.الخالة زليخة: «أحبّك. . . أحبّك كثيراً. . . لننم 
الآن» . 


Twitter: @ketab_n ۳۱ 


ما أن وضعت السماعة» حتى غطت الخالة زليخة في نوم عميق . 
كيف أغلقت الهاتف الخلوي. وكيف أعادت قنينة الفودكاء وكيف أطفأت 
السيجارة فى المنفضة»ء وكيف أطفأت النور» وكيف انسلت تحت 
الأغطيةء لم تتذكر شيئاً من كل ذلك عندما استيقظت في صباح اليوم 
التاليء وصداع شدید يعتريها . 


¥ ¥ ¥ 


«هل الطقس بارد في إستانبول؟ هل علي أن أجلب ملابس أدفأً؟» 
سألت روز» رغم وجود ثلاثة أسباب رئيسية تجعلها ألا تطرح هذا 
السؤال: الأولء لأنها سألت هذا السؤال من قبلء والثاني» لأنها انتهت 
من حزم أمتعتهاء والثالث» لأنها كانت في طريقها الآن إلى مطار توسون» 
وقد فات الآوان لطرح مثل هذا السؤال. 

كان يرغب في أن يذكر زوجته بهذه الأسباب الثلاثة» لكن مصطفى 
قازانجي ظل مثبتاً عينيه أمامه على الطريقء لکنه اکتفی بأن هر رأسه. 

في يوم رحلتهماء غادرت روز ومصطفى البيت في الساعة الرابعة 
مساءَ متوجهين إلى المطار. كانت بانتظارهما رحلتان: رحلة قصيرة» 
ورحلة طويلة جداً. فقد كانا سيسافران من توسون إلى سان فرانسيسكو 
أولاًء ثم يستقلان الطائرة من سان فرانسيسكو إلى إستانبول. وبما أن هذه 
كانت أول رحلة لها إلى بلد ليست اللغة الإنكليزية فيه اللغة الأساسيةء ولا 
يتناول أهله فطائر المابل المشبّعة بالعصير في الصباح» وجدت روز نفسها 
مستثارة وحزينة في الوقت نفسه. ففي الواقع لم تكن من ذلك النوع الذي 
يحب السفر والاكتشاف» ولولا ذلك الحلم الذي طالما تمنته بالسفر إلى 
بانكوك» لكنه لم يتحقق» لما حصلت هي ومصطفى على جوازات سفر. 
وكان كل شيء يتعلق بالسفر في العالم بالنسبة لها كان ينحصر في 
مشاهدتها مجموعة مؤلفة من ستة أفلام على قرص دي ثي دي بعنوان 


Twitter: @ketab_n YY 


«اكتشاف أوروبا»» جعلتها تكوّن فكرة عن تركيا - لم تكن تزيد على نتف 
من المعلومات المتناثرة التي كانت تزل من لسان مصطفى بين الحين 
والآخر خلال سنوات زواجهما. لكن المشكلة تكمن فى أن روز شاهدت 
اف ا خا ر و ا 
تركيا» كانت في نهاية الفيلم » بعد العرض عن الجزر البريطانية » وفرنساء 
وإسبانياء والبرتغال» وألمانياء والنمساء وسويسراء وإيطالياء واليونانء 
وإسرائيل» بدأ الشك يساورهاء ولم تعد تعرف إن كانت المشاهد التي 
رآتها هي مشاهد من تركيا أو من بلاد أخرى. وفي الحقيقة كان هذا الفيلم 
«اكتشاف أوروبا» معدَاً لأغراض تعليمية» وخاصة للأسر الأمريكية التي لا 
يتوفر لديها الوقت» ولا السبل» ولا الرغبة في السفر إلى الخارج» لكن 
كان على منتجي هذا الفيلم أن يدؤنوا ملاحظة تحت المشاهدين على عدم 
مشاهدة أقراص الدي في دي الستّة كلها دفعة واحدة» وألا «يسافروا» إلى 
اك من يلواحت فى جلية راسد ذلك سرن آفكارهم . 


في مطار توسون الدولي» لم يترکا مخزناً لم يزورانه» وهذا يعني في 
واقع الأمر أنهما لم يزورا إلا كشكاً واحداً» ومكاناً واحداً لبيع الهدايا. 
ورغم اللوحة المبهرجة الألوان المكتوب عليها مطار دولي (فقد أطلق هذا 
الاسم بسبب الرحلات التي تنطلق من هذا المطار إلى المكسيك التي تبعد 
ساعة واحدة بالسيارة فقط)» كان المطار شديد التواضع› إلى حد أنه كان 
أشبه بمحطة حافلات محلية» بل حتى أن مقهى ستار باكس لم يكلف نفسه 
ويفتتح فرعا فيه. ومع ذلك فما إن وطأت قدما روز كشك الهدايا 
التذكارية » حتى وجدت عدة هدايا يمكن أن تقدّمها لأفراد عائلة مصطفى . 
وبالرغم من طبيعة هذه الرحلة المرتجلة» وقلقها المستمر على ابنتها هناك» 
باستثناء قلقها كيف ستخبرها بنبأً وفاة جدتهاء ومع اقتراب موعد المغادرة» 
دخلت روز في نوع من.المتاهة السياحية. ورغبة منها في أن تأخذ هدية 
لجميع أفراد عائلة مصطفى. الذين هم جميعهم من النساء» راحت تمعن 


Twitter: @ketab_n YY 


النظر بدقة في الهدايا المصفوفة على الرفوف» مع أنه لم تكن أمامها 
خيارات عديدة: دفاتر في شكل نبات الصبار» سلاسل مفاتيح في شكل 
نبات الصبّار» قطع مغناطيسية في شكل نبات الصبّار» كؤوس تيكيلا طبعت 
عليها صور نبات الصبار» وهدايا صغيرة وحلي رخيصة عليها صورء إن لم 
تكن صور نبات الصبّار» فكانت صور سحالي أو ذئاب . وفي نهاية الأمرء 
اشترت روز لكل امرأة من نساء قازانجي هدية - الهدايا نفسها كي تعدل بينهن 
وهي قلم رصاص مقوس متعدد الألوان كتب عليه أنا أحبَ أريزونا في 
شکل نبات صبار» وتي شيرت أبيض رسمت عليه خريطة أريزوناء وتقويم 
عليه صورة الوادي الكبير› وقدح كبير كتب عليه لكنها حرارة جافة» وقطع 
ممغنطة توضع على الثلاجة رسمت عليها صورة نبتة صغيرة حقيقية من 
الصبار. واشترت أيضاً بنطالين قصيرين مزهرين من النوع الذي كانت ترتديه 
الآن» في حال أحبَ أحد في إستانبول أن يجربهما. 


فبعد أن عاشت في توسون لمدة تزيد على عشرين عاماًء دون فوق 
كل بقعة من جسد روز» مع أنها كانت أصلاً ابنة ولاية كنتاكي» كلمة 
أريزونا. ولم تكن الثياب الخفيفة فقط - قمصان التي شيرت الخفيفة» 
وبناطيل الجينز القصيرة» وقبعات القش - هى التى كانت تكشف حقيقتهاء 
أو النظارات الشمسية التي تظل ملتصقة بوجهها فقط» بل كانت لغة جسمها 
تشع بأسلوب رونا اشيا وكانت روز على وشك أن تبلغ السادسة 
والأربعين من عمرها هذه السنةء لكنها كانت لا تزال تتصرف مثل كاتب 
محكمة جنايات متقاعد» لم تتح له الفرصة في أن يرتدي ثياباً مزهرة في 
حياته» فبدأ يستمتع بارتدائها بعد أن أحيل إلى التقاعد ولم يعد يخلعها. 
وهناك أشياء عديدة كانت روز تأسف لأنها لم تفعلها في حياتهاء منها آنها 
لم تنجب أطفالاً آخرین. فقد کانت تلوم نفسها لأنها لم تنجب طفلاً آخر 
عندما كان باستطاعتها أن تفعل ذلك. ولم يكن مصطفى متلهفا لإنجاب 
أطفالء ولم تكن روز تمانعه في ذلك. ربما لأنها كانت محاطة بتلامذة 


Twitter: @ketab_n E 


الصف الرابع الابتدائي» لم تر حاجة إلى إنجاب أطفال بنفسها. وبصفة 
عامة كانت حياتها الزوجية مع مصطفى سعيدة. إذ كانت حياتهما الزوجية 
تستند إلى العادة أكثر مما تقوم على الولاء العاطفي المتبادل» لكنها بالرغم 
من ذلك» كانت أفضل من آلاف الزيجات الأخرى التي تذعي أنها تقوم 
على الحبّ. كان قدراً غير متوقع» عندما تذكرت كيف التقت بمصطفى 
لأول مرة بدافع الانتقام من عائلة تشكمكجيان. لكنها كلما عرفته أكثر› 
ازداد حبها له ورغبتها به . مع أن الإغراء بإقامة علاقة رومانسية كان يعتري 
ووز هر ن الخين واا خر وكانت تداعبها الرغبة أحياناً في أن تعيش 
حياة مختلفة مع رجل آخرء لكنها كانت تشعر بالرضا بشكل عام إزاء 
الرجل الذي تعيش معه. 

«اتركي الصلصة»» قال مصطفى عندما رآى روز تفكر بشراء صلصة 
مكسيكية مليئة بالتوابل في قنينة في شكل نبات الصبار: «صدقيني يا روز» 
لن تحتاجي إلى هذه الأشياء في إستانبول». 

«حقاً» هل توجد في المأكولات التركية توابل كثيرة؟». 

ورداً على هذا السؤال» وعلى العديد من الأسئلة الأخرى الواضحة 
والبديهية» لم تكن لدى مصطفى سوى أجوبة مقتضبة . فبعد سنوات عديدة 
من انفصاله التام عن الثقافة التركية» أصبحت ألفته بها أشبه بلوحة رُسمت 
على ورق نفيس أزيل عنها الرسم بفعل الشمس والرياح» وامحت شيئاً 
فشيئاً. وأضحت إستانبول بالنسبة له طيف مدينة» مدينة لم يعد لها وجود 
سوى أنها تظهر له أحياناً فى أحلامه. وكما اعتاد على تخيّل أحياء المدينة 
العديدة وشخصياتها قايا منذ أن استقر فى أمريكاء فقد تخذرت 
مشاعره شيئاً فشيئاً تجاه إستانبول» وتجاه كل ما يرتبط بها تقريباً. 

ومع ذلك» كان ابتعاده عن المدينة التي ولد فيها شيء» والابتعاد کثيراً 
عن لحمه ودمه شيء آخر.. فلم یر مصطفى قازانجي ضیراً من أن يمکٹث 
في أمريكا إلى الأبدء وكأنه لا يوجد له وطن يعود إليه» بل حتى أنه عاش 


Twitter: @ketab_n Yo 


ياة تتطلع إلى الأمام خالية من أية ذكريات. فقد أصبح أجنبياً بلا ماض 
وبلا أجداد» رجلا لم تعد توجد في ذاکرته أيام صبا تكذره. وطوال هذه 
السنوات» مرت أوقات أحس فيها بالرغبة» بطريقته» في أن يعود ليرى 
أفراد عائلته ويواجه الشخص الذي كانه ذات يوم» إلاآن مصطفى اكجتف 
أن هذا الأمر لم يكن سهلاء وبدأ يزداد صعوبة مع تقدمه في العمر. 
وعندما رأى نفسه يبتعد عن ماضيه أكثر وأكثر» قطع جميع صلاته به. 
كانت هذه أفضل وسيلة له وللذين سبّب لهم الألم والمعاناة ذات يوم. فقد 
أصبحت أمريكا الآن وطنه. بل والحق يقال» أصبحت أريزونا أكثر من أي 
مكان آخرء المستقبل الذي اختار أن يستقر فيها ويطلق عليها «بيته» - البيت 
الذي أوصد بابه الخلفي على الماضي . 

وكان يبدو أن مصطفى كان يفكر وهو فى الطائرة. فعندما أقلعت 
الطائرة» لبث جالساً دون أن يأتي بحركة» ولم كد بر وش حتی بعد 
أن وصلت إلى ارتفاعها الثابت. بدا عليه الإرهاق» فقد استنزفته هذه 
الرحلة التي أرغم عليهاء والتي بدأت للتو. 

أما روز فكانت على عكسه تماماًء إذ كانت مفعمة بالإثارة والعصبية. 
وراحت ترشف كوبا بعد كوب من القهوة السيئة الطعم التي ثقدم في 
الطائرة» وتمضغ الكعك الذي قدموه لهماء وتتصفح المجلة المجانية التي 
توزع على الركاب» وتتفرج على بريجيت جونز في فيلم «حافة العقل؟» 
مع أنها كانت قد شاهدت هذا الفيلم من قبل» وانهمكت في ثرثرة طويلة 
مع السيدة العجوز الجالسة بجوارها (كانت ذاهبة إلى سان فرانسيسكو 
لزيارة ابنتها الكبرى ورؤية حفيدها المولود حديثاً)» وعندما غطت هذه 
الأخيرة في النوم» حاولت أن تجيب عن أسئلة التاريخ البسيطة التي ظهرت 
على شاشة الفيديو أمامها. 

من تكبّد أشد الخسائر في الحرب العالمية الثانية؟ 

أ - اليابان 


Twitter: @ketab_n ۳٢ 


ب - بريطانيا العظمى 

ج - فرنسا 

د - الأتحاد السوفيتي 

ما اسم الشخصية الرئيسية في رواية ٠۱۹۸٤١‏ لجورج آورويل؟ 

أ - وينستن سميث 

ب۔ آکاکی آکاگفیتش 

ج - السير فرانسيس درايك 

د - غریغور سامسا 

أجابت روز بالجواب «باء» عن السؤال الأول بثقة» لكن لم يكن لديها 
فكرة عن السؤال الثانى» فخمَّنت الجواب «ألف». وسرعان ما فوجئت 
عنما غلبت أن الجراب الأرلك خا والجراب اكان سحبح. لو کانت 
آمي معها الآن» لأجابت على كلا السؤالين بثقة» لا بالصدفة. أحست 
باشتياق لابنتها عندما خطرت ببالها. فرغم جميع نزاعاتهما ومشاجراتهماء 
ورغم فشلها الشخصي كأم» كانت روز ما تزال واثقة من أن علاقتها بآمي 
جيدة. واثقة بقدر ثقتها من أن بريطانيا العظمى هي التي تكبّدت أشد 
الخسائر في الحرب العالمية الثانية . ا 

ثم حطت الطائرة في سان فرانسيسكو . 

وما أن دخلا صالة المطار» حتى تملك روز دافع قوي آخر بالتسوّق : 
شراء بعض المأكولات لتتسلى بها أثناء الرحلة. فقد كان الفتات الذي 
قدموه لهما في رحلتهما الأولى هزيلاً ويدعو للرثاءء لذلك قررت أن تتولى 
زمام أمورها بنفسها. ومع أن مصطفى حاول جاهداً أن يشرح لها أن 
شركات الطيران التركية» بخلاف الرحلات المحلية في أمريكاء تقدم 
مجموعة كاملة من أطايب الطعام» أرادت أن تكون في مأمن» قبل أن تبدأً 
الرحلة التي ستستغرق اثنتي عشرة ساعة. 


TY 


Twitter: @ketab_n 


اشترت روز رزمة من الفستق» ورقائق الجبن» وبسكويت رقائق 
الشوكولاتة» وكيسين من رقائق البطاطاء وحفنة من الحبوب مع العسل 
واللوز» وعلكة تحدث فقاعات. وكان قد مضى زمن طويل على فكرة 
مراقبة الكربوهيدرات لمجرد أنها كانت ترغب في أن تراقب شيئاًء أي 
ء. لقد كان ذلك أمراً من الماضي عندما كانت شابة ومصمَّمة على أن 
ز0 تثبت لعائلة تشكمكجيان أن هذه المرأة التي وصموها «أودار»» والتي لم 
يعتبرونها واحدة منهم قط» كانت في الواقع امرأة ة لطيفة ومحبوبة. أا 
الآنء وبعد عشرین سنة » فقد ابتسمت للصبيّة المستاءة التي کانت ذات 
0 
ومع أن إحساسها بالمرارة تجاه زوجها الأول وعائلته لم تنحسر 
تماما فقد تعلّمت روز مع مرور الزمن أن تتواءم مع عيوبها ومع عجزها 
عن القيام ببعض الأشياءء منها على سبيل المثال ورکھا وبطنها العريضين . 
a e‏ في فترات متقطعة› حتی آنھا لم تتذكر 
متی أوقفت حميتها بالضبط ٹهائا: ومهما کان ذلك الزمن› تمکنت روز 
من التخلص لا من الباوندات» بل على الأقل من الحاجة إلى التخلص من 
الباوندات. وتوقف هذا الدافع بكل بساطة. فقد أحبها مصطفى كما هي . 
ولم ينتقد شكلها على الإطلاق . 


أعلن عن بدء صعود الركاب إلى الطائرة فيما كانا واقفين في رتل أمام 
محل ويندي» ينتظران شراء سندويشة كبيرة من لحم الخنزير وعليها كريمة 
وبطاطا مخبوزة ليكونا في مأمن من أمرهماء إذا لم يكن الطعام الذي يقدم 
CE‏ 
وهرعا إلى البوابة» حيث كان عليهما أن يخضعا لتفتيش أمني إضافي 
خاص بالرحلات الدولية العابرة للقارات» وخاصة الرحلات المتوجهة إلى 
الشرق الأوسط . راحت روز تراقب بعينين قلقتين»› فيما أخذ ضابط 
مهذب» لكنه متجهم» يفتش في الهدايا التي اشترتها في توسون. رفع 


Twitter: @ketab_n ۸ 


الضابط قلم الرصاص في شكل نبات الصبّار إلى الأعلى وراح يهزه يمنة 
ويسرة» وکأنه يهر إصبعه لأمر خاطئ كانت على وشك أن ترتكبه. 


ما أن أصبحا داخل الطائرة» حتى استرخت روز بسرعة» وراحت 
تستمتع بكل تفصيل من تفاصيل التجربة - مجموعات السفر الصغيرة الأنيقة 
التى وزعوها عليهماء والوسادات المتشابهةء والأغطية» وعصابات العين› 
ا المشروبات طوال الرحلة يتخللها سندويشات الديك الرومي 
الترحيبية. وسرعان ما بدأ تقديم العشاء» رز ودجاج مشوي بالفرن مع 
قليل من السلطة المقلية بالزيت. وكتب على قطعة من الورق وضعت في 
الصينية عبارة: لا توجد منتجات من لحم الخنزير في مأكولاتنا. وشعرت 
روز بالذنب لأنها اشترت السندويشات من محل ويندي . 

«كنت محقاً بشأن الطعام. إنه جيداء قالت» وألقت إلى زوجها 
ابتسامة خجولة وهي تفتل صحن الحلوى في يدهاء «وما هذا؟» . 


«العاشورة» قال مصطفی › وقد انکمش صوته على نحو غریب»› وهو 
ينظر إلى الزبيب الأصفر الذي يزين الطبق الصغير» «كانت حلواي 
المفضلة. إنى واثق من أن أمّى طبخت قدراً كبيراً منه عندما سمعت 


بقدومي» . 


ومع أن مصطفى حاول ألا يتذكر هذه التفاصيل»› لم يستطع أن يمحي 
مشهد عشرات الصحون الزجاجية المليئة بالعاشورة المصطفة على الرفوف 
داخل الثلاجةء لتوزع على الجيران. وبخلاف الحلويات الأخرى»ء كانت 
العاشورة تعد للآخرين دائماً بنفس الكمية التي تعد فيها لأفراد العائلة. 
لذلك» كانت تُطهى كمية كبيرة منهاء وكان كل صحن يرمز إلى البقاء 
والتضامن والوفرة. واتضح افتتان مصطفى بهذه الحلوى عندما رأته أمهء 
وهو في السابعة من عمره» يتناول من الصحون التي طلبت منه أن يوزعها 
على الجيران. 


Twitter: @ketab_n 4 


فها هو يتذكر نفسه ينتظر في سكون العمارة بالقرب من بيتهم حاملاً 
الصينية بيده. كانت هناك ستّة صحون على الصينية» كل صحن منها لجار 
مختلف. في البداية» التهم الزبيب الأصفر الذي كان يزين الصحون» 
متخيلاً أنه إذا تناول الزبيب فقط» فلن يلاحظ أحد ما فعله. لكنه التهم 
أيضاً حب الرمان واللوز المبشور الذي يزين الصحون» وقبل أن يدرك ما 
أقدم عليه» كان قد التهم كل شيء» ستَّة صحون دفعة واحدة» فأخفى 
الصحون الفارغة في الحديقة . وكان الجيران يحتفظون غالباً بالصحون ثم 
يعيدونها مليئة بطعام آخرء غالباً ما يكون عاشورة أخرى. ولم تكتشف 
عائلة قازانجي الإثم الذي ارتكبه مصطفى إلا بعد حين. وعندما اكتشفت 
أمه ما ارتكبه» لم توّخه» رغم إحساسه بالحرج الشديد» لكنها بدآت 
تحتفظ منذ ذلك الحين» بعدد إضافى من صحون العاشورة فى الثلاجة 
٠ ed‏ 

«ماذا تريد أن تشرب يا سيدي؟» سألته المضيفة باللغة التركية» نصف 
منحنية نحوه. كانت عيناها زرقاوين بلون الياقوت» وترتدي صدرية بنفس 
اللونء سمت على ظهرها غيوم رمادية . 

لوهلة ترذد مصطفى› لا لأنه لم یکن يعرف ماذا یرید أن يشرب» بل 
لأنه لم يعرف بأيي لغة سيرد عليها. فبعد هذه السنوات» أصبح يشعر 
بالراحة عندما يعبر عن نفسه بالإنكليزية أكثر من التركية. ومع ذلك فقد 
بدا له ذلك أمراً غير طبيعي أيضاً» فضلاً عن شعوره بالغطرسة عندما يتكلم 
بالإنكليزية إلى شخص تركي آخر. لذلك حل مصطفى قازانجي هذه 
المشكلة الشخصية بتحاشى الاتصال بأي شخص تركى في أمريكا. وبدت 
عزلته تجاه أبناء جلدته صارخة على نحو مؤلم في لقاءات عادية كهذه. 
تطلع حوله» وكأنه يبحث عن منفذ» وعندما لم يجد منفذاً قريباًء أجابها 
باللغة التركية : «عصير بندورة من فضلك». 

يوجد لدي عصير بندورة»» قالت المضيفة وعلى وجهها ابتسامة 


Twitter: @ketab_n 4 


جميلة» وكأن ذلك كان دعابة كبيرة. فقد كانت واحدة من تلك الموظفات 
الوفيات التي لم تفقد إيمانها بالمؤسسة التي تعمل فيهاء والقادرة على 
قول: «هل ترغب في مزیج بلودي ماري؟٤‏ بالوجه المېتسم ذاته . 

أمسك المزيج القرمزي السميك ومال إلى الوراءء جبهته مجعَّدة على 
نحو كئثيب» وعيناه الکستنائيتان مشوشتين. عندها فقط لاحظ أن روز 
تحدَق فيه» وتتفحص حركاته بدفة. أظلمت تعابير وجهها عندما سألته: 
«ما بك يا حبيبي؟ تبدو متوتراً. هل لأننا سنرى عائلتك؟». 

بعد آن ناقش معها هذه الرحلة بالكامل» لم يبق لديه الكثير ليقوله لها 
الآن. وكانت روز تعرف أن مصطفى لم يكن يريد أن يذهب إلى 
إستانبول» وأنه رضخ إلى طلبها العنيد بالذهاب معاً. ومع نها قدّرت له 
ذلك فإنه يصعب القول إنها كانت تشعر بالامتنان له. إذ يحق لزوجة 
مضى على زواجها تسع عشرة سنة أن تطلب من زوجها تصرفاً لطيفاً مرة 
في العمر» قالت لنفسهاء وأمسكت بيد مصطفى وضغطتها برقة . 

باغتت هذه الحركة مصطفى . فقد اعترته كآبة هائلة عندما اقترب أكثر 
من زوجته. إذ تعلم منها شيئين أساسيين عن الحبَّ: الأول» بخلاف ما 
يقوله الرومانسيون بغرور» فإن الحبَّ مسيرة تدريجية أكثر من كونه زهرة 
تتفتح فجأة من أول نظرة» والثاني» آنه قادر على الحبَ. 

فخلال هذه السنوات اعتاد على حبهاء ووجد فيها قدراً من الهدوء. 
ومع أن روز كانت كثيرة الطلبات» وصعبة المراس أحياناًء إلا أنها كانت 
صادقة دائما مع جوهرهاء ويمكن قراءتها وفك رموزها بسهولة. كانت 
جدولا بسيطا من الطاقات› وكان يعرف كل رذ فعل محتمل يصدر عنها. 
فلم تتحداه قط كما أنها لم تواجه الحياة حقاء وكانت تتمتع بموهبة 
طبيعية لتتكيّف مع بيئتها المحيطة . كانت روز مزيجا من القوى المتضاربة 
التي تعمل من تلقاء نفسبها دون عناء» كانت خارج الزمن تماماًء ولذلك 
كانت خارج شجرة نسب العائلة أيضاً. فبعد أن التقى بهاء تحوّلت عذابات 


Twitter: @ketab_n ۳4١ 


العائلة التي كانت تعتمل في داخله إلى حب يتقدم بصعوبة» لكنه كان سهل 
القياد» بأمل أن يقرّبه ذلك من الحبٌ الحقيقي . وربما لم تكن روز زوجة 
مثالية في بداية عهد زواجهاء عندما لم تتمكن من التكيّف مع عائلة أرمنية 
كبيرة» لكنها للسبب نفسه كانت الملاذ المثالي لرجل مثله» رجل يحاول 
أن يهرب من عائلته التركية الكبيرة. ۰ 

«هل أنت على ما يرام؟» كرّرت روز سؤالها بحدة أكثر قليلاً هذه 
المرة. 

في هذه اللحظة بالذات» غمرت موجة من القلق مصطفى قازانجي . 
فقد شحب لونه وکأنه لم يكن يستطيع أن يحصل على هواء كاف. فلم 
يكن من المفترض أن يكون على متن هذه الطائرة. كان عليه ألا يذهب 
إلى إستائبرل. وكان على روز أن تذهب وخدها وتعيد انها إلى 
ای.٠‏ اليك كم تاق للعرة إلى آريزرا الآ خث يلف كل 
شيءَ دفق رقيق من الألفة . 

«أظن أني يجب أن انش قليلاًا» قال مصطفی› وقدم کأس شرابه 
إلى روز واستوى واقفاً لكي يسيطر على الشيء الذي بدأ يتحول بسرعة إلى 
نوبة رعب : «ليس من المفيد أن يجلس المرء هكذا ساعات طويلة» . 

عندما بدأ يتمشى نحو مؤخرة الطائرة في الممر الضيَق» راح ينظر إلى 
المسافرين في كل صف» بعضهم أتراك» بعضهم أمريكيون» وبعضهم من 
جنسیات أخری . رجال أعمال» صحفيون» مصورون» دبلوماسیون» کتّاب 
رحلات» طلاب» أمهات مع أطفالهن حديثي الولادة» غرباء تماماًء 
يشاركونه الفضاء نفسهء بل وربما المصير ذاته. وکان بعضهم يقرأون 
كتاباً» أو صحفاًء ويشاهد بعضهم الآخر الملك آرثر وهو يقتل أعداءء في 
لعبة فيديو في الطائرة» بينما انهمك آخرون في لعب الكلمات المتقاطعة. 
وكانت هناك امرأة تجلس على مقعد بعد عشرة صفوف» سمراء لوحتها 
الشمس» في منتصف الثلاثينات من عمرهاء تنظر إليه بإمعان. أشاح؛ 


Twitter: @ketab_n € 


مصطفی بعینیه عنها. کان لا يزال رجلا وسيماًء» لا بسبب جسده الطويل»› 
الممتلئ» وقسماته الحادة» وشعره الأسود اللمّاع فقط» بل بسبب تهذيبه 
وأناقته. ومع آنه جذب انتباه نساء كثيرات أثناء حياته» فإنه لم يخن 
زوجته. ومن السخرية أنه كلما تحاشى النساء الأخريات أكثرء انجذبن 
إليه. 

عندما مر بجانب صف المقاعد الذي تجلس فيه المرأة السمراء» 
لاحظ مصطفى بقلق أن المرأة ترتدي تنورة قصيرة على نحو صفيق» وتلفّ 
ساقاً على ساق على نحو يخيّل إليك أنك تستطيع أن تلمح سروالها 
الداخلي . لم يعجبه هذا الشعور بالارتباك الذي سببته له التنورة القصيرة؛ 
ذكريات شائكة ثقيلة كان يتمنى أن ينساها إلى الأبد. رؤية أخته الصغرى› 
زليخة التي كانت مولعة دائماً بارتداء مثل هذه التنانير» تترنح فوق بلاطات 
أرصفة إستانبول بخطوات سريعة وكأنها هاربة من ظلها. وعندما واصل 
طريقه متعثراً» اندفعت مقلتا عينيه إلى الطرف الآخرء باتجاه المكان الذي 
يجب ألا ينظر إليه. والآن بعد أن بلغ متوسط العمر» كان يتساءل أحياناً 
إن كان قد أحبً النساء في حياته. طبعاً ما عدا روز. لأن روز لم تكن 
امرأة. بل كانت روز هي روز. 

وبشکل عام» کان زوج أمٌ جيد لابنة روز. ومع أنه أحبَّ آرمانوش 
حقاً» لم يكن يرغب هو نفسه في أن ينجب طفلاً. لا أطفال بالنسبة له. 
ولم يكن يعرف أحد أنه في أعماق قلبه» كان يعتقد أنه لا يستحق أن يكون 
لديه أطفال. إذ لم يكن واثقاً إن كان سيكون أباً جيداً أم لا. سيضحك 
على مَنْ؟ إنه سيكون أباً فظيعاً» بل حتى أسوأً من أبيه . 

تذكر ذلك اليوم الذي التقى فيه روز» ذلك اللقاء الذي لعله لم يكن 
لاء رومانسياًء في أحد أقسام السوبر ماركت» حيث كان واقفاً وهو يمسك 
علبة حمَص في كل يد.. وعلى مر السنينء تحدثا مراراً عن ذلك اليوم» 
وكانا يسخران من جميع التفاصيل التي كان بوسعهما أن يتذكراها. إلا أنه 


Twitter: @ketab_n EY 


کان لكل منهما ذكريات تختلف عن الآخر: فقد كانت روز تتذكر دائماً 
خجله وتوتره» فيما كان هو يتذكر شعرها الأشقر اللامع وجرآتها التي 
أخافته في البداية . لكنه لم يعد يشعر بالخوف من روز»ء بل على العكس» 
جعله وجوده مع روز یشعر وکأنه نساب في جدول هادئ» واثقاً بأئه لن 
يشده إلى الأسفلء تدفق هادئ بدون مفاجآت. ولم يستغرق وقتاً طويلاً 
حتی بدأ يحبهًا. 

في صباح کل یوم» کان يحلو لمصطفی أن يراقب روز وهي تعمل في 
المطبخ. كانا كلاهما يحبان المطبخ» ولكن لأسباب مختلفة تماماً. فقد 
كانت روز تحب المطبخ لأنها تحب الطهي» الذي كان يجعلها تشعر أنها 
فی بیتها حقاً. أما مصطفی» فکان يحب أن يراقبها وهی تقف فى وسط 
تلك التفاصيل الكثيرة العادية» المناشف الورقية التي تجاري لون البلاطء 
الأقداح التي تكفي حامية كاملة» وبركة صلصة حلوى الشوكولاتة 
المتجمدة على الطاولة . كان يحب أن ينظر إلى يديها وهي تقطع» تحرّك» 
وتفرم. وکان أکثر شيء يریحه ويسعده في حياته» مراقبته لها وهي تعد 
ر 

في الفترة الأولى» ظلت أمّه وأخواته الأكبر يبعثن له رسائل» يسألنه 

عن أحوالهء ومتى سيأتي لزيارتهن. كن يسألنه أسئلة يتهرب من الإجابة. 
عليهاء وظل يرسل لهن رسائل وهداياء وخاصة إلى أمَه» أكثر من أي 
شخص آخر. وخلال السنوات العشرين هذه لم يلتق بأمَّه ثانية إلا مرة 
واحدة» لم تكن في إستانبول» بل في ألمانيا. عندما كان في زيارة إلى 
فرانكفورت لحضور مؤتمر علماء الجيولوجياء وطلب منها أن تسافر إلى 
هناك كي يراها. لذلك التقيا في ألمانياء الأمٌ والابن» مثل لاجئين سياسيين 
لا يستطيعان العودة إلى تركيا. وظلا يلتقيان بهذه الطريقة لسنوات عديدة. 

في ذلك الحين كانت أمَه في توق شديد لرؤيته» لذلك لم تسأله لماذا 
لا يأتي إلى إستانبول. فمن المدهش كيف يتعود الناس بسرعة على مثل 
هذه الظروف الشادة. 


Twitter: @ketab_n €٤ 


عندما وصل مصطفى قازانجي إلى مؤخرة الطائرةء توف آمام باب 
الحمَّام» وراء رجلين يقفان في الرتل. انطلقت منه تنهيدة عندما تذكر 
الأمسية السابقة. إذ لم تكن روز تعرف أنه في طريق عودته إلى البيت من 
العمل» كان مصطفى يتوقف بين الحين والآخر عند إحدى الزوايا في 
توسون ويزورها سرَاً خلال السنوات العشر الماضية» حيث يقبع ضريح إل 
تیرادیتو . 

كان مكاناً متواضعاً منزوياً في وسط مدينة توسون» وهو الضريح 
الوحيد في أمريكا المكرّس لروح شخص آئم» كما تذكر اللوحة التاريخية 
هناك. روح محرومة كنسياء منبوذة. ولا يعرف أحد الكثير عن تفاصيل 
قصته التي تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر؛ من هو حقا هذا الشخص 
الآئم» وما إثمه بالتحديد» والأهم من ذلك» كيف يمكن إقامة ضريح 
مكرّس لاسمه الفاسق . وكان المهاجرون المكسيكيون يعرفون عنه أكثر مما 
يعرفه الآخرون عنه» ولم يكونوا يرغبون في أن يشاركهم فيه الغرباء. لكن 
مصطفى قازانجي لم يعباً بأن يبحث في التفاصيل التاريخية . بل كان يكفيه 
أن يعرف أن إل تيراديتو كان رجلا طيباً» على الأقل لم يكن أسوأ مناء 
رغم ارتكابه أعمالاً شنيعة في الماضي» أخطاء دنيئة تكفي لأن تجعله آثماً. 
ومع ذلك فقد مُنح شيئاً يفتقد إليه الكثيرون من بني البشر وهو الضريح . 

لذلك زار مصطفى الضريح ليلة أمس مرة أخرى» الأفكار تعذبه. ومع 
أن توسون كانت بلدة صغيرة» إلا أنها كانت كبيرة عندما يتعلق الأمر 
بالأماكن المقدسة» حتى كان بوسعه أن يذهب إلى مسجد هناك إذا رغب . 
لکنه لم يكن متديناًء ولن يكون. ولم يكن يحتاج إلى معابد أو كتب 
مقدسة. ولم يكن يذهب إلى إل تيراديتو ليصلي› بل کان يذهب إليه لأنه 
المكان المقدّس الوحيد الذي لم يكن يطلب منه أن يغْيّر نفسه ليصبح 
شخصاً آخر كى يلقى ترحيباً. كان يذهب إلى هناك لأنه كان يحب 
الإحساس بالمكانء المغواضع والقوطي. كان يجا فن الأرواح 


Twitter: @ketab_n to 


المكسيكية مع الأعراف الأمريكية» عشرات الشموع والتعويذات التي 
يضعها أشخاص كثيرون» ربما كانوا آثمين هم أنفسهم» أوراق مطوية في 
الجدران يدون فيها الزوار اعترافاتهم ویخفون ذنوبهم - تناشده جمیعها في 
مزاجه الحالي. 

«هل أنت على ما يرام» يا سيدي؟» قالت له المضيفة ذات العينين 
الياقوتيتين . 

أوماً ر برأسه وأجاب» هذه باللغة الإنكليزية . 


«نعم» شكراً. آنا على ما يرام . فقط متوعك من الطيران قليلا. . 


¥ ¥ # 


تحت ضوء الشارع المخملي الذي يتسلل بين الستائر» كانت الخالة 
زليخة تغط في النوم» والهاتف الخلوي ما زال في يدهاء وقنينة الفودكا 
مائلة عند ذقنهاء والسيجارة في يدها الأخرى لا تزال مشتعلة. 

دخلت الخالة بانو إلى غرفتها تمشي على أطراف أصابعها. وبسرعة 
أخمدت البطانية التي بدأت تشتعل» وأطفأت عقب السيجارة في المنفضة» 
راخت الماتت الخلرى ررش فرق الزات واغدت قي القروى 
وأخفتها تحت السريرء ثيّ دست أختها تحت الملاءات» وأطفأت النور. 

فتحت النوافذ. كان الهواء رقيقاً فيه لذعة ملوحة من نسيم البحر. 
وعندما هب الدخان وفاحت الرائحة من داخل الغرفة إلى خارجهاء نظرت 
الخالة بانو إلى وجه أختها الصغرى الشاحب» المتعبة بشكل يتجاوز 
عمرها. وفي الضوء الخافت المصفرَ المتسلل من الخارج» أنار وجه 
زليخة» وكأن الكحول والحزن منحاها تألقاً قلْما يوجد في الطبيعة . قبّلتها 
الخالة بانو برقة وهدوء على جبينهاء والحنان يتدفق في عينيها. ثم نظرت 
يمنة ويسرة إلى الجنيين اللذين كانا يراقبان بعناية كل حركة من حركاتهاء 
من على کتفیها . 


Twitter: @ketab_n 71 


«ماذا ستفعلين يا سيدتى؟» سأل السيد مرّ» وصوته يشى بنبرة من 
الشماتة. فلم يعبأً أن يخفي بهجته لرؤية سيدته عاجزة ومكتئبة . فقد كان 
يسعده دائماً أن يرى الأقوياء عاجزين. 


اكتسى وجه الخالة بانو بلمسة من العبوس والتجهم. ولم ترد. عندها 
قفز السيد مر جانباً وجلس إلى جانب السرير» قريباً على نحو خطر من 
الخالة زليخة التي كانت تغط في النوم. لمعت عيناه بالفكرة التي خطرت 
بباله للتو. أمسك طرف الملاءة بفظاظة» وكاد يوقظ الخالة زليخة» وربط 
الملاءة على رأسه مثل منديل رأس 

«دعني أقول لك شيئا»» قال السيد مر ذراعاه على جانبيه» ورفع 
صوته حتى أصبح ذا نبرة أنثوية» يفلد أحداًء «هناك أشياء في هذا 
العالم. . « 

عرفت الخالة بانو على الفور من هو الشخص الذي يقلده» وأحسشت 
بوخز في عمودها الفقري 

«هناك أشياء سيئة للغاية تجري في هذا العالم لا يعرفها الناس 
الطيبون» بارهم الله ج جميعهم» وهذا بحد ذاته شيء جيد» كما أقول لك؛ 
ولا ضير وک فی و ا کو 
الطيبين. وإلا لما كانوا طيبين» أليس كذلك؟ لكنك إذا حدث ووطأت 
منجماً من الحقد» فلن تطلبي المساعدة من أحد من هؤلاء الناس». 

حدقت الخالة بانو فى السيد مر برهبة» لكنه سحب الملاءة الآن من 
فوق رأسه» وقفز عائداً إلى مكانه السابق» في مواجهة المكان الذي كان 
يتكلم فيه» كي يصرر المتحدث الثاني في حواره المتخيّل. ولكي يقلد 
المتحدث الثانى» أمسك حفنة الزبيب الأصفر التى تبقت من الخالة زليخة 
ليلة البارحة» ولمح البصر» رتب حبات الزبيب بطريقة سحرية في الهواءء 
وجعل منها قلادة طويلة وعدَة أساور. ثم لبس القلادة» ووضع الأسارر» 


Twitter: @ketab_n 4¥ 


وابتسم ابتسامة عريضة. لم يكن من الصعب معرفة من بدأ يقلد الآن. لم 
يكن من الصعب التعرف على أسلوب آسيا. 

ممتلئاً بإبداعه النرجسي» تابع السيد مرًّ: «أتظنين يا خالة أنني سأطلب 
مساعدة من جني خبيٹ!» . 

نزع السيد مر القلادة والأساور الآن» وقفز عائداً إلى السريرء وأعاد 
الملاءة وغطى بها زليخةء وأجاب بنبرة أثخن: «ربما كان عليك أن تفعلى 
ذلك يا عزيزتي . لندعو الله أنك لن تحتاجي إلى ذلك». ۰ 

«كفى! ما كل هذا؟» قاطعته الخالة بانو بقوة» مع أنها كانت تعرف 
الجواب. 

«تلك». انحنى السيد مر إلى الأمام في شكل قوس مثل ممثل متواضع 
أمام موجة من التصفيق المدوّي لدى انتهاء عرضه «كانت لحظة من الزمن . 
شريحة صغيرة من الذاكرة». 

اعتدل في وقفته والس في عينيه» ثم رفع عقيرته: «إني أذكرك 
بكلماتك يا سيدتي!) . 

اعترى الخالة بانو شعور قوي بالخوف مما جعل جسمها كله يرتعش . 
كان ثمة خبث في نظرة هذا المخلوق» لم تعرف كيف تفَسّر لنفسها لماذا 
لم تخرجه من حياتها نهائياً وإلى الأبد. كيف يمكنها أن تنجذب إليه 
هكذاء وكأنهما يتقاسمان سرَاً لا يمكن البوح به؟ لم يسبت للخالة بانو أن 
شعرت بالخوف من جنيها مثل الآن . 

ولم تخف في حياتها من التصرفات التي يمكن أن ترتكبها. 


Twitter: @ketab_n ۳4۸ 


1 
ماء الورد 


«ها هي ذي عين شريرة أخرى. هل سمعت ذلك الصوت الذي ينذر 
بالسوء؟ صوت تصدع! أوه لقد تردد صدى ذلك في قلبي! إنها عين شرّيرة 
لشخص غيور وخبيث وماكر . فليحمنا الله جميعنا!. 

هكذا قالت ما -الهيفاء صباح يوم الأحد وهي جالسة إلى مائدة الفطور 
فيما كان السماور يغلي في زاوية الغرفة. وبينما كان السلطان الخامس يموء 
تحت المائدة منتظراً أن تقدم له قطعة أخرى من جبن الفيتا» ظهر على 
شاشة التلفزيون المرشح الذي طرد هذا الأسبوع في النسخة التركية من 
برنامج «المبتدئ» في مقابلة كاملة يتحدث فيه عن الخطأً الذي ارتکب› 
ولماذا لم يكن يجب أن بُطرد من البرنامج» تصدعت كأس الشاي التي 
کانت آسیا تمسکها فی یدها. وقد حدث ذلك فجأة مما جعلها تجفل . 
رگان کل ما تفرفة انها كفادها لات نمف کاس نالفاي الغامق 
الثقيل» الشاي المتخمّرء وأكملته بماء حار إلى الحافة» ثمء وفيما كانت 
على وشك أن ترشف منها» سمعت صوت تصدع. وحدث شق من أعلى 
الكأس إلى أسفلها في خط متعرج» مثل ثلم مشؤوم ظهر على وجه 
الأرض بسبب زلزال عنيف . وبلمح البصر»ء بدأ الشاي في الكأس يرشح 
إلى الخارج» وتشكلت بركة بنية داكنة فوق مفرش المائدة المخرَم. 

«هل توجد عين شريرة عليك؟» قالت الخالة فريدة» وهي تراقب آسيا 
بارتیاب . 


۳4 
Twitter: @ketab_n 


«عين شريرة عليّ؟» ضحكت آسيا بمرارة» «أراهن أنه توجد عين 
شريرة! أليس كل مَنْ في هذه المدينة يغار من حسني وجمالي؟». 

«اتوجد مقالة في صحيفة اليوم عن شاب في الثامنة عشرة من عمره خر 
ریا ولفظ أنفاسه الأخيرة وهو يجتاز الشارع . أظن أنه مات بسبب العين 
الشرّيرة»» قالت الخالة فريدة بنبرة تشي بالخوف . 

«شكراً لرفع معنوياتي»» قالت آسياء إلا أن ابتسامتها العريضة سرعان 
ما تحرّلت إلى تكشيرة عندما لاحظت أن خالتها المجنونة بدأت تحدّق 
الآن في المملحة في هيئة رجل الثلج» وإلى جانبها المملحة الأخرى في 
هيئة امرأة الثلج . فقد كانت آسيا قد أخفتهما في الخزانة البارحة بأمل آلا 
يراهما أحد قبل شهر. لكنهما ها هما على الطاولة مرة أخرى. ولم يكن 
شكل المملحتين سيئاًء بل كانتا في حالة جيدة على نحو يدعو للأسف ‏ 
وكانتا متشابهتين أيضاً إلى رھ ق ر أيهما تحوي 
الملح» وأيهما تحوي الفلفل . 

«لو كانت ما -الهيفاء في صحة أفضل» لصبّت بعض الرصاص من 
أجلك»» قالت الخالة بانو وفي عينيها نظرة حانقة لم تشهدها آسيا على 
وجهها من قبل. ومع أن الخالة بانو كانت أكثر امرأة في المنزل تتمتع 
بخبرة في الأمور الظلامية غير المألوفة» لكنها لم تكن مخولة بصب 
الرصاص.» لأنه يجب أن يقوم بهذا العمل شخص ممارس» حقّ لم يسمح 

وعلی نحو غریب» وقبل عشر سنوات تقریباً» عندما کانت لا تزال في 
مراحلها الأولى من الزهايمرء قرّرت الجدة ما الهيفاء أن الوقت قد حان 
لاختيار المرأة التي ستنقل إليها سر صبَ الرصاص» لكنها لم تختر الخالة 
بانو خليفة لهاء كما كن يتوقعن» بل اختارت الخالة زليخة» غير المؤمنة 
أصلاً - وهو قرار أحدث اضطراباً ولغطاً شديدين بين نساء العائلة في ذلك 
الحين . 


Twitter: @ketab_n 0١ 


«هل تمزحين؟» قالت الخالة زليخة عندما سمعت قرار المرأة العجوز» 
«لا يمكنني أن أصبَ الرصاص» حتى إني لست مؤمنةء فأنا لا أدرية»“. 

«لا أعرف ما معنى هذه الكلمة» لكني أستطيع أن أقول إنها كلمة غير 
جيدة٠»‏ شخرت ما - الهيفاءء وأضافت: «إنك تتمتعين بالموهبة. تعلّمى 
السرا . 

«لماذا أنا؟» سألت الخالة زليخة مرغمة نفسها على دراسة هذه 
الإمكانية : «لماذا لا تختارين أختي الكبيرة؟ ستكون بانو سعيدة للغاية إذا 

اليس لهذا علاقة بالسحر. فالقرآن يحرم علينا ممارسة السحر!» ردت 
عليها ما - الهيفاء» وقد بدا أنها أحست بالإهانة» وأضافت: «إنك الشخص 

«الغضب؟ لكن لماذا تحتاجين إلى الغضب؟ سأكون المرشحة المثالية 
إذا كان الأمر يتعلق بشتم الناس البغيضين» لكنني أشك في أنني سأكون 
ذات فائدة عندما يتعلق الأمر بمساعدة الآخرين»» قاطتعتها الخالة زليخة 
بابتسامة عريضة . 

«لا تقللى من شأن الطيبة فيك»ء أجابت ما - الهيفاء. عندها أطلقت 
الخالة زليخة ملاحظة لتضع حداً لهذا الأمر بصورة نهائية: «أنا لست 
الشخص المناسب لهذه المهمة. قد أكون لا أدرية مشوّشة» لكن على 
الأقل لدي الشجاعة كى أظل لا أدرية). 

«اغسلي فمك بالصابون!» قاطعتها الجدة كلثوم مقطبة الوجه» وهي 
تستمع إلى المناقشة. 


(1) اللا أدري: الشخص الذي يعتقد بأن وجود الله وطبيعته وأصل الكون آمور لا سبيل إلى 
معرفتها (المترجم). 


Twitter: @ketab_n 1 


لكن الخالة زليخة تحاشت الموضوع تماماً بعد ذلك. فقد كانت 
نصف عائلتها كمالية علمانية متحمسة» ونصفها الآخر متدين. ورغم أن 
أفكار الطرفين كانت متضاربة» فقد كانا متعايشين أيضاً تحت سقف واحدء 
ومع أنه أمر يتعذر تفسيره علمياً» وينطوي على انقسامات إيديولوجيةء فقد 
كان يُعتبر أمراً عادياً في حياتهن» مشل تناولهن الخبز والماء كل يوم. وبما 
أن الإطار العام كان هكذاء فقد اختارت الخالة زليخة» من جهتهاء أن 
ترفض كلا الجانبين . 

لذلك. وبعد كل هذه السنوات» بقيت ما - الهيفاءء المرأة الوحيدة فى 
ااك ال قدت صت الصاف ف بت قارات وات اغا ابا 
مقط ارقت عل امار لها رجات نها ذات يوم أنها لا ترف 
ماذا ستفعل بالمقلاة الملتهبة التى ذرّبت فيها الرصاص . الماذا تعطينى 
اة ل؟ مانت تفر راضم : أحدة الما ها طف رة ذلك 
الحين» لم يعدن يأتمنها على هذه المهمة. لكن بما أن الموضوع أثير ثانية 
الآنء التفتت الرؤرس جميعها إلى المرأة العجوز ليرين إن كانت تتابع 


± 


حدینهن . 

بما آنها كانت مركز اهتمام الجميع على مائدة الفطور» رفعت ما - 
الهيفاء رأسها والتفتت بفضول إليهن» فيما كانت تتابع مضغ قطعة من 
السجى بصوت مرتفع . ابتلعت لقمتهاء وتجشأت» وعندما بدا أنها ستنزلق 
ثانية إلى عالمها الخاص» صدمن جميعهن بجلاء ذاكرتها. 

«عزيزتي آسياء أنا من سيصبًَ الرصاص لك كي أفقاً العين الشريرة» 

«أشكرك» يا جدتي»» قالت آسيا وهي تبتسم . 

عندما كانت آسيا فتاة صغيرة» كانت ما - الهيفاء تصبَ الرصاص لها 
باستمرار لتفادي العين الشرّيرة التى تحيط بها. ويما أن آسيا كانت طفلة 


Twitter: @ketab_n oY 


نحيفة وضعيفة» فقد كانت تحتاج إلى فوة دفع في بداية حياتها المريضة . 
ولسبب ما» کانت تتعتر کثیراً وتسقط على وجھهاء وکانت تجرح شفتها 
السفلية كلما سقطت. ولم يكن يخطر ببالهن آن الطفلة لم تبلغ مرحلة 
المشي بشكل متوازن بعد» بل كن يعتقدن أن ذلك كان بسبب العين 
الشرّيرةء لذلك كن يسلمنها إلى الجدة ما - الهيفاء. 

في البداية» كان ذلك يبدو مثل لعبة ممتعة بالنسبة لآسياء لعبة مسلية 
ومثيرة» تدخل البهجة إلى نفسها أيضاً لأنها كانت تشعر بالإطراء لأنها 
كانت في مرکز الاهتمام. وکانت تتذکر بفرح شدید کل عمل خارق خارج 
عن الطبيعة عندما كانت طفلة» وقد ترسخ في نفسها إيمان» لا بالسحر» 
بل بقدرة أسرتها على التحكم بالقدر. وكانت تستمتع بكل تفصيل من 
تفاصيل هذه الطقوس: أن تجلس القرفصاء على أجمل بساط في البيت» 
وتوضع بطانية فوق رأسهاء مما كان يجعلها تشعر أنها محمية ومختبئة 
جيداً داخل هذه الخيمة الغريبة» تستمتع إلى الأدعية التي تنطلق من جميع 
الجهات» وكانت أخيرأًء تسمع صوت النشيش» مثل صرخة» وصوت 
الجدة ما - الهيفاء وهى تصبًَ الرصاص المذاب فى مقلاة مليغة بالماءء 
وهی لقعا تکر ا : Elemterefis kem ee: sis. Goz edenin gozune?‏ 
e‏ وسرعان ما يتصلّب الرصاص» وتتكوّن منه أشكال تتَغيّر 
باستمرار. فإذا صادف وإن كانت هناك عين شريرة في الجوار» فإن ثقباً 
سيحدث في الرصاص في شكل عين. وحتى يومنا هذاء لم تتذكر آسيا 
مرة واحدة لم يحدث فيها ثقب . 

ورغم كل ذلك» ومع أن آسيا كبرت وهي ترى الخالة بانو تقرأً فناجين 
القهوة» والجدة ما - الهيفاء تطرد العين الشرّيرة» ورثت في النهاية لا أدرية 
أمَها في الشك. وخلصت إلى أن كل شيء يتوقف على موقفك إزاء 
الأمور. فإن كنت تبحث عن وحيد القرن الأرجواني اللون» فلن تستغرق 
وقتاً طويلاً حتى تبدأ في رؤيته في كل مكان. وبالطريقة نفسهاء إن كان 


Twitter: @ketab_n or 


ثمة توافق بين الرجم بالغيب - سواء كانت فناجين قهوة أو صب الرصاص 
وبين عملية التفسير» فلم يكن ذلك أعمق من التمييز بين الصحراء وقمر 
الصحراء. مع أن هذا الأخير يحتاج إلى الأول ليوفر خلفية للمشهد الذي 
لا شك في أن له وجوداً مستقلا. فقمر الصحراء يوجد خارج الصحراء» 
وكذلك» فإن ما تراه العين الإنسانية في قطعة رمادية من الرصاص لا يمكن 
أن تتحرّل إلى الشكل الذي تتشكل به هناك. وإذا أمعنت النظر طويلاً 
وبقدر كاف من الإيمانء يمكنك أن ترى حتى وحيد قرن أرجواني اللون 
هناك . 

لكن بالرغم من عدم تصديقهاء بدأت ما - الهيفاء تتذكر الآن العادة 
المتبعة» فلم تكن آسيا تنوي أن تعارض . فقد كان حبّها لما -الهيفاء عميقاً 
جدأء ولا يمكنها أن ترفض لها طاباً. «حسنا» هزت كتفيها بلا اكتراث» 
فقد كانت واثفة أيضاً بأن المرآة العجوز قد تسى الأمر برسته خلال دقاق. 
بعد أن نتناول الفطور ستصبّين لي الرصاص» كما كنت تفعلين في 
الماضي». 

في تلك اللحظةء فتح باب الحمَّام في الطابق الأرضي» وانضمت 
إليهن آرمانوش . كان الأرق والضعف باديين عليهاء وكان اليأس والقنوط 
ظاهرين في عينيها الجميلتين . لم تكن تلك آرمانوش التي كن يعرفنهاء إذ 
لم تكن تكاد على صلة بالعالم من حولهاء وبدا نها كبرت قليلاً. دخلت 
وهي تسیر بٻطء وحذر. 

«نأسف جداً على فقدانك جدتك»» قالت الخالة زليخة بعد برهة من 
الصمت: «أقدم لك أحرَ تعازينا الصادقة» . 

«شكراً»» أجابت آرمانوش» متحاشية النظر فى عيونهن . أخذت كرسياً 
فارغاً وجلست بين آسيا والخالة بانو. ات اسا اا بالشاي» وقدمت 
لها الخالة بانو البيض والجبن ومربى المشمش المصنوع في البيت. وقدمن 


Twitter: @ketab_n ot 


لها أيضاً قطعة الكعك الثامنة» فلم يكن قد تخلين عن عادة شراء ثماني 

ومع ذلك نظرت آرمانوش إلى الطعام بلا مبالاةء وحركت كأس 
الشاي بضع ثوان بدون ترکیز› ثم التفتت إلى الخالة زليخة وسألتها: «هل 
يمكنني أن آتي معك إلى المطار لاستقبال أمَي؟٠.‏ 

«ابالتأكيد» سنذهب إلى هناك معاًا» قالت الخالة زليخة»› وترجمت ما 
قالته للأخريات . 

«وأنا سآني أيضاً»» قالت الجدة كلثوم . 

خا پا آمي» دحب جنيعا إلى المطار قال الخالة زليخة. 
فقالت اسيا سات آنا أيضا: 

۲0 يا آنسة» ستبقين أنت هنا»» ردت الخالة زليخة بنبرة حاسمة: 
«إبقي هنا وصبي بى الرصاص؛. 

OL aE‏ تقول لها: ما هذا بح السماء؟ لماذا تمنعها 
من الذهاب؟ وإذا کانت هناك اق درجة من الديمقراطية وحریه ة الكلام في في 
هذا البيت» فهذا حى لكل واحدة منهن إلا هى . فعندما يتعلق الأمر بهاء 
يتحول النظام المنزلي بصورة آلية إلى حكم ديكتاتوري مطلق. تنهدت آسيا 
وفي عينيها نظرة تجاور اليأس. ثم» وبدون أن تعرف السبب» أحست 
بدافع مفاجى لأن تضع الفلفل في طعامهاء أمسكت المملحة الخزفية. 
واکتسی وجهها بتعبير غير واثق»› عندما رفضت الرجل الجلجي ۰ 
وأمسكکت المملحة في شكل المرأة الثلجية القبيحة» ورشت قدراً کبيراً من 
الملح فوق اللقيمات الأخيرة من البيضة المقلية التي تتناولها. 

وظلت آسیا خلال CE‏ وواجمة. ثم 
بالشققَة : اف آنا وأنت او ي حا ا نغادر 
ار ر ب ا ستجد متعة في ذلك !». 


Twitter: @ketab_n 


«لكن أولاً -» توقفت الخالة بانو في منتصف الجملة: «تعالي 
وساعديني في المطبخ كي نوزع العاشورة؟. 
السماء. . .؟ 


¥ ¥ ¥ 


كانت رائحة المطبخ تشبه رائحة مطعم شعبي بعد ظهر عطلة نهاية 
أسبوع حافل . رائحة قرفة لاذعة تغطي كل ما عداها. تناولت آسيا مغرفة 
وبدأت تغرف العاشورة من قدر كبيرء وتملأ الصحون الزجاجية الصغيرة 
العميقة. وتساءلت لماذا لم تشأ الخالة زليخة أن تأخذها معهن إلى 
المطار. فمن المؤكد أنه يوجد لها مكان فى السيارة. وخطر ببالها أن 
الغا زل رما كانت فطرل أن ها عن القفين: وقد لاعت أا 
أن آمَها لم تكن سعيدة بنباً عودة مصطفى بعد عشرين سنة من الغياب . 

«هل أستطيع أن أساعدك؟». 

عندما التفتت» رأت آرمانوش واقفة» تنظر إليها. 

«بالتأكيد» لِم لا؟ شكراً»ء أعطتها آسيا صحناً مليئاً باللوز المبشور 
وقالت: «يمكنك أن ترشي قلیلاً منه فوق کل صحن؟). 

خلال الدقائق العشر التاليةء راحتا تعملان جنباً إلى جنب وتتبادلان 
كلمات حزينة قصيرة عن الجدة شوشان. 

«لقد أتيت إلى إستانبول لأنني ظننت أني إن جئت وحدي إلى مدينة 
جدتي» فإني سأستطيع أن أفهم تراث عائلتي على نحو أفضل وأعرف 
موقعى فى الحياة. أظن أننى كنت أريد أن ألتقى بالأتراك كى أستوعب 
شل انف ماداس أن كرة المرء أرمتاء كانت هله ارك كا 
محاولة للتواصل مع ماضي جدتي. وكنت سأقول لها إننا بحشنا عن 
بیتها. . . لکنها ذهبت الآن. . ۰٠.‏ وبدأت آرمانوش تبکي: «حتی أنه لم 
تتح لي فرصة رؤيتها للمرّة الأخيرة . 


Twitter: @ketab_n 0٦ 


ضمت آسيا آرمانوش إليها بطريقة خرقاء لأنها لم تتعود إظهار الحبَ 
والحنان» وقالت: «أنا آسفة جداً لفقدانها»» وأضافت: «قبل أن تغادري 
إستانبول» يمكننا آنا وأنت أن نذهب ونتعقب بعض الذكريات من ماضى 
جدتك . يمكننا أن نذهب إلى ذلك المكان مرة أخرى» ونتكلم مع أناس 

هرت آرمانوش رأسها وقالت : «إني أقذر لك ذلك» لكن عندما تأتي 
أمّي» سيصعب علي أن أخرج وحدي . إنها مغرقة في حمايتي» . 

صمتتا عندما سمعتا وقع أقدام وراءهما. كانت الخالة بانوء التي 
جاءت لترى كيف تفعلان. راحت تراقبهما وهما تزيّنان صحون الحلوى. 
ثم قالت: «هل تعرف آرمانوش قصة العاشورة؟» سألت» مبتسمة» ولم 
يكن سوالا» بقدر ما كان عقدمة لرواية الحكاية: 

فيما كانت الفتاتان تعملان معا قفرطان حت الرمان؛ وترشان 
مسحوق القرفة واللوز المبشور فوق عشرات صحون العاشورة المصفوفة 
على الطاولة» بدأت الخالة بانو تحكى . 

«كان يا ما كان» في قديم الزمانء وفي أرض ليست بعيدة جدأى 
کانت أساليب البشر حقيرة» وكان الزمن ردیئاً. وعندما رأی الله كل هذه 
التعاسة» بعث رسولاًء نوح» ليقوّم أساليب البشر وسلوكهم» وليمنحهم 
فرصة للتوبة. لكن عندما بدأ نوح يعظ الحقيقة» لم ينصت إليه أحد» 
وقاطعوه باللعنات والشتائمء وراحوا يطلقون عليه أسماء: مجنون» 
مخبول» غریب الأطوار. .٠..‏ 

ألقت آسيا نظرة بهيجة إلى خالتهاء فقد كانت تعرف كيف تعاملها 
الوئنيين والكفار؟». 


Twitter: @ketab_n oV 


«هذا صحيح» تلك الأفعى التي تتوارى بين الأعشاب!» أجابتها الخالة 
بانو» محتارة بين أن تروي قصًة دينية كما يتعين عليهاء أو أن تزيّنها ببضم 
ملاحظات من عندها. 

«بذل نوح کل ما بوسعه لإقناع زوجته وشعبه طوال ثمانمائة سنة... 
ولا تسأليني كيف حدث واستغرق كل هذا الوقت»» قالت الخالة بانوء 
«لأن الزمن مجرد نقطة في محيط» ولا يمكنك أن تقيسي نقطة بنقطة 
أخرى لتري أيهما أكبرء وأيهما أصغر. هكذاء أمضى نوح ثمانمائة سنة 
وهو يتضرع من أجل شعبه» يحاول أن يرشدهم إلى الطريق القريم . a‏ 
يوم بعث الله له جبريل» وهمس له الملاك: إبن سفينة وخذ زوجا من 


کل نوع...». 
لم تكن القضة تحتاج إلى الترجمة» فخفضت آسيا صوتها قليلاء لأنها 
لم تكن تحب هذا الجزء كثيراً. 


«في النهاية» صعد إلى سفينة نوح الأناس الطيبون والصالحون من 
جميع المعتقدات»» تابعت الخالة بانو: «داوود كان هناك؛ وكذلك 
موسی »› وسليمان» والسيد المسيح › وسیدنا محمد عليه السلام. وبعل أن 
تجهزوا» صعدوا إلى السفينة وبدأوا ينتظرون. 

«(وسرعان ما حدث الفيضان. وأمر الله: «أيتها السماء! لقد أزفت 
الساعة! فليهطل ماؤك. لا تمسكي نفسك. أرسلي عليهم ماءك وغضبك»! 
ثم أمر الأرض: «أيتها الأرض» إمسكي ماءك» لا تتشربيه». وارتفعت 
الماء بسرعة كبيرة» ولم يعد أحد خارج السفينة حياً» . 

ارتفع صوت المترجمة الآن» لأن هذا الجزء كان الجزء المفضل لدى 
آسيا. فقد كانت تحب أن تتخيل الفيضان» وهو يجرف القرى 

«وراحوا یبحرول لأيام وأيام» وملأت المياه كل مكان. وسرعان ما 


Twitter: @ketab_n 9۸ 


أصبح الطعام شحيحاً. ولم يعد هناك طعام يكفي لإعداد وجبة طعام» 
لذلك أمر نوح: «اجلبوا كل ما عندكم»» ففعلوا ذلك» حيوانات وبشر 
وحشرات وطيور» وآناس من شتى الديانات» أحضروا ما لديهم مهما كان 
ضئيلاً. وطهوا جميع المكونات معاً» وهكذا أعدوا قدراً ضخماً من حلوى 
العاشورة. وابتسمت الخالة بانو بافتخار باتجاه القّدر الجائم على الموقد» 
وکأنه القدر الذي ذكر في الأسطورة. «هذه هي قَصَةَ هذه الحلوى». 

وحسب رواية الخالة بانو» فقد حدثت جميع الأحداث الهامة في 
تاريخ العالم في يوم عاشوراء ذاك. ففي ذلك اليوم» تقبّل الله توبة آدم؛ 
وفي ذلك اليوم» خرج النبي يونس من بطن الحوت الذي ابتلعه؛ وفي 
ذلك اليوم» التقى الرومي بشمس» وصعد المسيح إلى السماءء وأنزل الله 
الرضايا التي غل وى : 

«إسألي آرمانوش ما هو أهم شيء في تاريخ الأرمن)» قالت الخالة 
بانو . 

ما أن ترجمت لها السؤال» حتى أجابت آرمانوش على الفور: 
«المجازر». 

«لا أظن أن هذا يناسبك»» قالت آسيا لخالتها وهي تبتسم» ولم تترجم 
لها ما قالته آرمانوش . 

آنذاك ظهرت الخالة زليخة في المطبخ مدججة بمحفظتهاء وقالت: 
«حسناء الذاهبون إلى المطارء لقد حان وقت الذهاب!». 

«سآتي معكن»» وأسقطت آسيا المغرفة على الطاولة. 

«القد تحدثنا في هذا الأمر»» ردت الخالة زليخة بلا مبالاة. لم تكن 
تبدو على طبيعتها. فقد تخللت صوتها بحة مخيفة» وكأن شخصاً آخر کان 
يتكلم » مستخدماً فمها وأمرتها: "إبقي في البيت» يا آنسة». 

كان أكثر ما أزعج آسيا أنها لم تتمكن من قراءة تعابير الخالة زليخة. 


Twitter: @ketab_n 0۹ 


لا بد أنها فعلت شيئاً أزعج أمهاء لكنها لم تعرف ما هوء ما لم» بالطبع» 
یکن وجودها أصلاً. 

«ماذا فعلت لها هذه المرة؟) رفعت آسيا يديها بيأس عندما خرجت 
الخالة زليخة وآرمانوش . 

لا شيء يا عزيزتي . إنها تحبّك كثيرآه تمتمت الخالة بانو: «ستبقين 
معي ومع الجني . سننهي تزيين العاشورة ثم نذهب إلى السوق». 

لكن آسيا لم تشعر بالرغبة في التسوق. وبتنهيدة أمسكت حفنة من 
حب الرمان لترشه على الصحون المتبقية . نثرت الحبً بانتظام» وكأنها 
كانت تترك وراءها علامات لكي يقتفي طفل. في القصص الخرافية آثرها 
حتى يعود إلى البيت. وخطر لها أن حبّ الرمان ربما كان حجر الياقوت 
الثمين في حياة أخرى . 

«خالتى»» التفتت إلى أكبر خالاتها وسألتها: «ماذا حدث لذلك 
الدبوس الذهبي الذي كان لديك؟ دبوس الزينة في شكل رمانةء أتذكرين؟ 
ين هو؟» . 

شحب وجه الخالة بانو عندما همس السيد مر على كتفها اليسرى في 
أذنها: «متى نتذكر الأشياء التي نتذكرها؟ لماذا نسأل الأشياء التي 
نسألها؟» . 

ومع أن فيضان نوح كان مخيفاًء فقد بدأ الطوفان ببضع قطرات خفيفة 
من المطرء التي لم يكد يسمع لها صوت . قطرات متقطعة» تنبئ بحدوث 
كارثة» رسالة لم يلحظها أحد. وكانت تتجمع في السماء غيوم داكنة» 
قاتمة» رمادية وثقيلة» وكأنها محمَّلة برصاص ذائب مليء بالعيون الشريرة. 
وكأن كل فتحة في كل غيمة» هي عين سماوية لا ترف» وتذرف دمعة 
على كل إثم أرتكب على وجه الأرض. 

أما اليوم الذي أغتصبت فيه الخالة زليخةء فلم يكن يوماً ماطراً. بل 


Twitter: @ketab_n 1 


لم تكن توجد ولا غيمة واحدة في السماء الزرقاء الصافية . تذكرت السماء 
في ذلك اليوم المشؤوم لسنوات وسنوات قادمة» لا لأنها رفعت عينيها 
نحو السماء لتصلي» أو تتضرع إلى الله ليساعدهاء بل لأنها أثناء 
مقاومتهاء تدلى رأسها من السرير» وعندما لم تتمكن من أن تتزحزح من 
تحت ثقل وزنه» ولم تتمکن من أن تزيحه عنهاء تعلَّقت نظرتها نحو 
السماء دون قصد منهاء ولم تر إلا منطاداً للدعاية يسبح في السماء ببطء. 
كان المنطاد برتقالياً وأسودء وكتب عليه بأحرف ضخمة: كوداك. 

اعترت زليخة رجفة عندما فكرت بوجود آلة تصوير ضخمة تلتقط 
صوراً عن كل ما يحدث على الأرض في تلك اللحظة من الزمن. كاميرا 
بولارويد تلتقط صورة اغتصاب في غرفة في قناق في إستانبول. 

كانت وحدها في غرفتها منذ الصباح» تستمتع بوحدتها التي كانت 
مناسبة نادرة في عائلتها. فعندما كان أبوها على قيد الحياة» لم يكن يسمح 
لأي فرد في العائلة أن يغلتق باب غرفته . إذ كانت الخصوصية تعني ممارسة 
عمل مریب . کان يجب أن يكون كل شيء واضحاً ومكشوفاًء في العراء. 
وكان الحمّام المكان الوحيد الذي تستطيع أن تقفل فيه الباب على نفسك» 
بل وحتى هناك» كان ثمة أحد يقرع الباب إذا أمضيت فترة أطول من 
المعتاد. ولم تتمكن زليخة من أن تغلق باب غرفتها وأن تختلي بنفسها إلا 
بعد أن توفي أبوها. ولم تدرك أخواتها أو أمَها حاجتها إلى وضع حاجز 
بينها وبين العالم . وكانت زليخة تتخيل بين الحين والآخرء كم كان رائعاً 
أن تخرج من البيت» ويصبح لها مكان خاص بها . 

في وقت مبكر من صباح ذلك اليوم» خرجت نساء عائلة قازانجي من 
البيت لزيارة قبر ليفينت قازانجي» لكن زليخة تعللت بشيء» لأنها لم تكن 
ترغب في زيارة المقبرة مع آفراد أسرتها. بل كانت تفضّل أن تذهب إلى 
المقبرة وحدهاء وتجلس على الأرض المتربةء وتسأل أباها أسئلة عديدة 


Twitter: @ketab_n ۳1 


کان قد ترکها بدون إجابات أثناء حياته. لماذا کان قاسياً دائماً ولم يكن 
يظهر حبه لمن هم من لحمه ودمه؟ كانت زليخة تريد أن تعرف. وکانت 
ترید أن تسأله أیضاً إن کان یعرف أن شبحه لا یزال یطاردهن ۔ فحتی الان 
وجودهن . فلم يكن ليفينت قازانجي يحبب الضوضاءء وخاصة الجلية التي 
يحدثها الأطفال. وعندما كانوا أطفالاًء كانوا يتكلمون همساً. فبما نك 
الأب» وأن تتعلم أيضاً أن تؤجل الألمء المبدأ الذي كان يطبق في كل 
المجاورة لغرفته» مثلاء كان عليها أن تكتم بكاءهاء وتضخط بيدها بقوة 
على الجرح» وتهبط الدرج إلى الطابق الأرضي على أطراف أصابعهاء 
وتتوجه إلى المطبخ أو إلى الحديقة» وتتأكد أنها ابتعدت ما يكفي كي لا 
يُسمع صوتهاء وعندها فقط› وحيدة هناك» تستطيع أن تجهش في البكاء 
بسبب ألمها. ولم يكنْ يعرفن أيضاأ أنهن إذا أحسنْ التصرف» فإن أباهن 
لن يغضب منهن ولن يعاقبهن . 


وفي کل مساء» عندما یعود و > كان الأطفال يتحلقون أمام 
الطاولة قبل العشاء» ينتظرون أن يتم تفتيشهم ولم يكن يسألهم مباشرة إن 
EG sg‏ 
صعيرة»› ویحدق في وجه کل واحد منهم› لفترات متباينة : بانو (کانت 
قلقة على أشقائها أكثر من قلقها على نفسهاء فالأخت الكبرى توفر لهم 
الحماية دائماً)» وشكرية (تعض على شفتيها كي لا تبكي)» وفريدة (تنظر 
وعيناها تدوران بعصبية)» ومصطفى» الابن الوحيد (يتمتّى أن يشقَ طريقه 
ويبتعد عن هذه المجموعة البائسة» فقد كان لا يزال يعتقد أنه الولد الأثير 
عند أبيه)ء والبنت الصغرى» زليخة (إحساس بالمرارة يعلو قلبها). كانوا 


Twitter: @ketab_n 1Y 


ينتظرون هكذا إلى أن ينهي أبوهم حساءه» ثم يطلب شيئاً فشيئاًء واحداً أو 
اثنان أو ثلاثة منهم. . . أو أحياناًء إن كانوا محظوظين» جميعهم في 
الوقت تفسه» لينضموا إليه إلى المائدة. 

ولم تكن زليخة تكترث بتوبيخ أبيها المتكرر»ء أو حتى بضربه على 
مؤخرتها في كل مرة يجري فيه هذا التفتيش قبل العشاء. كان يؤلمها أن 
تنتظر هناك إلى جانب المائدة كي يفتشهم» وكأن أي خطأ قد ترتكبه خلال 
النهار» يُكتب على جبينها بحبر غير مرئي لا يمكن لأحد أن يراه إلا 
أبيهم : «لماذا لا تفعلين الأشياء كما يجب؟» کان انیت قازانجی يسأل في 
كل مرة يقرأ جريمة على جبهة أحد الأطفال» ويقرّر معاقبتهم جميعهم 
عليها . 

كان من شبه المستحيل ربط ليفينت قازانجى هذا بالرجل الذي کان» 
عندما تطأ قدمه خارج البيت. فقد كان جميع من يصادفونه خارج القناق» 
يعتبرونه نموذجاً للثقة والحصافة والاستقامة . ذلك الرجل الذي كانت كل 
صديقة من صدیقات بناته تحلم بأن تتزوج رجلا مثله ذات يوم. إذ کان 
لطفه يقتصر على الغرباء وحدهم» أما عندما كان يعود إلى البيت» فما إن 
کان یخلع حذاءه وینتعل خفه» حتی کان يتحول من رجل بيروقراطي 
لطيف. إلى أب استبدادي متوحش . وفي إحدى المرات» قالت ما 
الهيفاء إن سبب معاملته بحزم وصرامة مع أطفاله لأنه عانى الكثير في 
طفولته» ولان أمّه هجرته وتخلت عنه. 

كانت زليخة تقول أحياناً إنه من حسن الحظ أن أباها مات مبكراً» مثل 
جميع الرجال الآخرين في سلالتهم. فربما لن يستمتع رجل مهيمن مثل 
كليفينت قازانجي» بشيخوخته بعد أن يصبح ضعيفا ومريضا ويحتاج إلى 
شفقة أولاده وعطفهم . 

كانت زليخة تعرف "أنها إن ذهبت لزيارة قبر أبيهاء فإنها تريد أن 
تتحدث إليه» وإذا تحدثت إليه» فقد تبكي» وتنكسر مثل كأس شاي بسبب 


Twitter: @ketab_n TY 


عين شريرة. لكن حتى فكرة البكاء أمام الآخرين» كانت تكفي لردعها عن 
القيام بذلك. فقد كانت قد قطعت على نفسها عهداً أنها لن تصبح واحلة 
من تلك النساء الباكيات» وأنها عندما تشعر بأنها يجب أن تبكي» فإنها 
ستفعل ذلك عندما تكون وحدها. لذلك» في ذلك اليوم الماطرء قبل 
عشرين سنة» فضلت زليخة أن تمكث في البيت. 

أمضت معظم نهارها مستلقية على السريرء تتصفح مجلات» 
ومستخرقة في أحلام يقظة. وإلى جانب السريرء كان يوجد موسى حلافة 
تزيل به شعر سافيهاء وزجاجة من مستحضر ماء الورد ترشه على ساقيها 
لتطرية جلدها بعد ذلك. ولو رأت أمَّها ذلك» لغضبت أشد الغضب. فقد 
كانت أمها تعتقد أنه يجب على المرأة أن تزيل شعر جسدها بالتشميع» لا 
بموسى الحلاقة . فالحلاقة للرجال فقط . أما التشميع فهو طقس جماعي 
أنشوي تماماً. إذ كانت تتجمع نساء عائلة قازانجي مرّتين في الشهر في غرفة 
الجلوس ليزلن شعر سيقانهن. وكنَّ يذبن أولاً قطعة من الشمع على 
الموقدء فتنبعث منها رائحة لطيفة مثل رائحة الحلوى. ثم يجلسن جميعهن 
على السجادة» ويضعن المادة الدبقة الحارة على سيقانهن» ولم يكن 
يتوقفن عن الدردشة طول الوقت. وعندما يتصلب الشمع› کن ينزعنه. 
وكنْ في بعض الأحيان يذهبن جميعهن إلى الحمّام العمومي المحلي»› 
ويزلن شعر سيقانهن هناك فوق كتلة الرخام الضخمة تحت وهج البخار. 
وكانت زليخة تكره الحمَام العمومي» ذلك الفضاء النسائي» كما كانت 
تكره طقوس التشميع . بل كانت تفضّل إزالة شعر ساقيها بشفرة الحلافة 
فهي سريعة» وبسيطة وبعيدة عن العيون. 

دلت زليخة ساقيها من فوق السريرء وأخذت تنظر إلى نفسها في 
المرآة أمامها. ووضعت كمية أكبر من المستحضر على راحة يدهاء وفيما 
راحت تدهنه ببطء» کانت تتمعن في جسدها بإاعجاب . كانت تدرك أنها 
جميلة» ولم تكن تحاول أن تخفي جمال جسدها. وكانت أمها تقول لها 


Twitter: @ketab_n 4 


إنه يجب على النساء الجميلات أن يتواضعن» وأن يحذرن الرجال. لكن 
زليخة كانت ترى أن هذا مجرد هراء» يصدر من امرأة لم تعرف الجمال 
في حياتها . 

بتؤدة» سارت زليخة إلى الجانب الأخر من الغرفة» ووضعت شريط 
كاسيت فى جهاز التسجيل . كان ألبومها المفضل «آلا توركا» بصوت 
إحدى المطربات الأثيرات لديهاء خنثى ذات صوت رائم. فقد كانت هذه 
المطربة قد بدأت الغناء كرجل» وأدت أدوار البطولة كرجل في أفلام 
ميلودرامية» ثم أجرى عملية وتحول إلى امرأة. وكانت ترتدي دائماً ثياباً 
مبهرجة وصارخة» وتضع إكسسوارات متلألئة ومجوهرات كثيرة» وهكذا 
كانت زليخة ستفعل» > لو امتلكت الكثير من المال. وكانت زليخة تحبَّها 
کثیرا وكانت تحتفظ بجميع ألبوماتها. aS BE.‏ 
تطرح في السوق ألبوماً جديداًء إلا أن العسكر منعوها من ذلك» العسكر 
الذين كانوا لا يزالون يسيطرون على البلاد» رغم مضي ثلاث سنوات على 
وقوع الانقلاب . وكانت لدى زليخة نظرية في السبب الذي يجعل هؤلاء 
الجنرالات لا يحبون رؤية مطربة خنشى على خشبة المسرح: «لأن وجودها 
يهددهم»» غمزت للباشا الثالثء الذي كان متكوراً على السرير كوسادة 
ثقيلة من الفراء الأبيض النقي» ينظر إليها من خلال شقين ضيَقين من عينين 
خضراوين رائعتين : «فصوتها سماوي» وثيابها زاهية جدأًء وإني واثقة من 
أنهم يشعرون بالقلق غندما تظهر على شاشة شة التلفزيون»ء لأنه لن يستمع أحد 
إلى الجنرالات بصوتهم الأجش» وبدلاتهم الخضراء بلون الضفدع. هل 
يمكنك أن تتصور؟ هل يمكن أن يكون هناك شيء أسوأً من أن يسيطر 
العسكر على الحكم؟ انقلاب عسکري يمر دون أن با أحد ذلك!». 

في تلك اللحظة سمعت أحداً يقرع باب غرفتها. 

«أتحدّثين نفسك. أيتها السخيفة؟» قال مصطفى وقد حشر رأسه إلى 
الداخل : «اخفضي صوت هذه الموسيقى المزعجة!». 


Twitter: @ketab_n 10 


كانت عيناه الكستنائيتين تتألقان بوهج الشباب» وكان شعره الأسود 
مطلياً بسائل تلميع الشعر بكثرة» وممشطاً إلى الوراء» وكان يمكن أن 
يسمى شاباً وسيماً لولا ذلك التشنج اللاإرادي الذي يحدث في وجههء لا 
يعلم إلا الله متى . فقد كان يميل رأسه إلى اليمين عندما يتكلم حركة آلية 
عنيفة تشتد عندما يصبح متوتراً أمام الغرباء. وكان يخْيّل للبعض أن هذا 
التشنح اللاإرادي دليل على الخجلء أما زليخةء فکانت تظن أنه لم یکن 
سوی دلیل على عدم شعوره بالأمان . 

رفعت نفسها لتتكئ على أحد مرفقيهاء وقالت باستهجان: «أستطيع أن 
أستمع إليها متى أشاء» وكيفما أشاء». 

لكنه بدلاً من أن يتشاجر معهاء أو يغلق الباب وراءء كما كان يفعل 
من قبل» توقف برهة» وكأن فكرة ما قد حولت انتباهه: «لماذا ترتدين هذه 
التنانير القصيرة؟) . 

لم تكن زليخة تتوقع هذا السؤال» ونظرت إليه مذهولة» بعد أن رأت 
الآن ذلك الستار الرقيق فى نظرته. وقالت فى نفسها إنه فى هذه السنةه 
أكثر من أي وقت مضى بدأ يصبح أحمق. ولفظت الكلمة الأخيرة بصوت 
مرتفع : «أحمق!». 

تظاهر بأنه لم يسمعهاء جال مصطفى بعينيه في أرجاء الغرفة» وقال: 
«هل هذا موسی حلاقتي هناك؟» . 

«انعم»» اعترفت زليخة» «كنت سأعيده لك». 

«ماذا فعلت بموسي؟) . 

«هذا ليس من شأنك»» قالت› بشيء من التردد. 

«هذا ليس من شأني؟» ازداد حاجباه تقطيباً: «تتسللين إلى غرفتي 
وتسرقين موسى حلاقتي» وتحلقين شعر ساقيك لكي تكشفينهما لجميع 
رجال الحيّ» ثم تقولين لي إن هذا ليس من شأني. حسناً» سأقول لك. 
إنك مخطئة كثيراً يا آنسة! فمن شأني أن أتأكد أن يكون سلوكك جيداه. 


Twitter: @ketab_n 1 


أشرقت عينا زليخة قليلاًء وقالت: «لماذا لا تذهب وتشغل نفسك 
بشيء اخر؟ اذهب واستمني» . 

احمرَ وجه مصطفى . نظر إلى أخته والس ينضح من عينيه . 

كان من الواضح آنه أصبح في الآونة الأخيرة يعاني من مشاكل تتعلق 
بالنساء. فمع أنه تربى بين نساء من مختلف الأعمار» وتعرّد على أن يكون 
مركز اهتمامهن» كانت خبرته مع الجنس الآخر لا تزال متخلفة عن أقرانه 
الذكور. فمع أنه بلغ العشرين من عمره» كان مصطفى يشعر بأنه لا يزال 
عالقاً في تلك العتبة الخطرة بين الصبا والرجولة. ولم يكن يستطيع أن 
يعود إلى الأولى» ولا يستطيع أن يقفز إلى الأخيرة. وكان كل ما يعرفه عن 
تلك العتبة أنها كانت تثير أعصابهء وأنه لم يكن يحبَّها. كان يمقت 
الشهوات الجسدية المنبعثة من جسمه» ومع ذلك كان ينجذب إليها. فقد 
تمكن في الماضي من أن يكبت رغباته» بعكس الفتيان في صفه في 
المدرسة» الذين كانوا يستمنون باستمرار. فعندما كان بين الثالثة عشرة 
والتاسعة عشرة من عمره» تمكن من كبت ما كان يطلق عليه «هي»» بألا 
يستمنى . لكنه فى السنة الماضية» بعد أن سقط فى امتحان دخوله إلى 
الا بت رات مو جاه االات وي الات عة 4 ر 
معاكسة» وعاد إليه الحافز بشكل أقوى . 


فقد بدأت «هي» تأتيه في كل مكان» وفي أي وقت من اليوم. في 
الحمَام» في القبو» في المرحاض» تحت ملاءة السرير» في غرفة 
الجلوس» وأحياناًء عندما كان يتسلل إلى غرفة أصغر أخواته» عندما لا 
يوجد أحد في البيت» وهي في سريرها» على كرسيهاء أمام طاولتها. . . 
مثل أب نزواتي» كانت «هي» تطالبه بالطاعة المطلقة . لا يهم إلى أي مدى 
کان يطيعها» ولم يكن مصطفى يستخدم يده اليمنى» لأن اليد اليمنى 
مخصصة للأشياء النظيفة فقط. النظيفة والمقدسة. فبيده اليمنى يلمس 
القرآن» ويحمل السبحةء ويفتح أبواباً مغلقة؛ وبيده اليمنى يأخذ يد من 


Twitter: @ketab_n 1Y 


يكروت سا لقتلها: ونقذو ما كانت اليد البعتى عباركة كات الك اليسري 
مخصصة للأشياء الكريهة. لذلك لم يكن يستطيع أن يستمني إلا بيده 
اليسرى . 

حلم ذات مرة أنه استمنى أمام أبيه. ولم تكن تظهر أي قسمات على 
وجه أبيه» وهو يراقبه من مكانه إلى مائدة العشاء. 

آخر مرة رأى مصطفى أباه يحدَق فيه هكذاء عندما كان في الثامنة من 
العمر وهو يُختن . تذكر ذلك الصبي البائس» وهو مستلق على سرير ضخم 
مبهرج يكسوه الساتان» والهدايا تحيط به من كل جانب» بانتظار إزالة تلك 
القطعة» والأقارب والجيران يحيطون به» بعضهم يتجاذب أطراف 
الحديث» وبعضهم يأكل» وبعضهم يرقص» فيما كان الآخرون يلاطفونه. 
كان هناك سبعون شخصاً يحتفلون بختانه» وانتقاله من مرحلة الصبا إلى 
مرحلة الرجولة. في ذلك اليوم» وبعد الختان مباشرة» وبعد أن أطلق 
صيحة رهيبة» اقترب منه ذلك الأب قبّله على خذه» وهمس في أذنه: 
«هل حدث ورأيتني أبكي من قبل يا بني؟» فهر مصطفى رأسه: لاء لم ير 
أحد آبی یبکی آبداً. «هل رأیت آمك تبکى يا بنى؟» فأوماً مصطفى 
شد فقا انت مه تبكي باستمرار. «جید. اتن اف قازانجي 
رة لأبنه وقال الان وبع د أن آصبحت رجلا بيجب أن تضرف 
کرجل». 

عندما كان يستمني لم يكن يجرؤ على أن يسحب بنطاله إلى الأسفل 
كله» لا خوفاً من أن يراه أحد في البيت متلبساًء بل لأن شبح أبيه كان يثير 
غضبه» وهو يهمس في أذنيه تلك الجملة مرات ومرات. وفجأة» وفي؛ 
السنة الماضية» لم يهيمن جسدة على إرادته فقظ بل كانت تهيمن عليه 
أيضاً نظرة أبيه التفقدية. ومثل مرض معد لأنه كان واثقاً من أنه لا بد أن 
يكون هذا نوعاً من مرض ما - فقد بدأ يستمنى أثناء النهار والليل. توفف.: 
لا أستطيع أن أتوقّف. توفف. لا أستطيع أن أتوقف. ففي أحلامه كان 


Twitter: @ketab_n 1۸ 


یری والدیه یباغتانه ویمسکانه متلبّساً. يندفعان إلى الباب بعنف» يكسرانه» 
ويمسكانه متلبَّساً بجريمته. وفي وسط الصيحات والعويل تقَبّله أمّه» 
وتربت على ظهره» أما أبوه فکان يبصق في وجهه ویصفعه على مؤخرته 
بقوة. وفي حين كان الأب يترك على جسده كدماتء كانت آمّه تمسح 
على جسده قليلاً من العاشورة» وكأن هذه الحلوى بلسم. وفي كل مرة 
يستيقظ» كان يشعر بالقرف ويرتجف» ويتشكل العرق في شكل حبيبات 
على جبینه» ولکي یخفف من حدة توتره کان يستمني . 

لم تكن زليخة تعرف شيئاً عن كل هذا عندما سخرت منه. 

«ألا تخجلين من نفسك»» قال مصطفى: «إنك لا تعرفين كيف 
تتحدثين مع من يكبرونك سناً. إنك لا تبالين عندما يصفر لك الرجال في 
الشارع . تلبسين ثيابك مثل عاهرة» ثم تتوقعين الاحترام؟». 

ارتسمت على وجه زليخة ابتسامة محتقّرة: «ما المشكلة؟ أم أنك 
تخشى من العاهرات؟». 

لم يفعل مصطفى شيئاً سوى أن يحذّق فيها. 

في الشهر الماضي» اكتشف أسوأ الشوارع سمعة في إستانبول. وكان 
بوسعه أن يذهب إلى أماكن أخرى» حيث يمكنه أن يجد جنساً أرخص» 
وأقل رداءة» وأقل خزياًء لكنه كان يتعمد الذهاب إلى هناك - فكلما كان 
أكثر فجاجة وأكثر قبحاًء كان أفضل . كانت البيوت القذرة مصفوفة جنبا 
إلى جنب» تفوح منها الروائح العطنةء وتتناثر فيها البقع في كل مكان. 
وكانت المومسات يتواجدن في كل غرفة من كل طابق» المومسات اللاتي 
لعلهن لم يكن يرفضن نقودك» بل كن» بالرغم من ذلك» يحقرن أداءك. 
کان يعود من هناك وهو يشعر بأنه قذر وضعيف . 

هل تتجسّسين عليّ؟» سأل. 

«ماذا؟» قهقهت زليخةء وعندها فقط أدركت أنها اكتشفت شيئاً لم 


Twitter: @ketab_n ۳714 


تكن تعرفه: «إنك غبى جداً. إذا كنت تذهب إلى المومسات» فهذه 
مشكلتك» وماذا يهمني ذلك». 

بعد أن أحس بالإهانةء شعر مصطفى برغبة ملخة في أن يضربها. 
يجب أن تفهم أنها لا تستطيع أن تهزأً به بهذا الشكل . 

نظرت إليه زليخة من طرف عينها» وكأنها تحاول أن تقرأً أفكارهء 
وقالت: «إن ما أرتديه وكيف أعيش ليس من شأنك»ء وأضافت : «من تظن 
نفسك؟ لقد مات أبونا ولن أسمح لك أن تحل محله هكذا». 

والغريب أنها ما أن قالت هذه العبارة» حتى تذكرت أنها نسيت أن 
تجلب ثوبها الدانتيل من محل التنظيف الجاف في ذلك صباح. فقالت 
لنفسها: «تذكري أن تحضريه غداأ». 

«لو كان بابا لا يزال على قيد الحياةء لما استطعت أن تكلمينى بهذه 
الطريقة»» أجاب مصطفى» واختفت نظرته الخافتةء وحلت لیا را 
تشى بالمرارة: «لكن ذهابه لا يعنى أنه لا توجد لدينا قواعد فى هذا 
البيت. as‏ سرتك يا آنسة . لا يمكنك أن تجلبى العار 
إلى هذه العائلة التي تتمتع بسمعة جيدة) . ۰ 

«اخرس . ا كان الاد الذي يمكنني أن أجلبه» فلا يمكن أن يقارن 
بالعار الذي جلبته لها حتى الآن» . ٤‏ 

توقف مصطفى» مضطرباً. هل اكتشفت أنه يلعب القمارء أم أنها 
كانت تخدعه ثانية؟ فقد كان يراهن على ألعاب رياضية» ليثبت لنفسه أنه 
أصبح شاباً. لو كان أبوه حياً لأوسعه ضرباًء مهما بلغ من العمر. بالحزام 
الجلدي الخمري ذي الإبزيم النحاسي. هل يمكن أن يكون هناك سبب 
منطقي بأن حزاماً يؤلم أكثر من الأحزمة الأخرىء أم أن خياله كان يركز 
على حزام معيّن» وبذلك يدع نفسه يعتقد أنه لن يتألم أكثر من الأخرىء 
ویشعر بالامتنان» بل حتی یعتبر نفسه محظوظا؟ 


Twitter: @ketab_n ۳۷۰ 


لكن أباه ذهب الآن» ويجب التذكير بأنه هو السيد هنا. 

«الآن بعد أن مات أبونا٠»‏ قال مصطفى : «أصبحت أنا المسؤول عن 
هذه العائلة» . 

اصحيح؟» قالت زليخة ساخرة: «أتعرف ما هي مشكلتك؟ آنك 
مدلل»ء أنك مدلل جداًء أيها الأير الذي لا يقّدر بثمن! اخرج من غرفتي». 

وکأنها كانت في حلم» ومن زاوية عينها رأت يده ترتفع في الهواء 
ويصفعها على وجهها. كانت لا تزال لا تصدق أنه يمكن أن يضربهاء 
راحت تحدَق فيه ساهمة» ثم استطاعت أن تنحني جانباً في اللحظة 
الأخيرة. 

تفادت الصفعة لكن ذلك أثار حنقه. المحاولة الثانية ألهبت خدها. 
فردت له الصاع صاعين . 

وبعد لحظات» كان أحدهما يمسك بتلابيب الآخر بعنف فوق السرير 
كطفلين» سوى أنهما لم يتشاجرا بهذه الطريقة عندما كانا طفلين. إذ لم 
يكن أبواهما يسمحان لأطفالهما بأن يتشاجروا. ولبضع ثوانء بدا أن زليخة 
هي التي انتصرت» بعد أن أوسعته ضرباًء أو هكذا خيّل إليها. فقد كانت 
امرأة طويلة قوية» ولم تكن من عادتها أن تشعر بأنها هشة. ومثل مصارع 
في الحلبة» رفعت كلتا يديها في الهواء» وحيّت جمهورها المتخيّل› 
تج باتس اها «لقد انتصرت عليك!». 

في تلك اللحظة لوى ذراعها خلف ظهرها وصعد فوقها. في هذه 
المرة اختلف كل شيء. كان هو مختلفاً. إذ راح يضغط على صدرها 
بإحدى ذراعيه» ويشد تنورتها بيده الأخرى إلى الأسفل . 

كان أول شعور اعتراها آنذاك» هو الشعور بالمهانةء ثم المزيد من 
المهانة . كان الشعور بالخزي شديداً إلى درجة أنه لم يعد مكان في داخلها 
يتسع لأێي شعور آخر. خارت قواها على الفور» وكادت أوصالها تتجمد 


Twitter: @ketab_n ۳۷۱ 


بطريقة مخزية» بطريقة كشفت عن تربيتهاء شعور بالإحراج الشديد من 
انكشاف ثيابها الداخلية هيمن على كل شيء آخر . 

والإهانة. حاولت أن توقفه بإحدى يديهاء وحاولت باليد الأخرى أن تشد 
تنورتها إلى الأسفل» لكنه رفعها مرة أخرى بسرعة كبيرة. قاتلته بشراسة» 
قاتلهاء صفعته»› صفعها بشدة أكشرء عضته»› لكمها في وجههاء لكمة 
وأاحدة وحيدة. سمعت صراخ أحد يقول : «توقّف!» بأعلى صوتها» صوت 
حاد وغير بشري› مثل صراخ حیوان في مسلخ. لم تتمکن من تمييز 
صوتهاء تماماً كما لم تعرف جسدهاء كما لو كانت أرضاً أجنبية» عندما 
ولجها. 

عندها فقط لاحظت زليخة المنطاد المحلق فى السماء الصافية . 


أغمضت عينيها وكأنها لعبة من ألعاب الطفولة» راجية أنها إذا لم تر» 
تنقسه أثقل» وأطبق بيديه على صدرها وطوق رقبتها بقوة. خشيت زليخة 
أن يخنقهاء لكنه سرعان ما أرخى أصابعه وتوقفت الحركة. انبعث منه 
صوت مجروح عندما تهالك فوقهاء وصدره يضغط على صدرها. کان 
بإمكانها أن تسمع سرعة نبضات قلبه. ولكن الشيء الذي لم تستطع أن 
تسمعه» كان صوتها. أحست وكأن الحياة كانت قد نضبت منها. 

لم تفتح عينيها إلا عندما استرخى فوقهاء وأصبح مرخياً في داخلها 
الآن. عندما نهض عنهاء كان مصطفى لا يكاد يستطيع أن يمشي. مشى 
مترنحاً عبر الغرفة واتكأ إلى الباب»ء محاولاً أن يتمالك نفسه. أخذ نفا 
عميقاً وفاحت منه رائحة ممزوجة من العرق وماء الورد. وقف هناك برهةء 
ظهره نحو أخته» قبل أن يتحرك ثانية وخرج يجري من الغرفة . 


ما أن وصل إلى الردهة» حتى سمع الباب الخارجي يُفتح» فقد عادت. 


Twitter: @ketab_n افا‎ 


الأخريات. هرع إلى الحمّام» قفل الباب على نفسه» وفتح الدوش» لكنه 
بدلاً من أن يقف تحت الدوش» انهار وجا على ركبتيه» وتقيأً. 

«مرحاً!!! أين الجميع؟» سُمع صوت بانو من الغرفة الأمامية : «ألا 
يوجد أحد في البيت؟». 

استوت زليخة واقفة على قدميها وحاولت أن تسوَّي ثيابها. فقد حدث 
كل شيء بسرعة كبيرة» ولعلها أقنعت نفسها أنه لم يحدث شيء على 
الإطلاق . إلا أن الوجه الذي رأته في المرآةء كشف عن قَصَة مختلفة. 
ففي إطار صورتها المنعكسة» رأت عينها اليسرى منتفخة» وتحتها نصف 
دائرة زرقاء. وعندما رأت عينها كان أول ما اعترى زليخة إحساس بالذنب 
من ريبتها المعتادة. فطوال هذه السنوات كانت تسخر من أفلام الإثارة 
الرخيصة عندما تصبح عين أحدهم زرقاءء لم تكن تصدق أنه يمكن أن 
يتغير لون عين الإنسان من لكمة واحدة. 

وتأكد لها أن وجهها هو الذي أصيب بالأذىء أما جسمها فلم يصب 
بشيء. راحت تلمس نفسها لتری إن كانت لا تزال تشعر. كيف يمكنها أن 
تحس بملمس أصابعها ولا شىء أكثر من ذلك؟ فإذا أوذيت أو كانت 
حزينة» فألن يعرف جسدها؟ لاو 

سمعت طرقة على باب غرفتها ودون أن تنتظر ردأ مدت بانو رأسها 
إلى داخل الغرفة . كانت على وشك أن تقول شيئأء لكن فمها تح وأغلق 
بدون كلمات فيما وقفت متجمدة فى مكانها تحدق فى أختها الأصغر. 
«ماذا حدث لوجهك؟؛ سألت بانو قلقة» كانت زليخة ا أنه إذا كان ثمة 
وقت للبوح بهذا الأمرء فهو الآن. 

كان بوسعها أن تقول ما حدث الآنء أو أن تخفي الأمر إلى الأبد. 
اليس الأمر سيئاً إلى هذه الدرجة»ء قالت ببطءء فقد وڵّت اللحظة» 


Twitter: @ketab_n VT 


وقررت اختیارهاء «خرجت أتمشی وریت رجلا يضرب زوجته في وسط 
الشارع . حاولت أن أنقذ امرأة يوسعها زوجها ضرباًء لكني أظن أن الأمر 
انتھی وقد ضربت أنا» . 

صدَقنها. کان شيئاً ينبغى لها أن تفعله» شيئاً لا يمكن أن يحدث إلا 
لهاء إذا كان أن يحدث لأي شق 

في اليوم الذي أغتصبت فيه زليخةء كانت لا تزال في التاسعة عشرة 
من عمرها. وهو سن يعتبر فيه الشخص راشداً وفق القوانين التركية. ففي 
هذه السن» يمكنها أن تتزوّج أو أن تحصل على رخصة قيادة» أو أن تدلي 
بصوتها في الانتخابات» إذا ما سمح العسكر بإجراء انتخابات حرَة مرة 
أخرى. وأصبح بإمكانها أن تجري إجهاضاً بمفردها أيضاً. 

رأت زليخة الحلم نفسه مرات كثيرة. فقد كانت ترى نفسها وهي 
تمشي في الشارع تحت وابل من الأحجار. وفيما كانت قطع الحجارة 
تتساقط الواحدة تلو الأخرى من الأعلىء تحدث حفرة في الأسفل» يزيد 
عمق الحفرة أكثر» وبدأً الخوف يعتريهاء تخشى أن تحذو حذوهاء تخشى 
أن تبتلعها الهاوية الفاغرة فمها وألا يبقى لها أثر. اتوقفوا!» تصيح وقطع 
الأحجار تتساقط تحت قدميها. «توقفوا!» تأمر السيارات المتجهة نحوها 
بسرعة ثم تدهسها. «توقفوا!» تتوسل للمشاة الذين كانوا يدفعونها 
بأكتافهم : «أرجوكم توقفوا!». 

وفي الشهر التاليء» لم تأتها الدورة الشهرية. وبعد أسابيع قليلة زارت 
مختبراً افتتح حديثاً بالقرب من بيتها. اختبار حمل مجاناً مع كل اختبار 
لسكر الدم! كتب على اللوحة عند مدخل المختبر. وعندما جاءت النتيجة» 
تبين أن نسبة السكر في دم زليخة طبيعية» وتبين أنها كانت حاملاً. 


Twitter: @ketab_n Y€ 


کان یا مکان. 

في أرض بعيدة» اة جد عاش رجل وامرأة مع أربعة أطفالء 
ابنان وابنتان. وكانت إحدى البنات قبيحة» والأخرى جميلة. وقرر الأخ 
الأصغر أن يتزوّج الأخت الجميلة. لكنها لم تكن تريد ذلك. خلعت ثيابها 
الحريرية وذهبت إلى الماء لتخسلها. غسلتها وبكت. كان الجو بارداً. 
كادت يداها وقدماها أن تتجمّد. عادت إلى البيت وقرعت على البابء 
لكنه كان موصداً. قرعت على نافذة أمّهاء فأجابتها أمَها: «سأدعك 
تدخلين إذا ما ناديتني حماتي». ثم قرعت على نافذة أبيهاء فأجاب: 
«سأدعك تدخلين إذا ناديتني حماي». ثم قرعت على نافذة أخيها الأكبر» 
فأجاب : «سأدعك تدخلين إذا ناديتني نسيبي». ثم قرعت على نافذة 
أختهاء فأجابت: «سأدعك تدخلين إذا ناديتني أخت زوجي»» ثم قرعت 
على نافذة أخيها الأصغرء فسمح لها أن تدخل . عانقها وقبّلهاء وقالت: 
«لتنشق الأرض وتبتلعني!». 

رانشقت الأرض وه إلى فل تحت الأرض": 

HK ¥ # 

عندما كانت آسيا تنظر من نافذة المطبخ وهي تمسك بيدها ملعقة» 
أطلقت تنهيدة وهي تراقب سيارة ألفا روميو الفضية تغادر. 

«أترى؟» التفتت إلى السلطان الخامس وقالت : «لم تشأً الخالة زليخة 
أن أرافقهن إلى المطار. لقد عادت تعاملني باحتقار» . 

كم كانت غبية عندما سمحت لنفسها أن تكون ضعيفة في تلك الليلة 
عندما خرجوا وشربوا! يا له من غباء أن ترأب الفجوة بينهما. إنها لن تزول 
تماماً. فستظل هذه الأمٌّ التي تطلق عليها «خالة» بعيدة عنهاء ولا يمكن 


(1) قَصة شعبية هندية أوروبيةء بعنوان: «الأخ يريد أن يتزوج آخته» . 


Vo 


Twitter: @ketab_n 


رأب الهوة بينهما. حنان الأمّء حب الابن» المودة الأسرية» من المؤكد 
أنها لم تكن بحاجة إلى أي منها. .. توقفت آسيا وبصقت وقالت: 
خراء) . 


المادة الثانية عشر: لا تحاولي أن تغيري آمَك»› أو بدقة أكثرء لا 
تحاولي أن تغيري علاقتك مع آمك لأن هذا لن يسبب لك إلا الإحباط . 
وافقي بكل بساطة . وإذا لم تتمكني من القبول والموافقة ببساطةء فارجعي 
إلى المادة الأولى . 


«هل تكلمين نفسك؟» قالت الخالة فريدة» عندما دخلت إلى المطبخ 
في تلك اللحظة. 

«في الواقعم» نعم»» وعلى الفور تركت آسيا غضبها الذي يشبه 
الهذيان: «كنت أقول لصديقي القط أنظر كيف يبدو الأمر غريباً. ففي آخر 
مرة كان الخال مصطفى هناء لم تكن قد ولدت بعد وكان الباشا الثالث 
يحكم البيت. لقد مضى على ذلك عشرون عاماً. أليس هذا غريباً؟ 
فالرجل لا يزورنا أبداًء وها أنا الآن أصبَ له العاشورة لأننا لا نزال نرحب 
به . 

«وماذا قال القط؟» سألتها الخالة فريدة. 

ابتسمت آسيا بسخرية وقالت: «يقول إني محقة» فلا بد أن هذا البيت 
هو بيت مجانين. يجب أن أفقد كل الأمل وأعمل على صياغة بياني 
العام . 

«طبعاً سنرحب بخالك . فالعائلة عائلة» شئت أم أبيت. إننا لسنا مثل 
الألمان الذين يركلون أطفالهم خارج البيت وهم في الرابعة عشرة من 
عمرهم. فلدينا قيم عائلية قوية . إننا لا نلتقي مرة واحدة في السنة لكي 
نتناول الديك الرومي. . ٠.‏ . 


Twitter: @ketab_n ۳۷٦ 


«عما تتحدئين؟» سألت آسيا مشوشة» لكنها قبل أن تصل إلى نهاية 
سؤالهاء خمَنت الجواب : «هل تشيرين إلى عيد الشكر عند الأمريكيين؟٠.‏ 

«مهما كان؟» إذ لم تكن الخالة فريدة تأبه لهذه المعلومات» وتابعت : 
«إن ما أريد أن أقوله إنه لا توجد لدى الغربيين أواصر عائلية قوية. إننا 
لسنا مثلهم . فإذا كان أحدهم أبوك» فإنه سيظل أبوك إلى الأبد؛ وإذا كان 
الشخص أخوك. فإنه سيظل كذلك حتى النهاية . بالإضافة إلى أن كل شىء 
في هذا العالم أصبح غريباً»» وأضافت الخالة فريدة: «لهذا السبب ات 
أن أقرأ الصفحة الثالثة من الصحف الشعبية . أقصها وأجمعها كي لا ننسى 
كم أن العالم مجنون وخطر». 

لم تکن قد سمعت خالتها تحاول أن تبرر سلوكها وتجعله منطقياً من 
قبل» لم تتمالك آسيا نفسها من ألا تنظر إليها باهتمام متجدد. جلستا هناك 
في المطبخ وسط الروائح التي تفتح الشهيةء فيما تسللت أشعة شمس آذار 
عبر النافذة. 

جلستا معاً إلى أن غادرت الخالة فريدة عندما سمعت مطربها المفضل 
يعلن عن عرض لقطات فيديو جديدة» ورغبت آسيا في أن تدخن سيجارة. 
لم تكن ترغب في أن تدخن سيجارة كما كانت تشتهي أن تدخن تلك 
السيجارة مع رسام الكاريكاتير المدمن» مع أنها فوجئت بأنها اشتاقت إليه 
كثيراً. كان أمامها ما لا يقل عن ساعتين حتى عودة الضيفين من المطار. 
وحتی لو تأاخرت» فمن سیکترث بها؟ قالت في نفسها. 

بعد دقائق قليلة» أغلقت آسيا الباب وراءها بهدوء. 

¥¥¥ #¥ 

سمعت الخالة بانو صوت الباب» لكنها قبل أن تناديهاء كانت آسيا قد 
خرجت. | 

«ماذا تزمعين أن تفعلي يا سيدتي؟» نعق السيد مر . 


Twitter: @ketab_n VY 


«لا شيء٠»‏ همست الخالة بانو بعد أن فتحت درج خزانة وأخرجت 
صندوقاً. كان في داخل الغطاء المخملي الدبوس بشكل الرمانة. 

وبما أنها كانت أكبر بنات عائلة قازانجي» فقد قدم لها أبوها هذا 
الدبوس هدية» الذي ورثه من أمّه - لا من زوجة أبيه» ما الهيفاءء بل من 
الأمّ التي لم يتحدّث عنها مطلقاًء الأمْ التي تخلت عنه عندما كان طفلاً 
الأمٌ التي لم يغفر لها طوال حياته. قالت الخالة بانو إن الدبوس رائع 
ومحزن في آن معاً. لم يعرف أحد ذلك» لكنها وضعت الرمانة الذهبية 
التي بذورها من الياقوت في ماء ممح لتغسل قصتها الحزينة . 

تحت نظرة الجنى اليقظةء راحت الخالة بانو تداعب الدبوس»› 
تخس بهجة الياقرت المترهخ فى كاطله.وإلى أن القت بارمانرن ل 
يخطر ببالها أن تسأل عن قَصَّة الدبوس فى شكل الرمانة. أما الآنء وبعد 
أن عرفت القصة» لم تعد تعرف ما الخطوة التالية التي ستقدم عليها. ومع 
أنها شعرت بالرغبة في أن تقدم الدبوس لآرمانوش» لأنها تعتقد أنه يخصها 
أكثر من أي شخص آخر» فقد ترددت لأنها لم تكن تعرف كيف ستشرح 
لها سبب تقدیمه لها . 

هل یمکن أن تعرف آرمانوش تشكمكجيان أن هذا الدبرس يخص 
جدتها شوشان دون أن تحكي لها بقيّة القصة؟ إلى أي حد يمكنها أن تروي 
هذه القصص التي تعلمتها عن طريق السحر إلى الآخرين؟ 

HH ¥ ¥ 

في الجانب الآخر من المدينة» دخلت آسيا بعد أربعين دقيقة عبر 
الباب الخشبي الذي يصدر صريراً في مقهى كونديرا. 

«أنتِ» آسيا!» صاح رسام الكاريكاتير المدمن مبتهجاً. «هنا! آنا 
ها!) . 


عانقهاء وعندما انسحبت من بين ذراعيه»› قال : اعندي لك أخبار» 


Twitter: @ketab_n VA 


ee 

«قل لي الخبر السيء»ء قالت آسيا. 

«سأدخل السجن. لم تلق رسومي التي أشبَّه فيها رئيس الوزراء 
بالبطريق قبولاً جيدأً» كما أظن. فقد حكم علي بالسجن ثمانية أشهر». 


حذّقت آسيا فيه بدهشة» سرعان ما تحولت إلى ذعر. 

«اصمتي يا عزیزتي»» دمدم رسام الكاريكاتير المدمن بصوت وديع › 
ووضع إصبعه على شفتيها: «ألا تريدين أن تسمعي الخبر الجيد؟» ثم 
ابتسم مفتخراًء «لقد قزرت أن أكون صادقاً مع قلبي وأطلق زوجتي» . 

عندما تلاشى ظل الحيرة الذي ارتسم على وجههاء خطر ببال آسیا 
أخيراً أن تسأله : «وما الخبر السرّي الآخر؟) . 

«هذا هو رابع يوم لم أشزب فيه» ولا حتى قطرة! إنك تعرفين 
السبب؟) . 

«أظن لأنك انضممت إلى مدمني الكحول المجهولين ثانية»» أجابت 
آسا: 

9 قال رسام الكاريكاتير المدمن متشدقاًء وقد بدا أنه جُرح: «لأنه 
مضى أربعة أيام على رؤيتي لك آخر مرة» وأردت أن أكون صاحياً عندما 
نلتقي ثانية . إنك حافزي الوحيد في هذه الحياة لأن أصبح شخصاً أفضل»› 
احمرَّ وجهه الآن» وأضاف : «الحبٌ! أنا أحبك يا آسيا» . 

انزلقت عينا آسيا الكستنائيتان نحو لوحة معلقة على الجدار» صورة 
طريق مليء بالحفر الذي جری فيه سباق الهجن في عام ٠۹۹۷‏ في 
منغوليا. سيكون من الجميل أن تري هذه الصورة الآنء قالت لنفسهاء أن 
تجتازي صحراء غوبي بسيارة جيب ذاتية الدفع» وأنت تنتعلين حذاءَ طويلا 
ثقيلاً قذرا» وتضعين تظارات شمسية على عينيك» تخخلصين من مشاكلك 


Twitter: @ketab_n ۷۹ 


وأنت تمضين قدماًء حتى تصبحين خفيفة مثل لا شيء» خفيفة مثل ورقة 


¥ ¥ ¥ 


۳9 تقلقي» يا عصفورتي الصغيرة)٤»‏ قالت شجرة الرمان وهي تبتسم 
وتنفض الثلج عن أغصانها. «فالقصًة التي سأحكيها لك قصَة سعيدة». 

زمٌ أوهانیس ستامبولیان شفتیه» فیما کان عقله يعمل بشکل محموم» 
وقد ابتلعته دوامة الكتابة . فمع إضافة كل سطر جديد إلى قصته الأخيرة في 
كتاب الأطفالء كانت تعود إليه أجيال من الدروس في شكل دوامة» 
بعضها تحزن قلبه» وبعضها الآخر ترفع من معنوياته» لكنها كانت جميعها 
تنبض من زمن آخر» زمن لا بداية ولا نهاية له. فقد كانت قصص الأطفال 
أقدم قصص في العالم» حيث تتحدث أشباح الأجيال التي ولت منذ زمن 
بعيد عبر الكلمات . وكان دافعه لإنهاء هذا الكتاب غريزياً وفطرياً لا يمكن 
كبحه . فالعالم مکان كثيب منذ أن بدأ كتابته» وعليه الآن أن ينهي الكتاب 
بدون جلبة. 

«حسناء إذن»» هدلت الحمامة الصغيرة الضائعة: «احكى لى قصة 
ات الم الفا لى ارك ا ام ل کی حن 
فإني سأحلق بعيدا». ٠‏ 

بعد أن اقتاد الجنود أوهانيس ستامبوليان» لم تعد أسرته ترغب في 
الدخول إلى غرفة مكتبه لأيام عديدة. فقد كانوا يدخلون إلى جميع 
الغرف» ما عدا هذه الغرفةء وظل الباب مغلقاً وكأنه كان لا يزال فيها 
يعمل ليل نهار. 

لكن القنوط الذي ساد البيت ازداد حدةٌء ولم يعد من الممكن الزعم 
أن الحياة قد تعود إلى سابق عهدها. وسرعان ما قررت آرمانوش أتهم 
سيكونون في حال أفضل إذا ذهبوا إلى سيواس» حيث مكثوا مع والديها 


Twitter: @ketab_n ۸۹ 


لفترة من الزمن . وبعد اتخاذهم هذا القرار دخلوا غرفة أوهانيس ستامبوليان 
ووجدوا مخطوطته : «الحمامة الصغيرة الضائعة والبلاد السعيدة»» التى 
كانا رفك الاك ودرا ن شاا دو ال كر الرعاة. 

رأت شوشان ستامبوليان دبوس الزينة للمرة الأولى على طاولة 
المكتب المصنوعة من خشب الجوز التي قدمها لها أبوها. وبهتت جميع 
التفاصيل الأخرى عن ذلك اليوم المشؤوم» أما دبوس الزينة فلم يبهت. 
ربما كان الوميض المنبعث من الياقوت هو الذي أدهشهاء وإلا لرأت 
العالم يتهاوى من حولها. ومهما كان السبب» لم تنس شوشان دبوس 
الزينة بشكل الرمانة. حتى عندما وقعت نصف ميتة على الطريق إلى حلب 
وبقيت وحدها؛ ليس عندما وجدتها الأمٌ وابنتها التركيتان وأخذتاها إلى 
بيتهما لعلاجها؛ وليس عندما أخذها قطاع الطرق إلى ملجاأ الأيتام ؛ وليس 
عندما توففت عن أن تكون شوشان ستامبوليان وأصبحت شيرمين 1۲١‏ ؛ 
وليس بعد سنوات عندما وجدها رضا سليم قازانجي صدفة في ملجأً 
الأيتام» واكتشف أنها ابنة أخت معلمّه الراحل» ليفون» وقرّر أن يتخذها 
زوجة له؛ وليس عندما أصبحت في اليوم التالي شيرمين قازانجي؛ وليس 
عندما علمت أنها أصبحت حاملاً وأنها ستصبح أمَاّء وكأنها لم تكن لا 
تزال طفلة صغيرة. 

كانت القابلة القوقازية قد كشفت جنس الطفل قبل ولادته بعدة أشهر› 
من شكل بطنها وآنواع الأطعمة التي كانت تشتهيهاء ومن الحلويات التي 
كان يصنعها المخبز الذي افتتحه الروس البيض الذين هربوا من روسياء 
والبقلاوةء والبونبونء وأنواع الحلويات الأخرى. . . لأن شيرمن قازانجي 
لم تشته أثناء فترة حملها آي شيء حامض أو مالح» وهي الأشياء التي 
کانت ستشتهیها لو كانت حاملاً بفتاة . 

وبالفعل كان صبياً ولد في أوقات صعبة . 

«أدعو الله أن ينعم على ابني حياة أطول من حياة أي رجل في هذه 


Twitter: @ketab_n ۴۸۱ 


العائلة)» قال رضا سليم قازانجي عندما سلمته القابلة الطفل. ثم قرب 
شفتيه من أذن الطفل وأعلن الاسم الذي سيحمله فيما بعد: اسيصبح 
اسمك ليفون». 

لم يكن تكريم معلّمه الذي تعلّم منه فن صناعة القدور الحافز الوحيد 
الذي جعله يختار هذا الاسم . فبتسمية ابنهما ليفون» كان يرجو أيضاً أن 
یکرم زوجته بعد أن اعتنقت الإسلام. 

وهكذا اختار اسم ليفون. وكأي مسلم تقي كرر الاسم في أذنه ثلاث 
مرات : «ليفون! ليفون! ليفون!». 

وفي الوقت نفسه»ء لم تفه شيرمين قازانجي بأي كلمة» وظلت جامدة 
مثل قطعة حجر . 

لم يستغرق الأمر طويلاً كي يتردد الصدى الثلاثي الذي عاد إليهم في 
شكل سؤال سلبي . «ليفون؟ أي اسم إسلامي هذا؟ لا يوجد صبي مسلم 
يمكن أن يطلق عليه هذا الاسم!» قالت القابلة بصوت مرتفع . 

«سیکون اسم ابننا هکذا»» رد عليها سليم قازانجي» وهو دفاع ما فتئ 
یکرره في کل مرة: «لقد قزرت . سیکون اسمه ليفون!» . 

لكنه عندما أخذ الطفل إلى موظف السجل المدني» لان قليلاً. 

«ما اسم الصبي؟» سأله الموظف الهزيل» الضامرء الذي كان يبدو أنه 
عصبي دون أن يرفع رأسه من فوق سجل ضخم مغلّف بالقماش. 

«ليفون قازانجي» . 

رفع الموظف نظارته» وأسندها فوق أرنبة أنفه وألقى نظرة طويلة إلى 
رضا سليم قازانجي وقال له: «في الحقيقة إن قازانجي اسم جميل» لکن 
اسم ليفون ليس اسم مسلم». 

«إنه ليس اسم مسلم. إنه اسم رجل طيب»ء أجاب رضا سليم 


قازانجي بعصبية . 


Twitter: @ketab_n افا‎ 


«يا سيد»» رفع الموظف صوته قليلاًء وراح يتحدث وكأنه رجل مهم 


ليفون لن يخدمك جيداً. إذا سجلنا هذا الاسمء فربما تعرض هذا الصبي 
إلى مشاكل في المستقبل. إذ سيظن الجميع أنه مسيحي» مع أنه مسلم 
بكل معنى الكلمة. . . أم أنا مخطئ؟ أليس الصبي مسلماً؟». 

«بالتأكيد إنه مسلم»» صخح رضا سليم على الفور: «الحمد لله». 
ولوهلة سريعة خطر له أن يفضي إلى الموظف أن آم الصبي امرأة أرمنية 
يتيمة اعتنقت الإسلام وسيكون هذا بادرة طيبه لهاء لكن شيئاً في داخله 
قال له أن يحتفظ بهذه المعلومات لنفسه. 

«حسناً إذنء مع كل الاحترام الذي يستحقه هذا الرجل الطيب الذي 
تريد أن تسمَّى هذا الطفل باسمهء دعنا نجري تغيیراً طفيفاً عليه . اجعله 
سا را مسن اشرو ا آروت لن ا اسا اسما حه الا 
رأيك بليفينت؟» ثم أضاف الموظف بلطف» لطيفاً جداً بالنسبة لقسوة ما 
كان على وشك أن يقوله: «وإلا فإني لن أسجله». 

وهكذا أصبح ليفينت قازانجي؛ الصبي الذي ولد على رماد ماض لا 
يزال يحترق؛ ولم يكن يعرف أحد أن أبا الصبي كان يريد أن يسميه 
ليفون؛ الصبي الذي ستهجره أمه ذات يوم وينشأ متجهماً مليئاً بالمرارة؛ 
الصبي الذي أصبح أباً يعامل أطفاله بقسوة. 

لو لم يكن بسبب دبوس الزينة بشكل الرمانة» هل كانت شيرمن 
قازانجي ستجد الدافع لأن تهجر زوجها وابنها؟ من الصعب قول ذلك . 
فقد بدأت تدخل معهما أسرة وحياة جديدتين ذات اتجاه واحد. فلكي 
يصبح لها مستقبل» كان عليها أن تكون امرأة بلا ماض. إذ لم تكن هوية 
طفولتها شيئاً يزيد على لقيمات من الذاكرة» مثل فتات الخبز الذي بعثرته 
وراءها» كي يتناولها طير ماء بما أنها هي نفسها لن تتمكن من العودة إلى 
بيتها من الطريق ذاته. مع أن أجمل ذكريات طفولتها تلاشت في النهاية› 


Twitter: @ketab_n FAT 


لكن دبوس الزينة بقي محفوراً في عقلها بوضوح. وعندما ظهر بعد سنوات 
رجل قادم من أمريكا ووقف عند عتبة دارهاء کان دبوس الزينة هو الذي 
sS‏ 
وحاجبيه ا a‏ الحاق ات اعرد ذقنه» e‏ 
أخبرها من هو ثم قال لهاء بلغة نصف تركية ونصف أرمنية» إنه قطع كل 
تلك المسافة من أمريكا ليبحث عنها. وبقدر ما كان يرغب في معانقة أخته 
في الحال» كان يعرف أنها أصبحت الآن امرأة مسلمة متزوّجة . فظل واففاً 
بنا وكانهما ترا من إيقاع الرمن. 

وفي نهاية لقائهما القصير» أعطى يرفانت ستامبوليان شيئين إلى شيرمن 
قازانجي : دبوس الزينة الذهب بشكل رمانة» ووقتاً كي تفكر . 

حائرة ومذهولة› أغلقت الباب وانتظرت کي ڌ تستوعب لحظة الكشف 


تلك. وكان ليفينت يزحف على الأرض إلى جانبها ويهمهم بحماس 
شدید . 


هرعت إلى غرفتهاء وأخفت الدبوس في أحد الدروج في خزانتها. 
ووقف الطفل هكذا ثانية كاملة» ثم خطا خطوة» ثم خطوة أخرى» ثم وفع 
بقوة على مؤخرته» كان الخوف البهيج من خطواته الأولى يلمع في عينيه. 
وفجأة ابتسم الصبي بفمه الخالي من الأسنان وصاح: «ما - ما» . 

ساد البيت كله لمعان شبحي نادرء عندما خرجت شیرمن قازانجي من 
ذهولهاء وراحت تكرر لنفسها «ما - ما». كانت هذه هي الكلمة الثانية التي 
خرجت من فم ليفينت› وبعد أن حاول أن يقول 0دا _ دا» لفترة» واخیرا 


Twitter: @ketab_n A٤ 


قال «با - با» البارحة. أدركت الآن أن ابنها لفظ كلمة بابا بالتركيةء أما 
كلمة ماما فقد لفظها بالأرمنية. لم يكن عليها أن تنسى اللغة التي كانت 
عزيزة عليها ذات يوم» بل أصبح عليها الآن أن تعلَّم ابنها بالطريقة ذاتها. 
حذقت في الطفل» مشوشة ومكتثبة . فلم تشأً أن تصحح «ما - ما وتستبدل 
الكلمة التي تعادلها باللغة التركية. فقد برزت إلى السطح صور أسلافها 
المتجهمة. فلم يفلح الاسم والدين والجنسية والأسرة الجديدة الهيمنة على 
ذاتهاء فقد همس دبوس الزينة اسمها وكان ذلك بالأرمنية . 

ضمت شيرمن قازانجي ابنها إلى صدرهاء ولم تفكر طوال ثلاثة أيام 
كاملة بالدبوس . 

لكنها في اليوم الثالث» وكأن عقلها يفكرء وقلبها يتألم دون أن تعي 
ذلك» هرعت إلى الدرج» وأخرجت الدبوس وأمسكته بقوة في راحة 
یدها» تستشعر بدفئه . 

تمتاز أحجار الياقوت بلونها الأحمر الناري. لكن ليس من النادر أن 
تغيّر لونهاء فتصبح في داخلها داكنة أكثر وأكثر» وخاصة عندما يتعرض 
أصحابها للخطر. وثمة نوع من الياقوت يطلق عليه الخبراء اسم «دم 
الحمامة» - وهو ياقوت ثمين أحمر قان فيه مسحة من اللون الأزرق»› كأنه 
داكن فى أعماقه. كانت الياقوتة تلك» آخر ذكرى متبقية من «الحمامة 
الصغيرة الضائعة والبلاد السعيدة». 

في عشية اليوم الثالث» وجدت شيرمن قازانجي لنفسها لحظة تخلو 
فيها إلى نفسها بعد العشاءء فانسلت إلى غرفتها. كانت تتوسل لأن تجد 
عزاء لا يمكن لأحد أن يمنحه إياهاء راحت تحدذق في دم الحمامة. 

عندها فقط قررت ما يجب أن تفعله. 

وبعد أسبوع» وفي صباح يوم الأحد» توجهت إلى الميناء حيث كان 
أخوها بانتظارها وقلبه يخفق بقوة ومعه تذكرتان إلى آمريكا. وبدلاً من أن 


Twitter: @ketab_n A0 


تحمل حقيبةء حملت شیرمن كسا صخرا فقط. فقد ترکت جمیع 
ممتلكاتها. أما دبوس الزينة بشكل الرمانة» فقد وضعته فيي مغلف مع 
رسالة أوضحت فيها وضعها وطلبت من زوجها شيئين: أن يقدم دبوس 
الزينة إلى ابنهما ليتذكرهاء وأن يسامحها. 


¥ ¥ ¥ 


عندما حطت الطائرة في إستانبول» كانت روز مرهقة. وكانت تحرك 
قدمیها المتورمتين بحرص شديدء وقد خشیت ألا تدخلا في حذائهاء مع 
أنها كانت تنتعل حذاء جلدياً برتقالي اللون مريحاً من ماركة ×0 . 
وتساءلت كيف تستطيع هؤلاء المضيفات أن يبقين على أقدامهن بكعوب 
أحذيتهن العالية طوال يوم كامل من الطيران . 

استغرق مصطفى وروز نصف ساعة لختم جواز سفرهماء واجتياز 
الجمارك» واستلام حقائبهماء ثم صرفا بعض النقود» واستأجرا سيارة. 
فقد فكر مصطفى أنه من الأفضل أن تكون لديهما سيارتهما الخاصةء بدلا 
من أن بستخدما سيارة الحاقلة ‏ والخحارت روز أولا من الدلبل سيارة 
تشيروكي لاردو كبيرة ذاتية الدفع» لكن مصطفى نصحها باستئجار سيارة 
أصغر تلائم مع الشوارع المزدحمة في إستانبول. واتفقا على استئجار 
سيارة تویوتا کورولا. 

بعد ذلك بقليلء خرجا من صالة القادمين» وهما يدفعان عربة تحمل 
حقائب متشابهة. وجدا نصف دائرة من الغرباء ينتظرون في الخارج. 
شاهدا بين المجموعة آرمانوش أولاء تبتسم وتلوح بيدهاء وإلى جانبها 
الجدة كلثوم» ويدها اليمنى تضغط على قلبهاء تكاد تفقد وعيها من شدة؛ 
حماسها. وكانت تقف وراءهما بخطوة الخالة زليخةء طويلة ومتعالية› 
ترتدي نظارة شمسية بعدسات أرجوانية داكنة. 


Twitter: @ketab_n ۸٦1 


أمضت روز ومصطفى اليومين الأولين من زيارتهما إلى إستانبول في 
تناول الطعام . وعلى المائدة» أجابا عن أسئلة كثيرة طرحتها عليهما نساء 
عائلة قازانجي من جميع الاتجاهات: كيف هي الحياة في أمريكا؟ هل 
توجد صحراء حقاً في أربزونا؟ هل صحيح أن الأمريكيين يعيشون على 
كمية كبيرة من الطعام الجاهزء ثم يبدأون حمية غذائية في المسابقات 
التلفزيونية؟ هل النسخة الأمريكية من مسلسل «المبتدئ» أفضل من النسخة 
التركية؟ وإلى ما هنالك . 

ثم أعقب ذلك سلسلة من الأسئلة الشخصية: لماذا لم ينجبا أطفالاً 
معاً؟ لماذا لم يأتيا إلى إستانبول من قبل؟ لماذا لن يبقيا فترة أطول؟ لماذا؟ 

وكان للأسئلة تأثير معاكس عليهما. ولم تكن روز تمانع هذا 
الاستجواب . فإن كان ثمة شيء تستمتع به» هو أن تكون في مركز الضوء. 
أما مصطفى» فقد كان ينجرف باستمرار إلى الصمت» ويزداد انكماشاً. 
فقد كان يتكلم قليلا» ويمضي معظم وقته في قراءة صحف تركية» 
المحافظة منها والتقدمية» وكأنه يريد أن يلحق بركب البلد الذي هجره. 
وكان يسأل بين الحين والآخر أسئلة عن هذا السياسى أو ذاكء أسئلة كان 
إلا أنه لم يكن يبدي اهتماماً بالسياسة. 


TAY 


Twitter: @ketab_n 


«هكذا إذنء يبدو أن حزب المحافظين الموجود في الحكم بدأ يفقد 
دمه. ما فرصتهم فى الفوز فى الانتخابات القادمة؟». 

«إنهم أوغاد! إنهم مجموعة من الكذابين»» هدرت الجدة كلثوم» بدلا 
من أن تجيب. كان هناك في حضنها صينية عليها كومة من الررّ تنقيه من 
قطع صغيرة من الحجارة أو القش قبل أن تطهيه» «كل ما يعرفونه أنهم 
النافدذة نظر إلى امه من فوق الجريدة التی يمسکها بيده» وسال «وماذا 
عن حزب المعارضة؟ الديموقراطيون الاجتماعيون؟). 

نفس الشىء!» جاء الجواب: لاجميعهم حفنة من الكذابين. جميعهم 
سیاسیون فاسدون» . 

«لو كان لدينا عدد أكبر من النساء في البرلمان لتغير كل شيء»» 
شاركت الخالة فريدة فى الحديث» وهي ترتدي القميص الذي أهدته لها 
روز والمكتوب عليه بأحرف كبيرة «أحبٌ أريزونا. 

«ماما على حق . إذا سألتنىء فإن المؤسسة الوحيدة الجديرة بالثقة فى 
هذا البلد هى الجيش دائماً»ء قالت الخالة شكرية: «الحمد لله عندنا 
الجيش التركي . فلولاه». 

«نعم» لكنهم يجب أن يدعونا نحن النساء للخدمة بالجيش»» قاطعتها 
الخالة فريدة: «فأنا مستعدة للإلتحاق فى الجيش على الفور». 

توففت آسيا عن ترجمة الحديث لروز وآرمانوش. الجالستين إلى 
جانبها» وضحكکت ضحكة مكتومة عندما قالت بالاانكليزية : «إحدى خالتی 
تناصر المرأة» والأخرى عسكرية في الصميم! وهما تتفقان جيداً. يا له من 
بیت مجانین . 


Twitter: @ketab_n FAR 


التفتت الجدة كلثوم إلى ابنهاء وقد اعتراها فجأة قلق : «وماذا عنك يا 
عزيزي؟ متى ستنهي خدمتك العسكرية؟ . 

كانت روز تجد صعوبة في متابعة الترجمة» التفتت روز إلى زوجها 
وغمزته . 

«لا تقلقي بشأني»» قال مصطفى : «بشرط أن أدفع مبلغاً معيناًء وأثبت 
لهم أني أعيش وأعمل في أمريكاء لا يتعين علي أن أؤدي خدمة عسكرية 
كاملة. سأجري التدريب الأساسي فقط. شهر واحد» هذا كل ما في 
الأمر...“. 

«لكن ألا يوجد موعد نهائي لهذا؟» سألت إحداهن . 

«نعم يوجداء أجاب مصطفى : «يجب أن تجري هذا التدريب حتى 
تبلغ الحادية والأربعين من العمر». 

«حسناًء إذن يجب أن تفعلها هذه السنة»» قالت الجدة كلثوم: «فقد 
بلغت الأربعين الآن. . .». 

رفعت الخالة زليخة رأسهاء التي كانت جالسة عند طرف الطاولةء 
تصبغ أظافرها بلون كرزي لمَاع» ورمقت مصطفی وقالت: «يا له من عمر 
مصيري٤»‏ همست فجأة : «العمر الذي مات فيه أبوك. مثل أبيه وجذه. . 
يجب أن تكون قلقاً الآن لأنك بلغت الأربعين» يا أخى. . . فقد اصبحت 
قريباً جداً من الموت. . .٠.‏ ۰ 

كان الصمت الذي أعقب ذلك قاتلا» مما جعل آسیا تنکفئ بشکل لا 
شعوري . 

«كيف تكلمينه بهذه الطريقة؟» استوت الجدة كلثوم واقفة» وصينية 
الرر لا تزال في يدها. 

«يمكننى أن أقول أي ,شىء أريد أن أقوله وإلى من أشاء»» قالت الخالة 
زليخة باستهجان. ٠‏ 


۳۸۹ 


Twitter: @ketab_n 


«إنك تخجلينني! هيا اخرجي»» قالت الجدة كلثوم» بصوت منخفض 
وفولاذي : «هیا اخرجی من بیتی الآن» . 
كان قد بقي ظفران لم تصبغهما بعد. تركت الخالة زليخة الفرشاة في 


HF HF ¥ 


في اليوم الثالث من زيارتهما» مكث مصطفى في غرفته طوال النهارء 
متعللا بالمرض. فقد اعترته حمّى» لم تقلل من طاقته فحسب» بل 
وأوهنت قدرته على الكلام أيضاًء لأنه أصبح شديد الهدوء. فقد شحب 
وجهه» وجفٌ فمه» واحمرت عیناه کثیراً» مع أنه لم يشرب مسكراً ولم 
يذرف دمعة. ولساعات طويلة» ظل مستلقيا في السرير لا يتحرك»› يمعن 
النظر في أشياء يتعذر تمييزها من الأوساخ والغبار في السقف . وفي أثناء 
ذلك كانت روز وآرمانوش والخالات الثلاث قد عدن من جولة في 
شوارع إستانبول» وخاصة في الشوارع القريبة من مراكز التسوق. وخلدن 
إلى النوم في وقت أبكر من المعتاد في تلك الليلة . 

اروز» حبيبتي»» همس مصطفى لزوجته وهو يداعب شعرها الأشقر 
الفاتح . فقد كان شعر زوجته الأملس» المستوي» الأشقر» يشعره دائما 
بالراحة والهدوء» بخلاف شعر أخواته الأسود وماضيه ذي الشعر الأسود. 
استلقت إلى جانبه» بجسدها الدافئ والناعم. قال لها: «روز» حبيبتي. 
يجب أن نعود. دعينا نسافر غد . 

«هل جننت؟ فأنا لا أزال مرهقة من السفر». تثاءبت روز» ومدّت 
أطرافها التي تؤلمها. كانت ترتدي ثوب نوم حريري مطرز كانت قد اشترته 
اليوم من السوق الكبير» وبدت شاحبة ومرهقة» لا بسبب إرهاق السفر 
فج بل بست فار و ال افا 0 اراك را 
وعصبياً؟ ألا تستطيع أن تتحمل رؤية أسرتك لبضعة أيام؟» وسحبت الملاءة 


Twitter: @ketab_n E 


الناعمة حتى ذفنهاء وفي دفء السرير ضغطت صدرها على صدره. ثم 
ربتت على يده وكأنها تسترضي طفلاًء وقبّلت رقبته برقة وبنعومة» لكنها 
ندا خاولت أن تختحبة شر بالرغية فى المزيد. فقد كان جائعاً 
للشهوة. 

«کل شيء على ما يرام» قالت روز وقد توٽّر جسدها وتسارعت 
أنفاسهاء لكنها سرعان ما قضاءلت» وقالت: «أنا متعبة جدأًء آسفة يا 
جنها وما هي إلا ران فة سى غطت: ف التوم: 


استلقى مصطفى في الضوء الخافت» شاعراً بالارتباك من انتصابه» 
وبدت عليه خيبة الأمل والتوتر. ومع أن عيناه كانتا ثقيلتين ولم يغمض له 
جفن» ظل مستلقياً فترة طويلة دون أن يأتي بحركة إلى أن سمع قرعاً على 
الباب. «نعم؟». 

فتح الباب قليلاًء وبعد ثانية أطلت الخالة بانو برأسها إلى داخل 
فة الت بصوت متردد منخفض : «هل يمكنني أن أدخل؟» وعندما 
سمعت موافقته» راحت تمشي بحذر وقد غاصت قدماها العاريتان في 
السجادةء ثم توقفت. توهَج منديل رأسها الأحمر وكأن نوراً غامضاً ينيره» 
وجعلتها الحلقات الداكنة تحت عينيها تبدو أشبه بشبح: «لم تنزل إلى 
الطابق الأرضي طوال اليوم. أردت أن أطمثن عليك»» همست وهي 
تراقب روز» النائمة على الجانب الاخر من السرير» تطوق وسادتها 
بذراعيها. 

«كنت أشعر بقليل من التوعك»» نظر مصطفى إليهاء وبسرعة نظر 


بعبدا. 


«هيا يا أخي»» قال بانو وهي تقدم له صحناً من العاشورة المزيّن 
بحب الرمان» «كماتعرف» فقد أعدت لك ماما قدراً ضخماً من 


Twitter: @ketab_n ۴۹۱ 


عاشورة)» وابتسم وجهها الجذي المتجهمء وأضافت: «يجب أن أقول» 
إنها هي التي طهتهء وأنا التي زيّنت الصحون». 

«شكراًء إنك لطيفة جدأهء تأتأ مصطفى واعترته رعدة سرت فى 
عرف الفقری. فد ان دانیاً بخشی اه الکیرةء قان سره تکل عه 
ما أن يشعر بنظرات بانو موجهة إليه تفتشه. ومع أنها جعلت تفخص 
الآخرين إحدى عاداتهاء ظلت هي نفسها مليئة بالألغاز والغموض. كانت 
بانو نقيض روز تماما: فلم تكن الشفافية من مزاياها. كانت تشبه كتابا مليثا 
بالألغاز دون بأحرف أبجدية غامضة. ومهما حاول مصطفى أن يقرأ 
نواياها» لم يتمكن طوال حياته من أن يفهم تعابير وجهها الغامضة. وسم 
ذلك» فقد بذل ما بوسعه کي يبدو آنه يقَدّرها أشد التقدير» عندما تناول 
منها صحن العاشورة. 

وأعقب ذلك صمت ثقيل لا يدرك غوره. لم يكن هناك صمت أقسى 
من الصمت الذي ساد الان بالنسبة لمصطفى . وكما لو كانت منزعجة من 
ذلك» تقلبت روز في نومهاء لكنها لم تستيقظ . 

في مرات كثيرة من حیاته» کان يدفع مصطفى حافز مفاجئ ليعترف 
لزوجته بأن ما تراه فيه لم يکن هو كلڵه. وفي آحیان أخری» کان يشعر 
بالرضا وهو یتقمص رجلا بدون ماض» رجلا ربی النکران فی ذاته. فقد 
کان نسیانه هذا متعمَداً» مع أنه لم یکن محسوباً. ف ا کان رة 
فی مکان ما فی عقله باب لا يُغلق مهما حدث؛ وكانت بعض الذكريات 
هرت مت فلن الذوام: ومن الناحية الأخرى» كان هناك حافز يدفعه لنبش 
ما كان قد حذفه العقل بمهارة. هذان التياران التوأمان كانا يرافقانه طوال 
حياته . أما الآن» وبعد أن عاد إلى بيت طفولته» وتحت نظرة أخته الأكبر 
الثاقبة» عرف أن أحد التيارين سيفقد قوّته لا محالة. وكان مصطفى يعرف 
أنه إذا مكث فى هذا البيت فترة أطول» فإنه سيبداً يتذكر. وكل ذكرى 
تحفر وراءها ذکری أخرى. فما إن وطأت قدماه عتبة بيت طفولته» حتى 


Twitter: @ketab_n 4۲ 


تحطم السحر الذي حماه طوال هذه السنوات من ذاكرته وتناثر. كيف كان 
بوسعه أن ينکفئ في نسیانه الذي صنعه بنقسه؟ 

«أريد أن أسألك شيئاً»» سألها مصطفى فاغراً فمه» ولهاثه يكاد يشبه 
لهاث صبي یتلقی ضربات على مؤخرته . 

حزام جلدي ذو إبزيم نحاسي. عندما کان مصطفی صبياً» کان يفتخر 
بأنه لم يكن يبكي أبداً» ولم يكن يذرف دمعة واحدة» عندما كان أبوه 
يستل حزامه الجلدي. وبقدر ما تعلّم كيف يسيطر على دموعه» لم يتمكن 
من کبت لهاثه. کم کان یکره هذا اللهاث. كان يبذل جهداً ليأخذ نَمَساً. 
يكافح للحصول على فضاء . يكافح للحصول على حنان. 

توقف قلیلاً وکأنه يريد أن يستجمع أفكاره» ثم قال : «ثمة شيء يلخ 
على منذ حين. . .٠.‏ كانت نبرة من الخوف تشى صوته الذي عادة ما 
نگون هاوناً تلل ضرء الق ق الا رات د ق 
السجادة التركية الوثيرة. كان يركز على تلك الدائرة عندما سأل: «أين والد 
آسیا؟» . 

التفت مصطفى إلى أخته الكبيرة فى الوقت المناسب ليرى قسماتها 
المتجهمة» کی ا رغاد ا اضادت ا جأشها. 

اعندما التقينا في ألمانياء قالت لي أمي إن زليخة أنجبت طفلاً من 
رجل خطبت له لفترة وجيزة. لكنها قالت إنه تركها» . 

«لقد كذبت عليك ماما»» قاطعته بانو: «لكن ماذا يهم الآن؟ فقد 
كبرت آسيا دون أن ترى أباها. وهى لا تعرف من هو. والعائلة لا تعرف 
من هو أيضاًه» ثم أضافت بسرعة: «إلا زليخة طبعاً» . 

«حتى أنت لا تعرفين؟» سألها مصطفى بنبرة تشى بالشك: «فقد 
سمعت أنك قارئة طالم جيدة. تقول فريدة إنك استعبدت جنياً سينا 
تحصلين منه على جميع المعلومات التي تحتاجينها. يبدو أن الزبائن يأتون 


Twitter: @ketab_n 4۳ 


إليك من كل مكان. الآن هل تريدين أن تقولي لي إنك لا تعرفين هذا 
الخبر الحاسم؟ ألم يكشف لك الجني شيئاً؟». 

«في الحقيقة أخبرني»ء قالت بانو: «وكنت أتمنّى أني لم أعرف 
الأشياء التى أعرفها» . 


أخذت دقات قلب مصطفى نتسارع وهو يستوعب الكلمات. أغمض 
عينيه. مذعوراً. لکن حتى وراء عينيه المغمضتین» کان بإمكانه أن يرى نظرة 
بانو الثاقبةء بالإضافة إلى عينين أخريين تشعان في الظلام . كانتا مجوفتين 
ومرعبتين. هل كان ذلك جنيها الشرّير؟ لكن لا بد أن هذا كله مجرد 
حلم لأنه عندما فتح مصطفى قازانجي عينيه ثانية» وجد نفسه وحيداً مع 
زوجته في الخرفة. 

لكن صحن العاشورة كان هناك إلى جانب سريره ينتظره. حدق فيه» 
وفجأة عرف السبب الذي جعلها تضعه هناك وما المطلوب أن يفعله 
تماما كان الا ار اخاره ٠‏ إلى ساره 


نظر إلى يده اليسرى» التي كانت تنتظر الآن بجانب الصحن. ابتسم 
لقوة يده. الآن يمكن ليده أن تمسك هذا الصحن» أو أن تدفعه بعيداً. إذا 
اختار الخيار الثاني» فإنه سيستيقظ في الخد إلى يوم آخر في إستانبول» 
وسيرى بانو جالسة إلى مائدة الفطور. ولن يتكلما عما دار بينهما في الليلة 
السابقة. وسيتظاهر كل منهما آن صحن العاشورة هذا لم ُد ولم يقدم له 
على الإطلاق . أما إذا اختار الخيار الأولء فإن الأمور ستعود إلى نقطة 
البداية. لكن بما أنه وصل إلى حدود عمر رجال عائلة قازانجي» كان 
الموت وشيكاً على أي حال» ولن يحدث يوم زائد أو يوم ناقص فرقاً كيرا 
عند هذه النقطة من حياته. وتردد في مؤخرة رأسه صدى قَصَة قديمة - 
قصة رجل هرب إلى آخر بقعة في الكرة الأرضية هرباً من ملاك الموت» 
ليلتقي به في المكان الذي كان درا أن نكا فة اض 


Twitter: @ketab_n ۳4€ 


لم يكن خياراً بين الحياة والموت أكثر من كونه خياراً بين الموت 
الذي يتحكم به المرء وبين الموت المفاجئ. وبالتراث العائلي ذاك» كان 
واثقاً من أنه سيموت قريباً على أي حال. ويمكنه الآن» وبيده اليسرى» 
يده الآثمة» أن يختار الزمان والكيفية . 

تذكر قصاصة الورق الصغيرة التي دسّها في الجدار الحجري في 
ضريح إل تراديتو التي كتب فيها: «اغفر لي. لكي أعيش» ويجب أن 
يُمحى الماضي» . 

بدأ يشعر الآن بأن الماضي قد بدأ يعود. ولكي يعيش» يجب أن 

طوال هذه السنوات» کان ینهشه ندم فظيع» شيئاً فشيئاً» دون أن يؤثر 
على واجهته الخارجية. لكن يبدو أن المعركة بين النسيان والتذكر قد 
انتهت أخيراً. مثل بحر منبسط يمت على مد البصر تستطيع العين أن تراه 
بعد انحسار المد وكانت ذكريات ماضي منغص قد طفت على السطح هنا 
وهناك بعد أن انحسرت المياه. مد يده إلى صحن العاشورة. وأخذ 
يأكله» رويداً رويداً» يتذوق كل لقمة يضعها في فمه. 

أحس بالارتياح لأنه هجر ماضيه ومستقبله في الوقت نفسه. 

شعر بالارتياح لأنه هجر الحياة. 

وبعد أن أنهى العاشورة بثوان قليلة» تملكه تشنج حاد أسفل بطنه» 
ولم يعد قادرا على أن يتنفس . وبعد دقيقتين اثنتين توقف تنفسه تماماً. 

بهذه الطريقة مات مصطفى قازانجي وهو في الأربعين وثلاثة أرباع 
السنة. 


Twitter: @ketab_n 40 


۸ 
سيانيد البوتاسيوم 


عسل الجسد بلوح من صابون الغارء الذي كان عاطراًء ونقياًى 
وأخضر مثل حقول الجنة الشاسعة كما يقال. فرك ونظف» وعُسل» ثم 
ترك ليجفَ عارياً فوق قطعة الحجر المنبسطة في ساحة الجامع قبل أن 
يلف بكفن قطني من ثلاث قطع» ووضع في التابوت» ورغم إلحاح 
العجائز بضرورة دفنه في اليوم ذاته» إلا أنه وضع في سيارة دفن الموتى 
وتقرر إعادته إلى بيت قازانجي . 

«ل يمكنكم أن تأخذوه إلى البيت!» صاح مغسّل الموتى الضامر بعد 
أن سد المنفذ إلى باحة المسجد» وعبس وتجهم في وجه الجميع» ثم 
ضاف : «والله إن الرجل سيتعفن! إنكم تحرجون الميت». 

وفي نقطة ما بين «أنتم» و«هو)ء بدأ الرذاذ يهمي؛ قطرات متناثرة 
تهطل باستحياء» وكأن المطر أراد أيضاً أن يشارك في كل هذاء لكنه لم 
يتحيّز إلى أي طرف بعد. وبدا في يوم الثلاثاء هذاء من شهر آذار» أن 
أكثر الشهور تقاباً وإخلالاً بالتوازن في إستانبول» قد غيّر رأيه مرة أخرى» 
وقرّر أنه ينتمي إلى فصل الشتاء. 

«لكن يا أخي مغسّل الموتى؛ء قالت الخالة فريدة» وقد أدخلت 
عصبية الرجل على الفور في عالمها الشيزوفراني : «سنعيده إلى بيته كي 
يتمكن الجميع من رؤيته للمرّة الأخيرة. يا أخي» كان يعيش في الخارج 


۳۹٦ 
Twitter: @ketab_n 


منذ سنوات طويلة» وكدنا ننسى وجهه. فبعد عشرين سنة» عاد أخيراً إلى 
إستانبول» وفي اليوم الثالث من زيارته» لفظ أنفاسه الأخيرة. كان موته 
مفاجثاًء ولن يصدق الجيران والأقارب البعيدين أنه توفي إذا لم تتح لهم 
فرصه رۋيته وهو مسجی) . 

«يا امرأة» هل جننت؟ لا يوجد شيء مما تتکلمین عنه في دیننا!» قال 
مغسّل الموتى» راجياً أن تتوفف عن قول ما تريد أن تقوله: «فنحن 
المسلمونء لا نضع ميتنا في ساحة عرض ليتفرج عليه الاخرون»» وتصلب 
وجهه بوضوح عندما أضاف : «إذا أراد جيرانك أن يروه» فيجب أن يزوروا 
قبره في المقبرة». 

فيما وقفت الخالة فريدة قليلاً لتفكر بما قاله» حدّقت الخالة شكرية» 
الواقفة إلى جانبهاء في الرجل عاقدة الحاجبين» كما اعتادت أن تنظر إلى 
طلابها أثناء الاختبارت الشفوية التي تجريها عليهم» عندما يكون جوابهم 
غير منطقي . 

«لكن يا أخي مغسّل الموتى»» تابعت الخالة فريدة» وقد فهمت الآن 
قصده» «وكيف يمكنهم أن يروه وهو يقبع على عمق ستَة أقدام تحت 
الأرض؟». 

ارتفع حاجبا مغسّل الموتى الكثين السميكين باستياء شديد» لكنه فضل 
آلا يجيب» بعد أن تأكد من عبث مناقشة آي شيء مع هاتين المرأتين . 

كانت الخالة فريدة قد صبغت شعرها باللون الأسود في صباح ذلك 
اليوم. فقد كان هذا لون شعر حدادها. هرت رأسها بحزم ثم أضافت: لا 
تقلق . تأكد تماماً من أننا لن نعرضه كما يفعل المسيحيون في الأفلام» . 

عابساً أمام مقلتي عينيّ الخالة فريدة اللتين لم تكفا عن الحركة» وهي 
ترفرف بيديهاء لاذ مغسّل الموتى بالصمت لوهلة فظيعة» ولم يعد يبدو أنه 
منزعج الآن أُکثر من کونه مکتباًء وکأنه أدرك فجأة أنها أكثر الأشخاص 


Twitter: @ketab_n ۹۷ 


الذين رآهم في حياته جنوناً. وراحت عيناه الجاحظتان تتطلعان حوله بحثاً 
عن مساعدة من أحد. وعندما لم يجد أحدأ يهبً إلى نجدته» انزلقت عيناه 
نحو الجثمان الذي كان ينتظر بفارغ الصبر أن يتوصلوا إلى حسم أمرهم 
واتخاذ قرار يحدد مصيره» ثم عادتا أخيراً مرة أخرى إلى الخالتين» لكن 
إن كان ثمة رسالة مخفية في مكان ما في هذه النظرات الباردة التي لم 
تكف عن الدورانء لم يكن بإمكان أحد منهم أن يفهم مغزى هذه 
النظرات . 

فحت الخالة شكرية إكرامية سخية: 

وهكذا أخذ مغسّل الموتى إكراميته» وأخذ أفراد عائلة قازانجي ميتهم . 

وبسرعة كبيرة» تشكلت قافلة مؤلفة من أربع سيارات . وسارت في 
مقدمة المركت شارة ذفن الموتى الخقراء اللون وقي لون الشركة 
الإسلامية» وذلك لأن اللون الأسود مخصص لجنائز الأقليات من الأرمن 
واليهود واليونانيين . ووضع التابوت خلف السيارة ذات الجوانب الثلاثة» 
وبما أنه كان يجب أن يرافق الميت شخص ماء تطوعت آسيا لهذه المهمة. 
وكانت آرمانوش» بوجهها المضطرب» تمسك بيد آسيا بقوة» لذلك بدا أن 
الفتاتين هما اللتان ستقومان بهذه المهمة. 

«لا أسمح لأي امرأة بأن تجلس في مقدمة السيارة»» قال السائق الذي 
كان يشبه مغسّل الموتى إلى حد يثير الدهشة. لعلهما كانا أخوين؛ ففي 
حين يغسل أحدهما الميت» ينقله الآخر» وربما كان هناك أخ ثالث يعمل 
حفار قبور في المقبرة. 

«حسنأء يجب أن تفعل ذلك لأنه لم يعد هناك رجال آخرون في 
عائلتنا)» قالت الخالة زليخة موبْخة السائق من الخلف» بصوت حاد إلى 
درجة أن الرجل لاذ بالصمت. فربما خطر له أنه إذا لم يعد هناك رجال 
حقاً يرافقون الميت في العربة» فمن الأفضل أن ترافقه هاتان الفتاتان» بدلا 
من أن ترافقه هذه المرأة المخيفة بتنورتها القصيرة جدأء وحلقة أنفها. 


Twitter: @ketab_n ۳۹۸ 


وهكذا كف الرجل عن التذمر» وراحت السيارة تسير بتثاقل . 

وكانت روز تقود سيارتها التويوتا كورولا وراءهم مباشرة. وكان الفزع 
باد عليها من الطريقة التي كانت تترنح بها السيارة وتقف» تتحرك إنشاً 
إنشاًء وكأنها أصيبت بفواق إيقاعي متشنج. أو أن حركة المرور الهمجية 
قد آفزعتها . 

وبهلعها المتزايد» لم يكن بالإمكان تصوّر روز الآن وهي تقود سيارتها 
ذات الأبواب الخمسة» ماركة غراند تشيروكي ليمتد» الذاتية الدفع» 
والمجهّزة بمحرّك ۸ سليندر. تلك المرأة التي كانت تهدر في شوارع 
وجادات أريزونا العريضة» أصبحت الان سائقاً مختلفاً في شوارع إستانبول 
المزدحمة المتلوية. والحى يقال» كانت روز الآن منذهلة تماماء وگادت 
حيرتها وعدم تركيزها أن يغطيا على حزنها. فبعد أقل من اثنتين وسبعين 
ساعة من وصولهماء أحست وكأنها سقطت في حفرة في الكونء وتعتّرت 
في بعد آخر» في أرض غريبة لا يبدو فيها شيء طبيعي» وحتى الموت فقد 
خنقته اللاسريالية. 

وجلست الجدة كلثوم إلى جوارهاء لا تستطيع أن تتواصل مع هذه 
الكنة الأمريكية التي لم ترها طوال حياتهاء والتي لم تشعر بالقلق والشفقة 
تجاهها أيضاً بعد أن فقدت زوجهاء بقدر ما كانت تشعر هي نفسها بالقلق 
والشفقة على نفسهاء بعد أن فقدت ابنها الوحيد. 

وفى المقعد الخلفى› كانت تجلس ما الهيفاءء التي وضعت اليوم 
وشاسا على راسها ذا عراف شديدة السواد. كانت زوز قت أمضت وقا 
طويلاً في يومها الأول في إستانبول» وهي تحاول أن تفهم المعايير 
الجوهرية التي تجعل بعض النساء في تركيا يضعن مناديل على رؤوسهن› 
فيما تظل بعض النساء الأخريات حاسرات الرأس. لكنها سرعان ما 
استسلمت» ولم تتمكن من حل اللغز حتى على المستوى المنزلي»› أو 
حتى في داخل العائلة . فلماذا كانت ما - الهيفاء تضع وشاحاً بينما لم تكن 


Twitter: @ketab_n ۳44 


کنتها كلثوم تضع وشاحاًء ولماذا كانت إحدى الخالات تضع منديل رأس» 
فيما لا تضع أي من أخواتها الثلاث منديلا؟ كان شيا يستعصي عليها 
فهمه. 

ووراء الىويوتا مباشرة» جاءت سيارة الخالة زليخة الفضيةء ماركة إلفا 
روميو» حيث انحشرت في داخلها أخواتها الثلاث مع السلطان الخامس 
الذي كان متكوراً فى سلة جاثمة فوق حضن الخالة شكرية» التى كانت 
شديدة الهدوء اليه ركاه كان توت إاة تابر يئ غلها: ٠‏ 

وإلى جانب سيارة إلفا روميو» كانت تئر سيارة الفولكسفاغن الخنفساء 
الصفراء التي يقودها آرام» الذي وجد صعوبة كبيرة في فهم السبب الذي 
جعل نساء عائلة قازانجى يقررن أن يأخذن الميت إلى البيت» لكنه كان من 
ا بت اا ا ١‏ ب دبا الا ا عا ا ا 
تلك الخالات» وخاصة إذا ما اجتمعن بهذا الشكل»ء لذلك وجد أنه من 
الأفضل آلا يسال وهكذا أخذ يقود سيارتة وراء الموكب» محاولاً أن 
يتأكد من أن حبيبته على ما يرام وسط كل هذه المعمعة. 

عند إشارات المرور المكتظة إلى درجة لا توصف في شيشلي» وعلى 
مسافة لا تبعد كثيراً عن المقبرة الإسلامية» حاول مغسّل الموتى أن يوجه 
دفة السير» فصادف أن اصطفت السيارات جميعها فى صف واحد» مثل 
کنا غسكرة تسر فى فة جين لا بقهر يحناس شذيد ل خرب 
لك دون وجرد قفة مف ركة مدت الخال قرب اها سن الافةة 
ولؤّحت يساراً ويميناًء وبدا أنها كانت مستثارة لاصطفافهم بهذا الشكل . 
فهذه هي المرة الأولى التي تصرفن فيها بتوافق وبإجماع في الرأي» حتى 
بسبب ضوء أحمر آلي. تجاهلت روز إيماءتهاء فيما ردت الجدَة كلثوم 
على إشارتها. 

عند الضوء الأحمر التالی» آخذت آسیاء التی كانت تجلس بين 
اتوش وان الربة خض الارات اليه بين إلا ات لخن 


Twitter: @ketab_n د‎ 


الحظ» لم تعد إحداهن ترى الأخرى. أحست براحة مفاجئة عندما لم يعد 
أحد من من عائلة قازانجي في مجال رؤيتهاء سوى الرجل المسجى في 
التابوت في مؤخرة السيارة» ولکن حتى هذا قد لا يكون ضمن مجال 
e‏ وفيما راحت السيارة تنجرف مع حركة 
E E E e‏ 
عندما ته e‏ إشارة المرور إلى الأخضرء عادت السيارة تتحرك› 
وظهر في المجاز إلى يمينهم أسطول من السيارات المحشوة بأنصار فریق 
كرة قدم يضعون قبعات وأوشحة» ويرفعون أعلاماً ورايات ومناديل»› 
وصبغ بعضهم شعرهم بلون الفريق الذي يؤيدونه: الأحمر والأصفر. 
وېسیب الإحباط الذي أصاب أنصار كرة القدم من بطء حركة المرور» 
غاص معظمهم مؤقتاً في مرحلة فتور» وراحوا یدردشون بتکاسل»› 
ويلؤْحون بمندیل أو بمنديلين من النوافذ المفتوحة بين الحين والاخر. 
عندما عادت حركة المرور تتقدم قليلاً إلى الأمام» عادوا يطلقون 
صيحاتهم الحماسية وأناشيدهم. وما هي إلا لحظات› ن 
أا ا القت مها عراف من اكات الك > نقسها بطريقة 
متهورة وطائشة ة في المسافة الصغيرة بين سيارة دفن ¿ الموتى وشاحنة الكوكا 
كولا أمامهم . أخذ السائق الجالس إلى جانب آسيا يلعن بغضب عندما 
اضطر أن يبطئ في سيره. وفيما راح سائق السيارة يهدر بالمزيد من 
الشتائم» وفيما كانت آرمانوش تراقب سيارة الأجرة الواقفة أمامهم بدهشة 
متزايدة» بذلت آسيا جهدها لفك الرموز المكتوبة على اللاصقات الكبيرة. 
ورأت ملصقاً ملوناً بألوان تتغير مع تخير الضوء كتب عليها: لا تقل إني 
كان سائق سيارة الأجرة في الأمام رجلا داكن البشرة» قاسي 
القسمات» وله شارب أشیب یشبه شارب زاباتاء ولا يقل عمره عن ستين 


Twitter: @ketab_n 


عاماً» وعمره لا يلائم أن يحدث مثل هذه الجلبة مع مؤيدي فريق كرة 
القدم. وكان ثمة تناقض شديد بين شكل الرجل التقليدي والهيجان الذي 
يقوده. لكن الشيء المثير أكثر» الراكبان اللذان كانا يرافقانه في السيارة. 
فقد طلى الرجل الجالس إلى جانب السائق نصف وجهه باللون الأصغر» 
والنصف الآخر باللون الأحمر. واستطاعت آسیا أن تری هذا بوضوح من 
مكانها خلف سيارة الأجرة بعد أن مد هذا الرجل رأسه من النافذة 
المفتوحة» وراح يلزح براية صفراء وحمراء بيد» ممسكاً بيده الأخرى 
المقعد الأمامي باسترخاء. وكان الجزء العلوي من جسمه يلوح ويهتز 
خارج السيارة» بينما كان جزؤه السفلي داخل السيارة. كان يبدو مثل 
شخص شطره ساحر إلى نصفين. وحتى من مسافة بعيدة» رأت آسيا أن 
أنف الرجل كان قرمزياً بسبب الكحول» فأفسد التناغم بين نصف وجهه 
الأصفر ونصف وجهه الأحمرء مرجحاً الكمّة للون الأحمر. وفيما راحت 
تفر آي نوع من المشروبات - البيرة أو العرق أو كليهما ‏ الذي يمكنه أن 
يضفي على أنف شخص هذا الظل المعيّن» رفع المؤيد الآخر طبلا في 
الهواء وأخرجه من نافذة السيارة المفتوحة فى المقعد الخلفى بيد» وتمسك 
بداخل السيارة باليد الأخرى. وبتناغم تام» أخرج مثيرا الشغب نصف 
جسديهما من النوافذ» مثل أغصان شجرة سيارة أجرة صفراء مشذبة. 

ثم أخرج الرجل الجالس في المقعد الأمامي عصاء وراح يقرع بها 
الطبل الذي يحمله الرجل الآخر في الهواء. لا بد أن استحالة هذا العمل 
حفزتهما وشحذت من عزيمتهماء لأنهما سرعان ما راحا ينشدان نشيداً 
على قرع الطبل. فوقف عدد كبير من المارة على الأرصفة مذهولين بما 
يشاهدونه» وأخذ عدد كبير منهم يصمَق» وانضموا إلى الثنائي» وراحوا 
ینشدون الکلمات بحماس شدید ومتزاید : 

لتسمع الأرض» والسماءء والماء صوتنا 

وليرتعش العالم كله بخطواتنا الثقيلة . 


Twitter: @ketab_n ۲ 


«ماذا یقولون؟» لکزت آرمانوش آسيا» لكن آسيا تباطأت فى الترجمة 
ن ا تاها كان مسا على اح الا فد كان ت تنا رى 
أسمالاً بالية» يستنشق صمغاً من كيس بلاستيكي ويضرب بقدميه الحافيتين 
على الأرض بإيقاع مع النشيد. وبعد بضع ثوان توقف الصبي عن استنشاق 
الصمغ› وراح يردد النشيد» لكن وراءهم جمیعهم» مثل صدی غریب : 
«. . . بخطواتنا الثقيلة. . .٠.‏ 

في هذه الأثناءء بدأ الأنصار الآخرون يلوّحون بأعلامهم وراياتهم من 
خارج نوافذ سياراتهم» وانضموا إلى الغناء ببهجة شديدة. وكان الطبّال 
يتوقف بين الحين والآخر» ويستخدم عصاه ليرسم أفاع خيالية في الهواء 
أمام المشاة والباعة المتجولين الواقفين على الرصيف» وكأنه يوجههم 
جميعهم» وينظم هرج المدينة ومرجها. 

عندما انتهى الشطر الأول من الأغنية» حدث اضطراب لأنه بدا أنه لم 
يكن يعرف كلمات الشطر الثاني من النشيد إلا عدداً قليلاً من أعضاء 
الجوقة الملوّنة . إلا أنهم لم يدعوا هذا التفصيل المزعج يزعزع تضامنهم› 
فراحوا ينشدون من البداية مرة أخرى» هذه المرّة بحماس أشد. 

لتسمع الأرض» والسماء» والماء صوتنا 

وليرتعش العالم كله بخطواتنا الثقيلة . 

وهكذا تدفقوا جميعهم على طول الشارع في سيل أآحمر وأصفر» في 
وسط الفوضى والصخب. وفي داخل سيارة دفن الموتى» أخذت آرمانوش 
وآسيا والسائق يراقبون المشهد بصمت» وعيونهم مركزة على سيارة الأجرة 
الصفراء أمامهم. واقتربوا كثيراً من السيارة إلى حد أن آسيا استطاعت أن 
ترى علب بيرة فارغة تتدحرج في النافذة الخلفية . 

«انظرا إليهم! هلى يمكن لرجال بالغين راشدين في أعمارهم أن 
يتصرفوا هكذا؟» قال سائق سيارة دفن الموتى حانقاء ثم تابع : في بعض 


Twitter: @ketab_n 


الأحيان» يموت أحد أنصار أحد الفريقين» وتطلب أسرته أو أصدقاؤه 
المجانين المتهورين أن يلف تابوته بعلم فريق كرة القدم هذا أو ذاك. ثم 
يطلبون مني بكل صفاقة أن أنقل هذا التابوت المدنس إلى المقبرة! إذا 
سألتني» فإني أقول لك إن هذا كله كفر! يجب أن يكون هناك قانون يمنع 
هذا الهراء. وراه بجو آل يسن إل مله ما رار لا شيء 
آخر. ماذا يظن هؤلاء الناس أنهم يفعلون؟ أليسوا مسلمين أم ماذا؟ لقد 
مت» بحق الله» فلماذا تحتاج إلى علم كرة قدم؟ هل بنى الله ملعباً هناك 
في السماء؟ هل توجد مباريات في الجنة؟». 

عندما لم تعرف آسيا كيف ترذ على سؤاله الأخير» تململت في 
مقعدهاء إلا أن انتباه السائق انتقل إلى سيارة الأجرة الصفراء مرة أخرى . 
انبعث رنين ذو نغمة ميكانيكية من هاتف الرجل المتدلي خارج النافذة 
الأمامية. كان لا يزال يتمسّك بالسيارة بيد ويقود أوركسترا المدينة باليد 
الأخرى. وحاول مثير الشغب الجليل هذا أن يجيب على هاتفه» ناسياً أنه 
لا توجد لديه يد ثالثة ت E‏ فاختل توازنه» وسقط منها 
شیئان : آولهما عصا الطبلء ثم الهاتف الخلوي. وسقطا على الطريقء 
أمام سيارة دفن الموتى تماماً. 

توفت سيارة الأجرة فجأة» فتوقفت سيارة دفن الموتى وراءها ولم 
يعد يفصل بين السيارتين سوى شعرة. اندفعت آسيا وآرمانوش إلى الأمام 
بسبب هذا التوقف المفاجئ» ثم نظرتا في وقت واحد لتتأكدا من أنه لم 
يحدث مكروه للتابوت في الخلف . كان بخير وسلام. 

وبلمح البصرء قفز الرجل خارج السيارة» وهو لا يزال يبتسم ويغني . 
كان نصف وجهه الأصفر ونصف وجهه الأحمر يتقدان حماسة. نظر إلى 
الوراءء وكأنه يعتذر للسيارات خلفه لأنه جعلها تتوقف . وعندها لاحظ أن 
السيارة وراءهم تماما لم تكن سيارة عادية» بل سيارة خضراء رمادية» رمز 
الموت» تطاردهم مثل ظل مشؤوم. ولدقيقة طويلة مزعجة» وقف الرجل 


Twitter: @ketab_n ٤ 


هناك في وسط المرور» وقد بدا حائراً. وأخيراًء عندما مرقت من جانبه 
سيارة أخرى مكتظة بالأنصار» يرددون النشيدء وكان رفيقه لا يزال يقرع 
الطبل بيده بنفاد صبر» خطر له أن يلتقط هاتفه الخلوي والعصامن 
الأرض. وبعد أن ألقى نظرة أخيرة على التابوت فى سيارة دفن الموتى› 
استدار وعاد أدراجه إلى سيارة الأجرة. ولم يخرج ت المرة» جذعه من 
النافذة» بل ظل في داخلهاء ولبث هادئا. 

لم تتمالك آرمانوش وآسيا نفسيهما عن الابتسام . 

«ل بد أنك تعمل في أكثر المهن احتراماً في هذه المدينة»» قالت آسيا 
للسائقء ال كان براقت المكهة ته محا «إذ إن ظلّك قد يثير 
الرعب في نفس حتى أشد أنصار الكرة تطرفاً وحدة طبع». 

«لا٤»‏ قال السائق: «فالراتب ضئيل جدأ ولا يوجد تأمين» ولا تأمين 
صحي» ولا يوجد لدي حق في الإإأضراب» لا شيء. كنت في الماضي 
أقود شاحنات كبيرة أنقل بضائع لمسافات طويلة» مثل الفحم والنفط وغاز 
البوتان والمياه المعبأة. . . كل ما يخطر ببالك . كنت أنقلها جميعها» . 

«هل كان ذلك العمل أفضل من عملك هذا؟». 

«أتمزحين؟ طبعاً كان أفضل! فما كان عليك إلا أن تملئي الشاحنة في 
إستانبول» وتتوجهين إلى مدينة أخرى. ولا يوجد رئيس أن تتملقيه» ولا 
مشرف تداهنيه! إنك سيدة نفسك. وإذا أردت» يمكنك أن تقودي 
شاحنتك ببطء لكن بشرط ألا يطلب منك رئيسك أن تسلمى الحمولة 
بسرعة. عا بنجب ان ردي اا ا ره وون ان نمف لك 
جفن. وما عدا ذلك» فقد كان عملا نظيفاً. نظيفاً ومحترماً. لا يتعين 
عليك أن تنحني لأحد. 

بدأت حركة المرور تتحرك بسرعة. وسرعان ما انعطف أسطول 
سيارات كرة القدم يمينا نحو الملعب . 


Twitter: @ketab_n 


«إذن لماذا تركت عملك ذاك؟» سألته آسیا. 

اذات يوم غفوت وأنا أقود الشاحنة . ففي لحظة كنت أقود بسرعة على 
الطريق » وفي اللحظة التالية سمعت صوت انفجار فظيع» وكأن يوم القيامة 
قد وقع واستدعانا الله جميعنا.. عندما فتحت عينيّ› وجدت نفسي داخل 
مطبخ في كوخ حقير على قارعة الطريق». 

«ماذا یقول؟» همست آرمانوش . 

«صدقينى» إنك لا ترغبين فى معرفة ما يقول»» ردت عليها آسيا 
متا ٠‏ ۰ 

«حسناً» إسأليه كم ميتاً يحمل في سیارته کل يوم؟». 

عندما ترجمت السؤال» هر السائق رأسه وقال: «حسب الفصل الذي 
نحن فيه . والربيع أسوأ الفصول جميعها؛ إذ لا يموت كثير من الناس في 
الربيع. ثم يأتي الصيف أكثر الفصول ازدحاماً. حيث تتجاوز درجة 
الحرارة ثمانين درجة» ويصبح الجو محموماً إلى درجة كبيرة» وخاصة 
المسنون... فهم يتساقطون كالذباب... في الصيف» يموت 
الاستانبوليون باعداد كبيرة!): 

توف وهو يفكر» وترك على آسيا عبء التفسير السيمانطيقي للجملة 
الأخيرة التي قالها. ثم نظر إلى أحد المشاة الذي يرتدي بال ویصدر 
أوامر بصوت مرتفع على هاتفه الخلوي : 

«تبأًء جميع هؤلاء الأغنياء! إنهم يكدسون المال طوال حياتهم» 
لماذا؟ يا لهم من حمقى! هل للأكفان جيوب؟ إنه كفن قطني سنرتديه 
جميعنا في النهاية. هذا كل ما في الأمر. لا ملابس أنيقة. لا مجوهرات. 
هل يمكن للمرء أن يرتدي بدلة أو فستان سهرة وهو ذاهب إلى القبر؟ من 
يحمل أعمدة السماوات لهؤلاء الناس؟». 

لم یکن لدی آسيا رد على ذلك لذلك لم تحاول أن تجیب. 


Twitter: @ketab_n 7 


«إذا لم يكن هناك أحد يرفعها فكيف نستطيع أن نعيش تحت هذه 
السماء؟ فأنا لا أرى أعمدة سماويةء أليس كذلك؟ كيف يمكن للمرء أن 
يلعب كرة القدم في هذه الملاعب إذا قال الله: سأتوقف عن حمل 
السماء؟». 

فيما كان السؤال لا يزال يحوم في الهواءء انعطفوا عند الزاوية 
ووصلوا أخيرا إلى بيت قازانجي . 

كانت الخالة زليخة تنتظرهم أمام البيت. تبادلت بضع كلمات مع 
السائق ونفحته إكرامية. 

كانت سيارة الفولكسفاغن» وسيارة ألفا روميو الفضية اللون» وسيارة 
التويوتا كورولا مركونة أمام البيت. كان يبدو أن الجميع قد وصلوا قبلهم . 
کان البيت مليئاً بالمعرّيات» ينتظرن إنزال التابوت. 


¥ ¥ #¥ 


عندما دخلت آسيا وآرمانوش إلى البيت وجدتاه مكتظاً بالنساء. ومع 
أن معظم المعزيات كن قد تجمَّعن في غرفة الجلوس في الطابق الأول» 
فقد تفرق بعضهن الآخر وتوزعن في الغرف الأخرى» إما ليغيّرن حفاضات 
أطفالهن» أو ليوبخن طفلاًء أو ليثرثرن قليلاء أو ليصلين بعد أن حان 
وقت صلاة العصر. وعندما لم تبق هناك غرفة نوم يمكنهما اللجوء إليهاء 
توجهتا إلى المطبخ» فوجدتا جميع الخالات يتهامسن عن المأساة التي 
ألمت بهن» وهن يهيئن صواني العاشورة ليقدمنها للمعريات . 

«لقد انهارت ماما المسكينة. من كان يخطر بباله أن العاشورة التى 
أعدتها لمصطفى سُتقدم إلى المعرّيات؟» قالت الخالة شكرية الواقفة ا 
جانب الموقد. 

«نعم» وزوجته الأمريكية منهارة أيضاً٤»‏ قالت الخالة فريدة» دون أن 
ترفع نظرها عن البقعة الغامضة على أرض المطبخ» وأضافت : «يا لها من 


Twitter: @ketab_n 


امرأة مسكينة. ففي أول مرة تأتي فيها إلى إستانبول في حياتها تفقد 
زوجها. يا له من شيء فظيع» . 

قالت الخالة زليخة بهدوءء الجالسة إلى الطاولةء التى كانت تنصت 
الى ااا ونت سيار جنها اظن انها سه إلى أمريكا الآن 
وتتزوّج مرة أخرى. إذ تعرفن جميعكن أن نصيب المرأة حسب الشريعة 
ثلاثة . فإن كانت قد تزؤّجت للمرَة الثانيةء فعليها أن تتزوّج للمرَة الثالثة . 
لكني أتساءل» من هو الزوج الثالث الذي سيقع عليه اختيارها بعد أن 
تزوجت رجلا أرمنياً ثم رجلاً رئ 

«إن المرأة حزينة وهي في الحداد الآن» كيف يمكنك أن تقولي مثل 
هذه الأشياء؟» سألتها الخالة شكرية . 

«الحداد مثل العذرية»» أطلقت الخالة زليخة تنهيدة: «يجب أن 
تمنحيها للشخص الذي يستحقها أكثرا . 

فغرت الخالتان فميهما عندما سمعتا ذلك وأجفلتا باندهاش . فى تلك 
الخ ملك ار ما ا اتان الاس خو جانا 

«هيا يا أخواتي» لنعط شيئاً للقطً ليأكله قبل أن يلتهم العاشورة كلها» 
قالت الخالة زليخة. 

عندها فقط التفتت الخالة بانوء التى كانت منهمكة فى العشرين دقيقة 
الأخيرة في الممل على الطارلة» تغلى الغاى» وتقظم شراتح الليمون؛ 
وتستمع إلى النقاش الجاري دون أن تشارك فيه» إلى أختها الأصغر 
وقالت: «لدينا أشياء أكثر أهمية يجب أن نفعلها» . 

فتحت الخالة بانو أحد الأدراج» وأخرجت سكيناً كبيراً يلمع»› 
وتناولت بصلة ملقاة على الطاولة» وشطرتها إلى نصفين . ثم أمسکت 
نصف البصلة براحتها ودفعتها إلى أنف الخالة زليخة. 

«ماذا تفعلين؟»» قالت الخالة زليخة بعد أن قفزت من على كرسيها. 


Twitter: @ketab_n ۸ 


«أساعدك كي تذرفي قليلاً من الدموع يا عزيزتي»» هزت الخالة بانو 
رأسهاء وأضافت: «لا أظن أنك تريدين أن ترى النساء الأخريات هذاء 
أليس كذلك؟ فمهما كانت روحك حرة» فإنك بحاجة لأن تذرفى دمعة أو 
دمعتين في بيت الميت؟ . 

وضعت الخالة زليخة البصلة تحت أنفهاء وأغمضت عينيهاء وبدت 
مثل تمثال طليعي لم تتح له الفرصة لأن يعرض في أحد المتاحف العامة : 
المرأة التي لا تستطيع أن تبكي والبصلة. 

فتحت الخالة زليخة عينيها الخضراوين وقطرتا دمعة. لقد بدأ تأثير 
البصلة. 

«جيده» هزت الخالة بانو رأسهاء وقالت: «هياء يجب أن نذهب 
جميعنا إلى غرفة الجلوس. لا بد أن الضيفات بدأن يتساءلن أين صاحبات 
البيت» وقد تركن ميتهن وحده». 

هكذا قالت الأخت التي كانت تؤدي دور «الأم؛ إلى الخالة زليخةء 
التي كانت تهدهدها بأغاني تختلق نصفها من بنات أفكارهاء وتطعمها 
الكعك من علب كرتون كانت سرعان ما تتحول إلى طاولات خياليةء 
وتحكي لها قصصاً تنتهي دائماً بزواج الفتاة الجميلة من الأمير» تحتضنها 
وتدغدغهاء الأخت التي كانت تضحكهاء ليس مثل أي شخص آخر . 

«حسنأً»» قالت الخالة زليخة موافقة : «هيا لنذهب) . 

وهكذا دخلن إلى غرفة الجلوس» الخالات الأربع في المقدمة» 
تتبعهما آرمانوش وآسیا. 

وبخطوات متناسقة» دخلن إلى الغرفة التي تعجَ بالمعزيات . الغرفة 
التي سجي فيها جثمان المرحوم. 

كانت روز تجلس فى زاوية الغرفة على وسادة أرضية» وغطت شعرها 
الأشقر بمنديل. كانت ا متورمتين من البكاءء وكان جسدها المكتنز 


Twitter: @ketab_n ۹ 


محشوراً بين عدد من الغريبات . وعلى الفور أومأت لآرمانوش ونادتها بأن 
تأتي إلى جانبها. 

«(آمى » أين كنت؟» سألتها روز» لکنها قبل تسمع ردهاء ألقت عليها 
وابلاً من الأسئلة الأخرى: «لا أعرف ماذا يجري هنا. هل يمكنك أن 
تعرفي ماذا سیفعلون بجثمانه؟ متی سیدفنونه؟) . 

اقتربت آرمانوش التي لم تكد تعرف شيئاً هي نفسهاء من أمَها 
وأمسكت يدها وقالت : «ماماء آنا واثقة من أنهم يعرفون ما يجب عمله». 

«لكننى أنا زوجته»» قالت روز وتعتّرت عند الكلمة الأخيرةء وکأنها 
بدأت تشك فى ذلك . 

كان قد مُدّد على الأريكة» ووضعت يداه وإبهاماهما معقودان معا فوق 
صدره» ووضع عليه نصل فولاذي ثقیل کي لا تنتفخ بطنه. ووضعت على 
جفنیه قطعتان معدنیتان كبيرتان من الفضة كي لا تنفتح عيناه. . وصْبّت في 
فمه بضع ملاعق من ماء زمزم من مكة المكرمة. ارقت لجان رات 
قطع من بخور خشب الصندل في صحن نحاسي . ومع أن النوافذ كانت 
مغلقة جميعهاء بل كانت منفرجة قليلا» كان الدخان فى الغرفة يتجدد كل 
بضع دقائق وكأن نسيماً لا يمكن رؤيته ينسل من مكان ما وراء الجدران. 
وعندما كان الدخان يرتفع ويدور في خطوط متعرجة حول الأريكة» كان 
يتلاشى أخيراً ويتحول إلى هبة رمادية . لكن الدخان كان أحياناً يتبع طريقاً 
متميّزأًء ينحدر ويقترب أكثر وأكثر من الجنّة فى دوائر داخل دوائر» مثل 
طائر جارح يلاحق فريسته إلى الأرض. وأصبحت رائحة خشب الصندل» 
الحامضة والحادة» أكثر كثافة إلى حد أن الدموع طفرت من العيون» ولم 
تكترث معظمهن بذلك» لأنهن كن يبكين أصلاً. 

وكان محشوراً في الزاوية إمامٌ مقعدء وكان الجزء الأعلى من جسمه 
يتمايل وهو يتلو القرآن بصوت مرتفع . وكان ثمة إيقاع في تلاوته» نخمة 


Twitter: @ketab_n 1 


ترتفع وترتفع ثم تتوقف فجأة. حاولت آرمانوش ألا تعير بالاً للتباين 
الشديد والواضح بين جسم الإمام الضئيل» وأجساد النساء المكتنزة 
الجالسات حوله. وحاولت أيضاً ألا تنظر إلى الفراغ الذي يفترض أن 
يكؤن أصابع الرجل. فقد كان يوجد في كل يد من يدي الإمام إصبع 
ونصف إصبع . وكان يستحيل على المرء ألا يتساءل ما حدث لها. هل 
ولد هکذاء آم نها بترت؟ ومهما كانت قصة أصابعه» كان عدم اکتمال 
جسمة سبباً جغل تلك التساء يجلسن ياست رخاء وراحة تامة إلى جانيه » فى 
غ اتالد کان تکمین صر کان ری غق اء کان کین سر 
قدسيته. لقد كان روحاً من أرواح العتبات» ومثل جميع أرواح العتبات» 
كان ثمة شيء غريب فيه. فقد كان رجلا تقياً إلى درجة أنك لا تستطيع 
اعتباره شخصاً واحداً. كان رجلا تقياً ومقعداً إلى حد أنك لا تستطيع أن 
تتجاهل كم هو إنسان. ومهما يكن» لم يكن الإمام المقعد بحاجة إلى 
الأصابع ليقلب صفحات القرآن الكريم في عقله. إذ كان يخزنه كله في 
ذاكرته» كل آية وسورة. 

في نهاية الآية» كان الإمام يتوقف لحظة أو لحظتين» يتذوق نكهة كل 
كلمة من تلك الكلمات المقدسة» ثم يعود للتلاوة. كان ذاك الإيقاع 
المتماوج المتناغم هو الذي يمس شغاف قلوب المعزيات؛ مع أنهن لم 
يكن يفهمن اللغة العربية. وعندما كن ينهرن ويشهقن ويبكين» كانت النساء 
یحرصن دائماً على ألا يبكين بصوت مرتفع كي لا يغطي صوتهن على 
صوت الإمام. كما لم يكن يبكين بصوت منخفض أيضاًء غير ناسيات 
مطلقاًء ولا للحظة» أن هذا المكان الذي حشرن فيه جميعهن هو أ۷عداه. 

وإلى جانب الإمام» في المكان الثاني الأكثر احتراماً وإجلالاًء جلست 
ما - الهيفاء» بجسدها الضئيل الذي بدا أشبه بإجاصة جُففت تحت 
الشمس» فانكمشت.وتجعّدت . وكانت كل زائرة جديدة تقبّل يدها وتقدم 
لها تعازيهاء لكن كان يصعب معرفة إن كانت تسمعهن حقاً. وفي أكثر 


Twitter: @ketab_n ١١ 


الأحيان» كانت ما - الهيفاء ترمق كل امرأة تقَبّل يدها. لكنها كانت بين 
الحين والآخرء ترد على هذه الضيفة أو تلك» بمجموعة من الأسئلة: «من 
نت يا عزیزتي؟) کانت تستفسر من القريبات أو الصديقات الدائمات : «أين 
كنت طوال هذا الوقت؟» «لا تذهبي إلى أي مكان»ء أيتها الشقية!» كانت 
توبّخ بعض الغريبات. ثم» وفي وسط صمتها الرائع» وملاحظاتها التي 
تستتبع الصمت» كان وجهها يصبح ساهماً تماماًء وترمش بذعر خفي. في 
تلك اللحظات» لم تكن تعرف سبب اجتماع جميع تلك النساء في غرفة 
جلوسهن وسبب بکائهن الشديد. 

كانت الأريكة ساكنة؛ وكانت النساء فى حركة لا تفتر. كانت الأريكة 
بیضا وكائت التساء متشحات بالسراد: کانت الأريكة لا تدر صرنا: 
ولم تكن النساء يكففقن عن إصدار أصواتهن - وكأن عمل شيء معاكس 
تماماً للميت شيء ضروري من أجل الحياة. ثم نهضت النساء ووقفن 
وأحنين رؤوسهن بطاعة. كانت وجوههن تشي بالحزن والوقار» لكن 
بالفضول أيضاًء وهن يراقبن الإمام المقعد يهم بمغادرة الغرفة. وبعد أن 
أوصلنه إلى خارج البيت» قَبّلت الخالة بانو يديه وشكرته مرات عديدة» 
بعد أن قدمت له إكرامية . 

ما أن غادر الإمام» حتى سُمع صوت صرخة ثاقبة تمرق الهواء. فقد 
أطلقت امرأة بدينة لم يرها أحد من قبل هذا الصوت. وتصاعدت صرختها 
الثاقبة بوتيرة عالية» وسرعان ما تضرج وجهها باللون الأحمر» وأصبح 
صوتها يصرَ صراً» وأضحى جسدها كله يرتعش. كانت فى حالة بائسة 
للغاية» وكان ألمها بادياً جلياً فراحت الأخريات ينظرن إليها و کانت 
المرأة ندّابةء يُدفع لها مقدماً كي تأتي وتبكي في بيت الميت» تنوح 
وتولول للناس الذين لم ترهم في حياتها. كان عويلها مورا للغاية إلى حد 
أن النساء الأخريات لم يتمالكن أنفسهن وانطلقن في البكاء والعويل . 

بعد أن وجدت نفسها محاطة بحشد من الحزينات الغريبات (حتى أن 


Twitter: @ketab_n 1۲ 


أمها بدت كالغريبة في هذه الحالة)» آخذت آرمانوش تشكمكجيان تراقب 
النساء وهن يتحركن في دوامة من التغيير الدائم. وبانسجام تام» وفي 
فترات ثابتة» كانت المعزيات يغْيّرن مقاعدهن لتحل محلهن قادمات 
جديدات . ومثل طيور متشابهة» كن يجثمن على الكراسى ذات المسندء 
وعلى الأريكة» وعلى الوسادات على الأرض» الواحدة ملتصقة بالأخرى»› 
وأكتافهن تتلامس. كن يحيّين بعضهن بدون كلمات ويبكين بحرقة؛ تلك 
النساء اللاتى قد يكن هادئات عندما يكن وحدهن» لكنهن يبدأن يولولن 
بصوت مرتفع عندما يحزلٌ بشكل جماعي . تعرفت آرمانوش الآن على 
بعض قواعد الحداد وطقوسه: فلم يعد يطهى طعام في البيت مثلاً. بل 
كانت كل زائرة جديدة تأتي وتحمل معها صينية من الطعام؛ وامتلاً المطبخ 
بالقدور والمقالي المقاومة للحرارة. ولم تعد تری الملحء ولا اللحمء ولا 
مشروبا كحولياء ولا روائح مشهية من تلك الأشياء التي يخبزنها في 
البيت. ومشل الروائح» كانت الأصوات تضبط أيضاً. فلم يكن يُسمح 
بسماع الموسيقى › ولا بمشاهدة التلفزيون»› ولا الاستماع إلى المذياع . 
وعندما خطر لها جوني کاش» راحت آرمانوش تبحث عن آسیا. 

كانت جالسة على الأريكة مع مجموعة من الجارات» رأسها مرفوع 
عالياًء تفتل بأصابعها ضفيرة من شعرها وهي ساهمة وتنظر إلى الجثمان. 
وعندما أوشكت أن تتحرك باتجاههاء رأت آرمانوش الخالة زليخة تجلس 
إلى جانب ابتتهاء وبتعبیر لا یمکن قراءته همست شيا فى أذنها. 


¥ ¥ 
إذن ها هو الجثمان» مُسجى على الأريكة. 


وبين مجموعة من النساء اللاتي لم يكن يتوقفن عن النواح والعويل» 
كانت آسيا تجلس صامتة» وقد شحب وجهها كثيراً. 
«لا أصدق ما تقولينه» قالت آسيا دون أن تنظر إلى أمها مباشرة. 


Twitter: @ketab_n 1۳ 


«ليس عليك أن تصدقينى)ء تمتمت الخالة زليخة: «لكنى أدركت 
أخيراً أنني يجب أن أشرح لك الأمر. وإذا لم أقل لك ذلك الآنء فربما 
لن يكون هناك وقت آخر. لقد مات». 

نهضت آسیا ببطء ونظرت إلى الجثمان. أمعنت النظر فيه كى لا تنسى 
أن هذا الجسد الذي عُسل بصابون غار أخضرء والملتف بكفن من ثلاث 
قطع» هذا الجسد الممدد أمامها الساكن الذي لا يتحرك» وفوق صدره 
قطعة فولاذ» وعلى عينيه قطعتان معدنيتان من الفضة» هذا الجسد الذي 
رش على فمه قطرات من ماء زمزم» وعُطر ببخور خشب الصندل» كان 
أبوها. 

خالها. . . أبوها. . . خالها. . . أبوها... 

رفعت عينيها وأجالت بنظرها فى الغرفة حتى رأت الخالة زليخة 
تجلس الآن دون أن يبدو عليها الحزن»ء بل حتى لم تؤثر عليها قطعة 
البصل . عندما نظرت آسيا إلى أمَهاء عرفت لماذا لم تعترض على ابنتها 
التى كانت تدعوها «خالتى». 

خالتها. . . أمَها. . . خالتها. . . أمَها. . . 

خطت آسيا نحو أبيها الميت. خطوة واحدة ثم أخرى» اقتربت أكثر . 
تكاثف الدخان. وفی زاوية الغرفة كانت روز تنشج بألم . وكذلك کانت 
جميع النساء في سلسلة لا تنتهي. كانت كل واحدة منهن مربوطة في 
سلسلة من رد الفعل والإيقاع» كانت كل قَصّة منسوجة في قصص. 
الأخريات» سواء كانت صاحباتها يدركن ذلك أم لا. كانت هناك فترة 
سكون في كل نوح وعويل - أو ربماء في كل حزن مشترك هناك شخص 
لا يستطيع أن يحزن مع الآخرين . 

«بابا. . .» همهمت آسيا. 

في البدء كانت الكلمةء يقول الإسلام» التي تسبق آي وجود آخرء. 


Twitter: @ketab_n ٤ 


سواء كان ذلك أم لاء فقد كان الحال مع أبيها عكس ذلك تماماً. في البدء 
کان غیاب الكلمة» يسبق الوجود. 
¥# ¥ ¥ 

کان یا ما کان . 

كان في قديم الزمان» في أرض ليست بعيدة كثيرأً» عندما كان المنخل 
داخل القَشّة» كان الحمار منادي البلدةء وکان الجمل حلاف البلدة. 
كدت أكبر سنا من أبي لذلك کنت آهر مهده عندما کنت أسمع بکاژه. . 
عندما کان العالم قربا رأساً على عقب» وکان الزمن دائرة تدور وتدور» 
لذلك كان المستقبل أقدم من الماضي» وكان الماضي نظيفاً ونقياً مثل حبة 
بُذرت فى الحقل حدياً. . . 

کان يا مکان» في قديم الزمان. كانت مخلوقات الله كثيرة جداً بعدد 
حبات القمح› وکان الكلام الكثير إثماء لأنك تستطيع أن تعرف ما یجب 
ألا تتذكره» وتستطيع أن تتذكر ما يجب ألا تقوله . 

H# ¥ # 

إن سيانيد البوتاسيوم مركب لا لون له» ملح البوتاسيوم وسيانيد 
الهيدروجين . إنه يشبه السكر» وقابل للذوبان فى الماء إلى درجة عالية. 
وبخلاف المركبات السامَّة الأخرى» له رائحة ملحوظة. 

إذ تشبه رائحته رائحة اللوز. اللوز المرَ. 

هل يجب تزيين صحن العاشورة بحب الرمان وبقطرات من سيانيد 
البوتاسيوم» الذي سيصعب اكتشافه لأن اللوز أحد مكوناته العديدة. 

«ماذا فعلت يا سيدتى؟» نعق السيد مرّ» وبرزت على وجهه تكشيرة 
متجهمة» كما كان متوفعاً منه : «لقد تدخلت في طريق العالم!». 

زمّت الخالة بانو شفتيها وقالت: «نعم»ء والدموع تجري على خديهاء 


Twitter: @ketab_n ٥ 


«صحيح آنني قدمت له صحن العاشورة» لكنه هو الذي اختار أن يتناوله. 
لقد قرّرنا كلانا أن هذه الطريقة أفضل» أفضل بكثير من أن يعيش وهر 
يحمل عبء الماضي . كانت أفضل من ألا أفعل شيئاً بعد أن عرفت. فالله 
لن يغفر لي أبداً. لقد أصبحت منبوذة إلى الأبد من عالم الطاهرين. لن 
آذهب إلى الجنّة . وسيلقي بي في نار جهنم . لكن الله يعرف أنه يوجد قدر 
ضئيل من الأسف في قلبي». 

«ربما كان المطهر مأواك الأبدي»ء قالت السيدة حلو محاولة أن 
تعزيها قليلاء بعد أن أحست أنه لا حول لها ولا قوة وهي ترى سيدتها 
تبکي : «وماذا عن الفتاة الأرمنية؟ هل ستخبرينها عن سر جدتها؟» . 

« أستطيع . هذا أكثر من طاقتي . كما أنها لن تصدقني» . 

«الحياة صدفة» يا سيدتي» قال السيد مر ثانية . 


۳ يمكننى أن أحكى لها القَصَة. لكننى سأعطيها هذا». فتحت الخالة 
بانو درجاً راك دز الزينة بشکل رمان ذهبية دفنت فى داخلها 
يات الياقوت؛ 

الجذة شوشان» التي كانت صاحبة هذا الدبوس ذات يوم» واحدة من 
تلك الأرواح المنفية التي كان يطلق عليها اسم بعد آخر»ء لتهجر جميع 
الأسماء في كل مرحلة جديدة من حياتها. فقد ولدت باسم شوشان 
ستامبولیان»› ثم أصبحت شیرمین ۰٦۲١‏ ثم أصبحت شیرمین قازانجي› ٹم 
شوشان تشکمکجیان. ومع کل اسم کان تکتسبه» کانت تفقد أيضاً شیا 
إلى الأبد. 

وكان رضا سليم قازانجي رجل أعمال فطن» مواطناً متفانياً» وكذلك 
زوجاً جيداً وفق طريقته. كان ذكياً بحيث انتقل من صناعة القدور إلى 
صناعة الأعلام في بداية عهد الجمهورية» في الوقت الذي كانت فيه الأمة 
بحاجة إلى أعلام لتزيين الوطن كله. وهكذا أصبح واحداً من أغنى رجال 


Twitter: @ketab_n 1 


الأعمال في إستانبول. وزار ملجاً الأيتام في ذلك الوقت تقريباً» ليرى 
المدير من أجل ترتيبات محتملة فى العمل . وهناك فى الردهة الخافتةء 
رأى فتاة أرمنية اعتنقت الإسلام» في الرابعة عشرة من عمرها. وسرعان ما 
عرف آنها ابنة أخت الرجل الذي كان أكثر شخص يحترمه ويجله فى هذا 
العالم : السيد ليفونء الرجل الذي علّمه فنّ صناعة القدورء لاف کی 
الصبي المحتاج الذي كانه ذات يوم. والآن جاء دوره ليساعد عائلة معلّمه 
ليفون» قال لنفسه. ومع ذلك» عندما طلب يدها أخيراً بعد الزيارات 
المتكررة إلى دار الأيتام» لم تكن الشفقة ورد الجميل هما اللتان جذباه 


إليهاء بل الحب. 
0 وأنها لا بد أن تنسى في آخر الأمر. وكان 
مقتنعاً بأنه إذا ما عاملها , بلطف واحترام» > وإذا أنجبت له طفلاًء وقدم لها 


بيتاً رائعاًء فإنها ستنسى ماضيها رويداً رويداً» وسيلتئم جرحها في النهاية . 
كانت مسألة زمن فقط . فلا تستطيع النساء أن يحملن عبء طفولتهن عندما 
ينجبن طفلاً. وهکذا» عندما وصله النبأً بأن زوجته هجرته وذهبت مع 
أخيها إلى أمريكاء رفض أن يصدق في بادى الأمر» ثم نبذها من حياته. 
واختفت شوشان من سجلات عائلة قازانجي» ومن ذکریات ابنها أيضاً. 
لم تكن تسمية ابن شوشان باسم ليفون أو ليفينت ذات أهمية كبيرة 
بالنسبة له. . ففي ج جميع الأحوال» نشا ليصبح رجلا فظاً غليظاً. وبقدر ما 
کان لطيفاً ومهذباً ورقيقاً خارج بيته» كان قاسي القلب فظاً مع أطفالهء 
أربع بنات وصبي . 
تتمازج القصص العائلية إلى حد أنه قد يكون لما حدث في أجيال 
سابقة تأثير على تطورات لا علاقة لها بيومنا الحاضر. 
قازانجي ليصبح هذا الرجل جل الملي. ء المرارة رالظلم» ؛ هل كان من الممكن 


Twitter: @ketab_n 1¥ 


عام ۱۹١١‏ منذ أجيال مضت» يتيمة» فهل كانت آسيا أصبحت لقيطة 


اليوم؟ 
الحياة مجرد مصادفات› مع أن الأمر يحتاج إلى جني کي يستوعب 
هذا الأمر. 


# HF 

في وقت متأخر من بعد الظهر» خرجت الخالة زليخة إلى الحديقة. 
كان آرام الذي لم يشا أن يدخل إلى البيت» ينتظرها منذ ساعات» وكان قد 
دخن جمیع سجائره منذ وقت طویل . 

قالت له: «لقد أحضرت لك شاي». وداعب وجهيهما نسائم الربيع 
التي كانت تحمل معهاء من كل حدب وصوب» روائح البحر المختلفةء 
وروائح العشب الذي بدأ ينمو» بل وحتى أزهار اللوز التي بدأت تتبرعم 
في إستانبول . 

«شکراً يا حبيبتي»» أجاب آرام : «يا له من شاي رائع. 

«هل أعجبك؟» وراحت الخالة زليخة تفتل كأس الشاي فى يدها وقد 
اشرق وجهها: «حقاً إنه لأمر غريب للغاية . أتعرف ماذا تذكرت الآن؟ لقد 
اشتريت طقم كاسات الشاي منذ عشرين عاماً. إنه أمر غريب للغاية!». 

«ما الغريب في الأمر؟» سأل آرام» وقد شعر في تلك اللحظة بهطول 
قطرة مطر . 

«ل شيء»» قالت الخالة زليخة» مخفضة صوتها: «لم أكن أظن أنها 
ستعيش طوال هذه المدة. كنت أخاف دائماً أن تنكسر بسهولة» لكني أظن 
أنها عاشت لتروي الحكاية» فرغم كل شيء» حتى كؤوس الشاي تفعل 
ذلك!». 

بعد بضع دقائق» خرج السلطان الخامس يختال من البيت» معدته 
ممتلئة» عيناه ناعسة . دار حولهما قبل أن يتكور ويجلس إلى جانب الخالة 


Twitter: @ketab_n ۸ 


زليخة. لوهلة بدا أنه مستخرق في لع أحد مخالبه بعناية شديدة» لكنه 
توفف» وراح يتطلع حوله مذعوراً ليعرف ما الذي عكر هذا الصفاء. 
وعوضاً عن تقديم إجابةء سقطت قطرة دافثة على أنفه. ثم أعقبت ذلك 
قطرة أخرى» هذه المرة على رأسه. نهض القط ببطء شديد» وبإحساس 
عميتق بالسخط» وراح يتمطط .قبل أن يعود إلى البيت. قطرة أخرى. عاد 
بخطى سريعة . 

لعله لم يكن يعرف القواعد. لم يكن يعرف أنه لا يجوز أن يلعن أي 
شيء يسقط من السماء. 

حتى المطر. 


Twitter: @ketab_n ۹ 


Twitter: @ketab_n 


ڪر 


لقك تبت هذه الرواية وأنا أتنقل بين أرتزونا ونيويورك وإستانبول. 
وإني إذ أتوجه بالشكر والامتنان لجميع العائلات الأرمنية والتركية التي 
رخبت بي» واستضافتني في بيوتها» وطهت لي مأكولات لذيذة» وروت 
لي قصصها الشخصية» رغم صعوبة تذكر ماضي مؤلم . وأنا مدينة للجدات 
الأرمنيات والتركيات» اللاتي يتمتعن بقدرة طبيعية لتجاوز الحدود التي 
يعتبرها القوميون على كلا الجانبين أمراً بديهياً» وتحصيل حاصل . 


وأتوجه بالشکر الجزیل لمارلي روسوف» ومایکل رادوليسکو» وكيليٰ 
الأفيين وضاديقن الريرين؛ لدعهها المنل الي رهما 
وصداقتهما. وأشكر بول سلوفاك لتوجيهاته التحريرية وإيمانه وتشجيعه. 
وأتوجه بالشكر إلى موغي غوسيك» وآن بيتيردج › وأندرو ويديل» ودیان 

وبين الطبعة التركية والطبعة الإنكليزية لهذه الرواية في عام ›»٠٠٠٠‏ 
صدر علي حكم بتهمة «تشويه سمعة تركيا» بموجب المادة ١١‏ من قانون 
العقوبات التركي . وكانت التهم الموجهة ضدي بسبب الكلمات التي 
وردت على لسان بعض الشخصيات الأرمنية في الرواية. فقد كان من 
الممكن أن يسك عل بالتجن دة تاوت سترات لکن اليم أطت 


١ 
Twitter: @ketab_n 


في نهاية الأمر. وخلال هذه الفترة» كنت محظوظة لأنني تلقيت دعماً 
هائلاً من الكثير من الأشخاص» ومن الأصدقاء» والغرباء» من جنسيات 
وديانات مختلفة . إني أدين لهم بأكثر ما يمكنني أن أقوله. 

وأخيراً» كما كان دائماًء فإني أشكر أيوب» لصبره وحبّه. . . لكونه 


Twitter: @ketab_n ۲ 


۷ ارز اتر Sare‏ 


EY 


Twitter: @ketab_n 


هذا الڪتاب 


قطرات المطر تتساقط من ضفائرها السوداء الملقاة على كتفيها 
العريضين . ومثل جميع نساء عائلة قازانجي» ولدت زليخة بشعر أسود 
فاحم أجعد» لکنها بخلافهن جميعهن» كانت تحبٌ أن تبقيه هكذا. 
وكانت بين الحين والآخر تغمض عينيها الزرقاوين المائلتين إلى اللون 
الأخضر» اللتين تكونان عادة مفتوحتين على وسعيهماء المتوهجتين 
بشعلة من الذكاء» تغمضهما نصف إغماضة» فتصبحان مثل خطين لا 
مباليين يميّزان ثلاث فئات من الناس وهم : السذج الذين لا أمل يرجى 
منهم ٠‏ والمنطوون على أنفسهم على نحو يائس» والمفعمون بالأمل 
بشكل يائس . وبما آنها لا تنتمي إلى أي من هذه الفئات الثلاث»› كان 
يصعب فهم هذه اللامبالاةء حتى لو كانت مثل هذه الومضة الخاطفة . 
ففي لحظة تكون هناء تغلّف روحها طبقة من عدم الإحساس المخدرء 
وفي لحظة تالية» تذهب وتبقى وحدها في جسدها.